[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الخلاص  الخلاص
التاريخ:  القراءات:(4704) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : فاطمة منسي  
الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح في قلبي.. فلا تتوغل معي في حديث خاص .

تفهمني وتشعر بي وكأنها أنا ..

حسناً .. سوف أستأنف الحكي، قلت سابقاً بأن لديّ مشكلة.. وهذه المشكلة تتعلق بشخصي المتواضع ..

إنني أبحث عن مساحة لوجودي.. لكياني.. لرغباتي وآمالي ..

وعندما يبدو لي أنني خطوت نحو هذه المساحة. لا أجد سوى السراب. تبقى قدماي معلقتين في الهواء.. وأشعر بروحي أيضاً معلقة ..

وأتساءل: يا رب.. إلى متى سأعيش هكذا منفية .. منبوذة .. بلا وجود.

ـ3ـ

الظلمة تلف المكان.. لا أحد في البيت سواي .... أحببت أن أمارس عادتي القديمة.. كنت أدير مؤشر المذياع ثم أتركه يهذي إلى ما لا نهاية.. وأترك روحي شاردة خلف الأوهام والهواجس ..

أخرج من معطفه الجريدة ..

وعلبة الثقاب ..

ودون أن يلاحظ اضطرابي.. ودونما اهتمام ..

ماجدة تغني.. إن هذا من حسن حظي.... وإن كنت دائماً سيئة الحظ..!

هذه المرأة لا تغني.. كما تغني الأخريات.. أو .. أو يزعقن بأصوات مشروخة.. مؤذية .. إنها تنتشل الروح من قتامة اللحظة الكئيبة وتحلق بها .. تمنحها صفاء وحياة..وعندما أجلس وحيدة .. أتعالى في كبرياء فلا أعترف بحزني وضعفي.. أفضل الاستماع إليها .. فالكلمات الشفافة التي تحسن اختيارها تلمس روحي.. وتذيب معاناة قلبي ..

تأخذني بعيداً عن واقعي اليومي ولو للحظات.... تريح رأسي الذي صدعته الهواجس والأفكار .. تمنح روحي حرية الفكاك من قيودها وعذاباتها ..

أي صوت هذا؟ إنه باب يغلق بعصبية.. هل هذه أمي.. عادت من عند الجيران .. ربما ..

هند .. أجل هي أمي .. يا هند نادتني ثانية اخفضي صوت الراديو.. ألا تملين من هذا الضجيج؟ وهذه الأغنيات السقيمة ..؟؟

تناول السكر من أمامي

ذوب في الفنجان قطعتين

وفي دمي ذوب وردتين ..

ذوبني.. لملمني.. بعثرني..

استرخيت أكثر.. وسرحت وراء الكلمات الشفافة.. وأعلنت الرفض القاطع لما أعيش فيه من يأس ودمار ..

وتذكرت ذلك الطائر الأسطوري..... الذي يتغنى به الشعراء.... طائر الرخ الذي ينهض من الرماد .. ويحلق بجناحيه العريضين .

أجل .. كنت .. أو حاولت أن أكون مثل طائر الرخ .... فأنهض رغم الأنقاض والحطام والأسى ..... وأبحث عن سماء جديدة.. بها قمر جديد وأنجم مشعة.. وفضاء لا ينتهي ..

ـ4ـ

ما رأيكم بامرأة وحيدة ؟

وحيدة بدون زوج ولا أهل .... تصارع الظروف القاسية .... وتستجدي الآخرين.... وتذل كرامتها لتطعم أولادها. تلك المرأة هي أمي..كلما كنت أراها تمد يدها للآخرين ..... أشعر بشيء يحز قلبي كحد السكين... أتكوم على نفسي في إحدى الزوايا وأبكي بحرقة.... أتساءل: يا رب .... لماذا كتب علينا الهوان..؟

بدون أبي تعمقت غربتي.. زاد شعوري أنني وحيدة وتضاعف خوفي من الناس والأيام ..

كنت أفكر دائماً بأمي.. أمي التي تشقى من أجلنا وبإخوتي الصغار.. وحياتنا القاسية.. ليس هناك من يرعانا أو يحمينا من برد الأيام وقسوة الناس..

عندما كبرت قليلاً.. قررت أن أعمل.. فنحن لا يمكن أن نحيا على الصدقات والإحسان ..

وعارضت أمي ذلك بشدة.. بل بكت وتوسلت إليّ ألا أترك دراستي .. ولكنني صممت على قراري .

وتمكنت بشهادة الثانوية ووساطة أهل الخير.... أن أعمل مراقبة في إحدى المدارس .

سعدت بعملي سعادة عظيمة .. وبفضل راتبي البسيط تيسرت أمورنا كثيراً.

ـ5ـ

كنت أقرأ في هدوء في إحدى الليالي المقمرة..

جاءت أمي ومعها كوب من الشاي الحار .. ثم نظرت إليّ وقالت .. هل تعلمين يا هند ..؟

ماذا يا أمي ؟

لقد جاء إلينا خاطب .. وقد وافقت من حيث المبدأ .

خاطب ..! قلتها باستخفاف واندهاش... خاطب لمن يا أمي ..؟"

لك يا هند .. ! ينبغي أن تتزوجي .. ماذا تنتظرين؟

هكذا حدثتني أمي بلهجة صارمة وحازمة لا تقبل الرد .. ولكن يا أمي.. لكنها نهضت بسرعة ولم تتح لي فرصة الكلام ..

وقبل أن تغلق الباب وراءها .. التفتت إليّ وقالت: فكري جيداً بالموضوع.

ـ6ـ

عندما تتزوج المرأة فإنها تمد جذورها إلى أرض جديدة.. وتشعر بالانتماء إلى بيت آخر وأناس آخرين .

لم تكن لديّ تطلعات أو تمنيات كبيرة .... مثل بعض الفتيات . كنت أبتهل إلى الله في صلاتي.. أن ينعم عليّ بالستر والعافية.. ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك..بيت صغير ودافئ .. ورجل محب يرعاني ويحميني .. ذلك كل ما كنت أفكر به .

كنت أعتقد دائماً بأن العبء الأكبر يقع على عاتقي.... أجل عندما وجدت نفسي أعيش في عائلة كبيرة ومزدحمة ..... قررت أن أبدأ بالتواصل ومد جذور المحبة... ولكنني قوبلت بالجفاء واللامبالاة والبرود ..

قلت لنفسي: إنهم يشعرون أنني غريبة .... ولهذا ينبغي أن أصبر وأحاول ثانية.

مددت يد المحبة للجميع .. ولكن كم كانت أياديهم بخيلة وجافة..؟!

وتطور الجفاء والمعاملة الباردة إلى عداء سافر.. وأطلت الخلافات برأسها القبيح سريعاً .. لم نسعد ولم نفرح طويلاً .

كانت أمه امرأة كبيرة في السن .. عصبية المزاج .. وطباعها حادة.. لم تحبني .. لم تحبني قط من البداية .

وافتعلت الكثير من المشكلات دون أسباب منطقية.. حاولت الصبر على مزاج العجوز النكد والتودد إليها دون جدوى ..

امرأة كثيرة التسخط والانتقاد .. لا شيء يعجبها أو يروقها.. وخاصة بالنسبة لي إذا لبست ملابس ضيقة.. انتقدتني في هزء وأمام الجميع وقالت: ما هذه الملابس الضيقة .. الخليعة ؟

وإذا كانت ملابسي واسعة.. سخرت مني أيضاً .... أدركت أخيراً أن تلك المرأة تحاول أن تهدم شخصيتي وتفقدني الثقة في نفسي .

ملابسي تخلو من الذوق كما تقول دائماً .. وكلماتي سقيمة وسخيفة.. وعندما أتحدث في موضوع ما تنهرني بقسوة: اسكتي وكفي عن هذه الأفكار السخيفة.

في النهاية جعلت مني العجوز امرأة بلا مزايا .. فلا أحسن ارتداء الملابس المناسبة .. ولا أحسن انتقاء الكلمات ولا التفكير ولا الطبخ .. لم أكن أملك من الشجاعة والخبرة والقوة .... ما يؤهلني لمواجهة تلك المرأة المتسلطة.. القاسية.. كنت صغيرة السن قليلة الخبرة.. لا سند لي .. كنت أنسحب إلى غرفتي في صمت مميت .. جبان .

ـ7ـ

لم أخلق لأخوض المعارك.. ضعيفة أنا .. أعترف بذلك .. وقلبي لا يحتمل نيران الكره الكاوية.. ولا الأحقاد .. قلبي رقيق للغاية ومحب.... ولا يتسع للكراهية ولا للضغينة ..

تلفتُ حولي في ذلك الجو العاصف بالمشكلات.. المشتعل بنيران الكره والحقد..تلفت أبحث عن الرجل الذي ارتبطت به وعلقت عليه آمالي..فلم يكن هناك رجل ..

هو يعرف أمه جيداً .. ولكنه عاجز وجبان.. وليست لديه شخصية تؤهله للتمييز بين الحق والباطل ... إنه نائم طوال النهار.. فهو عاطل عن العمل.. وعابث طوال الليل .... ولا يمكنه فعل شيء من أجل نفسه..! فماذا أنتظر منه ؟

وسألت نفسي ذلك السؤال الصعب.. المرير.. هل ارتبط برجل حقيقي؟

هل هذا الرجل العاطل المستهتر.. الذي لا يردعه دين أو خلق أو ضمير حي.. هل يمكنه حمايتي ..!

ـ8ـ

حزمت حقائبي وعدت إلى وطني القديم.. إلى عيني أمي وحضنها الدافئ.. الحنون .. إلى إخوتي.. وبيتنا الرائع.. رغم حجراته القليلة.. الضيقة..

ولم ينقض الكثير من الوقت حتى وصلتني تلك الورقة التي تنهي علاقتي تماماً بحياتي السابقة .. وكأنهم كانوا ينتظرون رحيلي بفارغ الصبر.

واستشرت الأقاويل حولي .. كما تستشري السموم في جسد ضعيف.. منهك.

أقاويل جائرة .. كاذبة .. قتلتني تلك النظرات المتسائلة.. المتهمة.. المتهكمة.. بدوت وكأنني اقترفت ذنباً كبيراً.. شعرت بروحي تنسحق تحت الشعور بالظلم..وسألت نفسي.. ما ذنبي أنا .. ؟ هل لأنني المرأة..؟ والمرأة تحمل أوزار الرجل .. ألأنني الجانب الضعيف.. المستكين .. ؟ لماذا ؟

شعرت بالنبذ والاحتقار.. نطقت به العيون .. والأقاويل الخافتة في الأركان والجلسات الخاصة .. سقمت روحي.. وغرقت في الحزن والكآبة.. وقطعت صلاتي بأولئك الناس الذين عاقبوني على جريمة لم أرتكبها.. عاقبوني وأنا الضحية .. كنت بحاجة إلى الفهم والمساندة والعزاء .

