[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الخروج من رحم القهر قصة
التاريخ:  القراءات:(1527) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  
الخروج من رحم القهر

============

مثل غيمة تمر كان الفرح يخطر بذهنى.. يتوهج للحظة ثم ينطفىءبعدها تاركا للحزن مكانه داخل نفسى.. فأشعر بالأسى يورق وسط همومى..وأتقوقع أكثر داخل عالم القهر الذى أسكن فيه.. أبنى من التراب البيت الذى أحلم به.. وأشد رفيقتى معى إليه.. نمشى فى الطرقات تحت ظل أغصان الزيتون الخضراء ..نتهامس تحتها بكلمات الحب .. ونرسم معا الجياة التى نريدها ..فنتخيل أننا نعيش داخل قصر سخت علينا أوهامنا بكثرة ونحن فيه.. ووضعته وسط حديقة جميلة ..زرعنا فيها الورد الذى أزهر بكل ألوانه.. وأثناء مرورنا وسط عالم البهجة قطفت بيدى زهرة ياسمين قدمتها لها :

ــ عاد الربيع إلى العالم..

تفتت حلم اليقظة على ساحة الألم التى غطت وجهها ..بينما أخذت تحاول أن تبدو متفائلة ..وارتعشت رموشها :

ــ أنت تحلم بالمستحيل ..

ــ المستحيل ؟ا..

ــ من الأفضل لنا أن نتخيل أشياء أخرى..

تشابكت أصابعنا ونحن نتواجه ... أخذت أحدق فى وجهها .. ومضيت أتأمل نبغ الحزن الذى يفيض باستمرار ...

ــ أتعرف ؟.

ــ ماذا ؟

توقفت على شفتيها الكلمات.. ولا أدرى لماذا سكتت .. هززت رأسى وابتسمت فى أسف.. ثم سألتها :

ــ لو طال بنا العمر .. أى شىء تتمنين ؟..

ــ أتمنى ؟..

ولمحت على شفتيها ابتسامة سخرية ..ثم بدت وكأنها تحلم وهى هائمة بنظراتها :

ــ أتمنى المستحيل ..

ــ المستحيل ؟ا..

ــ المستحيل الذى تخيلته أنت منذ لحظات..

ــ لكنك اقترحت أن نتمنى شيئا غيره ..هزت رأسها دلالة على الإيجاب ..ثم قالت :

ــ لكننى وجدت أنه الشىء الوحيد الذى أتمناه..

لفنا الصمت .. واختلطت فى عيوننا حلاةوة الحلم بمرارة الحقيقة.. أخذنا نتطلع إلى الأشياء بنظرة غير واعية ..لكنها ركزت عينيها فى عينى :

ــ ألا ترى أن حلمنا الميت ربما يصحو ذات يوم ..

ابتسمت بمرارة :

ــ كأننا نركض وراء المستحيل ..

لذلك عندما حدثت المفاجأة بدا لنا الأمر غريبا فى البداية.. و للحظات بقى الشك بقى داخل نفسى :

ــ لقد عبرنا إلى الشرق.. رددت الكلمات بدهشة :

ــ عبرنا إلى الشرق..

ــ زرعنا أعلامنا بطول الجبهة ..

ــ شيئا فشيئا بدأ الفرح الهارب يعود إلى نفسى ..وأخذت أتخيل الأرض النائمة بعد أن استيثظت فجأة.. وكيف اهتز جبل الأوهام قبل أن يتحطم.. بينما كنت اشعر فى داخلى بإحساس السرور المباغت.. وبدوت مثل سجين يخطو خطوته الأولى لحظة خروجه إلى ساحة الحرية.. لكن الغرابة ظلت تمتد داخل نفسى وحاولت بصعوبة أن أقنع نفسى بحقيقة مايجرى على أرض المعركة.. بأنه ليس رؤيا واهية.. صنعتها أوهامى فى منام أحلام الحنين إلى الخروج من رحم القهر..لكن الحقيقة مالبثت أن أخذت تتخلص شيئا فشيئا من سحب الشك التى راودتنى ..ولم تعد خافية عن عينى..

