[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
وجوه غريبة قصة قصيرة
التاريخ:الجمعة 16 نوفمبر 2012  القراءات:(1605) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  
وجوه غريبة

======

الأشياء التى تلفت الانتباه

وهى فى أماكنها الثابتة على الأرض..تبدو لحظة المرور بها كالصور الباهتة ..ويصعب تحديد معالمها ..أعمدة الهاتف تتابع فى شريط طويل ماض إلى الخلف ولا ينتهى .. تحاول قراءة الأرقام المكتوبة عليها

-1-

سرعة القطار تجعل الأشياء تبدو على الطريق تعدو إلى الخلف.. وبنفس سرعته ..تختفى قبل التأكد منها تماما..حتى لكنها تمض دون التأكد منها أكثر من محاولة ضاعت فى معرفة أى رقم من الأرقام.. لتحديد المسافة التى قطعها القطار .. فلم تستطع أن تعرف عدد الأميال الباقية على نهاية الرحلة .

نظرت إلى ساعتها .. تابعت العقارب وهى تتحرك ببطء داخل دائرتها المحدودة .. تحدد الزمن الذى مضى منذ أن غادر القطار محطة العاصمة بربع ساعة .. يتراءى لها أن الرحلة الطويلة لم يقطع منها غير مسافة قصيرة.. وفى محاولة منها لقطع الملل الذى استشعرته يتسلل إلى نفسها.. حاولت أن تنشغل بالتفكير فيما يبعده عنها.. تماثلت فى ذهنها كلماته الأخيرة التى تبادلتها معه قبل أن تعده بأنها ستسافر إليه..

ـ ستجديننى فى انتظارك على الرصيف لحظة وصول القطار إلى الرصيف ..

ـ وإذا تأخر ؟..

ـ لن أترك مكانى قبل أن يصل..

ـ مهما تأخر ؟..

ـ مهما تأخر

ـ وإذا شعرت بالملل ؟..

ـ لاتخش شيئا.. سأنتظرك..

ثم أضاف :

ـ لهفتى إلي رؤيتك ستجعلنى مزروعا على الرصيف .."

* * *
* * *
* * *
**

المحاولات الفاشلة فى قراءة الأرقام المكتوبة على أعمدة الهاتف .. والمزروعة بطول المسافة .. تتكرر ..وعقارب الساعة تبدو وكأنها لاتتحرك.. أو تتحرك ببطء عن تحركها المعهود.. لكن معرفة ما انتهى من المسافة وما بقى منها ..يبدو لها من الأشياء الملحة ..حقبقة أن ذلك سيكون التوصل إليه بالتقريب.. وليس بالتحديد تماما .. لكن الرغبة تزيد فى نفسها بإلحاح أكثر.. فتستمر فى محاولاتها رغم إجهاد نظرها بما تفعله .. وتلاحق الأرقام بفواصل واحدة تتطلع فيها إلى عقارب الساعة ..

استمرار سير القطار يجعل الأرقام لا تتوقف.. واستمرار تحرك عقارب الساعة يزيد دائما من عمر الزمن ..الذى مضى على زمن الرحلة .. ومن المسافة التى قطعها.. للحظة تمنت لو تغمض عينيها ثم تفتحهما فتجد القطار قد توقف فى محطة الوصول.. ثم حاولت أن تتخيل ما سيكون حينئذ..فى إطار الصورة التى ترسمها بأمانيها.

" الوجوه المنتظرة على الرصيف بينها بالتأكيد سيكون وجهه.. مهما كان عدد هذه الوجوه لن يكون من الصعب عليها العثور عليه.. لهفة اللقاء ستنعكس فى العيون.. والأيدى ستتعانق بشدة.. وتنهمر عبارات التهنئة بسلامى الوصول.. بعد ذلك ستتأبط ذراعه ..وتسير بجانبه كأية امرأة عادية.. يحمل عنها رجلها حقيبة ثيابها وهما يتركان الرصيف ..وفى طريقهما لمغادرة محطة القطار..

" ـ ثقيلة عليك ؟..

ـ لا..

ـ لم أضع فيها غير أشيائى الضرورية..

ـ ولماذا أرهقت نفسك بإحضارها..

ـ لأننى سأحتاجها..