ـ9ـ

ألا زلت تكتبين يا هند؟

قاربت على الانتهاء

ماذا تكتبين يا بنية ؟

حكايتي.. قلتها باستخفاف وضحكت ..

بادلتني أمي بابتسامة مؤلمة وقالت : الكل يعرفها ..

أجل لقد كتبتها من أجل نفسي وليس من أجل الآخرين كم شعرت الآن بالراحة؟؟

كتبت الحكاية .. وصلت لدرجة الخلاص والحرية لم يعد يهمني أحد.

كتبت حكايتي وكأنها حكاية امرأة أخرى غيري .. تحررت من حزني وألمي.. تحررت من ضعفي وجبني أنا الآن امرأة جديدة.. أعرف ما أريد جيداً ولن أفكر مطلقاً بالأقاويل .. سأدافع عن وجودي ورغباتي.. لن أستسلم وأنتظر العطف من الآخرين ..

الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح في قلبي.. فلا تتوغل معي في حديث خاص .

تفهمني وتشعر بي وكأنها أنا ..

حسناً .. سوف أستأنف الحكي، قلت سابقاً بأن لديّ مشكلة.. وهذه المشكلة تتعلق بشخصي المتواضع ..

إنني أبحث عن مساحة لوجودي.. لكياني.. لرغباتي وآمالي ..

وعندما يبدو لي أنني خطوت نحو هذه المساحة. لا أجد سوى السراب. تبقى قدماي معلقتين في الهواء.. وأشعر بروحي أيضاً معلقة ..

وأتساءل: يا رب.. إلى متى سأعيش هكذا منفية .. منبوذة .. بلا وجود.

ـ3ـ

الظلمة تلف المكان.. لا أحد في البيت سواي .... أحببت أن أمارس عادتي القديمة.. كنت أدير مؤشر المذياع ثم أتركه يهذي إلى ما لا نهاية.. وأترك روحي شاردة خلف الأوهام والهواجس ..

أخرج من معطفه الجريدة ..

وعلبة الثقاب ..

ودون أن يلاحظ اضطرابي.. ودونما اهتمام ..

ماجدة تغني.. إن هذا من حسن حظي.... وإن كنت دائماً سيئة الحظ..!

هذه المرأة لا تغني.. كما تغني الأخريات.. أو .. أو يزعقن بأصوات مشروخة.. مؤذية .. إنها تنتشل الروح من قتامة اللحظة الكئيبة وتحلق بها .. تمنحها صفاء وحياة..وعندما أجلس وحيدة .. أتعالى في كبرياء فلا أعترف بحزني وضعفي.. أفضل الاستماع إليها .. فالكلمات الشفافة التي تحسن اختيارها تلمس روحي.. وتذيب معاناة قلبي ..

تأخذني بعيداً عن واقعي اليومي ولو للحظات.... تريح رأسي الذي صدعته الهواجس والأفكار .. تمنح روحي حرية الفكاك من قيودها وعذاباتها ..

أي صوت هذا؟ إنه باب يغلق بعصبية.. هل هذه أمي.. عادت من عند الجيران .. ربما ..

هند .. أجل هي أمي .. يا هند نادتني ثانية اخفضي صوت الراديو.. ألا تملين من هذا الضجيج؟ وهذه الأغنيات السقيمة ..؟؟

تناول السكر من أمامي

ذوب في الفنجان قطعتين

وفي دمي ذوب وردتين ..

ذوبني.. لملمني.. بعثرني..

استرخيت أكثر.. وسرحت وراء الكلمات الشفافة.. وأعلنت الرفض القاطع لما أعيش فيه من يأس ودمار ..

وتذكرت ذلك الطائر الأسطوري..... الذي يتغنى به الشعراء.... طائر الرخ الذي ينهض من الرماد .. ويحلق بجناحيه العريضين .

أجل .. كنت .. أو حاولت أن أكون مثل طائر الرخ .... فأنهض رغم الأنقاض والحطام والأسى ..... وأبحث عن سماء جديدة.. بها قمر جديد وأنجم مشعة.. وفضاء لا ينتهي ..

ـ4ـ

ما رأيكم بامرأة وحيدة ؟

وحيدة بدون زوج ولا أهل .... تصارع الظروف القاسية .... وتستجدي الآخرين.... وتذل كرامتها لتطعم أولادها. تلك المرأة هي أمي..كلما كنت أراها تمد يدها للآخرين ..... أشعر بشيء يحز قلبي كحد السكين... أتكوم على نفسي في إحدى الزوايا وأبكي بحرقة.... أتساءل: يا رب .... لماذا كتب علينا الهوان..؟

بدون أبي تعمقت غربتي.. زاد شعوري أنني وحيدة وتضاعف خوفي من الناس والأيام ..

كنت أفكر دائماً بأمي.. أمي التي تشقى من أجلنا وبإخوتي الصغار.. وحياتنا القاسية.. ليس هناك من يرعانا أو يحمينا من برد الأيام وقسوة الناس..

عندما كبرت قليلاً.. قررت أن أعمل.. فنحن لا يمكن أن نحيا على الصدقات والإحسان ..

وعارضت أمي ذلك بشدة.. بل بكت وتوسلت إليّ ألا أترك دراستي .. ولكنني صممت على قراري .

وتمكنت بشهادة الثانوية ووساطة أهل الخير.... أن أعمل مراقبة في إحدى المدارس .

سعدت بعملي سعادة عظيمة .. وبفضل راتبي البسيط تيسرت أمورنا كثيراً.

ـ5ـ

كنت أقرأ في هدوء في إحدى الليالي المقمرة..

جاءت أمي ومعها كوب من الشاي الحار .. ثم نظرت إليّ وقالت .. هل تعلمين يا هند ..؟

ماذا يا أمي ؟

لقد جاء إلينا خاطب .. وقد وافقت من حيث المبدأ .

خاطب ..! قلتها باستخفاف واندهاش... خاطب لمن يا أمي ..؟"

لك يا هند .. ! ينبغي أن تتزوجي .. ماذا تنتظرين؟

هكذا حدثتني أمي بلهجة صارمة وحازمة لا تقبل الرد .. ولكن يا أمي.. لكنها نهضت بسرعة ولم تتح لي فرصة الكلام ..

وقبل أن تغلق الباب وراءها .. التفتت إليّ وقالت: فكري جيداً بالموضوع.

ـ6ـ

عندما تتزوج المرأة فإنها تمد جذورها إلى أرض جديدة.. وتشعر بالانتماء إلى بيت آخر وأناس آخرين .

لم تكن لديّ تطلعات أو تمنيات كبيرة .... مثل بعض الفتيات . كنت أبتهل إلى الله في صلاتي.. أن ينعم عليّ بالستر والعافية.. ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك..بيت صغير ودافئ .. ورجل محب يرعاني ويحميني .. ذلك كل ما كنت أفكر به .

كنت أعتقد دائماً بأن العبء الأكبر يقع على عاتقي.... أجل عندما وجدت نفسي أعيش في عائلة كبيرة ومزدحمة ..... قررت أن أبدأ بالتواصل ومد جذور المحبة... ولكنني قوبلت بالجفاء واللامبالاة والبرود ..

قلت لنفسي: إنهم يشعرون أنني غريبة .... ولهذا ينبغي أن أصبر وأحاول ثانية.

مددت يد المحبة للجميع .. ولكن كم كانت أياديهم بخيلة وجافة..؟!

وتطور الجفاء والمعاملة الباردة إلى عداء سافر.. وأطلت الخلافات برأسها القبيح سريعاً .. لم نسعد ولم نفرح طويلاً .

كانت أمه امرأة كبيرة في السن .. عصبية المزاج .. وطباعها حادة.. لم تحبني .. لم تحبني قط من البداية .

وافتعلت الكثير من المشكلات دون أسباب منطقية.. حاولت الصبر على مزاج العجوز النكد والتودد إليها دون جدوى ..

امرأة كثيرة التسخط والانتقاد .. لا شيء يعجبها أو يروقها.. وخاصة بالنسبة لي إذا لبست ملابس ضيقة.. انتقدتني في هزء وأمام الجميع وقالت: ما هذه الملابس الضيقة .. الخليعة ؟

وإذا كانت ملابسي واسعة.. سخرت مني أيضاً .... أدركت أخيراً أن تلك المرأة تحاول أن تهدم شخصيتي وتفقدني الثقة في نفسي .

ملابسي تخلو من الذوق كما تقول دائماً .. وكلماتي سقيمة وسخيفة.. وعندما أتحدث في موضوع ما تنهرني بقسوة: اسكتي وكفي عن هذه الأفكار السخيفة.

في النهاية جعلت مني العجوز امرأة بلا مزايا .. فلا أحسن ارتداء الملابس المناسبة .. ولا أحسن انتقاء الكلمات ولا التفكير ولا الطبخ .. لم أكن أملك من الشجاعة والخبرة والقوة .... ما يؤهلني لمواجهة تلك المرأة المتسلطة.. القاسية.. كنت صغيرة السن قليلة الخبرة.. لا سند لي .. كنت أنسحب إلى غرفتي في صمت مميت .. جبان .

ـ7ـ

لم أخلق لأخوض المعارك.. ضعيفة أنا .. أعترف بذلك .. وقلبي لا يحتمل نيران الكره الكاوية.. ولا الأحقاد .. قلبي رقيق للغاية ومحب.... ولا يتسع للكراهية ولا للضغينة ..

تلفتُ حولي في ذلك الجو العاصف بالمشكلات.. المشتعل بنيران الكره والحقد..تلفت أبحث عن الرجل الذي ارتبطت به وعلقت عليه آمالي..فلم يكن هناك رجل ..

هو يعرف أمه جيداً .. ولكنه عاجز وجبان.. وليست لديه شخصية تؤهله للتمييز بين الحق والباطل ... إنه نائم طوال النهار.. فهو عاطل عن العمل.. وعابث طوال الليل .... ولا يمكنه فعل شيء من أجل نفسه..! فماذا أنتظر منه ؟

وسألت نفسي ذلك السؤال الصعب.. المرير.. هل ارتبط برجل حقيقي؟

هل هذا الرجل العاطل المستهتر.. الذي لا يردعه دين أو خلق أو ضمير حي.. هل يمكنه حمايتي ..!

ـ8ـ

حزمت حقائبي وعدت إلى وطني القديم.. إلى عيني أمي وحضنها الدافئ.. الحنون .. إلى إخوتي.. وبيتنا الرائع.. رغم حجراته القليلة.. الضيقة..

