[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
تجربة وحيد..!! 
التاريخ:  القراءات:(4017) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد فالح الجهني  

.

 

.

 

.

 

قناة تلفزيونية تبث، على مدار الساعة، لقطات متتابعة لرجل شبه عارٍ، يتجوّل وحيدا في أنحاء جزيرة بعيدة. ونقاشات مستفيضة بين مجموعة من الباحثين حول الرجل وحياته الغريبة على تلك الجزيرة.

المشهد على الشاشة كان معتادا للصبية الذين لم يتجاوزا الخامسة عشرة، فقد ألفوه منذ أن وعوا. لكنه ليس كذلك بالنسبة للكثيرين ممن هم في عمري، ممن عاصروا بداية الحدث.

 

* * *

كنتُ يافعا في الثامنة عشرة عندما بدأ الحدث وأُعلن عنه. شاهدته كما شاهده الناس في كل مكان، من خلال البث المرئي عبر شبكات المعلومات وقناة التلفزيون التي خصصوها لمراقبته لحظة بلحظة. كان في أول مشهد له مخدّرا، يرقد في سبات عميق في أحد المراكز الطبية البحثية. أفقدوه الذاكرة تماما، بعد أن صوبوا شعاعا من الليزر إلى دماغه، فانتزعوا منه كل معلومة سابقة، وكل خبرة حياتية مكتسبة، وكل علاقة تصله بأحد.

 

* * *

انقسم الناس يومها حول الحدث، بين مؤيد ومعارض.. حينما تم تخديره عنوة، وإفقاده الذاكرة عمدا وقصدا، وحمله وهو في سباته العميق إلى تلك الجزيرة المعزولة في المحيط الهندي. وإنزاله ولم يزل مستغرقا في سباته. وطرحه بهدوء على الرمال الناعمة في شاطئ الجزيرة، عاريا مجرّدا من كل شيء، حتى من ذاكرته، وتركه وحيدا .. بانتظار إفاقته.

 

كانت الجزيرة بيئة طبيعية متكاملة؛ أشجار وحشائش وحيوانات أليفة وأخرى متوحشة وكهف اصطنعوه ليسكن إليه الإنسان الذي سيعيش عقودا من السنين على تلك الجزيرة، ونبع من الماء القراح . كان وحيدا ولكن الناس جميعا يشاهدونه ليل نهار بفضل شبكة من مئات من عدسات التصوير دقيقة الحجم ذاتية الطاقة المخفية في الجزيرة... عدسات متواجدة تحت الرمال، وأخرى في قلب الصخر، وفي جذوع الأشجار، وبين الزرع، وفي أطراف الجزيرة على السواحل وتحت المياه وفي كل مكان على الجزيرة. العدسات تستطيع التقاط الصورة حتى في الليل، لا سلكية في نفس الوقت، تنقل الصورة مباشرة إلى القمر الصناعي الذي يعيد بث المشاهد عبر قناة تلفزيونية مخصصة .

 

* * *

 

- "ما الهدف من التجربة؟"؛ سؤالٌ وجهه إليّ الطالب "نبيه"، أحد طلبتي الذين أتعلم وإياهم كمرشد وموجه لعملية التعلّم التزامنية عبر شبكة تعليمية إلكترونية.

 

بدت الشاشة مقسّمة أمامي إلى عشرين مربعا، في كل مربع يظهر طالب واحد من أولئك الطلبة الذين يتوزعون في أنحاء متفرقة من المدينة. قبل حوالي مائة سنة كان الطلبة يجتمعون في مكان واحد يطلق عليه المدرسة. لقد أضحى التعلّم عبر الشبكات هو القاعدة، أما الاستثناء فهو لقائي الشهري لمرة واحدة مع الطلبة في مركز تعلّمي مخصص للقاء كل مرشد مع طلبته.

 

سؤال "نبيه" بدا وجيها بتقديري، فقد كان يسألني عن سر الرجل الوحيد الذي يظهر على شاشات التلفزيون يتجول ليل نهار في جزيرة معزولة. وسؤال "نبيه" وجيه في نظري أيضا، لأنه جاء قبل أوانه، وفي وقت مبكر، حيث كان برنامج الطلبة التعلّمي مزدحما بالمقررات المصممة في تتابع معد سلفا. لكنني بادرته بسؤال قبل أن أجيب عن سؤاله، فالتعلّم الذي أمارسه مع طلبتي قائم على الحوار حتى الوصول إلى المعرفة.