ـ باستطاعتى أن أشترى لك غيرها..وكل ماتحتاجين إليه.

ـ كل ما أحتاجه ؟..

ـ كل ماتحتاجين .. أتشكين فى ذلك ؟..

ـ لا.. لكن..

ـ لكطن ماذا ؟..

ـ ما أحتاجه شىء مكانه دائرة الأمانى البعيدة..

ـ ولو قلت لك بأننى سأحقق لك كل أمانيك ؟أأ

ـ فى هذه الحالة سأكون فى حاجة إلى من يؤكد لى أننى لا أحلم ..

ـ ستجديننى بجوارك دائما..ولن تحتاجين لأحد.. "

همست لنفسها :

"" أكاد لا أصدق أن ذلك ربما يحدث .."

* * *
* * *
* * *
* * *
*

ـ2ـ

الابتسامة التى تيدو هلى شفتيها ..ونظراتها الغير واعية لشىء لما حولها.. من الأشياء التى جذبت الأنظار إليها .. وهى تتجول داخل عربة القطار بلا هدف محدد.. فتوقفت على ملامح السرور البادية على وجهها بتأمل..وتركت التكهن حول أسباب الفرح المكتوم ..يدور داخل ذهن كل من اهتم بمراقبتها .. لكن التكهن كان لايستقر على شىء معين ,,بينما ظل التأمل كما هو خلال حديث هامس :

ـ أتعرف مايجعلها تبتسم هكذا؟..

ـ بالتأكيد تتذكر شيئا أسعدها..

ـ إنها جميلة..

ـ ووحيدة..

ـ ما رأيك؟..

ـ فيها ؟..

تلاقت نظراتهما .. هدف الحصول على متعة سهلة ..بأ التفكير حول تحقيقه بإلحاح..

ـ أترى أننا سنستطيع الحصول عليها ؟..

ـ ربما .. لكن لاتنس أن هناك من يطمع فيها غيرنا..

ـ من هو ؟..

ـ هذا العجوز الجالس بالقرب منها.

* * *
* * *
**

ـ3ـ

الوجه مثل قطعة أرض طالها الجفاف.. بدت الشقوق محفورة على سطحها بخطـوط ملتوية ..ترسم ملامح الكهولة بإتقان ووضوح.. تبدو نظرة من عينين غائرتين فيه ..تكشف عن رغبة فى افتراس الجسد ..الذى أحيا فى الذهن ذكريات الشباب الذى انتهت مرحلته من سنوات.. فعاد زمن اللهاث على الصدر ..يمر من خلال شريط الليالى التى

كانت الارتعاشة فيها سريعة الحدوث.. لكن لكزة فى الجسد الضعيف بيد رفيقة العمر منذ الصبا.. والتى درست جيدا ماتعنيه النظرات إلى ماتطلع إليه.. قطعت تخيلات الماضى ..قبل البدء فى استرسال أمنية تكرارها.. تواجهت بعدها العيون فى تساؤل ياقابله لوم :

ـ ماهذا الذى تفعل÷ ؟ا..

تحول نظرة اللوم إلى تجاهل ..يحمل مهمة إخفاء مابدا فى لحظة تخيل..واصبح مستحيل الحدوث..:

ـ ماذا تقصدين ؟..

ـ ألاتعرف ؟ا..

ـ لا..

ـ يارجل..

ـ قولى ماذا حدث ..

ـ هذه التى تريد أن تأكلها بعنيك..

ـ من هى ظ..

ـ يارجل .. لاتحاول أن تمكر على من عاشت معك سنوات شبابك..

ـ ماذا تقولين يا امرأة ؟

ـ ألا تخجل من نفسك ؟..

ـ ماذا فعلت ؟..

ـ تفعل مايسىء إلى شيبتك..

ـ أفعل ماذا ؟

ـ تريد أن تأكل هذه الفتاة بعينيك..

ـ أنا ؟..

ـ ألا تراها أصغر من ابنتك..

ـ وما شأنى بها ؟

ـ شأنك بها.. إسأل نفسك..

ـ يا امرأة كفاك ظنونا لا أساس لها..

ـ أتظننى أننى غير منتبهة إليك ؟..

ـ أريحينى من ثرثرتك المزعجة..