ولم ينقض الكثير من الوقت حتى وصلتني تلك الورقة التي تنهي علاقتي تماماً بحياتي السابقة .. وكأنهم كانوا ينتظرون رحيلي بفارغ الصبر.

واستشرت الأقاويل حولي .. كما تستشري السموم في جسد ضعيف.. منهك.

أقاويل جائرة .. كاذبة .. قتلتني تلك النظرات المتسائلة.. المتهمة.. المتهكمة.. بدوت وكأنني اقترفت ذنباً كبيراً.. شعرت بروحي تنسحق تحت الشعور بالظلم..وسألت نفسي.. ما ذنبي أنا .. ؟ هل لأنني المرأة..؟ والمرأة تحمل أوزار الرجل .. ألأنني الجانب الضعيف.. المستكين .. ؟ لماذا ؟

شعرت بالنبذ والاحتقار.. نطقت به العيون .. والأقاويل الخافتة في الأركان والجلسات الخاصة .. سقمت روحي.. وغرقت في الحزن والكآبة.. وقطعت صلاتي بأولئك الناس الذين عاقبوني على جريمة لم أرتكبها.. عاقبوني وأنا الضحية .. كنت بحاجة إلى الفهم والمساندة والعزاء .

ـ9ـ

ألا زلت تكتبين يا هند؟

قاربت على الانتهاء

ماذا تكتبين يا بنية ؟

حكايتي.. قلتها باستخفاف وضحكت ..

بادلتني أمي بابتسامة مؤلمة وقالت : الكل يعرفها ..

أجل لقد كتبتها من أجل نفسي وليس من أجل الآخرين كم شعرت الآن بالراحة؟؟

كتبت الحكاية .. وصلت لدرجة الخلاص والحرية لم يعد يهمني أحد.

كتبت حكايتي وكأنها حكاية امرأة أخرى غيري .. تحررت من حزني وألمي.. تحررت من ضعفي وجبني أنا الآن امرأة جديدة.. أعرف ما أريد جيداً ولن أفكر مطلقاً بالأقاويل .. سأدافع عن وجودي ورغباتي.. لن أستسلم وأنتظر العطف من الآخرين ..

الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح في قلبي.. فلا تتوغل معي في حديث خاص .

تفهمني وتشعر بي وكأنها أنا ..

حسناً .. سوف أستأنف الحكي، قلت سابقاً بأن لديّ مشكلة.. وهذه المشكلة تتعلق بشخصي المتواضع ..

إنني أبحث عن مساحة لوجودي.. لكياني.. لرغباتي وآمالي ..

وعندما يبدو لي أنني خطوت نحو هذه المساحة. لا أجد سوى السراب. تبقى قدماي معلقتين في الهواء.. وأشعر بروحي أيضاً معلقة ..

وأتساءل: يا رب.. إلى متى سأعيش هكذا منفية .. منبوذة .. بلا وجود.

ـ3ـ

الظلمة تلف المكان.. لا أحد في البيت سواي .... أحببت أن أمارس عادتي القديمة.. كنت أدير مؤشر المذياع ثم أتركه يهذي إلى ما لا نهاية.. وأترك روحي شاردة خلف الأوهام والهواجس ..

أخرج من معطفه الجريدة ..

وعلبة الثقاب ..

ودون أن يلاحظ اضطرابي.. ودونما اهتمام ..

ماجدة تغني.. إن هذا من حسن حظي.... وإن كنت دائماً سيئة الحظ..!

هذه المرأة لا تغني.. كما تغني الأخريات.. أو .. أو يزعقن بأصوات مشروخة.. مؤذية .. إنها تنتشل الروح من قتامة اللحظة الكئيبة وتحلق بها .. تمنحها صفاء وحياة..وعندما أجلس وحيدة .. أتعالى في كبرياء فلا أعترف بحزني وضعفي.. أفضل الاستماع إليها .. فالكلمات الشفافة التي تحسن اختيارها تلمس روحي.. وتذيب معاناة قلبي ..

تأخذني بعيداً عن واقعي اليومي ولو للحظات.... تريح رأسي الذي صدعته الهواجس والأفكار .. تمنح روحي حرية الفكاك من قيودها وعذاباتها ..

أي صوت هذا؟ إنه باب يغلق بعصبية.. هل هذه أمي.. عادت من عند الجيران .. ربما ..

هند .. أجل هي أمي .. يا هند نادتني ثانية اخفضي صوت الراديو.. ألا تملين من هذا الضجيج؟ وهذه الأغنيات السقيمة ..؟؟

تناول السكر من أمامي

ذوب في الفنجان قطعتين

وفي دمي ذوب وردتين ..

ذوبني.. لملمني.. بعثرني..

استرخيت أكثر.. وسرحت وراء الكلمات الشفافة.. وأعلنت الرفض القاطع لما أعيش فيه من يأس ودمار ..

وتذكرت ذلك الطائر الأسطوري..... الذي يتغنى به الشعراء.... طائر الرخ الذي ينهض من الرماد .. ويحلق بجناحيه العريضين .

أجل .. كنت .. أو حاولت أن أكون مثل طائر الرخ .... فأنهض رغم الأنقاض والحطام والأسى ..... وأبحث عن سماء جديدة.. بها قمر جديد وأنجم مشعة.. وفضاء لا ينتهي ..

ـ4ـ

ما رأيكم بامرأة وحيدة ؟

وحيدة بدون زوج ولا أهل .... تصارع الظروف القاسية .... وتستجدي الآخرين.... وتذل كرامتها لتطعم أولادها. تلك المرأة هي أمي..كلما كنت أراها تمد يدها للآخرين ..... أشعر بشيء يحز قلبي كحد السكين... أتكوم على نفسي في إحدى الزوايا وأبكي بحرقة.... أتساءل: يا رب .... لماذا كتب علينا الهوان..؟

بدون أبي تعمقت غربتي.. زاد شعوري أنني وحيدة وتضاعف خوفي من الناس والأيام ..

كنت أفكر دائماً بأمي.. أمي التي تشقى من أجلنا وبإخوتي الصغار.. وحياتنا القاسية.. ليس هناك من يرعانا أو يحمينا من برد الأيام وقسوة الناس..

عندما كبرت قليلاً.. قررت أن أعمل.. فنحن لا يمكن أن نحيا على الصدقات والإحسان ..

وعارضت أمي ذلك بشدة.. بل بكت وتوسلت إليّ ألا أترك دراستي .. ولكنني صممت على قراري .

وتمكنت بشهادة الثانوية ووساطة أهل الخير.... أن أعمل مراقبة في إحدى المدارس .

سعدت بعملي سعادة عظيمة .. وبفضل راتبي البسيط تيسرت أمورنا كثيراً.

ـ5ـ

كنت أقرأ في هدوء في إحدى الليالي المقمرة..

جاءت أمي ومعها كوب من الشاي الحار .. ثم نظرت إليّ وقالت .. هل تعلمين يا هند ..؟

ماذا يا أمي ؟

لقد جاء إلينا خاطب .. وقد وافقت من حيث المبدأ .

خاطب ..! قلتها باستخفاف واندهاش... خاطب لمن يا أمي ..؟"

لك يا هند .. ! ينبغي أن تتزوجي .. ماذا تنتظرين؟

هكذا حدثتني أمي بلهجة صارمة وحازمة لا تقبل الرد .. ولكن يا أمي.. لكنها نهضت بسرعة ولم تتح لي فرصة الكلام ..

وقبل أن تغلق الباب وراءها .. التفتت إليّ وقالت: فكري جيداً بالموضوع.

ـ6ـ

عندما تتزوج المرأة فإنها تمد جذورها إلى أرض جديدة.. وتشعر بالانتماء إلى بيت آخر وأناس آخرين .

لم تكن لديّ تطلعات أو تمنيات كبيرة .... مثل بعض الفتيات . كنت أبتهل إلى الله في صلاتي.. أن ينعم عليّ بالستر والعافية.. ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك..بيت صغير ودافئ .. ورجل محب يرعاني ويحميني .. ذلك كل ما كنت أفكر به .

كنت أعتقد دائماً بأن العبء الأكبر يقع على عاتقي.... أجل عندما وجدت نفسي أعيش في عائلة كبيرة ومزدحمة ..... قررت أن أبدأ بالتواصل ومد جذور المحبة... ولكنني قوبلت بالجفاء واللامبالاة والبرود ..

قلت لنفسي: إنهم يشعرون أنني غريبة .... ولهذا ينبغي أن أصبر وأحاول ثانية.

مددت يد المحبة للجميع .. ولكن كم كانت أياديهم بخيلة وجافة..؟!

وتطور الجفاء والمعاملة الباردة إلى عداء سافر.. وأطلت الخلافات برأسها القبيح سريعاً .. لم نسعد ولم نفرح طويلاً .

كانت أمه امرأة كبيرة في السن .. عصبية المزاج .. وطباعها حادة.. لم تحبني .. لم تحبني قط من البداية .

وافتعلت الكثير من المشكلات دون أسباب منطقية.. حاولت الصبر على مزاج العجوز النكد والتودد إليها دون جدوى ..

امرأة كثيرة التسخط والانتقاد .. لا شيء يعجبها أو يروقها.. وخاصة بالنسبة لي إذا لبست ملابس ضيقة.. انتقدتني في هزء وأمام الجميع وقالت: ما هذه الملابس الضيقة .. الخليعة ؟

وإذا كانت ملابسي واسعة.. سخرت مني أيضاً .... أدركت أخيراً أن تلك المرأة تحاول أن تهدم شخصيتي وتفقدني الثقة في نفسي .

ملابسي تخلو من الذوق كما تقول دائماً .. وكلماتي سقيمة وسخيفة.. وعندما أتحدث في موضوع ما تنهرني بقسوة: اسكتي وكفي عن هذه الأفكار السخيفة.

في النهاية جعلت مني العجوز امرأة بلا مزايا .. فلا أحسن ارتداء الملابس المناسبة .. ولا أحسن انتقاء الكلمات ولا التفكير ولا الطبخ .. لم أكن أملك من الشجاعة والخبرة والقوة .... ما يؤهلني لمواجهة تلك المرأة المتسلطة.. القاسية.. كنت صغيرة السن قليلة الخبرة.. لا سند لي .. كنت أنسحب إلى غرفتي في صمت مميت .. جبان .

ـ7ـ

لم أخلق لأخوض المعارك.. ضعيفة أنا .. أعترف بذلك .. وقلبي لا يحتمل نيران الكره الكاوية.. ولا الأحقاد .. قلبي رقيق للغاية ومحب.... ولا يتسع للكراهية ولا للضغينة ..

تلفتُ حولي في ذلك الجو العاصف بالمشكلات.. المشتعل بنيران الكره والحقد..تلفت أبحث عن الرجل الذي ارتبطت به وعلقت عليه آمالي..فلم يكن هناك رجل ..

