[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
القلب يسافر جنوبا  القلب يسافر جنوبا
التاريخ:  القراءات:(3409) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : فاطمة منسي  

بسم الله الرحمن الرحيم

القلب يسافر ...جنوبا

- 1-

الرحيل من مكان إلى آخر ، أمر فيه الكثير من المتعة الممزوجة بالألم ، التي يشوبها أحيانا الشعور العميق بالبهجة أو الشقاء .

ولو نتأمل حياتنا قليلا ، بعين فاحصة ، لعرفنا أننا منذ الميلاد حتى الموت ، في رحيل دائم .

نرحل من ظلمة الرحم ، إلى سعة الحياة ، نرحل من عمر إلى عمر ، ومن زمن إلى آخر ، ومن مكان إلى آخر ، وفي بعض الأحيان ، من قلب إلى قلب .

كلما دنا موعد الرحيل ، انتابها شعور بالقلق ، والخوف من المجهول . إنها كائن قلق ، تملأه الهواجس من كل شيء ، تتساءل حائرة : ماذا ينتظرني هناك على الضفة الأخرى ؟

إنها تشعر بهاجس الرحيل ، يسكن قلبها ، ويمزج مشاعرها ، وآمالها ، بمزيج الخوف والألم .

إنها تعيش في رحيل دائم لا يكاد ينتهي ، ولن ينتهي حتى يواري جسدها التراب .

رحلت من أعماق القرية الصغيرة ، قرية في أقصى الجنوب . تنام بين الجبال الشاهقة ، تتناثر منازلها فوق التلال ، والسفوح ، تعانق أبصار ساكنيها ، نجوم السماء ، وقمرها في الليالي المضيئة .

إنها بنت الريح ، والجبل ، والنجم والسماء .

- 2-

شدت رحالها ، لتغادر القرية إلى المدينة ، فتحت المدينة أحضانها ، وابتسمت لها مخاتلة ، مثل امرأة لعوب.

كانت ابتسامتها مخيفة ، وأحضانها باردة ، وقلبها من الفولاذ ، أو الصفيح أو النحاس . أو أنها بلا قلب ، وهل لامرأة مخادعة قلب ؟

ولت الفتاة من المدينة ، مذعورة ، رأتها مثل غول عظيم ، يسعى لابتلاعها .

تذكرت ( السعلية ) إنها الشخصية المحورية ، لكل حكايات جدتها . وتقصد بالسعلية الغول أو ربما فهمت هذا المعنى , أيام طفولتها ، وعندما كبرت قليلا ، أدركت أنها مجرد خرافة .

أدهشتها المدينة بشوارعها الفسيحة ، وطرقها المعبدة . بالأشجار الوارفة على جنبات الطريق ، بأحواض الزرع ، والورد , والحدائق الغناء .

والأسواق الكبيرة , المكتظة بالبضائع المختلفة , لكنها رغم ذلك , لم تحب هذه المدينة , لم تشعر بالارتياح , وليست شغوفة , بمعالم المدنية , والتقدم , ولا تدهشها البيوت , ذات الطوابق المتعددة , والجدران الشاهقة , والواجهات المزخرفة .

إنها في الحقيقة , تنفر من كل تلك المظاهر، وتنجذب إلى الشاعرية والهدوء . وتمثل ذلك كله في المسارب الضيقة , التي كانت تذرعها في قريتها الصغيرة .

حيث لا صخب . ولا ضجيج , ولا زحام , وتصحو على تغريد الطيور , فوق الأغصان , وترى القبرات , تحلق من مكان لآخر .

في قريتها الصغيرة لا زالت معظم البيوت من الطين والحجر , كذلك هناك بيوت على الطراز الحديث , لكنها لا تضاهي منازل المدينة .

وبعض الطرق معبدة , وأخرى ترابية , لكن روح القرية المسالمة , الهادئة , تطغى على مشاعرها . ليس هناك صخب , ولا أنوار ساطعة , ولا زخارف , ومظاهر المدينة الباذخة .

إنها قروية القلب , والمشاعر , والفكر , لا تثق بالمدينة , وتنفر من زحامها , وزخارفها , وخطوطها وصخبها وتشعر نحوها بالارتياب .

