[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قطع فى رحلة فراق قصة
التاريخ:  القراءات:(1493) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  

من خلال رؤس ركاب ترام الرمل ..ووسط الزحام المتعود فى فترة الصباح أخذا يتواجهان فى لحظات متقاربة ..يمارسان حكاية تأمل من خلال إحساس بالدهشة ..بدا فى أول الأمر مثل أى شىء عابر يلتقيه كل منهما.

لكنهما مالبثا أن تماديا فى حكاية التأمل ــ هذه ــ بنفس صورتها المتقطعة وهما حائران بين التصدسق والتكذيب .. إذ لم يكن يخطر بفكر أى منهما أن يواجه بما بدا لهما دون انتظار سابق ..ورغم ذلك كانا يميلان بوحى من داخلهما إلى التصديق أكثر من التكذيب ..ويخشيان أن تتمخض لحظات الأمل المرتعشة عن تخيلات صورت لهما الأوهام التى يستسلمان لها أحيانا عندما يفيض بهما الحنين .

* * *
* * *
* * *

أخذ يردد لنفسه فى همس :

تتشابه الوجوه حقيقة ..لكن مايمنع أن أتوهم هذه المرأة الواقفة بالقرب منى انها هى التى ملت اليها وأحببتها .

لقد افترقنا منذ سنوات ..بدأت برحيلها إلى ذلك البلد البعيد الذى يعمل فيه الرجل الذى اختارها ..وهو لايعرف مابيننا قبل أن يفكر فى الاقتران بها .. ثم حال بيننا وبين النهاية التى رسمناها معا للحب الذى عشناه أيام شبابنا .

وظل يتشبث بخيط واه من الأمل يعرف أنه ضئيل جدا .. لكنه لم يهتم بضآ لته ..ومضى يسعى وراءه آملا أن يجد مايظنه وهما ليس سوى حقيقة ..وأخذ يعد نفسه بلحظات من العمر اشتهاهاواشتاق إليها ..بعد أن فقد الأمل فيها .

* * *
* * *
* * *
**

فى اللحظة ذاتها ..كانت تحاول أن تسيطر على إحساسها بالفرحة ..نبت فى داخلها وتشبثت بأمل أنكرت استحالته ..وببساطة رددت لنفسها :

" ستكون صدفة رائعة لو كان هو حقيقة .

* * *
* * *
* * *
*

تنهد فى أسف وهو يواصل همسه لنفسه :

رائع شعاع الذكرى عندما يتوهج ..إننا نجعل منه ضوءا نفتش به بين ماضينا عما عشناه من أيام سعدنا بها ..قبل أن نضمها الى شريط الذكريات التى نشعر بالحنين اليها دائما ..ونستعيدها بلا ملل مهما مضى عليها من سنوات.

* * *
* * *
* * *

ـــ لاتتحرك من مكانك .

ثم شدت ابنتها اليها حتى لاتختنق وسط الزحام

* * *
* * *
* * *
* * *
*

تردد صوتها فى سمعه بنفس البحة الخفيفة التى تلازمه .. وفى لحظة خاطفة تخطى مسافات كبيرة إلى الأمل الذى بدا له.. وعندما سقطت نظراته على ابنتها تبدد الشك فى نفسه تماما ..ثم تطلع إليها بارتياح ظهر واضحا على وجهه.

* * *
* * *
* * *
* * *
*

همست لنفسها ثانية وهى ترى الفرح فى عينيه :

" ما أروع أن يتحول الشك إلى حقيقة "

لكنها التصقت بابنتها كأنها تحتمى بها من رجل غريب عنها عندما رأته يحاول الاقتراب منها ..وأحست برغبة فى داخلها لم تدرك سرها ..ورغم ذلك فقد تبدد إحساسها بالرهبة بعدأن وقف بجانبها وهمس :

ـــ معقول ؟

ارتعشت شفتاها ولم تجب ..

استرسل فى همسه :

ـــ يخيل إلى أننى أحلم.

لمعت الدموع فى عينيها من الفرحة ..وتمنت أن تلقى بنفسها بين أحضانه ..لكنها اكتفت بأن تترك له يدها يحتضنها باشتياق ..

تأملها قليلا قبل أن يواصل همسه :

ــ أحاول أن اصدق أننا معا بعدهذا الفراق الطويل .

تساءلت بهمس:

ــ أحقا أننا معا ؟ا

للحظة تأمل الابتسامة التى ترتعش على شفتيها ثم همس :

ــ ماذا لو حاولنا أن نعترف بالحقيقة التى نعيشها .

ــ يبدو أن ذلك افضل .

* * *
* * *
* * *
*

حاول أن يتذكر متى رأى زوجها أخر مرة .. وفى أى مكان ..

قبل سنة ..قبل شهر..قبل أسبوع .."

لم يستطع أن يحدد .. لكنه يذكر أنه أخبر أخته برؤيته له .. وسألها اذا كانت تعرف شيئا عن عودتها بحكم الصداقة التى تجمع بينهما ..فأجابته بالنفى ..طلب منه أن تحاول تسأل عنها ..لكنها قالت له بعد ذلك أن زوجها حضر وحده ,,وسيعود إليها بعد بضعة أيام ..سألها عما عرفته من أخبارها عنها ..أجابت أنها بخير ..ثم أضافت لقد كتبت لها رسالة وأعطيتها له ..قال لها خيرا فعلت . وبعد أيام فوجىء بطفلة تشبهها فى بيت اخته ,,قبل ان يسأل عمن تكون قالت له أخته بأنها ابنة صديقتها كانت قد حضرت مع والدها ولم تسافر معه وبقيت مع جدتها .داعبها بحنان وقبلها ..وهو فى شوق أكثر الى رؤية أمها.

بهمس سألها عن وجهتها :

ــ الى أين ؟

همست :

ـــ لم أعد اعرف .

ارتسمت على وجهه علامات الدهشة :

قالت بعتاب :

ـــ ماذا تظن بعد أن التقيت بك ؟ا

ـــ ألم تكونى قاصدة مكان ما كنت ذاهبة اليه ؟

ــ كنت ..

ــ ألن تذهبى اليه ؟

هزت رأسها وهى تبتسم :

ــ لا .

أخذ يحدق فى وجهها بغرابة ..

سألته :

ــ ألا تعرف السبب ؟ا

كيف أعرف وانا لم ألتق بك إلا من لحظات ؟ا

ــ حاول أن تعرف .

استغرق فى التفكير بضع لحظات قطعتها هى :

ــ لم أكن أعرف أن ذلك يغيب عنك .

ـ ولم أكن أعرف أنك مازلت تفعلينه ماتعودته منك..وتضعينى وسط الحيرة كلما استطعت .

ـــ لم أنس شيئا مما كنا نفعله .