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

ـ4ـ

عقارب الساعة لم لم تصل بعد إلى الزمن المحدد لوصول القطار.. مازالت تقترب منه ببطء ..تتململ فى جلستها.. يتسلل الملل إليها.. الانشغال بالأشياء التى تبدو على جانبى الطريق متابعتها تسلية غير مشجعة..وتجهد نظرات العينين.. الأجساد المرصوصة على المقاعد مازلت كما هى.. لم تتغير عن ماكانت عليه فى بداية الرحلة ..ولا فرق بينها كما تبدو وبين التماثيل المصبوبة.. لكنها تتعرض لاهتزازات خفيفة ..تجعلها تميل إلى اليمين أو اليسارأو تتراقص فى مكانها.. يبدو ذلك بتكرار كلما مر القطار بالمحطات التى لايقـــف فيها ..تشعر برغبة فى التدخين ..لكنها

تتجاهلها وتحاول أن تبدو مثل الجالسات معها فى العربة.. ولم يمارسن التدخين ..فحاولت أن تشغل نفسها بشىء..تماثل لها قبل أن يتركها..

" ـ أين ستقضين ليلة العيد ؟..

ـ فى أى مكان سأكون فيه ..

ـ ما رأيك فى أن تقتضيها معى ..ونحتفل معا بها..

تحديقها فى وجهه كان القصد منه التأكد من أنه يعنى مايقول.. ويرغب حقيقة فيما يقترحه عليها..

ـ ماذا تقول ؟ا..

ـ ماسمعت ..

ـ لكن كيف سيتحقق ذلك ؟..

ـ تأتين إلى حيث أقيم ..

ـ أسافر إليك..

ـ أتجدين صعوبة فى السفر ..

ـ لا .. لكن كيف سأصل إليك..

ـ سأنتظرك على رصيف محطة القطار.."

ذكرى ليست بعيدة ..بدت من زمن الخوف والضياع.. تتماثل الوجه الغريب عنها.. تبد الابتسامة التى غابت بلا أمل فى العودة.. تتخيلها مثلما كانت آخر مرة رأتها فيها.. أنصتت لهمس جميل حمل لها وعودا كثيرة.. لكن لم يتحقق منها شىء.. المرارة التى شعرت بها وهى تطوى الفستان الجديد الذى أعدته للمناسبة ..فأمنية العمر انسحقت بعد ذلك وهى تمزقه بيديها..

" ـ لكن العيد ليس لى ..

ـ لمن إذن ؟ا..

ـ للذين يعيشون..

ـ وانت.. ألست تعيشين ؟ا..

ـ أنا.......

* * *
* * *
* * *
* * *
*

ـ5ـ

هزة الرأس .. والابتسامة الباهتة البادية على شفتين جافتين .. والنظرات غير المستقرة على شىء..للحظات كان الاحساس فيها بالمرارة كشىء يجعل الوجود بلا معنى.. ثم التنهيدة

الطويلة قبل العودة إلى التدخين ..والتحديق فى الوجه الماثل أمامها.. أشياء رسمت للحيرة على وجهها صورة واضحة الخطوط.. تساءل

ـ أنت ماذا ؟..

ـ أعطنى سيجارة ..

ـ لم تنته بعد من التى فى يدك ..

ـ سأشعلها منها..

ـ التدخين الكثير يضر بصحتك..

ضحكة مرة اختنقت بين شفتيها وهى تتساءلأ:

ـ صحتى ؟.. لماذا أحافظ عليها ..

ثم أضافت :

ـ لقد ضاعت وضاع كل شىء

ـ لكن..

ـ لاتشغل نفسك بشىء لم تعد له فائدة..

خيوط الدخان الخارجة من بين شفاههما تصنع سحابة تذوب بين وجهيهما ..

ـ كل من يرانى يظن أننى أعيش..

ـ أليس هذا صحيحا ؟..

ـ لا.. هذا خطأ..

ـ أيخطىء من يقول الحقيقة ؟..

ـ الحقيقة أعرفها أنا .. وأعيشها..

ـ لقد رأيتك مثل كل الناس و..

ـ تقصد مثل كل الرجال..