هو يعرف أمه جيداً .. ولكنه عاجز وجبان.. وليست لديه شخصية تؤهله للتمييز بين الحق والباطل ... إنه نائم طوال النهار.. فهو عاطل عن العمل.. وعابث طوال الليل .... ولا يمكنه فعل شيء من أجل نفسه..! فماذا أنتظر منه ؟

وسألت نفسي ذلك السؤال الصعب.. المرير.. هل ارتبط برجل حقيقي؟

هل هذا الرجل العاطل المستهتر.. الذي لا يردعه دين أو خلق أو ضمير حي.. هل يمكنه حمايتي ..!

ـ8ـ

حزمت حقائبي وعدت إلى وطني القديم.. إلى عيني أمي وحضنها الدافئ.. الحنون .. إلى إخوتي.. وبيتنا الرائع.. رغم حجراته القليلة.. الضيقة..

ولم ينقض الكثير من الوقت حتى وصلتني تلك الورقة التي تنهي علاقتي تماماً بحياتي السابقة .. وكأنهم كانوا ينتظرون رحيلي بفارغ الصبر.

واستشرت الأقاويل حولي .. كما تستشري السموم في جسد ضعيف.. منهك.

أقاويل جائرة .. كاذبة .. قتلتني تلك النظرات المتسائلة.. المتهمة.. المتهكمة.. بدوت وكأنني اقترفت ذنباً كبيراً.. شعرت بروحي تنسحق تحت الشعور بالظلم..وسألت نفسي.. ما ذنبي أنا .. ؟ هل لأنني المرأة..؟ والمرأة تحمل أوزار الرجل .. ألأنني الجانب الضعيف.. المستكين .. ؟ لماذا ؟

شعرت بالنبذ والاحتقار.. نطقت به العيون .. والأقاويل الخافتة في الأركان والجلسات الخاصة .. سقمت روحي.. وغرقت في الحزن والكآبة.. وقطعت صلاتي بأولئك الناس الذين عاقبوني على جريمة لم أرتكبها.. عاقبوني وأنا الضحية .. كنت بحاجة إلى الفهم والمساندة والعزاء .

ـ9ـ

ألا زلت تكتبين يا هند؟

قاربت على الانتهاء

ماذا تكتبين يا بنية ؟

حكايتي.. قلتها باستخفاف وضحكت ..

بادلتني أمي بابتسامة مؤلمة وقالت : الكل يعرفها ..

أجل لقد كتبتها من أجل نفسي وليس من أجل الآخرين كم شعرت الآن بالراحة؟؟

كتبت الحكاية .. وصلت لدرجة الخلاص والحرية لم يعد يهمني أحد.

كتبت حكايتي وكأنها حكاية امرأة أخرى غيري .. تحررت من حزني وألمي.. تحررت من ضعفي وجبني أنا الآن امرأة جديدة.. أعرف ما أريد جيداً ولن أفكر مطلقاً بالأقاويل .. سأدافع عن وجودي ورغباتي.. لن أستسلم وأنتظر العطف من الآخرين ..

الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح في قلبي.. فلا تتوغل معي في حديث خاص .

تفهمني وتشعر بي وكأنها أنا ..

حسناً .. سوف أستأنف الحكي، قلت سابقاً بأن لديّ مشكلة.. وهذه المشكلة تتعلق بشخصي المتواضع ..

إنني أبحث عن مساحة لوجودي.. لكياني.. لرغباتي وآمالي ..

وعندما يبدو لي أنني خطوت نحو هذه المساحة. لا أجد سوى السراب. تبقى قدماي معلقتين في الهواء.. وأشعر بروحي أيضاً معلقة ..

وأتساءل: يا رب.. إلى متى سأعيش هكذا منفية .. منبوذة .. بلا وجود.

ـ3ـ

الظلمة تلف المكان.. لا أحد في البيت سواي .... أحببت أن أمارس عادتي القديمة.. كنت أدير مؤشر المذياع ثم أتركه يهذي إلى ما لا نهاية.. وأترك روحي شاردة خلف الأوهام والهواجس ..

أخرج من معطفه الجريدة ..

وعلبة الثقاب ..

ودون أن يلاحظ اضطرابي.. ودونما اهتمام ..

ماجدة تغني.. إن هذا من حسن حظي.... وإن كنت دائماً سيئة الحظ..!

هذه المرأة لا تغني.. كما تغني الأخريات.. أو .. أو يزعقن بأصوات مشروخة.. مؤذية .. إنها تنتشل الروح من قتامة اللحظة الكئيبة وتحلق بها .. تمنحها صفاء وحياة..وعندما أجلس وحيدة .. أتعالى في كبرياء فلا أعترف بحزني وضعفي.. أفضل الاستماع إليها .. فالكلمات الشفافة التي تحسن اختيارها تلمس روحي.. وتذيب معاناة قلبي ..

تأخذني بعيداً عن واقعي اليومي ولو للحظات.... تريح رأسي الذي صدعته الهواجس والأفكار .. تمنح روحي حرية الفكاك من قيودها وعذاباتها ..

أي صوت هذا؟ إنه باب يغلق بعصبية.. هل هذه أمي.. عادت من عند الجيران .. ربما ..

هند .. أجل هي أمي .. يا هند نادتني ثانية اخفضي صوت الراديو.. ألا تملين من هذا الضجيج؟ وهذه الأغنيات السقيمة ..؟؟

تناول السكر من أمامي

ذوب في الفنجان قطعتين

وفي دمي ذوب وردتين ..

ذوبني.. لملمني.. بعثرني..

استرخيت أكثر.. وسرحت وراء الكلمات الشفافة.. وأعلنت الرفض القاطع لما أعيش فيه من يأس ودمار ..

وتذكرت ذلك الطائر الأسطوري..... الذي يتغنى به الشعراء.... طائر الرخ الذي ينهض من الرماد .. ويحلق بجناحيه العريضين .

أجل .. كنت .. أو حاولت أن أكون مثل طائر الرخ .... فأنهض رغم الأنقاض والحطام والأسى ..... وأبحث عن سماء جديدة.. بها قمر جديد وأنجم مشعة.. وفضاء لا ينتهي ..

ـ4ـ

ما رأيكم بامرأة وحيدة ؟

وحيدة بدون زوج ولا أهل .... تصارع الظروف القاسية .... وتستجدي الآخرين.... وتذل كرامتها لتطعم أولادها. تلك المرأة هي أمي..كلما كنت أراها تمد يدها للآخرين ..... أشعر بشيء يحز قلبي كحد السكين... أتكوم على نفسي في إحدى الزوايا وأبكي بحرقة.... أتساءل: يا رب .... لماذا كتب علينا الهوان..؟

بدون أبي تعمقت غربتي.. زاد شعوري أنني وحيدة وتضاعف خوفي من الناس والأيام ..

كنت أفكر دائماً بأمي.. أمي التي تشقى من أجلنا وبإخوتي الصغار.. وحياتنا القاسية.. ليس هناك من يرعانا أو يحمينا من برد الأيام وقسوة الناس..

عندما كبرت قليلاً.. قررت أن أعمل.. فنحن لا يمكن أن نحيا على الصدقات والإحسان ..

وعارضت أمي ذلك بشدة.. بل بكت وتوسلت إليّ ألا أترك دراستي .. ولكنني صممت على قراري .

وتمكنت بشهادة الثانوية ووساطة أهل الخير.... أن أعمل مراقبة في إحدى المدارس .

سعدت بعملي سعادة عظيمة .. وبفضل راتبي البسيط تيسرت أمورنا كثيراً.

ـ5ـ

كنت أقرأ في هدوء في إحدى الليالي المقمرة..

جاءت أمي ومعها كوب من الشاي الحار .. ثم نظرت إليّ وقالت .. هل تعلمين يا هند ..؟

ماذا يا أمي ؟

لقد جاء إلينا خاطب .. وقد وافقت من حيث المبدأ .

خاطب ..! قلتها باستخفاف واندهاش... خاطب لمن يا أمي ..؟"

لك يا هند .. ! ينبغي أن تتزوجي .. ماذا تنتظرين؟

هكذا حدثتني أمي بلهجة صارمة وحازمة لا تقبل الرد .. ولكن يا أمي.. لكنها نهضت بسرعة ولم تتح لي فرصة الكلام ..

وقبل أن تغلق الباب وراءها .. التفتت إليّ وقالت: فكري جيداً بالموضوع.

ـ6ـ

عندما تتزوج المرأة فإنها تمد جذورها إلى أرض جديدة.. وتشعر بالانتماء إلى بيت آخر وأناس آخرين .

لم تكن لديّ تطلعات أو تمنيات كبيرة .... مثل بعض الفتيات . كنت أبتهل إلى الله في صلاتي.. أن ينعم عليّ بالستر والعافية.. ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك..بيت صغير ودافئ .. ورجل محب يرعاني ويحميني .. ذلك كل ما كنت أفكر به .

كنت أعتقد دائماً بأن العبء الأكبر يقع على عاتقي.... أجل عندما وجدت نفسي أعيش في عائلة كبيرة ومزدحمة ..... قررت أن أبدأ بالتواصل ومد جذور المحبة... ولكنني قوبلت بالجفاء واللامبالاة والبرود ..

قلت لنفسي: إنهم يشعرون أنني غريبة .... ولهذا ينبغي أن أصبر وأحاول ثانية.

مددت يد المحبة للجميع .. ولكن كم كانت أياديهم بخيلة وجافة..؟!

وتطور الجفاء والمعاملة الباردة إلى عداء سافر.. وأطلت الخلافات برأسها القبيح سريعاً .. لم نسعد ولم نفرح طويلاً .

كانت أمه امرأة كبيرة في السن .. عصبية المزاج .. وطباعها حادة.. لم تحبني .. لم تحبني قط من البداية .

وافتعلت الكثير من المشكلات دون أسباب منطقية.. حاولت الصبر على مزاج العجوز النكد والتودد إليها دون جدوى ..

امرأة كثيرة التسخط والانتقاد .. لا شيء يعجبها أو يروقها.. وخاصة بالنسبة لي إذا لبست ملابس ضيقة.. انتقدتني في هزء وأمام الجميع وقالت: ما هذه الملابس الضيقة .. الخليعة ؟

وإذا كانت ملابسي واسعة.. سخرت مني أيضاً .... أدركت أخيراً أن تلك المرأة تحاول أن تهدم شخصيتي وتفقدني الثقة في نفسي .

ملابسي تخلو من الذوق كما تقول دائماً .. وكلماتي سقيمة وسخيفة.. وعندما أتحدث في موضوع ما تنهرني بقسوة: اسكتي وكفي عن هذه الأفكار السخيفة.