تنهد فى أسف :

ـــ ما كنا نفعله لم يعد له وجود .

ابتسمت فى مرارة :

ــ هذه حقيقة ,

استراحت يده على كتفها :

ــ لم أعرف بعد وجهتك .

ـــ كأن ذلك شيئا يصعب عليك معرفته .

ـــ يبدو أننا سنظل نتحاور حتى يصل الترام الى اخر محطة له.

ــ وماذا فى ذلك ؟

ـــ ستتأخرين عن موعدك .

ـــ يكفينى أننى معك.

ـــ و........

قاطعته :

ــ لاتسأل ..مادمت معك فوجهتى من الآن وجهتك ..

تساءل بغرابة :

ــ ماذا تقولين ؟ا

ــ كان يجب عليك أن تعرف ذلك من البداية .

احتضنها بنظرات شوق وامتنان:

ــ ربما يحدث مايجعلك تندمين.

همست فى عتاب :

ـــ لا تظن أننى أندم وأنا معك.

أخذ يحدق فى وجهها ..آلمه أن تبدو مثل التى تخطت ربيع عمرها رغم أنها مازالت فى الثلاثين .. قال بأسف :

ــ لقد تغيرت كثيرا .

ـــ وهل تظن أنك أيضا لم تتغير ؟ا

ــ ربما .. لكن ليس للدرجة التى تغيرت أنت بها ..

قالت بأسف :

ـــ لأنك لم تعش حياة الغربة ومعاناتها و..

ــــ وماذا ؟..

قالت بألم :

ــ أنت تعرف .

تنهدت بأسف :

ــ حقيقة ما أقسى الغربة .

ـــ كنت أعيش فيها صامتة كالغروب الحزين .

ـــ أما أنا فقد كنت أعانى من حرمانى منك .

ـــ لقد عانيت الحرمان مثلك طوال سنوات البعدعنك .

صمت للحظات ثم تساءل :

ــ ألاترين أن سنوات الحرمان تحولت الآن إلى لحظة ألم عابرة .

قالت بأسى :

ــ ربما التى مضت ..لكن كيف ستكون التى بعدها.

* * *
* * *
* * *
**

نزل أحد ركاب الترام .. جلست مكانه بلا رغبة منها ..ثم تركت ابنتها تتطلع من النافذة على الطريق ..

أحست أنها تنجذب الى استرجاع الماضى الذى انتهى من سنوات.. وتجمع كل ماعانته ــ معه ــ فى ذهنها دفعة واحدة .. ظلت للحظات حائرة بين ماتختاره لتبدأ به رحلتها مع الأوهام..

صاحت ابنتها فجأة :

ـــ البحر..

انقطعت حيرتها وهى تتطلع الى حيث نشير لها..لكن البحر كان قد اختفى خلف البيوت المطلة على طريق الكورنيش..

أضافت ابنتها :

ــ رأيته من هنا .

قالت لتطمئنها :

ــ سترينه بعد ذلك.

ثم عادت لتستأنف رحلتها مع الأوهام .. لكن ابنتها صاحت ثانية بأنها رأت البحر مرة

أخرى ..قالت لها :

سترينه كثيرا .. ثم حذرتها من الخروج برأسها من النافذة أكثر من الوضع الذى هى عليه.. حتى لاتتعرض للإصابة من الخارج..واستسلمت تماما بعد ذلك لتتذكر شيئا مما كان..و فى لحظة خاطفة قطعت مسافات من الماضى إلى أن استوقفها لقاء جمعها به . . أخذت تسترجعه وكأنها تعيشه فى حينه .. فتوهمت انه يضغط على كفها بحنان .. همس لها بعد أن تلفت حوله :

ــ كلهم يتطلعون إليك ..

استعذبت غيرته عليها :

ــ لاتشغل نفسك بهم .

ثم أضافت :

ــ إننى لا أرى غيرك هنا..

ــــ فى المرة القادمة سنذهب إلى مكان اخرـ

ــ أبعد من المكس ؟

ــ لو كان .. اتأتين معى ؟

ـــ لا أمانع حتى ولو كان أبعد مكان فى العالم .. لكن كما تعرف ليس الأمر بيدى .

ــ بعد أن نتزوج سيكون كل شىء بيدنا .

انتزعت نفسها من الاستمرار فى استرجاع كل ماكان فى ذلك اللقاء وتنهدت بأسى :

" كنا نحلم بشىء توهمنا أنه سيكون أيسر الأمور."

ثم أرادت أن تشغل نفسها عن العودة إلى حقل ذكرياتهامعه ثانية ..فأخذت ترقب ابنتها وهى تتطلع إلى الطريق ..ولكنها عجزت عن الهروب مما يثير شجونها ..

* * *
* * *
* * *
**

لم يتوقف عن متابعتها وهى تبدو ساهمة عما حولها ..فلاحظ التغيرات التى كانت تطرأ على وجهها ..وعندما وجد خيمة الحزن قد قد استقرت تماما على وجهها لتوحى الى ماتعانيه.. ردد فى همس قصدها به لكنه لم يتعد حدود داخله :

" ياسيدة الحزن أنت الآن تعيشين لحظات فرح .. لست فى منفاك البعيد عنى بل معى.. ماذا لو نزعت نفسك من أرض الألم مادمنا معا ..وتركت غابات الأسى التى نعيش فيها " ودون ان يدرى وجد الوجوه التى حوله تغيب عن عينيه .. ثم يبدو له وجهها وحده ..وتراءت له آتية فى يوم من أيامهما الأخيرة والحزن يطل من عينيها ..كان طبيعيا أن يسألها :

ــ مابك ؟

تزاحمت الدموع فى عينيها ثم تقاطرت :

ــ لاشىء.

ــ كل هذا الذى يبدو علي وجهك وتقولين لاشىء ؟

ــ ألا تصدقنى ..

ــ لا أستطيع أن أنكر شيئا تراه عيناى.

ارتعشت شفتاها تحت ضغط الكلمات التى تكتمها عنه ..لكنها جاهدت لتظل صامتة ..

ــ ماذا يؤلمك ؟

بدت وكأنها ستعترف بشىء ثم تراجعت عنه .. قال برجاء :

ـــ لاتخف عنى سبب حزنك..

لكن شفتاها رفضتا التخلى عن الصمت ..سألها :

ــــ ألاتريدين أن تريحينى ؟

أفرجت شفتاها عن لفظة متسائلة :

ـــ أنا ؟ا

ثم حولت نظراتها عنه ..وتطلعت ساهمة إلى ماحولها بنظرة غير واعية لشىء :

ـــ كيف تظن ذلك ؟ا

ـــ إذن لماذا تخفين عنى سبب حزنك..

وقفت مكانها وقالت :

ـــ لنعد .

شد يدها لتجلس كما كانت :

ــ لاتهربين من سؤالى ..