صمته وهو يواجهها ..كان فرصة لتحدق فى وجهه بإمعان أكثر .. تشبثت بإحساس فى داخلها .. أوحى لها بأنه لن يكون مثل الرجال الذين افترشوا جسدها قبله.. الفرق بينه وبينهم أن دعوته لم تقتصر على ليلة واحدة .. بل ستكرر فى مرات تالية.. وقد تكون متقاربة.. وغالبا قد لاتجد منه مايشير إلى إحساسه بالملل منها..

ـ لماذا سكت ؟..

ـ بسبب ماسمعته منك..

ـ أليست هذه هى الحقيقة ..

عودته إلى الصمت أكدت لها اقتناعه بما قالته له.. شعرت بأسف فى داخلها ..لكنه قطع الصمت :

ـ باستطاعتك أن تكونى لرجل واحد ..

ـ كنت .. لكنه تركنى..

ـ لماذا؟..

ـ استسلم لإغواء امرأة أخرى ..

ـ ألم تحاولى بعده..

ـ حاولت .. وفشلت ..

ـ كررى المحاولة ..

ـ لا أظن أننى سأنجح ..

ـ لماذا؟..

ـ لأننى تعودت أن أكون لكل الرجال ..

ـ لكن لو ظللت على هذا الحال.. أتعرفين كيف ستكون نهايتك؟..

ـ بالطبع أعرف ..

بدت على شفتيها ابتسامة سخرية ممزوجة بالأسف ..ثم أضافت :

ـ لاشك أنها ستكون مثل نهاية أية امرأة ساقطة..

ـ لكن ...

ـ لنتكلم فى شىء آخر..

* * *
* * *
* * *

ـ6ـ

عادت تنظرإلى الأجساد المرصوصة على المقاعد.. بدا لها الاشتهاء فى نظرات الرجال الذين يلاحقونها بنظراتهم ..والضيق فى عيون النساء..لعبت الإيقاع براغب المتعة من الأشياء السهلة بالنسبة لها..فقد تعودت عليها وأتقنتها..

لكنها هذه المرة بدت بلا معنى ..فلم تغتنم الفرصة لممارستها تجاه من يطمعون فى مرافقتها..

ـ7 ـ

"ـ أريد: أن تكونى لى وحدى..

ضحكت ..

ـ كيف ؟

ـ تعيشين معى ..

ـ ألن تندم إذا وافقتك ؟..

ـ هذا يتوقف على ماسيكون منك ..

ـ أفكر.."

أمنية الاستقرار كانت من الأشياء المستحيلة بالنسبة لها..فقررت ألا تتركها ..ربما تحققت وانفصلت عن رفيقات الوعد ..وتعيش مثل أية امرأة سيدة بيتها .. مع أولادها وزوجها.. ولا تفكر فيما يهددها..لكن العرض الذى اقترحه عليها لم يتضمن الزواج..

آخر سيجارة أخذت دورها فى الاشتعال..

* * *
* * *
* * *
**

ـ 8ـ

ـ أترى كيف تدخن ؟..

ـ إنها تبدو كالمومسات ..

ـ ولماذا لاتكون مومسا بالعل؟..

ـ ربما تكون ..

ـ ألا تلاحظ تصرفاتها ؟,,

ـ يبدو لى أننا سنجعلها ترافقنا ..

ـ سنعرف ذلك عندما نصل ..

* * *
* * *
* * *

ـ9ـ

الوجوه غريبة.. العيون غريبة ..لافرق بين ماكان قبل قيام القطار ..وما بدا بعد وصوله إلى رصيف المحطة الأخيرة.. زحام الوداع كان للغير ..وزحام الاتظار لايختلف عنه.. بحثت بعينيها عنه.. لم تعثر عليه بين المستقبلين..

انتظرت ربما يأتى.. لكن الرصيف خلا من القادمين معها .. ولم يبق غيرها ..حقيبة الثياب ثقيلة فى حملها..وزادت الخيبة التى أحست بها من ثقلها ..ارتاحت للحظات على الرصيف.. ثم تحركت ببطء..وجدت نفسها مضطرة لممارسة لعبة الغواية .. لتأمين تقضى فيه ليلتها .. وتحصل أيضا على نفقات العودة .. فى آخر الرصيف تواجهت مع النظرات التى كانت تتابعها دون أن تدرى .. لم يخب ظنها فيما توقعته من أصحابها.. حاولت ان تسرى عن نفسها بابتسامة ..ثم همست لنفسها:

" الحظ يلقى باثنين مرة واحدة.."