في النهاية جعلت مني العجوز امرأة بلا مزايا .. فلا أحسن ارتداء الملابس المناسبة .. ولا أحسن انتقاء الكلمات ولا التفكير ولا الطبخ .. لم أكن أملك من الشجاعة والخبرة والقوة .... ما يؤهلني لمواجهة تلك المرأة المتسلطة.. القاسية.. كنت صغيرة السن قليلة الخبرة.. لا سند لي .. كنت أنسحب إلى غرفتي في صمت مميت .. جبان .

ـ7ـ

لم أخلق لأخوض المعارك.. ضعيفة أنا .. أعترف بذلك .. وقلبي لا يحتمل نيران الكره الكاوية.. ولا الأحقاد .. قلبي رقيق للغاية ومحب.... ولا يتسع للكراهية ولا للضغينة ..

تلفتُ حولي في ذلك الجو العاصف بالمشكلات.. المشتعل بنيران الكره والحقد..تلفت أبحث عن الرجل الذي ارتبطت به وعلقت عليه آمالي..فلم يكن هناك رجل ..

هو يعرف أمه جيداً .. ولكنه عاجز وجبان.. وليست لديه شخصية تؤهله للتمييز بين الحق والباطل ... إنه نائم طوال النهار.. فهو عاطل عن العمل.. وعابث طوال الليل .... ولا يمكنه فعل شيء من أجل نفسه..! فماذا أنتظر منه ؟

وسألت نفسي ذلك السؤال الصعب.. المرير.. هل ارتبط برجل حقيقي؟

هل هذا الرجل العاطل المستهتر.. الذي لا يردعه دين أو خلق أو ضمير حي.. هل يمكنه حمايتي ..!

ـ8ـ

حزمت حقائبي وعدت إلى وطني القديم.. إلى عيني أمي وحضنها الدافئ.. الحنون .. إلى إخوتي.. وبيتنا الرائع.. رغم حجراته القليلة.. الضيقة..

ولم ينقض الكثير من الوقت حتى وصلتني تلك الورقة التي تنهي علاقتي تماماً بحياتي السابقة .. وكأنهم كانوا ينتظرون رحيلي بفارغ الصبر.

واستشرت الأقاويل حولي .. كما تستشري السموم في جسد ضعيف.. منهك.

أقاويل جائرة .. كاذبة .. قتلتني تلك النظرات المتسائلة.. المتهمة.. المتهكمة.. بدوت وكأنني اقترفت ذنباً كبيراً.. شعرت بروحي تنسحق تحت الشعور بالظلم..وسألت نفسي.. ما ذنبي أنا .. ؟ هل لأنني المرأة..؟ والمرأة تحمل أوزار الرجل .. ألأنني الجانب الضعيف.. المستكين .. ؟ لماذا ؟

شعرت بالنبذ والاحتقار.. نطقت به العيون .. والأقاويل الخافتة في الأركان والجلسات الخاصة .. سقمت روحي.. وغرقت في الحزن والكآبة.. وقطعت صلاتي بأولئك الناس الذين عاقبوني على جريمة لم أرتكبها.. عاقبوني وأنا الضحية .. كنت بحاجة إلى الفهم والمساندة والعزاء .

ـ9ـ

ألا زلت تكتبين يا هند؟

قاربت على الانتهاء

ماذا تكتبين يا بنية ؟

حكايتي.. قلتها باستخفاف وضحكت ..

بادلتني أمي بابتسامة مؤلمة وقالت : الكل يعرفها ..

أجل لقد كتبتها من أجل نفسي وليس من أجل الآخرين كم شعرت الآن بالراحة؟؟

كتبت الحكاية .. وصلت لدرجة الخلاص والحرية لم يعد يهمني أحد.

كتبت حكايتي وكأنها حكاية امرأة أخرى غيري .. تحررت من حزني وألمي.. تحررت من ضعفي وجبني أنا الآن امرأة جديدة.. أعرف ما أريد جيداً ولن أفكر مطلقاً بالأقاويل .. سأدافع عن وجودي ورغباتي.. لن أستسلم وأنتظر العطف من الآخرين ..

الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح في قلبي.. فلا تتوغل معي في حديث خاص .

تفهمني وتشعر بي وكأنها أنا ..

حسناً .. سوف أستأنف الحكي، قلت سابقاً بأن لديّ مشكلة.. وهذه المشكلة تتعلق بشخصي المتواضع ..

إنني أبحث عن مساحة لوجودي.. لكياني.. لرغباتي وآمالي ..

وعندما يبدو لي أنني خطوت نحو هذه المساحة. لا أجد سوى السراب. تبقى قدماي معلقتين في الهواء.. وأشعر بروحي أيضاً معلقة ..

وأتساءل: يا رب.. إلى متى سأعيش هكذا منفية .. منبوذة .. بلا وجود.

ـ3ـ

الظلمة تلف المكان.. لا أحد في البيت سواي .... أحببت أن أمارس عادتي القديمة.. كنت أدير مؤشر المذياع ثم أتركه يهذي إلى ما لا نهاية.. وأترك روحي شاردة خلف الأوهام والهواجس ..

أخرج من معطفه الجريدة ..

وعلبة الثقاب ..

ودون أن يلاحظ اضطرابي.. ودونما اهتمام ..

ماجدة تغني.. إن هذا من حسن حظي.... وإن كنت دائماً سيئة الحظ..!

هذه المرأة لا تغني.. كما تغني الأخريات.. أو .. أو يزعقن بأصوات مشروخة.. مؤذية .. إنها تنتشل الروح من قتامة اللحظة الكئيبة وتحلق بها .. تمنحها صفاء وحياة..وعندما أجلس وحيدة .. أتعالى في كبرياء فلا أعترف بحزني وضعفي.. أفضل الاستماع إليها .. فالكلمات الشفافة التي تحسن اختيارها تلمس روحي.. وتذيب معاناة قلبي ..

تأخذني بعيداً عن واقعي اليومي ولو للحظات.... تريح رأسي الذي صدعته الهواجس والأفكار .. تمنح روحي حرية الفكاك من قيودها وعذاباتها ..

أي صوت هذا؟ إنه باب يغلق بعصبية.. هل هذه أمي.. عادت من عند الجيران .. ربما ..

هند .. أجل هي أمي .. يا هند نادتني ثانية اخفضي صوت الراديو.. ألا تملين من هذا الضجيج؟ وهذه الأغنيات السقيمة ..؟؟

تناول السكر من أمامي

ذوب في الفنجان قطعتين

وفي دمي ذوب وردتين ..

ذوبني.. لملمني.. بعثرني..

استرخيت أكثر.. وسرحت وراء الكلمات الشفافة.. وأعلنت الرفض القاطع لما أعيش فيه من يأس ودمار ..

وتذكرت ذلك الطائر الأسطوري..... الذي يتغنى به الشعراء.... طائر الرخ الذي ينهض من الرماد .. ويحلق بجناحيه العريضين .

أجل .. كنت .. أو حاولت أن أكون مثل طائر الرخ .... فأنهض رغم الأنقاض والحطام والأسى ..... وأبحث عن سماء جديدة.. بها قمر جديد وأنجم مشعة.. وفضاء لا ينتهي ..

ـ4ـ

ما رأيكم بامرأة وحيدة ؟

وحيدة بدون زوج ولا أهل .... تصارع الظروف القاسية .... وتستجدي الآخرين.... وتذل كرامتها لتطعم أولادها. تلك المرأة هي أمي..كلما كنت أراها تمد يدها للآخرين ..... أشعر بشيء يحز قلبي كحد السكين... أتكوم على نفسي في إحدى الزوايا وأبكي بحرقة.... أتساءل: يا رب .... لماذا كتب علينا الهوان..؟

بدون أبي تعمقت غربتي.. زاد شعوري أنني وحيدة وتضاعف خوفي من الناس والأيام ..

كنت أفكر دائماً بأمي.. أمي التي تشقى من أجلنا وبإخوتي الصغار.. وحياتنا القاسية.. ليس هناك من يرعانا أو يحمينا من برد الأيام وقسوة الناس..

عندما كبرت قليلاً.. قررت أن أعمل.. فنحن لا يمكن أن نحيا على الصدقات والإحسان ..

وعارضت أمي ذلك بشدة.. بل بكت وتوسلت إليّ ألا أترك دراستي .. ولكنني صممت على قراري .

وتمكنت بشهادة الثانوية ووساطة أهل الخير.... أن أعمل مراقبة في إحدى المدارس .

سعدت بعملي سعادة عظيمة .. وبفضل راتبي البسيط تيسرت أمورنا كثيراً.

ـ5ـ

كنت أقرأ في هدوء في إحدى الليالي المقمرة..

جاءت أمي ومعها كوب من الشاي الحار .. ثم نظرت إليّ وقالت .. هل تعلمين يا هند ..؟

ماذا يا أمي ؟

لقد جاء إلينا خاطب .. وقد وافقت من حيث المبدأ .

خاطب ..! قلتها باستخفاف واندهاش... خاطب لمن يا أمي ..؟"

لك يا هند .. ! ينبغي أن تتزوجي .. ماذا تنتظرين؟

هكذا حدثتني أمي بلهجة صارمة وحازمة لا تقبل الرد .. ولكن يا أمي.. لكنها نهضت بسرعة ولم تتح لي فرصة الكلام ..

وقبل أن تغلق الباب وراءها .. التفتت إليّ وقالت: فكري جيداً بالموضوع.

ـ6ـ

عندما تتزوج المرأة فإنها تمد جذورها إلى أرض جديدة.. وتشعر بالانتماء إلى بيت آخر وأناس آخرين .

لم تكن لديّ تطلعات أو تمنيات كبيرة .... مثل بعض الفتيات . كنت أبتهل إلى الله في صلاتي.. أن ينعم عليّ بالستر والعافية.. ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك..بيت صغير ودافئ .. ورجل محب يرعاني ويحميني .. ذلك كل ما كنت أفكر به .

كنت أعتقد دائماً بأن العبء الأكبر يقع على عاتقي.... أجل عندما وجدت نفسي أعيش في عائلة كبيرة ومزدحمة ..... قررت أن أبدأ بالتواصل ومد جذور المحبة... ولكنني قوبلت بالجفاء واللامبالاة والبرود ..

قلت لنفسي: إنهم يشعرون أنني غريبة .... ولهذا ينبغي أن أصبر وأحاول ثانية.

مددت يد المحبة للجميع .. ولكن كم كانت أياديهم بخيلة وجافة..؟!

وتطور الجفاء والمعاملة الباردة إلى عداء سافر.. وأطلت الخلافات برأسها القبيح سريعاً .. لم نسعد ولم نفرح طويلاً .

