[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الوجه المليح 
التاريخ:  القراءات:(3264) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
الوجه المليح

قصة قصيرة

- 1-

يا مطرة حطي ...حطي

بنت أختي ... جابت ولد

سمته ....عبد الصمد

يا مطرة حطي ... حطي

كانت تغني ، نشيدها الذي لم تنساه ، منذ طفولتها . تلك الفتاة المحبوبة ، التي حصدت كل بذور المحبة .

ارتدت أجمل الفساتين ، حطمت أغلى اللعب ، لديها عشرات الدمى منها الشقراء ، والسمراء ، والنحيلة ، من القماش والمطاط ، وغير ذلك .

كانت طفلة مدللة بحق ، يحبها جميع أفراد العائلة ، الأم شديدة التعلق بها ، لأنها الصغرى .

الأب يتلهف دائما على لقياها ، واحتضانها ، لأنها ابنته المفضلة ، إنها آخر العنقود ، سكر معقود .

كانت أمها تغني ، كلما هطل المطر ، لأن المطر عزيز ، فالمطر هو الحياة .

إنهم ينتظرون المطر موسما ، بعد آخر . وكم يضنيهم الانتظار ، وكأن المطر ، هو حبيب غائب .

تزدهر الأشواق ، وتصدح الحناجر بالأغنيات ، وتلهج الأرواح ، بالابتهالات الصادقة .

تنطلق الأيادي في ضراعة إلى السماء ، التي تنزل المطر . وعندما تصب السماء دموعها الذهبية ، التي تلمس شغاف قلوبهم ، يحتفلون ، ويغنون ، ويصلون كذلك .

يا مطرة حطي .... حطي

بنت أختي جابت ولد

سمته عبد الصمد

ها ههه .....ههه ثم يتردد صدى ضحكاتها ، كما يتردد صداح الطيور ، على الأغصان .

يتردد صداها على جدران الزمن ، تنساب ضحكتها الرقيقة ، البهيجة ، في صفحة الأيام ثم ....... ثم تختفي .

وتبقى تغني بصوتها العذب ، تغني للمطر ، وتمجد الحياة . تمجد رب السموات ، تبتهل بينما تغني . تضحك بينما تبكي روحها في صمت .

تلاحقها أمها العزيزة ، تحتضنها بقوة ، تكاد تحطم أضلاعها الرقيقة ، تطبع قبلاتها السخية ، على خديها وجبينها .

تنظر في عينيها بحب ، تقرص خدها مداعبة ، تتملص من قبلات أمها ، تهرب ، وتهرب و.......وتهرب .

- 2 -

الريح تعول في الخارج ، كانت قطرات المطر ، تصفع زجاج النوافذ ، بينما كانت تجلس وحيدة ، ترتشف القهوة المرة في صمت .

تكاد تنسجم مع الأجواء حولها ، إنها تحب عويل الريح ، كما تفتنها شقشقة القماري ، وهطول الأمطار وحبات البرد ، التي تتراكم على الأسطح ، والجدران ، والطرقات .

قلبها الرقيق ، يقدس كل صور الحياة ، والجمال .

كانت ترتشف القهوة ، المزينة بالهيل والزعفران ، وتصغي بكل حواسها، الى هزيم الرعد ، في الخارج .

أخذت الأمطار تهطل بغزارة ، قلبها يتلو صلوات الشكر ، للخالق ، المنعم ، المتفضل .

إنها تصغي لدقات قلبها ، التي تتضرع إلى الله ، في السراء والضراء . تبتهل إلى الله ، أن يمنحها السلام والسكينة . سلام وطمأنينة وتصالح مع الذات ، حتى لا تتهشم ، وتتمزق روحها ، تحت سياط القلق ، والانتظار يوما بعد يوم . الانتظار لما لا يحدث ، ولا يأتي أبدا .....!

- 3-

خرجت صفية من شرنقة الصمت ، هرعت إلى سطح الدار ، كما اعتادت في الأيام الخوالي .

إنها تحتفل بالحياة لأنها لا زالت تمجد الحياة ، وتتضرع إلى الله ، في صلواتها أن ينعم عليها بالسكينة والسلام .

روحها قلقة ، خائفة في بحث دائم عن الطمأنينة .

روحها مثل تلك الطيور المهاجرة ، التي تسعى إلى الاستقرار والسكينة ولكن أنى تجده .

إنها تسعى إلى السلام والهدوء والراحة ، فلا تجد إلا العذاب والحيرة .

اللهم أجعله غيثا مغيثا ، سقيا رحمة يا رب ، لا سقيا عذاب .

