[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
لحظات الهدوء الأخيرة قصة قصيرة
التاريخ:  القراءات:(1786) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  
لحظات الهدوء الاخيرة

* * *

ــ1ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكرة من الشرق إلى الغرب .. تخطت منتصف الرحلة بقليل .. شعاعها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف..يسقط داخل فوهات مواسير المدافع المنتشرة والمصوبة إلى الأمام .

الجنود فى المواقع يعيشون لحظة جديدة فى حياتهم.. أتت بعد انتظار ممل.. مارسوه طوال سنوات عاشوها فى ظل هوان لم يألفوه من قبل .. وأرغمهم على الاختفاءداخل الخنادق .. وكانت نظراتهم إلى المر المائى الذى يفصل بينهم وبين جنود العدو مصحوبة بالتحسر .. لكن نظراتهم هذه المرة كانت تسقط عليه ..وفى تخيلاتهم صور المهمة التى كانوا يستعدون لها من زمن .. وبدت على وشك التنفيذ.

الهدوء يجعل الأشياء تبدو وكأنها ميتة.. الوجوه المزروعة ثابتة فى مكانها .. النظرات وحدها هى التى تتحرك.. تمسح المكان جيدا من كافة الجهات ..ثم تستقر على المواجهة.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

ــ 2 ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب .. تخطت منتصف المسافة بقليل .. شعاعها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف ..يسقط على الشوارع المزدحمة بالنــاس و السيارات .. اضاف إلى جو المدينة الخانق المزيد مما يصيب النفوس بالضيق .. لكن الحركة تبدو بلا تغيير عن عاداتها فى مثل هذا الوقت من كل يوم..

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

ــ3ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من االشرق إلى الغرب .. تخطت منتصف الرحلة بقليل .. شعاعها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف ..ومازال الصمت التام يمارس استرخائه لللمرة الأخيرة على ضفتى المر المائى .

النظرات تعبره وتسقط على الضفة الأخرى.. ترقب الهدوء الذى يسودها بقلق مكتوم.. ثم

تعود مشحونة بالتلهف إلى لحظة الانفجار المرتقبة..وعندما تتواجه الوجوه .. يتلاحظ أن التعب قد اختفى عنها .. وبدا مكانه خليط من المعانى.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

ــ4ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب .. تخطت منتصف الرحلة بقليل..شعاعها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف..يسقط على سيارات الأوتوبيس المزدحمة بالركاب.. زاد من الشعور بالاختناق داخلها ..ومن لزوجة العرق الذى يغرق الأجساد المتلاصقة.

داخل السيارت تتكاثر المشاحنات على الأبواب خلال عملية النزول والصعود عند كل محطة تقف فيها..وفى وسطها تحدث مشادات بسبب المزاحمة على اللحاق بمقعد ..قبل أن يتركه الراكب الذى كان يجلس عليه.. ثم تتصاعد ويوشك الانفجار الكلامى أن يتحول إلى ضربات بالأيدى .. صرخت امرأة خوفا على طفلها الذى كانت تحمله على ذراعها ..وهى تقف محشورة وسط الزحام .. لم يعبأ بها أحد..صاح كهل :

ــ ياعالم ارحمونا .

لكن صوته ضاع بين ألفاظ السباب المتبادلة ..ولم يجد أيضا من يهتم به.. ذهب المحصل إلى السائق وطلب منه أن يتوجه بالأوتوبيس إلى أقرب قسم شرط’.

* * *
* * *
* * *
* * *
*

ــ5ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب .. تخطت منتصف الرحلة بقليل .. شعاعها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف .. لكن قادة المواقع انشغلوا عنه بمراجعة الخطة التى على وشك التنفيذ .. وأخذوا يفكرون بالعملية واحتمالاتها ..كل منهم يحـــــــاول أن يحدد فى ذهنه ما سيواجهه من احتمالات يجد أنها من المكن أن تحدث.