كانت أمه امرأة كبيرة في السن .. عصبية المزاج .. وطباعها حادة.. لم تحبني .. لم تحبني قط من البداية .

وافتعلت الكثير من المشكلات دون أسباب منطقية.. حاولت الصبر على مزاج العجوز النكد والتودد إليها دون جدوى ..

امرأة كثيرة التسخط والانتقاد .. لا شيء يعجبها أو يروقها.. وخاصة بالنسبة لي إذا لبست ملابس ضيقة.. انتقدتني في هزء وأمام الجميع وقالت: ما هذه الملابس الضيقة .. الخليعة ؟

وإذا كانت ملابسي واسعة.. سخرت مني أيضاً .... أدركت أخيراً أن تلك المرأة تحاول أن تهدم شخصيتي وتفقدني الثقة في نفسي .

ملابسي تخلو من الذوق كما تقول دائماً .. وكلماتي سقيمة وسخيفة.. وعندما أتحدث في موضوع ما تنهرني بقسوة: اسكتي وكفي عن هذه الأفكار السخيفة.

في النهاية جعلت مني العجوز امرأة بلا مزايا .. فلا أحسن ارتداء الملابس المناسبة .. ولا أحسن انتقاء الكلمات ولا التفكير ولا الطبخ .. لم أكن أملك من الشجاعة والخبرة والقوة .... ما يؤهلني لمواجهة تلك المرأة المتسلطة.. القاسية.. كنت صغيرة السن قليلة الخبرة.. لا سند لي .. كنت أنسحب إلى غرفتي في صمت مميت .. جبان .

ـ7ـ

لم أخلق لأخوض المعارك.. ضعيفة أنا .. أعترف بذلك .. وقلبي لا يحتمل نيران الكره الكاوية.. ولا الأحقاد .. قلبي رقيق للغاية ومحب.... ولا يتسع للكراهية ولا للضغينة ..

تلفتُ حولي في ذلك الجو العاصف بالمشكلات.. المشتعل بنيران الكره والحقد..تلفت أبحث عن الرجل الذي ارتبطت به وعلقت عليه آمالي..فلم يكن هناك رجل ..

هو يعرف أمه جيداً .. ولكنه عاجز وجبان.. وليست لديه شخصية تؤهله للتمييز بين الحق والباطل ... إنه نائم طوال النهار.. فهو عاطل عن العمل.. وعابث طوال الليل .... ولا يمكنه فعل شيء من أجل نفسه..! فماذا أنتظر منه ؟

وسألت نفسي ذلك السؤال الصعب.. المرير.. هل ارتبط برجل حقيقي؟

هل هذا الرجل العاطل المستهتر.. الذي لا يردعه دين أو خلق أو ضمير حي.. هل يمكنه حمايتي ..!

ـ8ـ

حزمت حقائبي وعدت إلى وطني القديم.. إلى عيني أمي وحضنها الدافئ.. الحنون .. إلى إخوتي.. وبيتنا الرائع.. رغم حجراته القليلة.. الضيقة..

ولم ينقض الكثير من الوقت حتى وصلتني تلك الورقة التي تنهي علاقتي تماماً بحياتي السابقة .. وكأنهم كانوا ينتظرون رحيلي بفارغ الصبر.

واستشرت الأقاويل حولي .. كما تستشري السموم في جسد ضعيف.. منهك.

أقاويل جائرة .. كاذبة .. قتلتني تلك النظرات المتسائلة.. المتهمة.. المتهكمة.. بدوت وكأنني اقترفت ذنباً كبيراً.. شعرت بروحي تنسحق تحت الشعور بالظلم..وسألت نفسي.. ما ذنبي أنا .. ؟ هل لأنني المرأة..؟ والمرأة تحمل أوزار الرجل .. ألأنني الجانب الضعيف.. المستكين .. ؟ لماذا ؟

شعرت بالنبذ والاحتقار.. نطقت به العيون .. والأقاويل الخافتة في الأركان والجلسات الخاصة .. سقمت روحي.. وغرقت في الحزن والكآبة.. وقطعت صلاتي بأولئك الناس الذين عاقبوني على جريمة لم أرتكبها.. عاقبوني وأنا الضحية .. كنت بحاجة إلى الفهم والمساندة والعزاء .

ـ9ـ

ألا زلت تكتبين يا هند؟

قاربت على الانتهاء

ماذا تكتبين يا بنية ؟

حكايتي.. قلتها باستخفاف وضحكت ..

بادلتني أمي بابتسامة مؤلمة وقالت : الكل يعرفها ..

أجل لقد كتبتها من أجل نفسي وليس من أجل الآخرين كم شعرت الآن بالراحة؟؟

كتبت الحكاية .. وصلت لدرجة الخلاص والحرية لم يعد يهمني أحد.

كتبت حكايتي وكأنها حكاية امرأة أخرى غيري .. تحررت من حزني وألمي.. تحررت من ضعفي وجبني أنا الآن امرأة جديدة.. أعرف ما أريد جيداً ولن أفكر مطلقاً بالأقاويل .. سأدافع عن وجودي ورغباتي.. لن أستسلم وأنتظر العطف من الآخرين ..

الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح في قلبي.. فلا تتوغل معي في حديث خاص .

تفهمني وتشعر بي وكأنها أنا ..

حسناً .. سوف أستأنف الحكي، قلت سابقاً بأن لديّ مشكلة.. وهذه المشكلة تتعلق بشخصي المتواضع ..

إنني أبحث عن مساحة لوجودي.. لكياني.. لرغباتي وآمالي ..

وعندما يبدو لي أنني خطوت نحو هذه المساحة. لا أجد سوى السراب. تبقى قدماي معلقتين في الهواء.. وأشعر بروحي أيضاً معلقة ..

وأتساءل: يا رب.. إلى متى سأعيش هكذا منفية .. منبوذة .. بلا وجود.

ـ3ـ

الظلمة تلف المكان.. لا أحد في البيت سواي .... أحببت أن أمارس عادتي القديمة.. كنت أدير مؤشر المذياع ثم أتركه يهذي إلى ما لا نهاية.. وأترك روحي شاردة خلف الأوهام والهواجس ..

أخرج من معطفه الجريدة ..

وعلبة الثقاب ..

ودون أن يلاحظ اضطرابي.. ودونما اهتمام ..

ماجدة تغني.. إن هذا من حسن حظي.... وإن كنت دائماً سيئة الحظ..!

هذه المرأة لا تغني.. كما تغني الأخريات.. أو .. أو يزعقن بأصوات مشروخة.. مؤذية .. إنها تنتشل الروح من قتامة اللحظة الكئيبة وتحلق بها .. تمنحها صفاء وحياة..وعندما أجلس وحيدة .. أتعالى في كبرياء فلا أعترف بحزني وضعفي.. أفضل الاستماع إليها .. فالكلمات الشفافة التي تحسن اختيارها تلمس روحي.. وتذيب معاناة قلبي ..

تأخذني بعيداً عن واقعي اليومي ولو للحظات.... تريح رأسي الذي صدعته الهواجس والأفكار .. تمنح روحي حرية الفكاك من قيودها وعذاباتها ..

أي صوت هذا؟ إنه باب يغلق بعصبية.. هل هذه أمي.. عادت من عند الجيران .. ربما ..

هند .. أجل هي أمي .. يا هند نادتني ثانية اخفضي صوت الراديو.. ألا تملين من هذا الضجيج؟ وهذه الأغنيات السقيمة ..؟؟

تناول السكر من أمامي

ذوب في الفنجان قطعتين

وفي دمي ذوب وردتين ..

ذوبني.. لملمني.. بعثرني..

استرخيت أكثر.. وسرحت وراء الكلمات الشفافة.. وأعلنت الرفض القاطع لما أعيش فيه من يأس ودمار ..

وتذكرت ذلك الطائر الأسطوري..... الذي يتغنى به الشعراء.... طائر الرخ الذي ينهض من الرماد .. ويحلق بجناحيه العريضين .

أجل .. كنت .. أو حاولت أن أكون مثل طائر الرخ .... فأنهض رغم الأنقاض والحطام والأسى ..... وأبحث عن سماء جديدة.. بها قمر جديد وأنجم مشعة.. وفضاء لا ينتهي ..

ـ4ـ

ما رأيكم بامرأة وحيدة ؟

وحيدة بدون زوج ولا أهل .... تصارع الظروف القاسية .... وتستجدي الآخرين.... وتذل كرامتها لتطعم أولادها. تلك المرأة هي أمي..كلما كنت أراها تمد يدها للآخرين ..... أشعر بشيء يحز قلبي كحد السكين... أتكوم على نفسي في إحدى الزوايا وأبكي بحرقة.... أتساءل: يا رب .... لماذا كتب علينا الهوان..؟

بدون أبي تعمقت غربتي.. زاد شعوري أنني وحيدة وتضاعف خوفي من الناس والأيام ..

كنت أفكر دائماً بأمي.. أمي التي تشقى من أجلنا وبإخوتي الصغار.. وحياتنا القاسية.. ليس هناك من يرعانا أو يحمينا من برد الأيام وقسوة الناس..

عندما كبرت قليلاً.. قررت أن أعمل.. فنحن لا يمكن أن نحيا على الصدقات والإحسان ..

وعارضت أمي ذلك بشدة.. بل بكت وتوسلت إليّ ألا أترك دراستي .. ولكنني صممت على قراري .

وتمكنت بشهادة الثانوية ووساطة أهل الخير.... أن أعمل مراقبة في إحدى المدارس .

سعدت بعملي سعادة عظيمة .. وبفضل راتبي البسيط تيسرت أمورنا كثيراً.

ـ5ـ

كنت أقرأ في هدوء في إحدى الليالي المقمرة..

جاءت أمي ومعها كوب من الشاي الحار .. ثم نظرت إليّ وقالت .. هل تعلمين يا هند ..؟

ماذا يا أمي ؟

لقد جاء إلينا خاطب .. وقد وافقت من حيث المبدأ .

خاطب ..! قلتها باستخفاف واندهاش... خاطب لمن يا أمي ..؟"

لك يا هند .. ! ينبغي أن تتزوجي .. ماذا تنتظرين؟

هكذا حدثتني أمي بلهجة صارمة وحازمة لا تقبل الرد .. ولكن يا أمي.. لكنها نهضت بسرعة ولم تتح لي فرصة الكلام ..

وقبل أن تغلق الباب وراءها .. التفتت إليّ وقالت: فكري جيداً بالموضوع.

ـ6ـ

عندما تتزوج المرأة فإنها تمد جذورها إلى أرض جديدة.. وتشعر بالانتماء إلى بيت آخر وأناس آخرين .