اللهم صيبا نافعا .

كانت تبتهل إلى الله ، غمرها شعور عميق ، بالسرور والارتياح .

طالما انتظرت المطر ، كما تنتظر هذه الارض العطشى

كاد يقتلها الجدب ، كما هذه الأرض .

روحها تذوي وتتهشم إلى الآلاف من الذرات كل يوم .

كانت الأمطار غزيرة، قد غسلت الأرض كلها ، وجرفت الأتربة ، والغبار و الجفاف .

أينعت الحياة وأزدهرت أشواقها .

وانطلق في الناس سياراتهم للاستمتاع بالأجواء بعد المطر .

واعتادت مراقبة المارة ، والطرق والشوارع ، التي كانت تلعمع ببقايا المطر ورغبت بصدق في نزهة على قدميها في التلال القريبة من الدار .

ولكنها تفكرت في حالها ، فتاقت نفسها إلى رفيق يؤنسها في النزهة ، وبينما كانت الظنون تملأ رأسها كانت هناك سيدة لطيفة، قد قرأت أفكارها .كانت تقف خلفها ، ترتدي عباءة واسعة ، ابتسمت لها برقة ، وأشرقت عيناها بتلك الابتسامة. ثم قالت : لماذا تبقين وحيدة وساكنة في هذه الأجواء العليلة ؟

ما رأيك لو نتمشى قليلا يا ابنتي ؟

-4-

صبغت شفتيها بلون قرمزي ، لونها المفضل ، كانت تقف أمام المرآة ، في غرفة نومها، زمت شفتيها المدورتين مرة ثم أخرى

قطبت جبينها الواسع، ومدت لسانها الأحمر .

ضحكت بمرارة ، ثم قبلت المرآة قبلة عميقة ، انطبعت القبلة باللون القرمزي ، على سطح المرآة .

ضحكت صفية من قلبها ، ضحكت ملء فمها ، كما في الأيام الخوالي .

عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها ، ذلك العمر الجميل ، عمر الأماني والأحلام الوردية ، أما الآن في قلب الضحك ، وخز من شوك الألم ، وضحكات تنتهي بأذيال من دموع .

هناك فرق كبير بين 16 عاما و 36 عاما .

يا إلهي !!

كيف مرت تلك السنوات تسرب العمر الجميل ، كما يتسرب الماء ، من بين الأصابع .

تسربت الضحكات الهنية ، وتقوضت الآمال يوما بعد يوم . نظرت إلى عينيها في المرآة ، قالت لنفسها ، بحسرة ولوعة : كيف تاهت خطواتك الواثقة يا صفية ؟ !

لماذا وجدت نفسك وحيدة ، هذه الوحدة ، التي سوف تقضي على روحك ؟

هل اخترت هذه الحياة أم فرضت عليك ؟

هل اخترت هذا المصير ؟

لست أدري !

أطالع في المرآة وجها مليحا ، هذا الجبين الناصع وهذه التقاسيم الرقيقة اللطيفة، وابتسامتي الحلوة لا تشوبها شائبة ، ولكن هل الحسن والجمال هو كل شيْ ؟

لا ينقصك الجمال ، ولا السمعة الطيبة كذلك .

ماذا ينقصك يا صفية ؟

ربما كنت بحاجة الى القليل من الحظ ، وقد يقول أحدهم القسمة والنصيب .

تنفست الصعداء ، حاولت أن تطرد الهواجس ، والظنون من عقلها .

حاولت أن تداري اضطرابها ، وألمها وحيرتها . كم هي حائرة ، ممزقة بين آمالها العريضة ، ومخاوفها وظنونها ، مما ينتظرها ؟

الحيوات من حولها تتغير ، كما تتغير الفصول الأربعة ، ويتعاقب الليل والنهار . أما حياتها فتبدو وكأنها قد توقفت ....!

حياتها مثل أرض يباب ، تنتظر المطر ، ولما يأت المطر ، تهفو إلى الخصب والحياة ، فلا تجد إلا الجدب والموت .

أصبحت تشك بذاتها ، أحيانا تتأمل وجهها في المرآة، تنظر إلى كل شبر في جسدها ، تتفقد كل شيء .

ماذا يحدث لي ؟

- 5 –

هل أنا سيئة الطالع ؟

رفيقات الصبا ، زميلات الدراسة ، بنات الجيران والمعارف ، إنهن أقل منها جمالا وذكاء ، وجميعهن ينعمن بحياة عائلية ، هادئة . بل أنجبت الكثير منهن عدة أبناء .