وجوه غريبة
===============================


الأشياء التى تلفت الانتباه
وهى فى أماكنها الثابتة على الأرض..تبدو لحظة المرور بها كالصور الباهتة ..ويصعب تحديد معالمها ..أعمدة الهاتف تتابع فى شريط طويل ماض إلى الخلف ولا ينتهى .. تحاول قراءة الأرقام المكتوبة عليها

-1-
سرعة القطار تجعل الأشياء تبدو على الطريق تعدو إلى الخلف.. وبنفس سرعته ..تختفى قبل التأكد منها تماما..حتى لكنها تمض دون التأكد منها أكثر من محاولة ضاعت فى معرفة أى رقم من الأرقام.. لتحديد المسافة التى قطعها القطار .. فلم تستطع أن تعرف عدد الأميال الباقية على نهاية الرحلة .

نظرت إلى ساعتها .. تابعت العقارب وهى تتحرك ببطء داخل دائرتها المحدودة .. تحدد الزمن الذى مضى منذ أن غادر القطار محطة العاصمة بربع ساعة .. يتراءى لها أن الرحلة الطويلة لم يقطع منها غير مسافة قصيرة.. وفى محاولة منها لقطع الملل الذى استشعرته يتسلل إلى نفسها.. حاولت أن تنشغل بالتفكير فيما يبعده عنها.. تماثلت فى ذهنها كلماته الأخيرة التى تبادلتها معه قبل أن تعده بأنها ستسافر إليه..
ـ ستجديننى فى انتظارك على الرصيف لحظة وصول القطار إلى الرصيف ..
ـ وإذا تأخر ؟..
ـ لن أترك مكانى قبل أن يصل..
ـ مهما تأخر ؟..
ـ مهما تأخر
ـ وإذا شعرت بالملل ؟..
ـ لاتخش شيئا.. سأنتظرك..
ثم أضاف :




ـ لهفتى إلي رؤيتك ستجعلنى مزروعا على الرصيف .."
***********
المحاولات الفاشلة فى قراءة الأرقام المكتوبة على أعمدة الهاتف .. والمزروعة بطول المسافة .. تتكرر ..وعقارب الساعة تبدو وكأنها لاتتحرك.. أو تتحرك ببطء عن تحركها المعهود.. لكن معرفة ما انتهى من المسافة وما بقى منها ..يبدو لها من الأشياء الملحة ..حقبقة أن ذلك سيكون التوصل إليه بالتقريب.. وليس بالتحديد تماما .. لكن الرغبة تزيد فى نفسها بإلحاح أكثر.. فتستمر فى محاولاتها رغم إجهاد نظرها بما تفعله .. وتلاحق الأرقام بفواصل واحدة تتطلع فيها إلى عقارب الساعة ..

استمرار سير القطار يجعل الأرقام لا تتوقف.. واستمرار تحرك عقارب الساعة يزيد دائما من عمر الزمن ..الذى مضى على زمن الرحلة .. ومن المسافة التى قطعها.. للحظة تمنت لو تغمض عينيها ثم تفتحهما فتجد القطار قد توقف فى محطة الوصول.. ثم حاولت أن تتخيل ما سيكون حينئذ..فى إطار الصورة التى ترسمها بأمانيها.

" الوجوه المنتظرة على الرصيف بينها بالتأكيد سيكون وجهه.. مهما كان عدد هذه الوجوه لن يكون من الصعب عليها العثور عليه.. لهفة اللقاء ستنعكس فى العيون.. والأيدى ستتعانق بشدة.. وتنهمر عبارات التهنئة بسلامى الوصول.. بعد ذلك ستتأبط ذراعه ..وتسير بجانبه كأية امرأة عادية.. يحمل عنها رجلها حقيبة ثيابها وهما يتركان الرصيف ..وفى طريقهما لمغادرة محطة القطار..
" ـ ثقيلة عليك ؟..
ـ لا..
ـ لم أضع فيها غير أشيائى الضرورية..
ـ ولماذا أرهقت نفسك بإحضارها..
ـ لأننى سأحتاجها..
ـ باستطاعتى أن أشترى لك غيرها..وكل ماتحتاجين إليه.
ـ كل ما أحتاجه ؟..
ـ كل ماتحتاجين .. أتشكين فى ذلك ؟..
ـ لا.. لكن..
ـ لكطن ماذا ؟..
ـ ما أحتاجه شىء مكانه دائرة الأمانى البعيدة..