انطلقت أعدو كالمطارد داخل المدينة التى كانت تبدو وكأنها أصيبت بالعقم.. أخذت أجوب الشوارع والميادين .. أتأمل الفرحة المكتومة وهى تشرق على الوجوه من بين سحب

الحزن.. أحسست بها تغسل نفى من همومها.. لكننى للحظة تذكرت بداية سقوطى فى هوة اليأس المدمر ..والذى بدا وكأنه لا يريد أن يتخلى عنى ببساطة .. وهطل الأسى فى أعصابى بغزارة المطر .. عندما استرجعت فى ذاكرتى ماحدث فى ذلك الصيف الحزين ..والذى انقض علينا كالصاعقة دونما توقع أو انتظار..

فمثلما يبدو فى الأحلام تراءت لنا الريح وهى تندفع فى زوبعة عاصفة .. أخذت تشتت كل ما فى طريقها.. وتقتلع الأشجار من جذورها ..ثم تهدم البيوت على من فيها.. راقبت مايتراءى لى بحماس شديد ..لكن ماتت الريح فجأة .. وسكنت العاصفة قبل أن تتحرك..ثم فاحت رائحة نتنة أصابتنى بالغثيان الشديد .. وعندما انتبهنا وجدنا الألوان كلها قد استحالت إلى اللون الأزرق.. وبدت الوجوه والأبنية مكسوة بالهباب.. وفرد اليأس شراعه فوق رؤسنا.. حينها تم دفن آمالنا وأحلامنا داخل رحم الليل الطويل..

مسحت بيدى على وجهها وتطلعت إليها .. وجدت عينيها لا تنتبه إلى شىء مما يدور حولنا.. كانتا مفتوحتين بقدر اتسعهما.. لكنها تبدو وكأنها لاترى شيئا .. هززتها برفق لتفيق من هول الصدمة التى داهمتنا..

ركزت عينيها فى عينة :

ــ ماجمعناه فى سنوات ضاع منا فى أيام ..

تفجرت المرارة فى داخلى ..وأحسست بوخز شديد يسرى فى جسدى ..لكننى استطعت أن أكتم آهة كانت ستنفلت منى..

لاحظت هى ذلك.. تحشرج صوتى داخل حلقى :

ــ لقد اتسعت هوة الجرح..

تغير لون وجهها وشابه اصفرار الأموات ..

فى تخاذل نهضت معها ثم مشيت بجوارها .. أخذنا نمسح الطريق بعيوننا ..وكأننا نبحث عن شىء ضاع منا..ثم توقفنا على المنحدر معا.. تجرعنا عواء الفشل فى أعماقنا .. وعندما تواجهنا بدت الدموع فى عينيها ..مددت يدى إلى يدها.. تضاغطت يدانا بشدة.. ثم مستهما رعشة استمرت لفترة قبل أن تهدأ..

حولت وجهها عنى .. وشابها صوتها صوت النائحة التى بح صوتها بعد صراخها فى مأتم وهى تسألنى :

ــ ماذا ترى ؟..

ــ الغيوم تحجب الرؤيا عن كل شىء..

طوينا الخزى تحت جراحنا ..ومضينا نبحث عن حبات أمل نزرعها من جديد.. آملين أن تكبر مع الأيام.. لكن صوت الرحيل طن فى أذنى وحاولت أن أقاومه.

* * *
* * *
* * *
* * *
**

لم يكن من الغريب بالنسبة لنا أن نرى المدينة وقد عادت الحياة فيها إلى روتنيتها العادية..وكأن شيئا لم يحدث ..فقد تعودنا على ذلك لأن هذا هو شأنها دائما بعد أى حدث.. مهما كان خطيرا ..لاتهتم به إلا وقت حدوثه ..ثم تنشغل عنه.. لكن المدينة بدت هذه المرة مثل مجنونة تتيه بخيلائها ..فبسرعة غريبة توقفت مراسم الحزن ..وتخلصت الأضواء من شحوبها.. ولم تعد تسقط على الأشياء بلونها الرمادى الحزين..