ـــ أرجوك إننى أشعر بالتعب والإرهاق .. أريد أن أعود إلى البيت.

ـــ كما تريدين.

وعلىغير ماتعودا افترقا دون اتفاق على موعد يلتقيان فيه .. ثم أخذت تعتذر له كلما طلب منها لقاءه

حاول أن يعرف السبب لكنه عجز ..ثم فوجىء برسالة تحملها أخته منها ..فضها وهو فى عجب من أمرها .. فلم تكن للكتابة سابقة بينهما ..وجد أن سطورها حملت نهاية آماله معها..

" لقد فرض على قدرى الابتعاد عنك.. ولم يعد أمل فى تحقيق ماكنا نريده ..لا أستطيع أن أقول لك بأننى سأحاول أن أقاوم. . فقد حاولت ولم أجد فائدة من المقاومة .. أختك تعرف كل شىء .. أملى أن توفق فى اختيار من تسعد معها فى حياتك..وسأحاول أن أراك قبل سفرى ..."

لكنها سافرت دون أن يراها .. لم تتمكن من رؤيته...واعتذرت له فى رسالة كتبتها الى أخته .. ولم يجد مايواسى به نفسه فى الفراق غير ذكرى تلك الأيام الطيبة التى عاشها معها ..ولم يمل من الحنين اليها .. دائما كان يحث أخته على الكتابة لها ليعرف المزيد من أخبارها.. إلا أن تلك الرسائل تباعدت شيئا فشيئا حتى انقطعت تماما بعد زواج أخته..

انتبه إلى الراكب الذى كان يجلس بجوارها يتأهب للنزول من الترام .. أسرع بالجلوس مكانه وهو يشكره فى نفسه .. ثم همس لها :

ــــ فيم كنت تفكرين ؟

ـــ فى أيامنا التى كانت ..

ـــ لاشك أنك تعبت .

ــــ أبدا ..ليتها استمرت ..

ثم تساءلت فى عجب:

ـــ أحقا أننا معا بعد هذا الفراق الطويل ..

قال لها :

ـــ عندما نفاجأ بما نتمناه يساورنا الشك فى أنه حقيقة ..

همست كالحالمة :

ـــ ما أسرع مرور السنوات ..

تنهد بأسف :

ــــ حقا ..

ثم استطرد :

ـــ أحلى ماعشناه أيامنا الأخيرة ..

تساءلت :

ــــ الأخيرة فقط ؟ا

ــــ لو أردت الحقيقة فكلها كانت جميلة ..

ــــ أتعرف أن ذكراها كانت سلواى الوحيدة فى الغربة ..

ــــ هذا طبيعى ..

ــــ كلما شدنى الجنين إليها كنت أعيشها فى الأوهام ..

همس بأسف :

ـــ إننا نصنع من الأوهام كل شىء ..

مسحت على رأس ابنتها بلا قصد منها .. قال لها :

ــــ إنها تشبهك تماما ..

ـــ لاشك أنك تأكدت منى عندما رأيتها ..

ــ بالطبع ..فهى تحمل كل ملامحك..

ـــ ألم ترها قبل الآن ؟

ـــ رأيتها بعد سفر والدها فى بيت أختى ..

ثم بدا كانه تذكر شيئا كان غائبا عنه وهو يسألها :

ـــ متى عدت ؟

ـــ منذ ثلاثة أيام ..

قال بعتاب :

ـــ ثلاثة أيام فى الاسكندرية ولا أعرف ؟

ـــ كنت أفكر فى زيارتكم ..

ـــ كنت تفكرين ؟ا

ـــ لأننى كنت مترددة رغم لهفتى إلى رؤيتك ..

ـــ لك العذر فى ذلك..

صمت للحظات سألته بعدها :

ـــ أتصدق أننى لم أر أختك حتى الآن ..

ــ لماذا ؟..

ــ لم تسنح لى الفرصة لأزورها..

ـــ لاشك أنها لن تقبل أى عذر منك..

ــــ أعرف ذلك .. وسأتحمل عتابها لى .

ثم استطردت :

ــ كيف حالها الآن ؟

ــ سعيدة مع زوجها وأولادها ..

أحست بوخزة ألم لتذكرها السعادة المحرومة منها .. لكنهاتجاهلتها وحاولت أن تغير مجرى الحديث فقالت له :

ـــ أراك تهمل فى نفسك ..

ـــ أنا أم أنت ؟ا

تنهدت فى أسف :

ـــ الحقيقة أنا وأنت ..

ـــ لكنك لم تكون هكذا قبل الزواج.

ثم سألته كمن تذكرت شيئا غاب عنها :

ـــ كيف حال أشعارك ؟

ــ لم تعد تحمل غير معنى الحزن .

قالت بأسف :

ـــ قبل أن نفترق كانت كلها كلمات فؤح .

ــــ لأننا لم نكن نعرف الحزن بعد ..

همست بأسى :

ــ لم نكن نعرف .. أما الآن فقد صار ملازما لنا ..

ـــ وسنظل .. لكن باستطاعتنا أن ننساه اليوم مادمنا معا ..

ـــ لنحاول..

* * *
* * *
* * *
*

اقترب الترام من محطة الرمل .. أخذا يستعدان للنزول .. لكنهما وجداه يتوقف فجأة ..بدا حدوث عطل به ..تلاقت نظراتهما فى فرحة وكأنه سيظل واقفا بهما الى الأبد.. لكن الترام سرعان ماعاود المسير بعد دقائق قليلة .. ابتسمت وهى تقول :

ــــ سيكون اليوم مثل أيامنا التى كانت .

ــــ أين تريدين أن نذهب ,

ــــ ليتنا نستطبع ان نذهب كل الأمكنة التى جمعتنا ..

ـــ وهل نستطيع فى يوم واحد ؟

ـــ لنحاول قدر استطاعتنا وهذا يكفى .

بدت السعادة فى عينيها وهى تضيف معلنة:

ــــ ليكن اليوم إجازة من الحرمان.

دفعه الركاب عليها أثناء نزوله خلفها .. وجدت نفسها بين أحضانه بلا قصد .. راودتها أمنية أن تريح رأسها على صدره كماكانت تفعل .. لكن الأمنية ولدت بلا عمر..

قال لها بعد أن نزلا من الترام :

ـــ أخشى ان يرانا أحد ..

ابتسمت وهى تتأبط ذراعه:

ـــ ليرانا من يرانا .. لاتعكر صفو فرحتنا ..

ثم أمسكت يد ابنتها بيدها الأخرى ..

* * *
* * *
* * *
* * *
*

شابها فى سيرهما زوجان وابنتهما .. استسلما لهذا الوهم اللذيذ وتلاقت نظراتهما فى فرحة.. لكن بعد أن عبروا طريق الكورنيش طلبت منها ابنتها أن ترفعها لتمش على السور القصير ..قالت لها :

ـــ لا حتى لاتسقطين فى البحر ..