ـ ولو قلت لك بأننى سأحقق لك كل أمانيك ؟أأ
ـ فى هذه الحالة سأكون فى حاجة إلى من يؤكد لى أننى لا أحلم ..
ـ ستجديننى بجوارك دائما..ولن تحتاجين لأحد.. "
همست لنفسها :
"" أكاد لا أصدق أن ذلك ربما يحدث .."

*************
ـ2ـ
الابتسامة التى تيدو هلى شفتيها ..ونظراتها الغير واعية لشىء لما حولها.. من الأشياء التى جذبت الأنظار إليها .. وهى تتجول داخل عربة القطار بلا هدف محدد.. فتوقفت على ملامح السرور البادية على وجهها بتأمل..وتركت التكهن حول أسباب الفرح المكتوم ..يدور داخل ذهن كل من اهتم بمراقبتها .. لكن التكهن كان لايستقر على شىء معين ,,بينما ظل التأمل كما هو خلال حديث هامس :
ـ أتعرف مايجعلها تبتسم هكذا؟..
ـ بالتأكيد تتذكر شيئا أسعدها..
ـ إنها جميلة..
ـ ووحيدة..
ـ ما رأيك؟..
ـ فيها ؟..
تلاقت نظراتهما .. هدف الحصول على متعة سهلة ..بأ التفكير حول تحقيقه بإلحاح..
ـ أترى أننا سنستطيع الحصول عليها ؟..
ـ ربما .. لكن لاتنس أن هناك من يطمع فيها غيرنا..
ـ من هو ؟..
ـ هذا العجوز الجالس بالقرب منها.
********
ـ3ـ
الوجه مثل قطعة أرض طالها الجفاف.. بدت الشقوق محفورة على سطحها بخطـوط ملتوية ..ترسم ملامح الكهولة بإتقان ووضوح.. تبدو نظرة من عينين غائرتين فيه ..تكشف عن رغبة فى افتراس الجسد ..الذى أحيا فى الذهن ذكريات الشباب الذى انتهت مرحلته من سنوات.. فعاد زمن اللهاث على الصدر ..يمر من خلال شريط الليالى التى




كانت الارتعاشة فيها سريعة الحدوث.. لكن لكزة فى الجسد الضعيف بيد رفيقة العمر منذ الصبا.. والتى درست جيدا ماتعنيه النظرات إلى ماتطلع إليه.. قطعت تخيلات الماضى ..قبل البدء فى استرسال أمنية تكرارها.. تواجهت بعدها العيون فى تساؤل ياقابله لوم :
ـ ماهذا الذى تفعل÷ ؟ا..
تحول نظرة اللوم إلى تجاهل ..يحمل مهمة إخفاء مابدا فى لحظة تخيل..واصبح مستحيل الحدوث..:
ـ ماذا تقصدين ؟..
ـ ألاتعرف ؟ا..
ـ لا..
ـ يارجل..
ـ قولى ماذا حدث ..
ـ هذه التى تريد أن تأكلها بعنيك..
ـ من هى ظ..
ـ يارجل .. لاتحاول أن تمكر على من عاشت معك سنوات شبابك..
ـ ماذا تقولين يا امرأة ؟
ـ ألا تخجل من نفسك ؟..
ـ ماذا فعلت ؟..
ـ تفعل مايسىء إلى شيبتك..
ـ أفعل ماذا ؟
ـ تريد أن تأكل هذه الفتاة بعينيك..
ـ أنا ؟..
ـ ألا تراها أصغر من ابنتك..
ـ وما شأنى بها ؟
ـ شأنك بها.. إسأل نفسك..
ـ يا امرأة كفاك ظنونا لا أساس لها..
ـ أتظننى أننى غير منتبهة إليك ؟..
ـ أريحينى من ثرثرتك المزعجة..