قالت فى انكسار :

ــ أشعر بالخوف من المجهول..

لم أجد غرابة فى ماقاته.. فقد كان من الطبيعى أن يحدث لهاهذا ..

سألتنى :

ــ ألا تشعر بذلك ؟

أخذت أحدق فى وجهها .. طال صمتى أكثر من المعقول ..

ــ لم تقل أى شىء..

ــ أتريدين أن أعترف بالخوف مثلك ؟..

ــ ألسنا نعانى من شىء واحد ؟..

ــ لكننى أخالفك بإحساس آخر..

ــ ماهو ؟..

ــ الغربة ..

ثم نقلت إليها فكرة الرحيل ..قالت برجاء :

ــ لاترحل وتتركنى..

ــ لكننى أشعر بالغربة فعلا..

ــ حتى وأنت معى؟..

لم أقو على قول الحقيقة لها..وحولت نظراتى عنها .. قالت :

ــ كنت أظن أننى سوف أستطيع أن أنسيك هذا الإحساس ..

عدت أتأمل وجهها احزين فى صمت .. سألتنى :

ــ إلى أين ستذهب ؟..

ــ إلى أى مكان ..

بدت الخشية على وجهها :

ــ أى مكان ؟..

ــ لافرق بين مكان وآخر فى الغربة ..

حاولت أن تثنينى عن عزمى ..

ــ أعد التفكير فى الأمر..

ــ لقد فكرت كثيرا..ولم أجد مايدعونى إلى التراجع..

ــ وأنا ظ.. الم تفكر فى؟..

ثم أضافت :

ــ كيف سيكون حالى وحيدة بعد أن تذهب..

أخذت احدق فى وجهها طويلا .. بدا لى مثل ساحة اختلطت فيها المعانى ببعضها.. وتمتزج كلها فى نداء صامت يدعونى إلى البقاء..

أجبتها فى حزن :

ــ أنت وحدك التى سيؤلمنى تركك..

هطلت من عينيها رخات حب ..

ــ ولماذا لاتبق معى ؟ا..

ــ لا أستطيع..

ــ ألا تعرف أن رحيلك يؤلمنى؟..

أجبتها بتنهيدة اسى .. ولم يكن بجديد أن أرى كل شىء رائع فى وجهها ..حتى الحزن.. أحسست بألم يطحننى فى قسوة ..وكدت أنها أمامها ..

بادلتنى المواجهة بألم ورددت:

ــ كما تريد ..

وظلت تاركة عينيها فى مواجهتى للحظات .. ثم مشت تتعثر فى خطواتها..

* * *
* * *
* * *

شوارع المدينة تتشابك وتصب فى بعضها بامتداد قد يطول أحيانا .. وقد يؤدى إلى خارجها.. لكننى أدور بداخلها كالذى استطاب شيئا على وجوه المارة .. فأخذ يمعن النظر فيه.. مضيت فى الشوارع والحارات .. بدت لى ملامح الوجوه صادقة الإحساس بالفرح.. وعندما أشرق وجهها اندفعت نحوها بلهفة .. بدت لى ابتسامتها صافية خالية من الحزن..وفتحت لى ذراعيها.. ضممتها باشتياق ثم التحمنا فى عناق طويل..

رغم شمس الخريف الحارة نوعا ..والبادية بلا غيوم .. شعرت أن مواكب الربيع تزفنا .. تماثل لنا الحلم البعيد الذى طال انتظارنا له.. وهو يتحقق على الشاطىء الآخر الذى احتضر عليه الصمت.. وبدت لنا غابات الخوذ وقد استحالت كلها إلى قباب نصر .. تحتها يقام حفل عرس تعالت فيه نغمات الفرح المزهر فى أعماقنا .. وأسكتت عويل الفشل الذى كان يلاحقنا.