-3 -

لم تستطع عبدة التكيف بسرعة ، كادت تختنق من كل تلك المظاهر حولها ، شعرت بالخجل ، لأنها لا زالت ترتدي ثيابها ، التي تعلم جيدا ، أنها ثياب قروية ، " الكرتة " كما تسمى ، تصفف شعرها بالطريقة نفسها ، فلا بد لها أن تفرقه من المنتصف ، أحيانا تتركه يسترسل على ظهرها ، أو تجدله إلى ضفيرتين ، بينما كانت النساء حولها ، يصففن شعورهن بطرق جديدة عليها ، ورأت أنهن متحررات فقد حلقن شعورهن الطويلة ، وتبدو إحداهن كالرجال .

رأت النساء يرتدين تلك الملابس الغريبة التي تتكون من قطعتين ، علوية تسمى بلوزة ، والسفلية تنورة ، وقد رأت هذه الملابس في مجلة ، ولكن لم تعتد مثل هذا اللباس .

وكن يتهامسن بسخرية ، ألا تعرفين لبس التنورة ؟ معقول هذا؟!

ولكن هذا اللباس غريب عليها ، والفساتين التي ترتديها النساء ضيقة ، تفضح تقاسيمها التي تصعد أو تهبط ، وتبرز مفاتنهن المستورة ، فالصدور بارزة ، وكذلك الأرداف ، والسواعد عارية .

عندما تتأمل نفسها في المرآة ، يملأها الاغتباط ، والاعتزاز بذاتها ، فهي أجمل من كل أولئك النساء .

وما سميت عبدة إلا خوفا عليها من عيون الحساد ، لأنها فائقة الحسن ، بارعة الجمال ، فسمتها أمها عبدة ، لتحميها من العين ، كما يظنون .

إنها خرافة أخرى ، تنتشر في قرى الجنوب ، حيث يسمى الطفل باسم غريب ، لحمايته من عيون الحساد .

كانت تشعر بالمرارة والغيرة ، من تبذل النساء ، وتبرجهن ، وعدم خجلهن من إبراز مفاتنهن للعيون .

عندما حضرت مناسبات الزواج ، رأت وجوه النساء كوجوه المهرجين ، غارقة في أكوام من المساحيق .

أدركت أنها لا تستطيع مجاراة هؤلاء النساء ، والفتيات . في تبذلهن ، وتحررهن من قيود الحياء المصطنع ، فهن سعيدات بكونهن نساء ، بينما تخجل من كونها امرأة .

داخلها الشعور بالحسرة ، مشرقة ، وضاءة ، بهية كالشمس ، رقيقة ، عذبة كماء النهر .

ولكنها تشعر بالاختلاف ، وبثقل القيود ، التي ربما تمتد إلى أعماق نفسها .

رغبت في لحظات أن تحطم تلك الأغلال ، وتحيا مثلهن ، أو كما تحب ، ولكن أنى لها ذلك ؟

الآف الجدران ، ومئات من القيود والمحاذير ، تحجب عن روحها حتى نسائم الهواء .

إنها ترى في تبذلهن ، وقاحة وجرأة ، تفقدهن الكثير من أسباب الفتنة والجمال ، بينما تتحلى هي بالتهذيب الذي قد يصل إلى حد التزمت ، ولكنها ذات طبيعة متحفظة ، وتربت على هذا الأساس .

لقد تربت على الحشمة ، والحياء ، فهي تتحدث برقة وبنغمة منخفضة ، لأنها امرأة ، ولا تضحك بصوت عال ، فصوتها عورة .

انتابتها مشاعر الحيرة ، أخذت تفكر في القيم التي تربت عليها ، في ذلك الميراث العريق من الصواب والخطأ ، لأول مرة تتساءل عن نظرتها حول نفسها ، وعن العالم من حولها .

تساءلت ، لو عشت في هذه المدينة ، هل سأكون مثلهن ، وهل سأفكر بذات الطريقة ؟!

- 4-

كان زوجها يشعر تماما ، بكل تلك الأفكار ، والمشاعر المتناقضة ، التي تضطرم في عقلها .