***************




ـ4ـ
عقارب الساعة لم لم تصل بعد إلى الزمن المحدد لوصول القطار.. مازالت تقترب منه ببطء ..تتململ فى جلستها.. يتسلل الملل إليها.. الانشغال بالأشياء التى تبدو على جانبى الطريق متابعتها تسلية غير مشجعة..وتجهد نظرات العينين.. الأجساد المرصوصة على المقاعد مازلت كما هى.. لم تتغير عن ماكانت عليه فى بداية الرحلة ..ولا فرق بينها كما تبدو وبين التماثيل المصبوبة.. لكنها تتعرض لاهتزازات خفيفة ..تجعلها تميل إلى اليمين أو اليسارأو تتراقص فى مكانها.. يبدو ذلك بتكرار كلما مر القطار بالمحطات التى لايقـــف فيها ..تشعر برغبة فى التدخين ..لكنها
تتجاهلها وتحاول أن تبدو مثل الجالسات معها فى العربة.. ولم يمارسن التدخين ..فحاولت أن تشغل نفسها بشىء..تماثل لها قبل أن يتركها..
" ـ أين ستقضين ليلة العيد ؟..
ـ فى أى مكان سأكون فيه ..
ـ ما رأيك فى أن تقتضيها معى ..ونحتفل معا بها..
تحديقها فى وجهه كان القصد منه التأكد من أنه يعنى مايقول.. ويرغب حقيقة فيما يقترحه عليها..
ـ ماذا تقول ؟ا..
ـ ماسمعت ..
ـ لكن كيف سيتحقق ذلك ؟..
ـ تأتين إلى حيث أقيم ..
ـ أسافر إليك..
ـ أتجدين صعوبة فى السفر ..
ـ لا .. لكن كيف سأصل إليك..
ـ سأنتظرك على رصيف محطة القطار.."
ذكرى ليست بعيدة ..بدت من زمن الخوف والضياع.. تتماثل الوجه الغريب عنها.. تبد الابتسامة التى غابت بلا أمل فى العودة.. تتخيلها مثلما كانت آخر مرة رأتها فيها.. أنصتت لهمس جميل حمل لها وعودا كثيرة.. لكن لم يتحقق منها شىء.. المرارة التى شعرت بها وهى تطوى الفستان الجديد الذى أعدته للمناسبة ..فأمنية العمر انسحقت بعد ذلك وهى تمزقه بيديها..
" ـ لكن العيد ليس لى ..
ـ لمن إذن ؟ا..
ـ للذين يعيشون..




ـ وانت.. ألست تعيشين ؟ا..
ـ أنا.......

*************
ـ5ـ
هزة الرأس .. والابتسامة الباهتة البادية على شفتين جافتين .. والنظرات غير المستقرة على شىء..للحظات كان الاحساس فيها بالمرارة كشىء يجعل الوجود بلا معنى.. ثم التنهيدة
الطويلة قبل العودة إلى التدخين ..والتحديق فى الوجه الماثل أمامها.. أشياء رسمت للحيرة على وجهها صورة واضحة الخطوط.. تساءل
ـ أنت ماذا ؟..
ـ أعطنى سيجارة ..
ـ لم تنته بعد من التى فى يدك ..
ـ سأشعلها منها..
ـ التدخين الكثير يضر بصحتك..
ضحكة مرة اختنقت بين شفتيها وهى تتساءلأ:
ـ صحتى ؟.. لماذا أحافظ عليها ..
ثم أضافت :
ـ لقد ضاعت وضاع كل شىء
ـ لكن..
ـ لاتشغل نفسك بشىء لم تعد له فائدة..
خيوط الدخان الخارجة من بين شفاههما تصنع سحابة تذوب بين وجهيهما ..
ـ كل من يرانى يظن أننى أعيش..
ـ أليس هذا صحيحا ؟..
ـ لا.. هذا خطأ..
ـ أيخطىء من يقول الحقيقة ؟..
ـ الحقيقة أعرفها أنا .. وأعيشها..
ـ لقد رأيتك مثل كل الناس و..