لم تكن لديّ تطلعات أو تمنيات كبيرة .... مثل بعض الفتيات . كنت أبتهل إلى الله في صلاتي.. أن ينعم عليّ بالستر والعافية.. ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك..بيت صغير ودافئ .. ورجل محب يرعاني ويحميني .. ذلك كل ما كنت أفكر به .

كنت أعتقد دائماً بأن العبء الأكبر يقع على عاتقي.... أجل عندما وجدت نفسي أعيش في عائلة كبيرة ومزدحمة ..... قررت أن أبدأ بالتواصل ومد جذور المحبة... ولكنني قوبلت بالجفاء واللامبالاة والبرود ..

قلت لنفسي: إنهم يشعرون أنني غريبة .... ولهذا ينبغي أن أصبر وأحاول ثانية.

مددت يد المحبة للجميع .. ولكن كم كانت أياديهم بخيلة وجافة..؟!

وتطور الجفاء والمعاملة الباردة إلى عداء سافر.. وأطلت الخلافات برأسها القبيح سريعاً .. لم نسعد ولم نفرح طويلاً .

كانت أمه امرأة كبيرة في السن .. عصبية المزاج .. وطباعها حادة.. لم تحبني .. لم تحبني قط من البداية .

وافتعلت الكثير من المشكلات دون أسباب منطقية.. حاولت الصبر على مزاج العجوز النكد والتودد إليها دون جدوى ..

امرأة كثيرة التسخط والانتقاد .. لا شيء يعجبها أو يروقها.. وخاصة بالنسبة لي إذا لبست ملابس ضيقة.. انتقدتني في هزء وأمام الجميع وقالت: ما هذه الملابس الضيقة .. الخليعة ؟

وإذا كانت ملابسي واسعة.. سخرت مني أيضاً .... أدركت أخيراً أن تلك المرأة تحاول أن تهدم شخصيتي وتفقدني الثقة في نفسي .

ملابسي تخلو من الذوق كما تقول دائماً .. وكلماتي سقيمة وسخيفة.. وعندما أتحدث في موضوع ما تنهرني بقسوة: اسكتي وكفي عن هذه الأفكار السخيفة.

في النهاية جعلت مني العجوز امرأة بلا مزايا .. فلا أحسن ارتداء الملابس المناسبة .. ولا أحسن انتقاء الكلمات ولا التفكير ولا الطبخ .. لم أكن أملك من الشجاعة والخبرة والقوة .... ما يؤهلني لمواجهة تلك المرأة المتسلطة.. القاسية.. كنت صغيرة السن قليلة الخبرة.. لا سند لي .. كنت أنسحب إلى غرفتي في صمت مميت .. جبان .

ـ7ـ

لم أخلق لأخوض المعارك.. ضعيفة أنا .. أعترف بذلك .. وقلبي لا يحتمل نيران الكره الكاوية.. ولا الأحقاد .. قلبي رقيق للغاية ومحب.... ولا يتسع للكراهية ولا للضغينة ..

تلفتُ حولي في ذلك الجو العاصف بالمشكلات.. المشتعل بنيران الكره والحقد..تلفت أبحث عن الرجل الذي ارتبطت به وعلقت عليه آمالي..فلم يكن هناك رجل ..

هو يعرف أمه جيداً .. ولكنه عاجز وجبان.. وليست لديه شخصية تؤهله للتمييز بين الحق والباطل ... إنه نائم طوال النهار.. فهو عاطل عن العمل.. وعابث طوال الليل .... ولا يمكنه فعل شيء من أجل نفسه..! فماذا أنتظر منه ؟

وسألت نفسي ذلك السؤال الصعب.. المرير.. هل ارتبط برجل حقيقي؟

هل هذا الرجل العاطل المستهتر.. الذي لا يردعه دين أو خلق أو ضمير حي.. هل يمكنه حمايتي ..!

ـ8ـ

حزمت حقائبي وعدت إلى وطني القديم.. إلى عيني أمي وحضنها الدافئ.. الحنون .. إلى إخوتي.. وبيتنا الرائع.. رغم حجراته القليلة.. الضيقة..

ولم ينقض الكثير من الوقت حتى وصلتني تلك الورقة التي تنهي علاقتي تماماً بحياتي السابقة .. وكأنهم كانوا ينتظرون رحيلي بفارغ الصبر.

واستشرت الأقاويل حولي .. كما تستشري السموم في جسد ضعيف.. منهك.

أقاويل جائرة .. كاذبة .. قتلتني تلك النظرات المتسائلة.. المتهمة.. المتهكمة.. بدوت وكأنني اقترفت ذنباً كبيراً.. شعرت بروحي تنسحق تحت الشعور بالظلم..وسألت نفسي.. ما ذنبي أنا .. ؟ هل لأنني المرأة..؟ والمرأة تحمل أوزار الرجل .. ألأنني الجانب الضعيف.. المستكين .. ؟ لماذا ؟

شعرت بالنبذ والاحتقار.. نطقت به العيون .. والأقاويل الخافتة في الأركان والجلسات الخاصة .. سقمت روحي.. وغرقت في الحزن والكآبة.. وقطعت صلاتي بأولئك الناس الذين عاقبوني على جريمة لم أرتكبها.. عاقبوني وأنا الضحية .. كنت بحاجة إلى الفهم والمساندة والعزاء .

ـ9ـ

ألا زلت تكتبين يا هند؟

قاربت على الانتهاء

ماذا تكتبين يا بنية ؟

حكايتي.. قلتها باستخفاف وضحكت ..

بادلتني أمي بابتسامة مؤلمة وقالت : الكل يعرفها ..

أجل لقد كتبتها من أجل نفسي وليس من أجل الآخرين كم شعرت الآن بالراحة؟؟

كتبت الحكاية .. وصلت لدرجة الخلاص والحرية لم يعد يهمني أحد.

كتبت حكايتي وكأنها حكاية امرأة أخرى غيري .. تحررت من حزني وألمي.. تحررت من ضعفي وجبني أنا الآن امرأة جديدة.. أعرف ما أريد جيداً ولن أفكر مطلقاً بالأقاويل .. سأدافع عن وجودي ورغباتي.. لن أستسلم وأنتظر العطف من الآخرين ..

الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح في قلبي.. فلا تتوغل معي في حديث خاص .

تفهمني وتشعر بي وكأنها أنا ..

حسناً .. سوف أستأنف الحكي، قلت سابقاً بأن لديّ مشكلة.. وهذه المشكلة تتعلق بشخصي المتواضع ..

إنني أبحث عن مساحة لوجودي.. لكياني.. لرغباتي وآمالي ..

وعندما يبدو لي أنني خطوت نحو هذه المساحة. لا أجد سوى السراب. تبقى قدماي معلقتين في الهواء.. وأشعر بروحي أيضاً معلقة ..

وأتساءل: يا رب.. إلى متى سأعيش هكذا منفية .. منبوذة .. بلا وجود.

ـ3ـ

الظلمة تلف المكان.. لا أحد في البيت سواي .... أحببت أن أمارس عادتي القديمة.. كنت أدير مؤشر المذياع ثم أتركه يهذي إلى ما لا نهاية.. وأترك روحي شاردة خلف الأوهام والهواجس ..

أخرج من معطفه الجريدة ..

وعلبة الثقاب ..

ودون أن يلاحظ اضطرابي.. ودونما اهتمام ..

ماجدة تغني.. إن هذا من حسن حظي.... وإن كنت دائماً سيئة الحظ..!

هذه المرأة لا تغني.. كما تغني الأخريات.. أو .. أو يزعقن بأصوات مشروخة.. مؤذية .. إنها تنتشل الروح من قتامة اللحظة الكئيبة وتحلق بها .. تمنحها صفاء وحياة..وعندما أجلس وحيدة .. أتعالى في كبرياء فلا أعترف بحزني وضعفي.. أفضل الاستماع إليها .. فالكلمات الشفافة التي تحسن اختيارها تلمس روحي.. وتذيب معاناة قلبي ..

تأخذني بعيداً عن واقعي اليومي ولو للحظات.... تريح رأسي الذي صدعته الهواجس والأفكار .. تمنح روحي حرية الفكاك من قيودها وعذاباتها ..

أي صوت هذا؟ إنه باب يغلق بعصبية.. هل هذه أمي.. عادت من عند الجيران .. ربما ..

هند .. أجل هي أمي .. يا هند نادتني ثانية اخفضي صوت الراديو.. ألا تملين من هذا الضجيج؟ وهذه الأغنيات السقيمة ..؟؟

تناول السكر من أمامي

ذوب في الفنجان قطعتين

وفي دمي ذوب وردتين ..

ذوبني.. لملمني.. بعثرني..

استرخيت أكثر.. وسرحت وراء الكلمات الشفافة.. وأعلنت الرفض القاطع لما أعيش فيه من يأس ودمار ..

وتذكرت ذلك الطائر الأسطوري..... الذي يتغنى به الشعراء.... طائر الرخ الذي ينهض من الرماد .. ويحلق بجناحيه العريضين .

أجل .. كنت .. أو حاولت أن أكون مثل طائر الرخ .... فأنهض رغم الأنقاض والحطام والأسى ..... وأبحث عن سماء جديدة.. بها قمر جديد وأنجم مشعة.. وفضاء لا ينتهي ..

ـ4ـ

ما رأيكم بامرأة وحيدة ؟

وحيدة بدون زوج ولا أهل .... تصارع الظروف القاسية .... وتستجدي الآخرين.... وتذل كرامتها لتطعم أولادها. تلك المرأة هي أمي..كلما كنت أراها تمد يدها للآخرين ..... أشعر بشيء يحز قلبي كحد السكين... أتكوم على نفسي في إحدى الزوايا وأبكي بحرقة.... أتساءل: يا رب .... لماذا كتب علينا الهوان..؟

بدون أبي تعمقت غربتي.. زاد شعوري أنني وحيدة وتضاعف خوفي من الناس والأيام ..

كنت أفكر دائماً بأمي.. أمي التي تشقى من أجلنا وبإخوتي الصغار.. وحياتنا القاسية.. ليس هناك من يرعانا أو يحمينا من برد الأيام وقسوة الناس..

عندما كبرت قليلاً.. قررت أن أعمل.. فنحن لا يمكن أن نحيا على الصدقات والإحسان ..

وعارضت أمي ذلك بشدة.. بل بكت وتوسلت إليّ ألا أترك دراستي .. ولكنني صممت على قراري .

وتمكنت بشهادة الثانوية ووساطة أهل الخير.... أن أعمل مراقبة في إحدى المدارس .

سعدت بعملي سعادة عظيمة .. وبفضل راتبي البسيط تيسرت أمورنا كثيراً.

ـ5ـ

كنت أقرأ في هدوء في إحدى الليالي المقمرة..