 

- "نبيه! هل ترى أنها تجربة؟"

 

- "ألا يظهر في ركن الشاشة عنوان دائم: " تَجْرِبَةُ وَحِيِدٍ"؟".

 

- "نعم؛ ولكن هل تعرف ما تعنيه كلمة (تجربة) في العلم؟"

 

- "التجربة العلمية هي القيام بإجراء مقصود، وتسجيل النتائج الملاحظة أثناء وبعد القيام بذلك الإجراء".

 

- "وهل ترى التجربة خيّرة على الدوام؟"

 

- "نعم فالتجربة خيّرة على الدوام، بافتراض خيرية العلم الذي يستهدف خير الإنسان".

 

- "أحسنت، ولكن مجموعة الباحثين، ولا أود تسميتهم علماء، الذين قاموا بإفقاد هذا الرجل ذاكرته وتراهم على شاشة فرعية في أوقات متفرقة يعقدون الجلسات النقاشية تلو النقاشات... "

 

- " الذين أفقدوه ذاكرته؟!، وهل يفقد المرء ذاكرته؟!!". قاطعني هذا السؤال الملحّ الذي ظهر على شاشتي قادما من أطراف شبكة التعلّم العشرين التي تنتهي إلى كل واحد من طلبتي.

 

أرسلتُ برمجيّة تعلّمية إلكترونية إلى طلبتي، كنت قد صممتها سابقا حول الدماغ. كان محتوى البرمجية تفاعليا يستطيع كل طالب من خلاله، وفي زمن أقصاه ساعة واحدة، أن يعدّد أقسام الدماغ، ويحدد الأجزاء المسئولة عن الذاكرة.

 

بدأ الطلبة في العودة تدريجيا إلى فصلنا الافتراضي التزامني، وطلب "نبيه" الحديث:

 

- "عظيم أيها المرشد، إذا فقرن أمون يمثل جزءا من الدماغ مسئولا عن الذاكرة".

 

- "نعم ولذلك فإن ضمور هذا الجزء من الدماغ، مع التقدم في العمر، يؤدي إلى الخرف وضعف الذاكرة تدريجيا لدى المسنين، وعليه فإن التدخل الطبي في هذا الجزء من الدماغ، قد يؤدي إلى محو الذاكرة تماما". وواصلتُ حديثي إلى الطلبة:

 

- "ولذلك فإن التدخل طبيا وبطريقة محسوبة بدقّة يمكن أن يُفقد المرء الكلمات والذكريات والعلاقات الإنسانية فقط، دون أن يفقده القدرة على المشي أو الجري أو القيام والجلوس أو التآزر الحركي".

 

- "ما الهدف من التجربة؟" ما زال سؤال "نبيه" قائما. وبعد أن تأكدت أن جميع الطلبة قد انضموا للفصل الافتراضي، بدأت بعرض فيلم وثائقي عن بداية التجربة، وأهم مشاهدها وتطوراتها، تاركا لطلبتي متابعة الفيلم، دون تدخّل بتعليق أو خلافه ...

* * *

مجموعة من باحثي النفس والاجتماع والأنثروبيولوجيا تشكّل فريقا بحثيا برئاسة "البروفيسور فريد". يتقدم الفريق إلى "مركز أبحاث البوتقة" بمشروع تجربة علمية، تستهدف التعرّف والرصد الدقيق لتطوّر سلوك الإنسان عندما ينشأ بمعزل عن الناس والحياة الاجتماعية، وكيف يتفاعل الإنسان مع بيئته وحيدا، بدون أية قيم أو عادات مكتسبة من المجتمع. ولذلك لابد من إفقاد واحد من بني البشر لذاكرته ووضعه في مكان معزول، ومن ثم تسجيل تفاعله مع البيئة لحظة بلحظة ومراقبة التطور في سلوكه وتفسير السلوك البشري تفسيرا علميا موضوعيا، بعيدا عن أيه افتراضات أو تعليمات دينية أو اجتماعية سابقة. وحتى يشهد العالم كله تلك التجربة، فقد جرى بثها حية على الهواء عبر قناة تلفزيونية خاصة، مع برامج تلفزيونية نقاشية مصاحبة على مدار الساعة، لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من ذوي التخصصات المختلفة في شرح وتفسير سلوك ذلك الوحيد.