التفتت ابنتها إليه وطلبت منه أن يرفعها هو .. رفعها وحذرها من الانحراف حتى لاتسقط.. غمرهما إحساس بالفرحة وهما يسيران مثلما كانا قبل أن تتزوج وترحل بعيدا عنه ..وبدا لهما أن ماكان من المستحيل بالنسبة لها قد تحقق..وبصورة تعدت حدود أمانيهما .. لكن يدها ارتعشت وهى تحاول أن تمدها لتتشابك مع يده .. ترددت وكأنها لم تتأبط ذراعه منذ لحظات .. لكن ترددها تساوى مع رغبتها ..وسرعان ما نجذبت الأصابع إلى بعضها وتعانقت بشدة..

استسلما لوهم جعلهما يظنان أن مايعيشانه حقيقة دائما.. وصعدا فى لحظة واحدة إلى قمة السعادة..ثم انطلقا فى دنيا التخيلات وسبحا فيها بلا حدود ..

همست له :

ــ كأننا لم نفترق..

ــ أما زلت تذكرين ؟..

ــ لم أنس أى شىء جمع بيننا ..

ـــ كان حلما وانتهى ..

ـــ ليتنا نستطيع أن نعيشه من جديد ..

رددت بفرحة :

ـــ ليتنا ..

ضحكت ابنتها فجأة ..تطلعا غليها معا ..وجداها ترقب سمكة صادها أحد هواة الصيد كان يجلس على الشاطىء..تواجها فى عتاب لأنهما نسياها ..وتنبها إلى الإحساس بالواقع الذى غاب عنهما للحظات تمنيا أن تدوم ..قالت فى حسرة :

ـــ كان يجب أن تكون ابنتنا ..

تذكر زوجته وابنه.. أحس بندم شديد حاول أن يتجاهله .ثم تنهد وقال فى أسف :

ــــ لو كانت أقدارنا بيدنا لجعلناها كما نريد ..

ـــ معك حق .. لكنها ليست بيدنا ..

توقفا عن المشى بجوارها ثم قال لها بألم :

ـــ من الأفضل أن نفترق..

تحول وجهها إلى ساحة من الدهشة والذهول وهى تتساءل :

ـــ لماذا ؟ا

ـــ لأننا لانستطيع ان نمض فى خداع أنفسنا ..

ــ ألا ترغب فى قضاء اليوم معى ؟

ـــ لايجب أن نتجاهل الحقيقة ...

صمتت للحظات قالت بعدها :

ــــ إننا لم نرتكب خطيئة ..

ابتسم فى أسف :

ـــ لم نرتكب خطيئة لكننا نخطىء لو استمر سيرنا معا..

تساءلت :

ــ معنى ذلك أن ....

قاطعها وأشار إلى ابنتها :

ـــ ابنتك تبتعد..

ـــ لم نذهب بعد الى أى مكان..

ــ كفانا أننا التقينا .

بدت ذاهلة من تغيره المفاجىء والغير منتظر .. كاد يضعف أمام انكسارها لعدم تحقيق رغبتها والتى كانت رغبته هو أيضا .. لكنه تماسك وعاد يلفت الانتباه الى ابنتها :حاولى اللحاق بابنتك..

ــــ أتريد أن نفترق بعد أن التقينا ؟

ـــ أنت تعرفين أننى اكره البعد عنك ..

ــــ إذن لماذا تحرمنا من شىء أردناه معا ؟ا

ـــ ظروفنا هى التى تحرمنا وتحتم علينا ألا نلتق ..

مضت فى محاولاتها معه :

ــ لنظل معا ولو لفترة فصيرة ..

ـــ وما الفائدة مادمنا سنتحسر على ماسيكون ..

لاذ بالصمت بضع لحظات .. قالت :

ـــ سأحاول أن أراك بعد ذلك وحدى ..

ـــ لاأريد ان نتمادى فى الخطأ ..

ثم أكد عليها :

ــ لايجب أن نلتق ثانية ..

ـــ لماذا ؟

ـــ زمن اللقاء بالنسبة لنا انتهى ..

ـــ لاتقل ذلك.. سأحاول أن ...

قاطعها :

ــ لافائدةمن المحاولة ..وتذكرى أن لكل منا بيته واسرته..

ـــ أنا لم أنس ذلك لكن..

ـــ من المستحيل أن نهرب من الحقيقة ..

ثم اشار إلى ابنتها :

ــ البنت ابتعدت كثيرا..

اختنق صوتها بالبكاء :

ـــ تعال لنلحق بها معا ثم نفكر..

وقف مكانه ولم يتحرك..تطلعت اليه فى استعطاف :

ـــ أرجوك لا تحرمنا من لحظات ربما لن تتكرر..

واجهها فى صمت .. استرسلت :

ـــ لاتزد من عذابنا..

كاد أن يضعف ويستسلم لما تريده منه ..لكنه تمالك نفسه :

ـــ لقد ولد حلمنا قصير العمر وعلينا أن نعترف بنهايته,,

قالت فى استسلام :

ـــ كما تريد..

ضغط على يدها وهو يستعد لتركها :

ــ حاولى أن تعتنى بنفسك اكثر ..

ابتسمت فى مرارة..

ـــ سأحاول..

لمح الدموع فى عينيها :

ـــ لاداعى للبكاء الآن.

مسحت دموعها ثم قالت :

ـــ ألا تريدن أن اضحك..

ــــ أتمنى ذلك..

بدت ضحكة منها كالبكاء :

ـــ لاتنس ان زمن الضحك انتهى بالنسبة لنا ..

ذكرها بابنتها ..تابعتها فى المكان التى وصلت اليه ..ثم سحبت يدها من يده .. لكن نظراتها أبت الانفصال عنه .. كرر لها :

ـــ البنت ابتعدت كثيرا .

ارتعشت شغتاها :

ـــ لاتخش عليها .. سألحق بها ترددت الكلمات على شفتها وهى تحاول أن تقولها لها مودعة اياه ..لكنها لم تستطع.. هرب من مواجهتها وأخذ يتطلع جهة ابنتها وظل يتابعها بنظراته.. انتزعت نفسهامن أمامه ومضت تجاه ابنتها ببطء دون أن تجعلها تغيب عن عينيها ..لكنها سرعان ما أسرعت فى خطواتها وهى تناديها بصوت مخنوق بالبكاء ..

ظل يتابعها بعينيه وهو يقف فى مكانه كالمذهول.. خطر له أن يلحق بها ليقضيا اليوم معا كما أرادت..وليحقق لها رغبة تمنتها .. لكنه وجدها تحتضن ابنتها بشدة عندما لحقت بها.. ثم حملتها وأنزلتها من فوق السور القصير لتعيدها الى الطريق ..ثم مشت بجوارها قابضة على يدها دون أن تلتفت الى الوراء.