جاءت أمي ومعها كوب من الشاي الحار .. ثم نظرت إليّ وقالت .. هل تعلمين يا هند ..؟

ماذا يا أمي ؟

لقد جاء إلينا خاطب .. وقد وافقت من حيث المبدأ .

خاطب ..! قلتها باستخفاف واندهاش... خاطب لمن يا أمي ..؟"

لك يا هند .. ! ينبغي أن تتزوجي .. ماذا تنتظرين؟

هكذا حدثتني أمي بلهجة صارمة وحازمة لا تقبل الرد .. ولكن يا أمي.. لكنها نهضت بسرعة ولم تتح لي فرصة الكلام ..

وقبل أن تغلق الباب وراءها .. التفتت إليّ وقالت: فكري جيداً بالموضوع.

ـ6ـ

عندما تتزوج المرأة فإنها تمد جذورها إلى أرض جديدة.. وتشعر بالانتماء إلى بيت آخر وأناس آخرين .

لم تكن لديّ تطلعات أو تمنيات كبيرة .... مثل بعض الفتيات . كنت أبتهل إلى الله في صلاتي.. أن ينعم عليّ بالستر والعافية.. ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك..بيت صغير ودافئ .. ورجل محب يرعاني ويحميني .. ذلك كل ما كنت أفكر به .

كنت أعتقد دائماً بأن العبء الأكبر يقع على عاتقي.... أجل عندما وجدت نفسي أعيش في عائلة كبيرة ومزدحمة ..... قررت أن أبدأ بالتواصل ومد جذور المحبة... ولكنني قوبلت بالجفاء واللامبالاة والبرود ..

قلت لنفسي: إنهم يشعرون أنني غريبة .... ولهذا ينبغي أن أصبر وأحاول ثانية.

مددت يد المحبة للجميع .. ولكن كم كانت أياديهم بخيلة وجافة..؟!

وتطور الجفاء والمعاملة الباردة إلى عداء سافر.. وأطلت الخلافات برأسها القبيح سريعاً .. لم نسعد ولم نفرح طويلاً .

كانت أمه امرأة كبيرة في السن .. عصبية المزاج .. وطباعها حادة.. لم تحبني .. لم تحبني قط من البداية .

وافتعلت الكثير من المشكلات دون أسباب منطقية.. حاولت الصبر على مزاج العجوز النكد والتودد إليها دون جدوى ..

امرأة كثيرة التسخط والانتقاد .. لا شيء يعجبها أو يروقها.. وخاصة بالنسبة لي إذا لبست ملابس ضيقة.. انتقدتني في هزء وأمام الجميع وقالت: ما هذه الملابس الضيقة .. الخليعة ؟

وإذا كانت ملابسي واسعة.. سخرت مني أيضاً .... أدركت أخيراً أن تلك المرأة تحاول أن تهدم شخصيتي وتفقدني الثقة في نفسي .

ملابسي تخلو من الذوق كما تقول دائماً .. وكلماتي سقيمة وسخيفة.. وعندما أتحدث في موضوع ما تنهرني بقسوة: اسكتي وكفي عن هذه الأفكار السخيفة.

في النهاية جعلت مني العجوز امرأة بلا مزايا .. فلا أحسن ارتداء الملابس المناسبة .. ولا أحسن انتقاء الكلمات ولا التفكير ولا الطبخ .. لم أكن أملك من الشجاعة والخبرة والقوة .... ما يؤهلني لمواجهة تلك المرأة المتسلطة.. القاسية.. كنت صغيرة السن قليلة الخبرة.. لا سند لي .. كنت أنسحب إلى غرفتي في صمت مميت .. جبان .

ـ7ـ

لم أخلق لأخوض المعارك.. ضعيفة أنا .. أعترف بذلك .. وقلبي لا يحتمل نيران الكره الكاوية.. ولا الأحقاد .. قلبي رقيق للغاية ومحب.... ولا يتسع للكراهية ولا للضغينة ..

تلفتُ حولي في ذلك الجو العاصف بالمشكلات.. المشتعل بنيران الكره والحقد..تلفت أبحث عن الرجل الذي ارتبطت به وعلقت عليه آمالي..فلم يكن هناك رجل ..

هو يعرف أمه جيداً .. ولكنه عاجز وجبان.. وليست لديه شخصية تؤهله للتمييز بين الحق والباطل ... إنه نائم طوال النهار.. فهو عاطل عن العمل.. وعابث طوال الليل .... ولا يمكنه فعل شيء من أجل نفسه..! فماذا أنتظر منه ؟

وسألت نفسي ذلك السؤال الصعب.. المرير.. هل ارتبط برجل حقيقي؟

هل هذا الرجل العاطل المستهتر.. الذي لا يردعه دين أو خلق أو ضمير حي.. هل يمكنه حمايتي ..!

ـ8ـ

حزمت حقائبي وعدت إلى وطني القديم.. إلى عيني أمي وحضنها الدافئ.. الحنون .. إلى إخوتي.. وبيتنا الرائع.. رغم حجراته القليلة.. الضيقة..

ولم ينقض الكثير من الوقت حتى وصلتني تلك الورقة التي تنهي علاقتي تماماً بحياتي السابقة .. وكأنهم كانوا ينتظرون رحيلي بفارغ الصبر.

واستشرت الأقاويل حولي .. كما تستشري السموم في جسد ضعيف.. منهك.

أقاويل جائرة .. كاذبة .. قتلتني تلك النظرات المتسائلة.. المتهمة.. المتهكمة.. بدوت وكأنني اقترفت ذنباً كبيراً.. شعرت بروحي تنسحق تحت الشعور بالظلم..وسألت نفسي.. ما ذنبي أنا .. ؟ هل لأنني المرأة..؟ والمرأة تحمل أوزار الرجل .. ألأنني الجانب الضعيف.. المستكين .. ؟ لماذا ؟

شعرت بالنبذ والاحتقار.. نطقت به العيون .. والأقاويل الخافتة في الأركان والجلسات الخاصة .. سقمت روحي.. وغرقت في الحزن والكآبة.. وقطعت صلاتي بأولئك الناس الذين عاقبوني على جريمة لم أرتكبها.. عاقبوني وأنا الضحية .. كنت بحاجة إلى الفهم والمساندة والعزاء .

ـ9ـ

ألا زلت تكتبين يا هند؟

قاربت على الانتهاء

ماذا تكتبين يا بنية ؟

حكايتي.. قلتها باستخفاف وضحكت ..

بادلتني أمي بابتسامة مؤلمة وقالت : الكل يعرفها ..

أجل لقد كتبتها من أجل نفسي وليس من أجل الآخرين كم شعرت الآن بالراحة؟؟

كتبت الحكاية .. وصلت لدرجة الخلاص والحرية لم يعد يهمني أحد.

كتبت حكايتي وكأنها حكاية امرأة أخرى غيري .. تحررت من حزني وألمي.. تحررت من ضعفي وجبني أنا الآن امرأة جديدة.. أعرف ما أريد جيداً ولن أفكر مطلقاً بالأقاويل .. سأدافع عن وجودي ورغباتي.. لن أستسلم وأنتظر العطف من الآخرين ..

الخلاص

ـ1ـ

لدي حكاية .. ولكنني لست ماهرة في القص ولا أ دري.... لا أدري حقاً كيف أبدأ الحكي ..؟

لست مثل شهرزاد التي ملأت الدنيا بعبق حكاياتها.. وشغلت الناس بمناوراتها الذكية كل ليلة .. لتنقذ عنقها المرمري الجميل ..

حكايتي تثير الضيق.. وأنا أعرف.. أنا أعرف أن لكل منا "ضيق" خاص به.

شيء ما في حياته.. يجعل صورته المنعكسة في المرآة غير كاملة يجعل السعادة تنتهي بطعم مر يتكوم في آخر الحلق .

بالنسبة لي .. لم تكن هناك سعادة بالمعنى الشائع بين الناس ولن أبالغ فأقول تعاسة..

إنها حالة مائعة بينهما .. فلا أدرك أحياناً إن كنت سعيدة أو تعيسة ..

تختلط الأمور كثيراً عليّ ..

هند .. يا هند .. عفواً إن أمي تناديني..وقفت خلفي مباشرة ثم سألتني: مع من كنت تتحدثين ..

أنا .. ! ثم رفعت كتفي في لا مبالاة.. كما تفعل البطلة في كثير من الروايات التي أدمنتها فترة من الزمن إنني الآن أتقمص دور إحدى البطلات المحبوبات لديّ .. تلك البطلة التي كانت تتعالى دائماً على الألم والخسران. ولكن دوري بغيض لأنه .. لأنه حقيقي .

أجل .. سمعتك تتحدثين .. هل تتحدثين مع نفسك؟؟!

نظرت إليها ملياً ثم ابتسمت .. أجبتها بهدوء : نعم يا أمي .. أتحدث مع نفسي.. قد تكون هذه العادة سيئة ولكنني أدمنتها..

صكت أمي خدها بكفها الصغير ثم .. ثم حدقت بي مندهشة .. بقيت واقفة.. حائرة لا تدري ماذا تفعل !

ثم جلست بالقرب مني .. هناك كلمات معلقة على شفتيها ولكنها لم تنطق .

بادرتها بالحديث .. أنقذتها من حيرتها وقلت لها بمنتهى الهدوء: أمي بماذا تفكرين ؟ ولماذا هذا الصمت ؟

نظرت نحوي بأسى وحب وقالت برقة متناهية : هند يا حبيبتي .. هل تشكين من شيء؟ أأنت مريضة .. ؟

ضحكت من صميم فؤادي و طوحت بدفتري في الهواء.. ثم قلت بانفعال شديد : كلا يا أمي.. لم تقولين ذلك ؟؟ إنني أكتب .. وعندما أكتب .. أحاور نفسي.. أتحدث معها بصوت عال وكأنها شخص آخر يجلس قبالتي.. إنها مجرد عادة..وأنا أرتاح عندما أحاور ذاتي.. فلن يكون هناك كذب أو خداع أو تزييف للحقائق .. والحوار مع الذات يريحني كثيراً ويساعدني في تحديد أفكاري وليس بي شيء فلا تخافي .. لا تخافي أبداً ..

ـ2ـ

حسناً .. يؤسفني أن ينقطع الحوار بيننا .. ولكن إكراماً لأمي توقفت ..

أمي ..! ربما لا يستطيع أحدكم تصور مدى رقة وشفافية مشاعر هذه المرأة .. وأنا أصفها بذلك كشخص مستقل عني تماماً وليس بدافع عاطفتي نحوها.. إنها امرأة من طراز نادر.. لقد تعبت وكافحت كثيراً .. من أجلنا.

إنها ترقبني أحياناً في صمت.. هي تدرك عمق الجرح

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007