[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قطعة جبن ورغيف خبز قطعة جبن ورغيف خبز
التاريخ:  القراءات:(3642) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
بسم الله الرحمن

قطعة جبن ورغيف خبز

قصة قصيرة

-1-

اليوم هو صبيحة الثلاثاء ....12-10-1431هجرية . سوف يظل هذا اليوم محفورا، في جدران الذاكرة ، هل يمكن نسيان هذا اليوم ؟ !

كلا ، رغم أن النسيان ، هو سنة إلهية ، تسري على كل شيء .

اليوم الثلاثاء ، إنه اليوم الأخير ، لن تعانق أصابعي القلم الأزرق الجاف ، لتسجل الاسم الثلاثي ، في سجل الحضور والانصراف .

اليوم الأخير، سوف أرسم حروف اسمي الجليل ، في سجل الحضور والانصراف ، وكذلك توقيعي الكريم .

اليوم ، تنفست الصعداء ، واستعدت ذاتي التي يبدو أنها قد ضاعت ، وتاهت وتلاشت في زحمة العمل الدؤوب ، والدوام الذي لا ينتهي . اليوم احتفل وابتهج بكل جوارحي ، لأنني أخيرا أطلقت رصاصة الرحمة ،على شخصي الكريم ، لأبدأ من جديد . فقد أصبحت بفضل التفاني في العمل ، مخلوقا آخر ، لا يمت لجوهر حقيقتي بشيء .

-2-

تلفت في الفناء الواسع ، أنعمت النظر ، في أنحاء فناء المدرسة ، ذات الطوابق المتعددة ، والبناء الجديد .

تأملت اللوحات ، والعلامات ، والملصقات الإرشادية ، والإعلانات ، والأشجار الباسقة ، وأحواض النعناع ، والورد الطائفي .

شعرت بأن الفناء جميل ، رأيت الخضرة ، والجدران المزينة برسومات زاهية ، والورود اليانعة ، وأوراق النعناع المخضرة .

كانت العصافير الرمادية الصغيرة تحلق في المكان . وتغرد بصوت صداح شجي .

تنازعتني مشاعر متناقضة ، مزيج غريب من الفرح والألم ، بهجة عميقة ، تنخر في أعماقها أشواك من الشك والخوف والحسرة .

إنه شعور غريب وعبثي ، لا أحسن وصفه بدقة ، بمجرد الكلمات ، شعور غريب ، عالق بين الموت والميلاد .

كأنني أشيع شخصي العزيز ، واستعد لأهيل على وجهي التراب ، لكنني أفعل ذلك ، بمنتهى المرح والتصميم .

ذهبت إلى غرفة الخالة ، تأملت فناجين القهوة ، وأكواب الشاي ، وأكياس الليبتون ، وعلبة السكر .

كذلك كانت هناك خزانة من الخشب ، تقبع في الزاوية ، وسجادة الخالة ، ومصحفها كذلك .

تذكرت رائحة القهوة ، المزينة بالهيل ، والتي كانت تعدها الخالة في الصباح .

نرتشف القليل من القهوة الساخنة ، بسرعة قد تلذع ألسنتنا ، ثم نجري إلى طابور الحصة الأولى .

- 3-

عشرون عاما ، في هذه الدوامة التي اسمها العمل ،عشرون عاما كنت أسمى امرأة عاملة ، تصحو مبكرا ، تبذل روحها وعقلها وأفكارها ، لتؤدي رسالتها السامية . تلك الرسالة التي تسخر من سموها المقيت . أي سمو يا رباه ، في هذا الجحيم الذي كنا نصطلي بنيرانه ، ليل ، نهار ؟!

ثم ماذا بعد ....؟

بالطبع لها بيت لا بد أن تأوي إليه ، وزوج مبجل لا بد من رعايته ، وأداء حقوقه ، وأبناء كذلك ، ينادونها " ماما " ليل ، نهار .

ماما ، أين جواربي ؟

ماما ، أين مصروفي ؟

ماما ، ماذا طبخت لنا على الغداء؟

كبسة رز مثل كل يوم ، ياه .... مللنا يا ماما ! ، لا نريد الأرز واللحم والدجاج . ثم يتأفف الأبناء ، ويصرخ الزوج الوقور ، لأنه لم يجد الثوب ، أو الشماغ .... وهكذا دواليك .

أحيانا كانت تجلس ، وتبكي بمرارة ، لأنها لم تعد قادرة ، على تحمل كل ، ذلك الضغط في المدرسة ، أو في البيت ، بل حتى في الطريق .

كانت تصرخ ، كل لحظة ، متى سوف ينتهي هذا العذاب ؟

أي شيء ترجو من هذه الدوامة ؟

هل تريد جني المزيد من المال ؟

وماذا يجدي المال ، عندما تنهار صحتها ، وتعتل قواها ؟

عمل مرهق ، المتطلبات كثيرة ، المشكلات لا تنتهي ، وزوجها لا يرضيه شيء البتة . يتهمها بالتقصير والإهمال .

كانت تتساءل بحيرة . ماذا أفعل ؟

الكل ساخط علي . وأنا أتفانى ، وأسعى دون جدوى .