من خلال رؤس ركاب ترام الرمل ..ووسط الزحام المتعود فى فترة الصباح أخذا يتواجهان فى لحظات متقاربة ..يمارسان حكاية تأمل من خلال إحساس بالدهشة ..بدا فى أول الأمر مثل أى شىء عابر يلتقيه كل منهما.
لكنهما مالبثا أن تماديا فى حكاية التأمل ــ هذه ــ بنفس صورتها المتقطعة وهما حائران بين التصدسق والتكذيب .. إذ لم يكن يخطر بفكر أى منهما أن يواجه بما بدا لهما دون انتظار سابق ..ورغم ذلك كانا يميلان بوحى من داخلهما إلى التصديق أكثر من التكذيب ..ويخشيان أن تتمخض لحظات الأمل المرتعشة عن تخيلات صورت لهما الأوهام التى يستسلمان لها أحيانا عندما يفيض بهما الحنين .
*********
أخذ يردد لنفسه فى همس :
تتشابه الوجوه حقيقة ..لكن مايمنع أن أتوهم هذه المرأة الواقفة بالقرب منى انها هى التى ملت اليها وأحببتها .
لقد افترقنا منذ سنوات ..بدأت برحيلها إلى ذلك البلد البعيد الذى يعمل فيه الرجل الذى اختارها ..وهو لايعرف مابيننا قبل أن يفكر فى الاقتران بها .. ثم حال بيننا وبين النهاية التى رسمناها معا للحب الذى عشناه أيام شبابنا .
وظل يتشبث بخيط واه من الأمل يعرف أنه ضئيل جدا .. لكنه لم يهتم بضآ لته ..ومضى يسعى وراءه آملا أن يجد مايظنه وهما ليس سوى حقيقة ..وأخذ يعد نفسه بلحظات من العمر اشتهاهاواشتاق إليها ..بعد أن فقد الأمل فيها .
***********
فى اللحظة ذاتها ..كانت تحاول أن تسيطر على إحساسها بالفرحة ..نبت فى داخلها وتشبثت بأمل أنكرت استحالته ..وببساطة رددت لنفسها :
" ستكون صدفة رائعة لو كان هو حقيقة .
**********

تنهد فى أسف وهو يواصل همسه لنفسه :
رائع شعاع الذكرى عندما يتوهج ..إننا نجعل منه ضوءا نفتش به بين ماضينا عما عشناه من أيام سعدنا بها ..قبل أن نضمها الى شريط الذكريات التى نشعر بالحنين اليها دائما ..ونستعيدها بلا ملل مهما مضى عليها من سنوات.
*********
ـــ لاتتحرك من مكانك .
ثم شدت ابنتها اليها حتى لاتختنق وسط الزحام
*************
تردد صوتها فى سمعه بنفس البحة الخفيفة التى تلازمه .. وفى لحظة خاطفة تخطى مسافات كبيرة إلى الأمل الذى بدا له.. وعندما سقطت نظراته على ابنتها تبدد الشك فى نفسه تماما ..ثم تطلع إليها بارتياح ظهر واضحا على وجهه.
*************
همست لنفسها ثانية وهى ترى الفرح فى عينيه :
" ما أروع أن يتحول الشك إلى حقيقة "
لكنها التصقت بابنتها كأنها تحتمى بها من رجل غريب عنها عندما رأته يحاول الاقتراب منها ..وأحست برغبة فى داخلها لم تدرك سرها ..ورغم ذلك فقد تبدد إحساسها بالرهبة بعدأن وقف بجانبها وهمس :
ـــ معقول ؟
ارتعشت شفتاها ولم تجب ..
استرسل فى همسه :
ـــ يخيل إلى أننى أحلم.
لمعت الدموع فى عينيها من الفرحة ..وتمنت أن تلقى بنفسها بين أحضانه ..لكنها اكتفت بأن تترك له يدها يحتضنها باشتياق ..
تأملها قليلا قبل أن يواصل همسه :
ــ أحاول أن اصدق أننا معا بعدهذا الفراق الطويل .
تساءلت بهمس:
ــ أحقا أننا معا ؟ا
للحظة تأمل الابتسامة التى ترتعش على شفتيها ثم همس :
ــ ماذا لو حاولنا أن نعترف بالحقيقة التى نعيشها .
ــ يبدو أن ذلك افضل .
**********
حاول أن يتذكر متى رأى زوجها أخر مرة .. وفى أى مكان ..
قبل سنة ..قبل شهر..قبل أسبوع .."
لم يستطع أن يحدد .. لكنه يذكر أنه أخبر أخته برؤيته له .. وسألها اذا كانت تعرف شيئا عن عودتها بحكم الصداقة التى تجمع بينهما ..فأجابته بالنفى ..طلب منه أن تحاول تسأل عنها ..لكنها قالت له بعد ذلك أن زوجها حضر وحده ,,وسيعود إليها بعد بضعة أيام ..سألها عما عرفته من أخبارها عنها ..أجابت أنها بخير ..ثم أضافت لقد كتبت لها رسالة وأعطيتها له ..قال لها خيرا فعلت . وبعد أيام فوجىء بطفلة تشبهها فى بيت اخته ,,قبل ان يسأل عمن تكون قالت له أخته بأنها ابنة صديقتها كانت قد حضرت مع والدها ولم تسافر معه وبقيت مع جدتها .داعبها بحنان وقبلها ..وهو فى شوق أكثر الى رؤية أمها.
بهمس سألها عن وجهتها :
ــ الى أين ؟
همست :



ـــ لم أعد اعرف .
ارتسمت على وجهه علامات الدهشة :
قالت بعتاب :
ـــ ماذا تظن بعد أن التقيت بك ؟ا
ـــ ألم تكونى قاصدة مكان ما كنت ذاهبة اليه ؟
ــ كنت ..
ــ ألن تذهبى اليه ؟
هزت رأسها وهى تبتسم :
ــ لا .
أخذ يحدق فى وجهها بغرابة ..
سألته :
ــ ألا تعرف السبب ؟ا
كيف أعرف وانا لم ألتق بك إلا من لحظات ؟ا
ــ حاول أن تعرف .
استغرق فى التفكير بضع لحظات قطعتها هى :
ــ لم أكن أعرف أن ذلك يغيب عنك .
ـ ولم أكن أعرف أنك مازلت تفعلينه ماتعودته منك..وتضعينى وسط الحيرة كلما استطعت .
ـــ لم أنس شيئا مما كنا نفعله .
تنهد فى أسف :
ـــ ما كنا نفعله لم يعد له وجود .
ابتسمت فى مرارة :
ــ هذه حقيقة ,
استراحت يده على كتفها :
ــ لم أعرف بعد وجهتك .
ـــ كأن ذلك شيئا يصعب عليك معرفته .
ـــ يبدو أننا سنظل نتحاور حتى يصل الترام الى اخر محطة له.
ــ وماذا فى ذلك ؟
ـــ ستتأخرين عن موعدك .
ـــ يكفينى أننى معك.
ـــ و........
قاطعته :
ــ لاتسأل ..مادمت معك فوجهتى من الآن وجهتك ..
تساءل بغرابة :
ــ ماذا تقولين ؟ا
ــ كان يجب عليك أن تعرف ذلك من البداية .
احتضنها بنظرات شوق وامتنان:



ــ ربما يحدث مايجعلك تندمين.
همست فى عتاب :
ـــ لا تظن أننى أندم وأنا معك.
أخذ يحدق فى وجهها ..آلمه أن تبدو مثل التى تخطت ربيع عمرها رغم أنها مازالت فى الثلاثين .. قال بأسف :
ــ لقد تغيرت كثيرا .
ـــ وهل تظن أنك أيضا لم تتغير ؟ا
ــ ربما .. لكن ليس للدرجة التى تغيرت أنت بها ..
قالت بأسف :
ـــ لأنك لم تعش حياة الغربة ومعاناتها و..
ــــ وماذا ؟..
قالت بألم :
ــ أنت تعرف .
تنهدت بأسف :
ــ حقيقة ما أقسى الغربة .
ـــ كنت أعيش فيها صامتة كالغروب الحزين .
ـــ أما أنا فقد كنت أعانى من حرمانى منك .
ـــ لقد عانيت الحرمان مثلك طوال سنوات البعدعنك .
صمت للحظات ثم تساءل :
ــ ألاترين أن سنوات الحرمان تحولت الآن إلى لحظة ألم عابرة .
قالت بأسى :
ــ ربما التى مضت ..لكن كيف ستكون التى بعدها.
***********
نزل أحد ركاب الترام .. جلست مكانه بلا رغبة منها ..ثم تركت ابنتها تتطلع من النافذة على الطريق ..
أحست أنها تنجذب الى استرجاع الماضى الذى انتهى من سنوات.. وتجمع كل ماعانته ــ معه ــ فى ذهنها دفعة واحدة .. ظلت للحظات حائرة بين ماتختاره لتبدأ به رحلتها مع الأوهام..
صاحت ابنتها فجأة :
ـــ البحر..
انقطعت حيرتها وهى تتطلع الى حيث نشير لها..لكن البحر كان قد اختفى خلف البيوت المطلة على طريق الكورنيش..
أضافت ابنتها :
ــ رأيته من هنا .
قالت لتطمئنها :
ــ سترينه بعد ذلك.
ثم عادت لتستأنف رحلتها مع الأوهام .. لكن ابنتها صاحت ثانية بأنها رأت البحر مرة


أخرى ..قالت لها :
سترينه كثيرا .. ثم حذرتها من الخروج برأسها من النافذة أكثر من الوضع الذى هى عليه.. حتى لاتتعرض للإصابة من الخارج..واستسلمت تماما بعد ذلك لتتذكر شيئا مما كان..و فى لحظة خاطفة قطعت مسافات من الماضى إلى أن استوقفها لقاء جمعها به . . أخذت تسترجعه وكأنها تعيشه فى حينه .. فتوهمت انه يضغط على كفها بحنان .. همس لها بعد أن تلفت حوله :
ــ كلهم يتطلعون إليك ..
استعذبت غيرته عليها :
ــ لاتشغل نفسك بهم .
ثم أضافت :
ــ إننى لا أرى غيرك هنا..
ــــ فى المرة القادمة سنذهب إلى مكان اخرـ
ــ أبعد من المكس ؟
ــ لو كان .. اتأتين معى ؟
ـــ لا أمانع حتى ولو كان أبعد مكان فى العالم .. لكن كما تعرف ليس الأمر بيدى .
ــ بعد أن نتزوج سيكون كل شىء بيدنا .
انتزعت نفسها من الاستمرار فى استرجاع كل ماكان فى ذلك اللقاء وتنهدت بأسى :
" كنا نحلم بشىء توهمنا أنه سيكون أيسر الأمور."
ثم أرادت أن تشغل نفسها عن العودة إلى حقل ذكرياتهامعه ثانية ..فأخذت ترقب ابنتها وهى تتطلع إلى الطريق ..ولكنها عجزت عن الهروب مما يثير شجونها ..
***********
لم يتوقف عن متابعتها وهى تبدو ساهمة عما حولها ..فلاحظ التغيرات التى كانت تطرأ على وجهها ..وعندما وجد خيمة الحزن قد قد استقرت تماما على وجهها لتوحى الى ماتعانيه.. ردد فى همس قصدها به لكنه لم يتعد حدود داخله :
" ياسيدة الحزن أنت الآن تعيشين لحظات فرح .. لست فى منفاك البعيد عنى بل معى.. ماذا لو نزعت نفسك من أرض الألم مادمنا معا ..وتركت غابات الأسى التى نعيش فيها " ودون ان يدرى وجد الوجوه التى حوله تغيب عن عينيه .. ثم يبدو له وجهها وحده ..وتراءت له آتية فى يوم من أيامهما الأخيرة والحزن يطل من عينيها ..كان طبيعيا أن يسألها :
ــ مابك ؟
تزاحمت الدموع فى عينيها ثم تقاطرت :
ــ لاشىء.
ــ كل هذا الذى يبدو علي وجهك وتقولين لاشىء ؟
ــ ألا تصدقنى ..
ــ لا أستطيع أن أنكر شيئا تراه عيناى.
ارتعشت شفتاها تحت ضغط الكلمات التى تكتمها عنه ..لكنها جاهدت لتظل صامتة ..
ــ ماذا يؤلمك ؟
بدت وكأنها ستعترف بشىء ثم تراجعت عنه .. قال برجاء :
ـــ لاتخف عنى سبب حزنك..
لكن شفتاها رفضتا التخلى عن الصمت ..سألها :
ــــ ألاتريدين أن تريحينى ؟
أفرجت شفتاها عن لفظة متسائلة :
ـــ أنا ؟ا
ثم حولت نظراتها عنه ..وتطلعت ساهمة إلى ماحولها بنظرة غير واعية لشىء :
ـــ كيف تظن ذلك ؟ا
ـــ إذن لماذا تخفين عنى سبب حزنك..
وقفت مكانها وقالت :
ـــ لنعد .
شد يدها لتجلس كما كانت :
ــ لاتهربين من سؤالى ..
ـــ أرجوك إننى أشعر بالتعب والإرهاق .. أريد أن أعود إلى البيت.
ـــ كما تريدين.
وعلىغير ماتعودا افترقا دون اتفاق على موعد يلتقيان فيه .. ثم أخذت تعتذر له كلما طلب منها لقاءه
حاول أن يعرف السبب لكنه عجز ..ثم فوجىء برسالة تحملها أخته منها ..فضها وهو فى عجب من أمرها .. فلم تكن للكتابة سابقة بينهما ..وجد أن سطورها حملت نهاية آماله معها..
" لقد فرض على قدرى الابتعاد عنك.. ولم يعد أمل فى تحقيق ماكنا نريده ..لا أستطيع أن أقول لك بأننى سأحاول أن أقاوم. . فقد حاولت ولم أجد فائدة من المقاومة .. أختك تعرف كل شىء .. أملى أن توفق فى اختيار من تسعد معها فى حياتك..وسأحاول أن أراك قبل سفرى ..."
لكنها سافرت دون أن يراها .. لم تتمكن من رؤيته...واعتذرت له فى رسالة كتبتها الى أخته .. ولم يجد مايواسى به نفسه فى الفراق غير ذكرى تلك الأيام الطيبة التى عاشها معها ..ولم يمل من الحنين اليها .. دائما كان يحث أخته على الكتابة لها ليعرف المزيد من أخبارها.. إلا أن تلك الرسائل تباعدت شيئا فشيئا حتى انقطعت تماما بعد زواج أخته..
انتبه إلى الراكب الذى كان يجلس بجوارها يتأهب للنزول من الترام .. أسرع بالجلوس مكانه وهو يشكره فى نفسه .. ثم همس لها :
ــــ فيم كنت تفكرين ؟
ـــ فى أيامنا التى كانت ..
ـــ لاشك أنك تعبت .
ــــ أبدا ..ليتها استمرت ..
ثم تساءلت فى عجب:
ـــ أحقا أننا معا بعد هذا الفراق الطويل ..
قال لها :
ـــ عندما نفاجأ بما نتمناه يساورنا الشك فى أنه حقيقة ..
همست كالحالمة :
ـــ ما أسرع مرور السنوات ..
تنهد بأسف :