* * *
* * *
* * *
*


الخروج من رحم القهر
============

مثل غيمة تمر كان الفرح يخطر بذهنى.. يتوهج للحظة ثم ينطفىءبعدها تاركا للحزن مكانه داخل نفسى.. فأشعر بالأسى يورق وسط همومى..وأتقوقع أكثر داخل عالم القهر الذى أسكن فيه.. أبنى من التراب البيت الذى أحلم به.. وأشد رفيقتى معى إليه.. نمشى فى الطرقات تحت ظل أغصان الزيتون الخضراء ..نتهامس تحتها بكلمات الحب .. ونرسم معا الجياة التى نريدها ..فنتخيل أننا نعيش داخل قصر سخت علينا أوهامنا بكثرة ونحن فيه.. ووضعته وسط حديقة جميلة ..زرعنا فيها الورد الذى أزهر بكل ألوانه.. وأثناء مرورنا وسط عالم البهجة قطفت بيدى زهرة ياسمين قدمتها لها :
ــ عاد الربيع إلى العالم..
تفتت حلم اليقظة على ساحة الألم التى غطت وجهها ..بينما أخذت تحاول أن تبدو متفائلة ..وارتعشت رموشها :
ــ أنت تحلم بالمستحيل ..
ــ المستحيل ؟ا..
ــ من الأفضل لنا أن نتخيل أشياء أخرى..
تشابكت أصابعنا ونحن نتواجه ... أخذت أحدق فى وجهها .. ومضيت أتأمل نبغ الحزن الذى يفيض باستمرار ...
ــ أتعرف ؟.
ــ ماذا ؟
توقفت على شفتيها الكلمات.. ولا أدرى لماذا سكتت .. هززت رأسى وابتسمت فى أسف.. ثم سألتها :
ــ لو طال بنا العمر .. أى شىء تتمنين ؟..
ــ أتمنى ؟..
ولمحت على شفتيها ابتسامة سخرية ..ثم بدت وكأنها تحلم وهى هائمة بنظراتها :
ــ أتمنى المستحيل ..
ــ المستحيل ؟ا..
ــ المستحيل الذى تخيلته أنت منذ لحظات..
ــ لكنك اقترحت أن نتمنى شيئا غيره ..هزت رأسها دلالة على الإيجاب ..ثم قالت :
ــ لكننى وجدت أنه الشىء الوحيد الذى أتمناه..
لفنا الصمت .. واختلطت فى عيوننا حلاةوة الحلم بمرارة الحقيقة.. أخذنا نتطلع إلى الأشياء بنظرة غير واعية ..لكنها ركزت عينيها فى عينى :