-4-

عندما وقعت اسمها ، في سجل الحضور ، تذكرت يومها الأول ، في الدوام ، كان حافلا بالبهجة ، كانت آمالها عريضة ، ظنت لسذاجة تفكيرها ، أنها سوف تغير العالم ...!

ستحمل الأفكار الجميلة ، وتحياها . ستعلم التلميذات الصغيرات ، مباديء القراءة والكتابة .

ستعلمهن بحب وحنان وإخلاص ، لأنها تحب العلم حقا ، العلم والتعلم متلازمان ، وهما من أجل الأعمال .

إنها شغوفة بالتعلم ، شغفها بالحياة ذاتها ،منذ نعومة أظفارها ، تراقب الكون ، وتتعلم ، وتكتشف مظاهر الحياة من حولها .

طالما تمنت أن تحيا في ميدان العلم ، مثل ناسك في المحراب . لذة التعلم ، لا تعادلها لذة أخرى في هذه الحياة .

ولكن ، كم كانت صدمتها ، في الواقع ؟

العلم الذي شغفت به ، أيما شغف ، لم تجد له الاحترام الكافي .

هناك حزمة من التعاميم ، والأنظمة البالية ، التي تقيد العقل ، وتقتل الإبداع .

قوانين ، وأنظمة ، وتعميمات ، لا تنفك تقيد العقل ، وتكبل الفكر ، وتقتل الإبداع .

-5-

الطوابير الطويلة تمتد خلال الفناء الواسع ، ولا زالت الأجواء باردة قليلا ، والتلميذات كعادتهن يثرثرن ، ويتضاحكن ، وإحداهن تلكز الأخرى ، أو تشد ضفيرتها من الخلف ، والبعض منهن تفرك عينيها ، المليئتين بالنعاس .

بعد تلاوة القران الكريم ، من إذاعة المدرسة ، وبعض الأناشيد ، ارتفع صوت التلميذات ، بالنشيد الوطني ، سارعي للمجد والعلياء

سارعي للمجد والعلياء

مجدي لخالق السماء

سارعي .........

وارفعي الخفاق الأخضر

ينشر النور المسطر

رددي الله اكبر .... يا موطني

أما المديرة الموقرة ، فهي تعتلي منصة المسرح ، وتنعم النظر في وجوه الحاضرين ، مثل ملك يتفقد رعيته المباركة .

كما تراقب صفوف التلميذات ، وتمسكهن بالآداب والنظام ، أثناء السير ، وأحيانا تستوقف بعض المخالفات لأنظمة المدرسة ، تمهيدا للمساءلة والعقاب .

كذلك تتفقد المعلمات ، اللاتي يقفن بضجر ، وتأفف قريبا من صفوفهن .

إحداهن تتثاءب ، فهي لم تشبع من النوم ، وأخرى تضحك وتثرثر مع جارتها . ومعلمة شابة تتأبط دفاترها ، لأنها لا زالت في بداية الطريق .

كل هذه المشاهد قد ألفتها تماما ، مثل نبض قلبها وهواجس روحها . منذ سنين تعيش هذه الأجواء ، وتغرق في هذه المشاهد .

- 6-

وداعا للطوابير الطويلة ، لكل الدفاتر والأقلام والألوان ، لكل حروف الهجاء ، وأرقام الحساب ، وداعا للقهوة الساخنة ، ولقطع الجبن ، وأرغفة الخبز ، وداعا للسماء ، والأشجار ، والنعناع والأحجار .

حمدا لله ، اتخذت القرار الصحيح ، أنقذت روحي التي تاهت ، في دوامة العمل ، لا أريد هذا المال ، ولا ذلك الصداع . ولم أجد المجد أو النجاح .

ضاعت آمالي ، لأنني نزلت من برج الأفكار ، إلى معترك الحياة ، فلا أكاذيب ،ولا آمال تجدي .

ولكن سوف افتقد ، ولا شك تلك الابتسامات الصادقة ، التي تتحلى بها التلميذات الصغيرات ، ومواقفهن الطريفة والبريئة أحيانا ، كما سأفتقد صحبة الزميلات ، ومشاركتهن لي ،في كل المناسبات السعيدة أو التعيسة .

أجل كانت هناك أوقات جميلة ، قضيناها سويا ، كنا نتحدث في كل شئون الحياة ، نختلف أو نتفق ، نضحك ونبكي ، لا يمكننا محو مشاعرنا عبر تلك السنوات .

أجل ، الآن يمكنني الاستمتاع بالنوم ، حتى الظهيرة ، والسهر حتى الفجر .

ليس لدي دوام ، فليس هناك دروس ينبغي إعدادها ، ولا خطط لتنفيذ المناهج والأنشطة المصاحبة .

سوف احتفظ بالآراء السديدة ، حول التعليم ، وقيم التعليم ، ورغبات المتعلمين لنفسي .

لن أصغي رغم أنفي إلى توجيهات السيدة المديرة ، التي تكاد تحطم الأعصاب ، ولن يساورني القلق حيال الأوامر ، من قبل الأخت المشرفة .

ليس لدي ما يثير القلق والحمد لله . ودعت القلق ، والضغط ، وحصص الانتظار ، والطوابير المضجرة ، والاجتماعات المملة وغير ذلك .

25– 1- 1434

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007