ــــ حقا ..
ثم استطرد :
ـــ أحلى ماعشناه أيامنا الأخيرة ..
تساءلت :
ــــ الأخيرة فقط ؟ا
ــــ لو أردت الحقيقة فكلها كانت جميلة ..
ــــ أتعرف أن ذكراها كانت سلواى الوحيدة فى الغربة ..
ــــ هذا طبيعى ..
ــــ كلما شدنى الجنين إليها كنت أعيشها فى الأوهام ..
همس بأسف :
ـــ إننا نصنع من الأوهام كل شىء ..
مسحت على رأس ابنتها بلا قصد منها .. قال لها :
ــــ إنها تشبهك تماما ..
ـــ لاشك أنك تأكدت منى عندما رأيتها ..
ــ بالطبع ..فهى تحمل كل ملامحك..
ـــ ألم ترها قبل الآن ؟
ـــ رأيتها بعد سفر والدها فى بيت أختى ..
ثم بدا كانه تذكر شيئا كان غائبا عنه وهو يسألها :
ـــ متى عدت ؟
ـــ منذ ثلاثة أيام ..
قال بعتاب :
ـــ ثلاثة أيام فى الاسكندرية ولا أعرف ؟
ـــ كنت أفكر فى زيارتكم ..
ـــ كنت تفكرين ؟ا
ـــ لأننى كنت مترددة رغم لهفتى إلى رؤيتك ..
ـــ لك العذر فى ذلك..
صمت للحظات سألته بعدها :
ـــ أتصدق أننى لم أر أختك حتى الآن ..
ــ لماذا ؟..
ــ لم تسنح لى الفرصة لأزورها..
ـــ لاشك أنها لن تقبل أى عذر منك..
ــــ أعرف ذلك .. وسأتحمل عتابها لى .
ثم استطردت :
ــ كيف حالها الآن ؟
ــ سعيدة مع زوجها وأولادها ..
أحست بوخزة ألم لتذكرها السعادة المحرومة منها .. لكنهاتجاهلتها وحاولت أن تغير مجرى الحديث فقالت له :




ـــ أراك تهمل فى نفسك ..
ـــ أنا أم أنت ؟ا
تنهدت فى أسف :
ـــ الحقيقة أنا وأنت ..
ـــ لكنك لم تكون هكذا قبل الزواج.
ثم سألته كمن تذكرت شيئا غاب عنها :
ـــ كيف حال أشعارك ؟
ــ لم تعد تحمل غير معنى الحزن .
قالت بأسف :
ـــ قبل أن نفترق كانت كلها كلمات فؤح .
ــــ لأننا لم نكن نعرف الحزن بعد ..
همست بأسى :
ــ لم نكن نعرف .. أما الآن فقد صار ملازما لنا ..
ـــ وسنظل .. لكن باستطاعتنا أن ننساه اليوم مادمنا معا ..
ـــ لنحاول..
**********
اقترب الترام من محطة الرمل .. أخذا يستعدان للنزول .. لكنهما وجداه يتوقف فجأة ..بدا حدوث عطل به ..تلاقت نظراتهما فى فرحة وكأنه سيظل واقفا بهما الى الأبد.. لكن الترام سرعان ماعاود المسير بعد دقائق قليلة .. ابتسمت وهى تقول :
ــــ سيكون اليوم مثل أيامنا التى كانت .
ــــ أين تريدين أن نذهب ,
ــــ ليتنا نستطبع ان نذهب كل الأمكنة التى جمعتنا ..
ـــ وهل نستطيع فى يوم واحد ؟
ـــ لنحاول قدر استطاعتنا وهذا يكفى .
بدت السعادة فى عينيها وهى تضيف معلنة:
ــــ ليكن اليوم إجازة من الحرمان.
دفعه الركاب عليها أثناء نزوله خلفها .. وجدت نفسها بين أحضانه بلا قصد .. راودتها أمنية أن تريح رأسها على صدره كماكانت تفعل .. لكن الأمنية ولدت بلا عمر..
قال لها بعد أن نزلا من الترام :
ـــ أخشى ان يرانا أحد ..
ابتسمت وهى تتأبط ذراعه:
ـــ ليرانا من يرانا .. لاتعكر صفو فرحتنا ..
ثم أمسكت يد ابنتها بيدها الأخرى ..
*************
شابها فى سيرهما زوجان وابنتهما .. استسلما لهذا الوهم اللذيذ وتلاقت نظراتهما فى فرحة.. لكن بعد أن عبروا طريق الكورنيش طلبت منها ابنتها أن ترفعها لتمش على السور القصير ..قالت لها :