ما الذي يحدث لي ؟

من المدهش حقا ، أن تبدأ إجراءات الزواج ، ثم تنتهي إلى اللا شيء , دون سبب معقول .

كل مشروع يصل إلى الشوط الأخير ، ثم يتوقف .

عشرات النساء قدمن للزيارة ، وشرب القهوة ، ورؤية صفية عن قرب والتعرف إلى عائلتها .

وقد كانت تنال الاستحسان لجمالها ، ورقتها ، وسمعة عائلتها المحترمة . ولكن لا يكتمل أبدا .

- 6-

الخضرة اليانعة ، في داخلها ، تنحسر يوما بعد يوم . وتبدو الأشجار التي كانت وارفة الظلال ، عارية ، حزينة ، تردد أغنية الفناء والوحشة .

انقضت آمالها ، وذبلت أزهار عمرها ، وتساقطت في إناء الانتظار ، يوما بعد يوم ، ليلة تلو ليلة .

ترى ؟ ماذا تنتظر ؟

لا شك أنها تنتظر مثل أرض عطشى ، قتلها طول الجدب ، تنتظر بلهفة هطول المطر .

تنتظر نعمة السماء ، وبشارة الخصب والنماء ، فالمطر هبة الله ، وبشارة باستمرار الحياة ، على الأرض .

إنها كذلك ، تنتظر البشارة ، بشارة الرحمة والحياة والأمل .

ذاتها تهشمت آلاف المرات ، سحقتها العيون ، التي تتساءل عن حالها . والشفاه التي تهمس حولها .

ذاتها تبدو متهالكة ، مثل بيت قديم . ولكنها تتعالى فوق المزق والجراح ، تسمو على الحسرات ، إنها تقاوم الانهيار والرثاء للنفس .

يبدو الطريق لعينيها ، مظلما ، معبدا بالشوك ، مليئا بالعقبات ، ولكن عليها أن تقطع ذلك الطريق ، فالقطار لن يتوقف من أجل أحد .

عليها أن تواجه قدرها بما فيه من مسرات وآلام

-7 -

أماه ، بالله عليك ، أصدقيني القول ، ماذا ينقصني ؟

ابتسمت الأم ثم قالت : لا ينقصك شيء ، يا نور عيني ، أنظري إلى هاتين العينين النجلاوين ، وإلى جبينك الناصع ، وهذه الشفاه الحلوة . لا ينقصك شيء من أسباب الجمال .

لماذا تشعرين بالسوء ، وتشقين نفسك ؟

ولكن يا أماه ، لماذا ينفر مني كل الرجال ، ويبدأ مشروع الزواج ، ثم ينتهي دون سبب معقول . إنني لا أذكر عدد الخطاب لكثرتهم ، لا بد من سبب ، وإن كنا لا نعرفه .

-8-

تنهدت الأم بأسى ، وهي تشكو الحال لجارتها العزيزة ، فقالت : والله يا أختي إنني قد حرت في أمر ابنتي صفية ، فأنت تعلمين عن حالنا ما لا يعلمه أحد . أخاف أن أموت ، وتبقى هذه الفتاة وحيدة ، أنا قلقة عليها أشد القلق .

تفكرت الجارة في الأمر ، ثم قالت : هناك أمور غريبة تحدث لصفية ، فهي كاملة الحسن ، لطيفة المعشر ، على خلق ودين ، ولكن كل رجل يطلب قربها ، يذهب ثم لا يعود ، لا شك أن عين حاسد قد أصابتها ، أو سحر ساحر .

نكست الأم رأسها في خوف ، ثم قالت وماذا نفعل ؟

أعانك الله ، عليك أن تصطحبيها إلى أحد الشيوخ ليرقيها ، وعند ذلك سوف يتضح لك الأمر .

-

- 9-

ترى أين آمالي ؟

أين الأحلام الوردية ؟

أين عمري ؟

آمالي تنقضي ، وتذوي ، مثل بقايا الشمس خلف الأفق ، آمال تمتزج بالمرارة والحسرة ، لأنها ضائعة .

لازمها شعور عميق بالنحس . آمنت بذلك في قرارة نفسها ، لم تعد تعتني بهندامها ، هجرت المرآة ، أردت أن تنسى الوجه المليح .

كانت تردد بمرارة ، لو كنت قبيحة الوجه ، لعرفت السبب ، آه ليتني كنت كذلك ، لربما كنت أحسن حظا ! ثم تستسلم لألمها ، فتارة تبكي ، وتارة تضحك ، وينتابها شعور يشبه الجنون .

30 / 10/ 1433هجرية

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007