 

أعلنوا عن التجربة طالبين شخصا متطوعا، ولكن التجربة مخيفة، خصوصا فيما يتعلق بالدماغ، ولذلك لم يتقدم أي متطوع. لذلك قرروا إجراء التجربة على أحد السجناء الذين اقترفوا جريمة كانت عقوبتها السجن المؤبد.

* * *

بدا مشهد السجين الذي تلقى خبر إجراء التجربة عليه مؤثرا للغاية، وهو يصرخ في هياج من زنزانته:

 

- "أريد السجن، ولا اقبل بذلك!... أنا لا أقبل، لا اقبل!!"

 

- "لن نستفيد من حبسك، لكنك ستكفّر عن جريمتك، بإسداء خدمة للعلم، ستكون موضعا التجربة". وكان الذي يحاور السجين هو "البروفيسور فريد" نيابة عن فريق التجربة و"مركز أبحاث البوتقة" و"مجلس المدينة".

 

- "فأر تجربة بعبارة أخرى... أنا لا أقبل؛ هذا أبسط حقوقي كإنسان!"

 

- "كإنسان؟!"؛ وضحك البروفيسور بخبث واستهتار.

 

كان قرار "مجلس المدينة" حازما، ومؤيدا لفكرة "البروفيسور فريد" واقتيد الرجل إلى المركز الطبي التابع لمركز أبحاث البوتقة، وهناك تم حقنه بمخدر، ثم إفقاده الذاكرة، ونقله إلى الجزيرة المعدة خصيصا كبوتقة كبيرة للتجربة.

 

* * *

صحا "وحيد" من سباته العميق، وفتح عينيه، ولم يزل مستلقيا، أجال عينيه يمينا ويسارا في سماء الجزيرة الغائمة، كان الوقت منتصف النهار تقريبا. ظل مستلقيا لدقائق معدودة، ثم اضطجع يمينا، ومد بصره إلى وسط الجزيرة حيث الأشجار والطيور، ومن دونها صخرة ناتئة من بين الرمال. استند إلى ذراعه اليمنى، واستوي في جلسة متحفزة، أخذ بيديه حفنتين من رمل الجزيرة، رفعها إلى عينيه وتأملها مليا، ثم جعلها تنساب من بين أصابعه. أجال بصره في كل النواحي، ولم يزل جالسا. انتصب واقفا، وبدأ أولى خطواته على أرض الجزيرة...

 

* * *

حدثت مفارقة، في الساعة الأولى من حياته على الجزيرة، عندما وقف فجأة أمام قطيع من الغزلان. فرّت الغزلان ذعرا منه، وفر هو في الاتجاه الآخر ذعرا منها. لكنه أدرك الموقف بسرعة، فرجع لمطاردة الغزلان. طاردها في أنحاء الجزيرة ولكنها كانت أسرع منه، ولم يدركها التعب الذي أجبره على التوقف عن المطاردة، والجلوس تحت إحدى الأشجار.

 

رفع بصره لأعلى فشاهد الثمار المتدلية بألوانها الزاهية. انتصب واقفا ومد يده وتناول بعضا منها، رفعها إلى فيه وقضم إحداها، لاك القضمة بهدوء، بينما أخذ يتأمل الثمرة المقضومة، ثم أخذ يلوك القضمة بسرعة، متبعا إياها بقضمات أخرى شرهة حتى أتى على الثمرة وثمار أخرى.

* * *

أيام "وحيد" الأولى على الجزيرة تجوال متواصل، لا ينتهي حتى يبدأ من جديد. أخذت آثاره تملأ الجزيرة خصوصا على السواحل، وتكاثرت بقايا الثمار التي كان يتناولها. كان يبيت بجانب الصخرة الناتئة من بين رمال ساحل الجزيرة، بالقرب من المكان الذي صحا فيه لأول مرة، فيما بدا أنه اعتبر هذا المكان نقطة مرجعية له بعد جولاته المتكررة.

 

بعد أيام عثر على كهف الجزيرة، واتخذه مكانا لسكناه. كانت العدسات تتابعه حتى في كهفه. لم يكن كثير حركة في الكهف، إذ لم يكن يمارس فيه سوى النوم.