فى أحد المواقع سأل القائد جنوده بعد أن توقف عن التطلع فى ساعته :

ــ كلكم جاهزين ؟..

أجاب الجميع :

ــ تمام يافندم .

ــ هل يوجد بينكم من ينقصه شىء ؟..

ــ لا يا فندم ..

ــ كل منكم يعرف جيدا ما سيفعله ؟..

ــ بالضبط يافندم ..

ــ إذن لتبدو شجاعتكم كما عهدتها فيكم ..

ــ انشاء الله يافندم ..

عاد القائد يتطلع الى الساعة التى فى معصمه .. أخذ يرصد الدقائق والثوانى ويقدر مابقى

منها على لحظة الصفر .. ثم يعود للتطلع من جديد فى وجوه الجنود ليطمئن على معنوياتهم ..يتأكد من ارتفاعها لدرجة غير محدودة..فيشاركهم السكون الذى ساد على كل شىء..

* * *
* * *
* * *
**

ــ6ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب.. تخطت منتصف الرحلة بقليل .. شعاعها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف .. يسقط على أرضية حجرة النوم التى كانت كانت تقوم بترتيب محتوياتها .. نظراتها الملهوفة بالشوق واللهفة لا تستقر على شىء.. تميل إلى التغيير والتبديل ..ولم تتخلص من حيرتها التى تلازمها منذ الصباح..

" هذا هنا أفضل .. لا.. هنا.. ..ولو كان هنا يكون ..لا.. و.."

وتترك علامة الاستفهام تكبر فى ذهنها..

" كيف يحب أن يراه ؟"..

لكن واحهها بدا لها فى المرآة.. نسيت ماكان يشغلها وتجاهلت حيرتها ..ثم همست لنفسها:

" هذا هو الأهم.."

كانت واثقة أنه لن يهتم برؤية أى شىء بقدر اهتمامه بأن يراها جميلة .. تعرف أنه يشتاق إليها دائما.. وينسى معها صعوبة الحياة فى الجبهة.. أما هى فتنسى معه أيام الانتظار الممل وترقب مرورالأيام التى يغيب عنها فيها.. ماتعانيه خلال فترة الانتظار المشحونــة بالقلق .. والتى تبدأ من اللحظة التى تودعه فيها ..يصبح كشى ء كان عندما يتلاحمان عند العودة ..كل منهما يبدو للآخر فى لحظة اللقاء كالفرح الطالع من بين الأشياء .. ويعيشا معا أيام الاجازة كحلم..

كانت تنتظر بداية الحلم آخر اليوم ..لذلك تركت كل شىء يمكن أن يشغلها .. وأخذت تختار من أدوات الزينة مايبرز جمالها أكثر.. لكنها قبل أن تجلس أمام المرآة برزت لها مشكلة اختيار الثوب الذى سترتديه..إذ كان عليها أن تفاضل بين بين الأثواب الكثيرة التى اشتراها لها.. وخلال ذلك كانت تستمع إلى أغنية تذاع من الراديو ..وتسترجع لحظات استماعها إليها أول مرة وهو معها .

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

ــ 7 ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب ..تخطت منتصف الرحلة بقليل ..شعاعها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف ..يسقط على ثياب الجنود ..لكن أحدا منهم لم يشعر بالسخونة رغم أنها تسللت إلى جسده.. وهو يواصل التطلع إلى الضفة الأخرىيرقب مايبدو من جنود العدو ..بينما صور مرات العبور المائى التى شارك فيها مع بعض زملائه تتراءى له فى ذهنه.. وكان مايحزنه بعدها اضطرارهم إلى العودة بعد أداء مهمتهم التى تحددت لهم.. لأن الأوامر كانت تصدر لهم بالعودة بمجرد انتهائهم من التنفيذ .. فقد كانوا يتطلعون جميعا إلى اليوم الذى يعبرون فيه.. ولا يعودون فقط بحبات رمل من الأرض التى يحتلها العدو.. وإنما يبقون فيها كما يشاؤون..لكنهم كانوا يعرفون أن ذلك لن يتحقق إلا بعد تحرير الضفة