كانت تعجبه تماما كما هي ، ليس لجمالها فحسب ، ولكن لطبيعتها العفوية ، الصادقة البعيدة عن التصنع والزيف .

إن جمالها رباني ، خالص ، باهر لا يحتاج إلى دهن وأصباغ .

إنه يشعر بشيء من القلق والخوف ، من غيرتها واندفاعها ، وحديثها الذي لا ينقطع عن نساء المدينة ؟!

قال لها بإيجاز ، لو كانت هناك امرأة في هذه المدينة ، قد أعجبتني ، فلماذا لم اقترن بها ؟!

لماذا فضلت الزواج منك يا عبدة ؟

رأيت الكثير من النساء ، ولكنني كنت أبحث عن امرأة تسكن روحي ، امرأة صادقة ، بعيدة عن تصنع النساء وحيلهن التي لا تكاد تنتهي .

ما لا أحبه في بعض النساء ، أنهن يتلون ويتبدلن كما تتبدل الحرباء .

أرجوك لا تحاولي السير على خطاهن ، لقد أسرت روحي منذ النظرة الأولى .

-5-

سكنت في شقة صغيرة ، في الدور الأول من منزل كبير ، يتألف من أدوار متعددة ، ويحيطه فناء واسع ، ويزين الرخام واجهته الأمامية .

الأشياء في نظرها كل الأشياء ، تبدو جميلة ، لأنها لا زالت شابة في مقتبل العمر ، تنظر إلى ألأشياء ، عبر مرآتها السحرية ، الصافية ، الصادقة التي تعكس ذاتها النقية .

وعندما يكون الإنسان في مقتبل العمر ، يبدو كل شيء لعينيه ساحرا ، ونديا كالصبح في يوم ربيعي .

الإنسان لا يغوص في قلب المشكلات ، لا يحلل المواقف ، ولا تصدمه التناقضات .

في مجلس العائلة ، يوم الجمعة ، دارت أقداح القهوة ، المرة بين جموع النساء ، كانت عبدة ، تتحدث إلى أم زوجها . همست إحدى القريبات للأخرى ، أنظري كيف تتحدث ؟

بالله عليك .... كوني جميلة واصمتي ...!!

ضحكت رفيقتها بتهكم ، ثم قالت : من يصدق أن ابن عمك قد يتزوج من هذه القروية الساذجة ؟

قطبت الأخرى جبينها ، وقلبت شفتيها ، قائلة : لم أكن أصدق أن الرجل ذا المؤهل العالي ، والثقافة العميقة ، قد يتزوج فتاة ساذجة ، ذات تعليم متوسط .

زفرت الأخرى بحسد وغيظ ، ثم قالت : لا شك أنه فتن بجمالها الأخاذ . وكما يقال فالحب معصوب العينين .

لقد شاع وذاع خبره معها في كل المدينة ، إنهم يتحدثون عن الفتاة الحسناء التي جاءت من أقصى الجنوب ، وحظيت بكل الحب والاحترام .

لا ينفك ابن عمك العزيز ، ولا يمل من الحديث عن فضائلها المتعددة في كل مجلس !!

آه ... لازلت أذكر وجهه ، وهو ينظر إليها في ليلة الزفاف ، كان يبدو شغوفا بها ، وهائما لا يكاد يشعر بالمدعوين من حوله .

ألا تلاحظين ، كيف تتحدث ؟

لهجتها غريبة ، ولا تعرف أساليب المجاملة ، والكلام ، وهذه الأزياء الغريبة التي ترتديها ، وتصفيف شعرها ، إنها لا تحسن مسايرة الموضة ، بل لا تعلم عنها شيئا ، وينقصها الكثير من آداب وأساليب العيش في المدينة ...!!

ربما كنت على حق ، هكذا ردت الأخرى ثم أردفت ولكن عليك التسليم بالهزيمة ، فقد طار العصفور إلى عش آخر ...!

- 6-

كان يقف بالباب ، رجل أسمر الوجه ، ممشوق القوام ،يضع شماغه ، على كتفه الأيمن ، توحي صورته العامة بالعبث .