 

طالت لحيته، وظهر بصورة مهيبة، تختلف عن صورته التي نقل عليها إلى الجزيرة. كان بين فترة وأخرى يجلس على الصخرة ويقوم بقضم أظافره عندما تطول على نحو ملحوظ، ثم ينزل إلى مياه الساحل الضحلة ويقوم بنتف الشعر من إبطيه وعانته في سلوك يتطور مرة بعد مرة.

 

عثر في يوم من الأيام على رفاة لأحد غزلان الجزيرة النافقة. وكان المشهد مؤثرا عندما أخذ الجلد الذي ما زال مكسوا بالشعر، واندفع به إلى الساحل وعلى الفور قام بترطيبه وغسله بماء البحر، وثم لف وسطه به متخذه إزارا، ولأول مرة تستر عورته عن الناس الذي كانوا يشاهدونه على الدوام عاريا على الشاشات. ظهر السرور والارتياح على وجهه، وبدت هامته أكثر شموخا من بعد هذا الحدث.

 

التصرفت الأخيرة راقت للكثيرين من الناس في كل مكان من العالم، ولم يكن "البروفيسور فريد" ومعظم أفراد فريقه البحثي مسرورون بمثل تلك المشاهد، بل كانوا يعزونها إلى المصادفة ويبرّرونها بمبررات مختلفة.

* * *

بنيته الجسدية تقوى يوما بعد يوم، بعد أن كان رجلا ضعيف البنية مترهلا حين نقل إلى الجزيرة. أخذت بطنه في الضمور ولكن ساعديه وساقاه تزدادان صلابة وافتتالا مع الأيام. أصبحت حركته أكثر رشاقة، وازدادت قدرته على الجري ومطاردة الغزلان حتى أمسك يوما بأحد الغزلان، ولكنه سرعان ما أطلقه بعد أن قلبه وتفقّده وتعرّف عن كثب على أحد هؤلاء الذين يشاركونه الحياة على جزيرته، وظهرت ابتسامته الأولى جميلة ومؤثرة على شاشات التلفزيون، وهو يرقب الغزال الطليق الهارب.

 

سلوكه المعيشي يتطور ، على نحو ما هو متوقع، وكما جادت به مخيلات الأدباء والمفكرين عبر التراث الإنساني الطويل. تشابهت حياته في واقعها وتطوراتها مع "حي بن يقظان" عند "ابن الطفيل"، و"روبنسون كروزو" لدى "جوناثان سويفت"، و "موغلي" في كتاب الأدغال الذي سطّره "رديارد كبلنغ" وغيرهم ممن تخيّلوا سلوك الإنسان في وحدته وحواره وتفاعله مع البيئة البكر من حوله؛ صنع الأدوات. استخدم الآنية. نام مبكرا. واستيقظ مبكرا. مرض وتعافى. تعب واستراح.. مارس الصيد. جلب السمك من المياه. اكتشف النار وطهى الطعام. حصد الحب وطحن وخبز...

 

ممارساته تزداد اتقانا يوما بعد يوم، وثقته بنفسه تظهر جليه من سلوكه المتطور باطراد. وبدا أن حياته قد أخذت مظهرا مستقرا. وكانت النقاشات العلمية حول هذا الوضع المُراقب مستمرة على مدار الساعة. لقاءات متصلة لمجموعات من الأنثروبيولوجيون، والأطباء، وعلماء النفس، والاجتماع، والمتدينون، والملاحدة، والوجوديون، والمثاليون، والواقعيون.. إلا أن النقاشات قد بدأت في الفتور، بعد أن أخذت حياته بالسير على وتيرة متكرّرة.

* * *

قرّر "البروفيسور فريد" إدخال عنصر جديد، لاختبار فرضية حول أهم جانب في حياة الإنسان من وجهة نظره ووجهة نظر تلامذته في كل مكان. وتقرر اختبار هذه الفرضية من خلال إنزال امرأة إلى الجزيرة في إحدى الليالي، ليستيقظ وحيد ويجدها ملقاة على إحدى السواحل.