ـــ لا حتى لاتسقطين فى البحر ..
التفتت ابنتها إليه وطلبت منه أن يرفعها هو .. رفعها وحذرها من الانحراف حتى لاتسقط.. غمرهما إحساس بالفرحة وهما يسيران مثلما كانا قبل أن تتزوج وترحل بعيدا عنه ..وبدا لهما أن ماكان من المستحيل بالنسبة لها قد تحقق..وبصورة تعدت حدود أمانيهما .. لكن يدها ارتعشت وهى تحاول أن تمدها لتتشابك مع يده .. ترددت وكأنها لم تتأبط ذراعه منذ لحظات .. لكن ترددها تساوى مع رغبتها ..وسرعان ما نجذبت الأصابع إلى بعضها وتعانقت بشدة..
استسلما لوهم جعلهما يظنان أن مايعيشانه حقيقة دائما.. وصعدا فى لحظة واحدة إلى قمة السعادة..ثم انطلقا فى دنيا التخيلات وسبحا فيها بلا حدود ..
همست له :
ــ كأننا لم نفترق..
ــ أما زلت تذكرين ؟..
ــ لم أنس أى شىء جمع بيننا ..
ـــ كان حلما وانتهى ..
ـــ ليتنا نستطيع أن نعيشه من جديد ..
رددت بفرحة :
ـــ ليتنا ..
ضحكت ابنتها فجأة ..تطلعا غليها معا ..وجداها ترقب سمكة صادها أحد هواة الصيد كان يجلس على الشاطىء..تواجها فى عتاب لأنهما نسياها ..وتنبها إلى الإحساس بالواقع الذى غاب عنهما للحظات تمنيا أن تدوم ..قالت فى حسرة :
ـــ كان يجب أن تكون ابنتنا ..
تذكر زوجته وابنه.. أحس بندم شديد حاول أن يتجاهله .ثم تنهد وقال فى أسف :
ــــ لو كانت أقدارنا بيدنا لجعلناها كما نريد ..
ـــ معك حق .. لكنها ليست بيدنا ..
توقفا عن المشى بجوارها ثم قال لها بألم :
ـــ من الأفضل أن نفترق..
تحول وجهها إلى ساحة من الدهشة والذهول وهى تتساءل :
ـــ لماذا ؟ا
ـــ لأننا لانستطيع ان نمض فى خداع أنفسنا ..
ــ ألا ترغب فى قضاء اليوم معى ؟
ـــ لايجب أن نتجاهل الحقيقة ...
صمتت للحظات قالت بعدها :
ــــ إننا لم نرتكب خطيئة ..
ابتسم فى أسف :
ـــ لم نرتكب خطيئة لكننا نخطىء لو استمر سيرنا معا..
تساءلت :
ــ معنى ذلك أن ....


قاطعها وأشار إلى ابنتها :
ـــ ابنتك تبتعد..
ـــ لم نذهب بعد الى أى مكان..
ــ كفانا أننا التقينا .
بدت ذاهلة من تغيره المفاجىء والغير منتظر .. كاد يضعف أمام انكسارها لعدم تحقيق رغبتها والتى كانت رغبته هو أيضا .. لكنه تماسك وعاد يلفت الانتباه الى ابنتها :حاولى اللحاق بابنتك..
ــــ أتريد أن نفترق بعد أن التقينا ؟
ـــ أنت تعرفين أننى اكره البعد عنك ..
ــــ إذن لماذا تحرمنا من شىء أردناه معا ؟ا
ـــ ظروفنا هى التى تحرمنا وتحتم علينا ألا نلتق ..
مضت فى محاولاتها معه :
ــ لنظل معا ولو لفترة فصيرة ..
ـــ وما الفائدة مادمنا سنتحسر على ماسيكون ..
لاذ بالصمت بضع لحظات .. قالت :
ـــ سأحاول أن أراك بعد ذلك وحدى ..
ـــ لاأريد ان نتمادى فى الخطأ ..
ثم أكد عليها :
ــ لايجب أن نلتق ثانية ..
ـــ لماذا ؟
ـــ زمن اللقاء بالنسبة لنا انتهى ..
ـــ لاتقل ذلك.. سأحاول أن ...
قاطعها :
ــ لافائدةمن المحاولة ..وتذكرى أن لكل منا بيته واسرته..
ـــ أنا لم أنس ذلك لكن..
ـــ من المستحيل أن نهرب من الحقيقة ..
ثم اشار إلى ابنتها :
ــ البنت ابتعدت كثيرا..
اختنق صوتها بالبكاء :
ـــ تعال لنلحق بها معا ثم نفكر..
وقف مكانه ولم يتحرك..تطلعت اليه فى استعطاف :
ـــ أرجوك لا تحرمنا من لحظات ربما لن تتكرر..
واجهها فى صمت .. استرسلت :
ـــ لاتزد من عذابنا..
كاد أن يضعف ويستسلم لما تريده منه ..لكنه تمالك نفسه :
ـــ لقد ولد حلمنا قصير العمر وعلينا أن نعترف بنهايته,,
قالت فى استسلام :
ـــ كما تريد..


ضغط على يدها وهو يستعد لتركها :
ــ حاولى أن تعتنى بنفسك اكثر ..
ابتسمت فى مرارة..
ـــ سأحاول..
لمح الدموع فى عينيها :
ـــ لاداعى للبكاء الآن.
مسحت دموعها ثم قالت :
ـــ ألا تريدن أن اضحك..
ــــ أتمنى ذلك..
بدت ضحكة منها كالبكاء :
ـــ لاتنس ان زمن الضحك انتهى بالنسبة لنا ..
ذكرها بابنتها ..تابعتها فى المكان التى وصلت اليه ..ثم سحبت يدها من يده .. لكن نظراتها أبت الانفصال عنه .. كرر لها :
ـــ البنت ابتعدت كثيرا .
ارتعشت شغتاها :
ـــ لاتخش عليها .. سألحق بها ترددت الكلمات على شفتها وهى تحاول أن تقولها لها مودعة اياه ..لكنها لم تستطع.. هرب من مواجهتها وأخذ يتطلع جهة ابنتها وظل يتابعها بنظراته.. انتزعت نفسهامن أمامه ومضت تجاه ابنتها ببطء دون أن تجعلها تغيب عن عينيها ..لكنها سرعان ما أسرعت فى خطواتها وهى تناديها بصوت مخنوق بالبكاء ..
ظل يتابعها بعينيه وهو يقف فى مكانه كالمذهول.. خطر له أن يلحق بها ليقضيا اليوم معا كما أرادت..وليحقق لها رغبة تمنتها .. لكنه وجدها تحتضن ابنتها بشدة عندما لحقت بها.. ثم حملتها وأنزلتها من فوق السور القصير لتعيدها الى الطريق ..ثم مشت بجوارها قابضة على يدها دون أن تلتفت الى الوراء.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007