ـ تقصد مثل كل الرجال..
صمته وهو يواجهها ..كان فرصة لتحدق فى وجهه بإمعان أكثر .. تشبثت بإحساس فى داخلها .. أوحى لها بأنه لن يكون مثل الرجال الذين افترشوا جسدها قبله.. الفرق بينه وبينهم أن دعوته لم تقتصر على ليلة واحدة .. بل ستكرر فى مرات تالية.. وقد تكون متقاربة.. وغالبا قد لاتجد منه مايشير إلى إحساسه بالملل منها..
ـ لماذا سكت ؟..
ـ بسبب ماسمعته منك..
ـ أليست هذه هى الحقيقة ..
عودته إلى الصمت أكدت لها اقتناعه بما قالته له.. شعرت بأسف فى داخلها ..لكنه قطع الصمت :
ـ باستطاعتك أن تكونى لرجل واحد ..
ـ كنت .. لكنه تركنى..
ـ لماذا؟..
ـ استسلم لإغواء امرأة أخرى ..
ـ ألم تحاولى بعده..
ـ حاولت .. وفشلت ..
ـ كررى المحاولة ..
ـ لا أظن أننى سأنجح ..
ـ لماذا؟..
ـ لأننى تعودت أن أكون لكل الرجال ..
ـ لكن لو ظللت على هذا الحال.. أتعرفين كيف ستكون نهايتك؟..
ـ بالطبع أعرف ..
بدت على شفتيها ابتسامة سخرية ممزوجة بالأسف ..ثم أضافت :
ـ لاشك أنها ستكون مثل نهاية أية امرأة ساقطة..
ـ لكن ...
ـ لنتكلم فى شىء آخر..
*********
ـ6ـ
عادت تنظرإلى الأجساد المرصوصة على المقاعد.. بدا لها الاشتهاء فى نظرات الرجال الذين يلاحقونها بنظراتهم ..والضيق فى عيون النساء..لعبت الإيقاع براغب المتعة من الأشياء السهلة بالنسبة لها..فقد تعودت عليها وأتقنتها..




لكنها هذه المرة بدت بلا معنى ..فلم تغتنم الفرصة لممارستها تجاه من يطمعون فى مرافقتها..
ـ7 ـ
"ـ أريد: أن تكونى لى وحدى..
ضحكت ..
ـ كيف ؟
ـ تعيشين معى ..
ـ ألن تندم إذا وافقتك ؟..
ـ هذا يتوقف على ماسيكون منك ..
ـ أفكر.."
أمنية الاستقرار كانت من الأشياء المستحيلة بالنسبة لها..فقررت ألا تتركها ..ربما تحققت وانفصلت عن رفيقات الوعد ..وتعيش مثل أية امرأة سيدة بيتها .. مع أولادها وزوجها.. ولا تفكر فيما يهددها..لكن العرض الذى اقترحه عليها لم يتضمن الزواج..
آخر سيجارة أخذت دورها فى الاشتعال..

***********
ـ 8ـ
ـ أترى كيف تدخن ؟..
ـ إنها تبدو كالمومسات ..
ـ ولماذا لاتكون مومسا بالعل؟..
ـ ربما تكون ..
ـ ألا تلاحظ تصرفاتها ؟,,
ـ يبدو لى أننا سنجعلها ترافقنا ..
ـ سنعرف ذلك عندما نصل ..

*********
ـ9ـ
الوجوه غريبة.. العيون غريبة ..لافرق بين ماكان قبل قيام القطار ..وما بدا بعد وصوله إلى رصيف المحطة الأخيرة.. زحام الوداع كان للغير ..وزحام الاتظار لايختلف عنه.. بحثت بعينيها عنه.. لم تعثر عليه بين المستقبلين..




انتظرت ربما يأتى.. لكن الرصيف خلا من القادمين معها .. ولم يبق غيرها ..حقيبة الثياب ثقيلة فى حملها..وزادت الخيبة التى أحست بها من ثقلها ..ارتاحت للحظات على الرصيف.. ثم تحركت ببطء..وجدت نفسها مضطرة لممارسة لعبة الغواية .. لتأمين تقضى فيه ليلتها .. وتحصل أيضا على نفقات العودة .. فى آخر الرصيف تواجهت مع النظرات التى كانت تتابعها دون أن تدرى .. لم يخب ظنها فيما توقعته من أصحابها.. حاولت ان تسرى عن نفسها بابتسامة ..ثم همست لنفسها:
" الحظ يلقى باثنين مرة واحدة.."

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007