ــ ألا ترى أن حلمنا الميت ربما يصحو ذات يوم ..
ابتسمت بمرارة :
ــ كأننا نركض وراء المستحيل ..
لذلك عندما حدثت المفاجأة بدا لنا الأمر غريبا فى البداية.. و للحظات بقى الشك بقى داخل نفسى :
ــ لقد عبرنا إلى الشرق.. رددت الكلمات بدهشة :
ــ عبرنا إلى الشرق..
ــ زرعنا أعلامنا بطول الجبهة ..
ــ شيئا فشيئا بدأ الفرح الهارب يعود إلى نفسى ..وأخذت أتخيل الأرض النائمة بعد أن استيثظت فجأة.. وكيف اهتز جبل الأوهام قبل أن يتحطم.. بينما كنت اشعر فى داخلى بإحساس السرور المباغت.. وبدوت مثل سجين يخطو خطوته الأولى لحظة خروجه إلى ساحة الحرية.. لكن الغرابة ظلت تمتد داخل نفسى وحاولت بصعوبة أن أقنع نفسى بحقيقة مايجرى على أرض المعركة.. بأنه ليس رؤيا واهية.. صنعتها أوهامى فى منام أحلام الحنين إلى الخروج من رحم القهر..لكن الحقيقة مالبثت أن أخذت تتخلص شيئا فشيئا من سحب الشك التى راودتنى ..ولم تعد خافية عن عينى..
انطلقت أعدو كالمطارد داخل المدينة التى كانت تبدو وكأنها أصيبت بالعقم.. أخذت أجوب الشوارع والميادين .. أتأمل الفرحة المكتومة وهى تشرق على الوجوه من بين سحب
الحزن.. أحسست بها تغسل نفى من همومها.. لكننى للحظة تذكرت بداية سقوطى فى هوة اليأس المدمر ..والذى بدا وكأنه لا يريد أن يتخلى عنى ببساطة .. وهطل الأسى فى أعصابى بغزارة المطر .. عندما استرجعت فى ذاكرتى ماحدث فى ذلك الصيف الحزين ..والذى انقض علينا كالصاعقة دونما توقع أو انتظار..
فمثلما يبدو فى الأحلام تراءت لنا الريح وهى تندفع فى زوبعة عاصفة .. أخذت تشتت كل ما فى طريقها.. وتقتلع الأشجار من جذورها ..ثم تهدم البيوت على من فيها.. راقبت مايتراءى لى بحماس شديد ..لكن ماتت الريح فجأة .. وسكنت العاصفة قبل أن تتحرك..ثم فاحت رائحة نتنة أصابتنى بالغثيان الشديد .. وعندما انتبهنا وجدنا الألوان كلها قد استحالت إلى اللون الأزرق.. وبدت الوجوه والأبنية مكسوة بالهباب.. وفرد اليأس شراعه فوق رؤسنا.. حينها تم دفن آمالنا وأحلامنا داخل رحم الليل الطويل..
مسحت بيدى على وجهها وتطلعت إليها .. وجدت عينيها لا تنتبه إلى شىء مما يدور حولنا.. كانتا مفتوحتين بقدر اتسعهما.. لكنها تبدو وكأنها لاترى شيئا .. هززتها برفق لتفيق من هول الصدمة التى داهمتنا..
ركزت عينيها فى عينة :
ــ ماجمعناه فى سنوات ضاع منا فى أيام ..
تفجرت المرارة فى داخلى ..وأحسست بوخز شديد يسرى فى جسدى ..لكننى استطعت أن أكتم آهة كانت ستنفلت منى..
لاحظت هى ذلك.. تحشرج صوتى داخل حلقى :
ــ لقد اتسعت هوة الجرح..
تغير لون وجهها وشابه اصفرار الأموات ..





فى تخاذل نهضت معها ثم مشيت بجوارها .. أخذنا نمسح الطريق بعيوننا ..وكأننا نبحث عن شىء ضاع منا..ثم توقفنا على المنحدر معا.. تجرعنا عواء الفشل فى أعماقنا .. وعندما تواجهنا بدت الدموع فى عينيها ..مددت يدى إلى يدها.. تضاغطت يدانا بشدة.. ثم مستهما رعشة استمرت لفترة قبل أن تهدأ..
حولت وجهها عنى .. وشابها صوتها صوت النائحة التى بح صوتها بعد صراخها فى مأتم وهى تسألنى :
ــ ماذا ترى ؟..
ــ الغيوم تحجب الرؤيا عن كل شىء..
طوينا الخزى تحت جراحنا ..ومضينا نبحث عن حبات أمل نزرعها من جديد.. آملين أن تكبر مع الأيام.. لكن صوت الرحيل طن فى أذنى وحاولت أن أقاومه.