الأخرى ..وطرد جنود العدو منها.. كانوا يترقبون تحقيق هذا الحلم الذى كان يراودهم قرب تحقيقه قريبا تارة ..وبعيدا تارة أخرى.. وعندما توقفت عمليات العبور الخاطفة استكان الوضع وساد الهدوء الجبهة .. ساءهم الانتظار الممل رعم أنهم لم يفقدوا حماسهم.. لكنهم فى لحظة مفاجأة .. صدرت الأوامر بأن يكون العبور شاملا هذه المرة .. وبلا أوامر بالعودة..

تقدم أحدهم من القائد :

ــ لى طلبا واحدا يافندم ..

سأله باهتمام :

ــ ماهو ؟..

ــ أن أكون فى المقدمة ..

طمأنه بابتسامة ود :

ــ كلنا سنكطون فى المقدة

* * *
* * *
* * *
**

ــ8ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب.. تخطت منتصف الرحلة بقليل.. شعاعها الخريفى الذى يحمل لهب حرارة الصيف .. لكنه لايشعر به وهو يسرع فى خطواته وهو فى طريقه إلى البيت.. تسبقه فرحته بالرغم من اعتذاره من مشاركة أقرانه لعب الكرة ..فى قطعة أرض فضاء جعلوا منها ملعبا رسموا حدوده بخطوط طباشير.. كانت هذه عادته فى اليوم الذى يعرف فيه أن والده سيعود فى اجازة من الجبهة.. والتى كانت لاتتعدى بضعة أيام يقضونها فى النزهات والزيارت.. ومنذ أخبرته أمه فى الصباح قبل أن يذهب إلى مدرسته بموعد مجىء والده.. وهو يحاول أن يجمع فى ذهنه كل الرغبات التى سيطلب منه أن يحققها له.

* * *
* * *
* * *
**

ــ9ــ

الشمس تواصل رحلته اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب.. تخطت منتصف الرحلة بقليل.. شعاعها الخريفى الذى يحمل لهب حرارة الصيف .. يسقط مع نظرات الضباط والجنود التى تتجاوز الممر المائى على مواقع العدو.. تتابع ماقد يبدو على الموقع الحصين الذى يختبىء فيه جنود العدو .. وبدت محاولات لتخيل مايفعله جنود العدو داخل الدشم التى يحتمون فيها.. تتعدد الصور..وتختلف أشكالها.. لكنها توحى إلى وهم الأمان المستسلمين له..وتخيلاتهم وتخيلاتهم للقاء صديقاتهم المنتظرات لهم .. ليعيشوا لحظات متعة طوال اجازة العيد التى حان موعدها..

* * *
* * *
* * *
* * *
*

ــ10ــ

الشمس تواصل رحلتها اليومية المتكررة من الشرق إلى الغرب.. تخطت منتصف الرحـــلة بقليل.. شعاها الخريفى يحمل لهب حرارة الصيف.. يحتوى أسراب الطائرات وهو تمطر القذائف على مواقع العدو فى العمق.. يموت الهدوء .. وينتهى الاسترخاء الذى كان يشمل كل شىْ..

الأرض تنشق عن آلاف الجنود ..يغطون الممر المائى وهم يغبرونه.. ثم يبدأون فى تسلق الساتر الترابى قبل أن يشرعوا فى إزالته تماما..

طلقات المدافع تعبر من فوقهم وتسقط بغزارة على مواقع العدو..

حاملوا الأعلام يحاولون زرعها فى الأماكن العالية من الأرض المحررة..

الخط الحصين يتهاوى...

" الراديو" يذيع أول بلاغ عسكرى .. ويعلن احتضار الهدوء على الجبهة..

* * *
* * *
* * *
**

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007