التفتت عبدة ، لتغلق الباب الموارب ، ثم التقت عيناهما ، كأن دورة الزمن ، قد توقفت برهة من الوقت .

شدهت وجمدت في مكانها . كأن أحدهم قد سمرها في المكان ، بينما كانت عيناه تجوسان في أنحاء جسدها ، باشتهاء وشراهة .

تراجعت بسرعة ، ثم صكت الباب بعنف ، قالت لنفسها : يا رب ألا يستحي هذا الرجل ؟

عادت ثانية إلى الباب ، لتحكم إغلاقه ، خامرها شعور غريب بأن ذلك الرجل ، قد يقتحم عليها المكان .

في عيني ذلك الرجل الغريب ، معنى لا تفهمه ، لا تدري ، لماذا شدهت وارتجفت أوصالها ، بينما كان ينظر إليها ؟!

لماذا أشاع في نفسها الاضطراب ؟

ليست المرة الأولى التي تلاحقها العيون , عيون الرجال التي لاتنفك تتأمل في حسنها البارع , منذ زمن بعيد , منذ طفولتها السعيدة , في أقصى الجنوب ,

ولكن نظرات ذلك الرجل مفزعة , وكذلك ابتسامته العابثة , التي تشي بالمكر , والغواية .

صورته المتربصة , تتردد في خيالها , وتجثم على صدرها مثل صخرة.

والمشكلة أنه جارهم , فهو يسكن في الشقة المقابلة وسوف تصادفه كثيرا .

حاولت أن تهدأ , وتخفف من الهلع , والاضطراب وتفكر جيدا , كيف تتجنب ذلك الرجل .

رأت وجها آخر من وجوه المدينة , وجها لم تحبه على الإطلاق

في عيني ذلك الرجل نذير شر , وكذلك في عيني المدينة نذر شر , وفي قلبها ثلج وبرد وعذاب . الزيف والكذب ، والصورة الخادعة تغلفان كل شيء , النظر والابتسام والكلام .

ترحمت على حياتها الهادئة , في أحضان القرية الصغيرة .

هزها الشوق إلى أهلها , وأقاربها , ورفيقاتها .

عندما أقفلت عائدة من زيارة لإحدى الجارات , كادت تتعثر في الطريق ، عندما لمحت شبح ذلك الرجل الغريب ، يرصدها من خلال النافذة .

همست لنفسها بعجز قائلة , كنت أعلم أن هذا الرجل سوف يطاردني , ويترصد حركاتي . لقد فزعت من عينيه وابتسامته .

أسرعت والخوف والقلق يستوليان عليها , وعندما وصلت إلى البوابة الكبيرة , كان يقف هناك , ينظر إليها ويبتسم .

جزعت , وحارت كيف تتصرف معه , هل تصده ؟

هل تكلمه بتهذيب ؟!

ربما يشجعه ذلك على ملاحقتها , لكنها فضلت أن تعود من حيث جاءت , فذهبت إلى جارة أخرى لتنقذ نفسها من مواجهته .

خامرها الشعور بالخوف , مثل خوف الفريسة , التي تعلم أن الصياد , يطاردها , وينتظرها في مكان ما و ربما لا تنجو من قبضته .

أسقط في يدها ، حائرة ، مضطربة ، ممزقة أشد تمزيق .

ماذا أفعل ؟

أي طريق أسلك ؟

هل أخبر زوجي بالأمر ؟

ربما يرتاب في سلوكي ، قد تحدث مشكلة كبيرة بينه وبين ذلك الرجل .

يا رب دلني على الصواب ، أرجوك يا إلهي .

وترددت كلمات أمها في عقلها ، عندما ودعتها بقولها : لقد حلمت أن أغادر هذه الجدران والجبال، إلى عالم آخر ، ولم يتسنى لي ذلك ، ولكن أنت صورة أخرى من آمالي ، وسوف تذهبين إلى ذلك العالم ، لن تكون الحياة سهلة ، تذكري ذلك ، لا تهربي أبدا من أية مشكلة ، عليك يا ابنتي ، أن تخوضي الحياة بشجاعة .

12- 1- 1434

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007