**************

لم يكن من الغريب بالنسبة لنا أن نرى المدينة وقد عادت الحياة فيها إلى روتنيتها العادية..وكأن شيئا لم يحدث ..فقد تعودنا على ذلك لأن هذا هو شأنها دائما بعد أى حدث.. مهما كان خطيرا ..لاتهتم به إلا وقت حدوثه ..ثم تنشغل عنه.. لكن المدينة بدت هذه المرة مثل مجنونة تتيه بخيلائها ..فبسرعة غريبة توقفت مراسم الحزن ..وتخلصت الأضواء من شحوبها.. ولم تعد تسقط على الأشياء بلونها الرمادى الحزين..
قالت فى انكسار :
ــ أشعر بالخوف من المجهول..
لم أجد غرابة فى ماقاته.. فقد كان من الطبيعى أن يحدث لهاهذا ..
سألتنى :
ــ ألا تشعر بذلك ؟
أخذت أحدق فى وجهها .. طال صمتى أكثر من المعقول ..
ــ لم تقل أى شىء..
ــ أتريدين أن أعترف بالخوف مثلك ؟..
ــ ألسنا نعانى من شىء واحد ؟..
ــ لكننى أخالفك بإحساس آخر..
ــ ماهو ؟..
ــ الغربة ..
ثم نقلت إليها فكرة الرحيل ..قالت برجاء :
ــ لاترحل وتتركنى..
ــ لكننى أشعر بالغربة فعلا..
ــ حتى وأنت معى؟..
لم أقو على قول الحقيقة لها..وحولت نظراتى عنها .. قالت :
ــ كنت أظن أننى سوف أستطيع أن أنسيك هذا الإحساس ..
عدت أتأمل وجهها احزين فى صمت .. سألتنى :




ــ إلى أين ستذهب ؟..
ــ إلى أى مكان ..
بدت الخشية على وجهها :
ــ أى مكان ؟..
ــ لافرق بين مكان وآخر فى الغربة ..
حاولت أن تثنينى عن عزمى ..
ــ أعد التفكير فى الأمر..
ــ لقد فكرت كثيرا..ولم أجد مايدعونى إلى التراجع..
ــ وأنا ظ.. الم تفكر فى؟..
ثم أضافت :
ــ كيف سيكون حالى وحيدة بعد أن تذهب..
أخذت احدق فى وجهها طويلا .. بدا لى مثل ساحة اختلطت فيها المعانى ببعضها.. وتمتزج كلها فى نداء صامت يدعونى إلى البقاء..
أجبتها فى حزن :
ــ أنت وحدك التى سيؤلمنى تركك..
هطلت من عينيها رخات حب ..
ــ ولماذا لاتبق معى ؟ا..
ــ لا أستطيع..
ــ ألا تعرف أن رحيلك يؤلمنى؟..
أجبتها بتنهيدة اسى .. ولم يكن بجديد أن أرى كل شىء رائع فى وجهها ..حتى الحزن.. أحسست بألم يطحننى فى قسوة ..وكدت أنها أمامها ..
بادلتنى المواجهة بألم ورددت:
ــ كما تريد ..
وظلت تاركة عينيها فى مواجهتى للحظات .. ثم مشت تتعثر فى خطواتها..

*********

شوارع المدينة تتشابك وتصب فى بعضها بامتداد قد يطول أحيانا .. وقد يؤدى إلى خارجها.. لكننى أدور بداخلها كالذى استطاب شيئا على وجوه المارة .. فأخذ يمعن النظر فيه.. مضيت فى الشوارع والحارات .. بدت لى ملامح الوجوه صادقة الإحساس بالفرح.. وعندما أشرق وجهها اندفعت نحوها بلهفة .. بدت لى ابتسامتها صافية خالية من الحزن..وفتحت لى ذراعيها.. ضممتها باشتياق ثم التحمنا فى عناق طويل..
رغم شمس الخريف الحارة نوعا ..والبادية بلا غيوم .. شعرت أن مواكب الربيع تزفنا .. تماثل لنا الحلم البعيد الذى طال انتظارنا له.. وهو يتحقق على الشاطىء الآخر الذى احتضر عليه الصمت.. وبدت لنا غابات الخوذ وقد استحالت كلها إلى قباب نصر .. تحتها يقام حفل عرس تعالت فيه نغمات الفرح المزهر فى أعماقنا .. وأسكتت عويل الفشل الذى كان يلاحقنا.

**********




w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007