 

تطوعت "بارعة" للقيام بهذه التجربة، ورغم أنها كانت ممثلة سينمائية فاتنة وعلى قدر التهتّك الأخلاقي، إلا أنها اشترطت عقد زواج معلن من طرف واحد، ممثلا بها، يربطها بوحيد. ورغم تحفظ "البروفيسور فريد"، إلا أنه قد تم عقد أغرب قران في التاريخ، على مرأى ومشهد من الناس وعلى شاشات التلفزيون.

* * *

رست باخرة في المساء على مبعدة من الجزيرة، لا تدركها حواس "وحيد"، وبعد غروب الشمس وخلوده إلى نومه العميق، انطلق من الباخرة، في منتصف الليل تقريبا، قارب في هدوء، وعلى ظهره مجموعة من الرجال جلست "بارعة" بينهم، وقد حشدت على وجهها أكبر قدر من مساحيق التجميل، فيم ارتدت ملابس قرمزية كتلك الملابس الشفيفة التي ترتديها عن أداء أكثر المشاهد السينمائية سخونة. أنزولها إلى شاطئ الجزيرة، وقفلوا عائدين إلى الباخرة.

 

* * *

استيقظ "وحيد" قبيل شروق الشمس. أوقد نارا. خبز. أكل. شرب من آنية فخارية. بدأ جولته اليومية. لمح من بعيد، وعلي غير العادة، شيئا ملقى على الساحل، فقد اضطجعت "بارعة" متظاهرة بالنوم. ظهر اهتمام "وحيد" بالجسم الملقى هناك، شعر بأن ذلك الشيء ليس حيوانا من حيوانات الجزيرة، ولا طيرا من الطيور البحرية، فهو مختلف وأكبر حجما من الطيور.

 

أحسّت "بارعة" بخطوات "وحيد" تقترب، فمالت إلى جهته تنظر من بين أهدابها المسبلة ومن تحت شعرها الذي غطى وجهها، في محاولة للتعرف على تعبيرات وجهه وهو يراها لأول مرة. اقترب "وحيد" حتى بقيت خطوات بينه وبين "بارعة"، ثم توقف. أخذت "بارعة" تتظاهر بالاستيقاظ من نوم طويل. تمطّت وتثاءبت، ثم هزّت رأسها بحركة سينمائية فاتنة ومتقنة أظهرت بها جبينها من بين شعرها المتناثر.

 

ابتسمت "بارعة" بإغراء صارخ وإيحاءات غريزية مثيرة، ولكنه كان جامدا في كل شيء، يداه إلى جانبيه، عيناه مستقرتان في محاجره، جسده متخشبا كما لو كان تمثلا ينتصب على شاطئ الجزيرة. ولأن العدسات الصغيرة التي تنتشر في كل بقعه من الجزيرة كانت على درجة متقدمة من الدقة، فقد ظهر للناس جميعا أن وجه وحيد قد أخذ في شحوب متزايد لحظة بعد لحظة رغم جمود حركته.

 

لم يكن خوفا ذلك الذي اعترى وحيد، فقد سهل على المراقبين والمشاهدين نفي سلوك الخوف أو الهلع، لأن وحيد لم يكن يرجف، ولم يكن مضطربا، وإنما كان في حالة مفاجئة من الجمود والتخشّب.

 

نهضت بارعة، وبدت قامتها رائعة. مدت يدها نحو "وحيد" في ود ونداء عاطفي بلغة الإشارة. ولو لم تكن شاشة القناة التلفزيونية مدموغة بعنوان جانبي "تَجْرِبَةُ وَحِيِدٍ" لظن الناس أنهم يشاهدون فيلما عاطفيا كتلك التي كانت "بارعة" تقوم بأداء أدوارها في العادة.

* * *

حاولت "بارعة" بكل ما أوتيت من قوة جسدية أن تزيح الصخرة التي حالت بينها وبين أن تدلف إلى كهف وحيد، حيث تمترس "وحيد" داخل الكهف، في رفض واضح لوجودها في كهفه أو في جزيرته كلها. كان ينظر إليها من ذلك الجزء البسيط الذي لا تغطيه الصخرة. لم يكن يظهر من وجهه سوى عينيه وجبهته، ولم تكن نظراته نظرات الوجل أو الحذر، وإنما كان يرمقها كمن يريد القول "اذهبي من هنا". وبعد محاولاتها اليائسة تلقت "بارعة" تعليمات الفريق البحثي من خلال سماعات دقيقة كانت مثبتتة في أذنيها.

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007