[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مدير كبير بالوزارة 
التاريخ:  القراءات:(603) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : الحسين ولد محمد عمر  
فتح محمد سالم الباب صباحا وهو يردد عبارته الأبدية "سبحان الله ،سبحان الله ....." ، الساعة تشير إلى الثامنة والنصف، يرتدي قميص أحمر فاتح، بنطلون أخضر عركته السنين، على ما يبدو، عمامة تتدلى منها قطعة على ظهره علامة خاصة بنوع من المتدينين الورعين، ولحية كثة غير ممشطة تتخللها شعرات شيب قليلة جدا، يبدو نحيلا نوعا ما، منظره العام يفرض عليك احترمه ، فهو من رواد المساجد و علامة الصلاة بادية على جبهته تنحسر عنها العمامة قليلا كأنه يفتخر بها، نظر إلي بوجهه النحيل وقال لي باسما: ماذا تفعل هنا في هذا الوقت بني؟ وأردف ، السيد المدير لن يأتي الآن، سيذهب بأبنائه إلى المدرسة ومن ثم يعود للبيت ليستحم قبل أن يمر بزوجته الثانية، لكنه استدرك بشكل مثير، قائلا ، استحلفك بالله لا تذكر الكلمة الأخيرة لأحد ، خاصة السيد المدير، لقد أوصاني بكتمان هذا الأمر، إنه يثق في كثيرا وإذا سمع بالأمر سينقطع رزقي، بادرته قائلا، الرزق عند الله، وأنت لاشك تدرك ذلك، ولكن اطمئن من هذه الناحية، هذا لا يهمني. رجع له شكله الطبيعي وقال بنبرة عادية خالية من الفزع، هل تبحث عن عمل؟، أشرت برأسي أنْ نعم، قال ، سأكلمه لك ،ثق بي، اعتبر نفسك حصلت على عمل منذ الآن، أنا مخزن سره، لا يرد لي طلب، لقد توسطت لقريب عندي وعينه على أملاكه الخاصة، ولكنه استقال منذ فترة قصيرة ، ولم يقل لي السبب. بعد ساعتين من الانتظار أقبل السيد المدير بجسمه الممتلئ ووجهه المستدير، بشنب مفتول إلى الأطراف، يضع نظارات فوق أنفه الطويل قليلا، تظهر عليه الراحة بكرشه البارز إلى الأمام وعجزيه الذين يرتفعان وينخفضان بوضوح شديد عندما يسير، رأسه أصلع نظيف إلا من شعيرات قليلة فوق أذنيه الصغيرتين، نظر إلي شزراً، أقف ملاصقا لباب مكتبه، ومحمد سالم ينظر إلي باهتمام زائد، كأنه يحذرني من زلة لسان قد تقطع رزقه الوحيد، لم يقل لي كلمة واحدة، ولم أتكلم بدوري، دلف إلى داخل مكتبه، ينادي محمد سالم من خلال موسيقى الباب القوية، انسل بهدوء و أغلق الباب خلفه بإحكام، حتى لا أسمع ما يدور بينهما من أسرار، يبدو أنه لم يتلق الاتصال الخاص بي المتعلق بهذه الوظيفة، أكاد في مكاني أن أجزم بتفاصيل الحديث الدائر بينهما. بعد دقائق خرج محمد – لقد اعتاد الزوار مناداته بهذا الاسم اختصارا لمحمد سالم- ورمقني بعينيه الصفراوين وقال: لقد أخبرته عنك ولكنه الآن مشغول ببعض الأعمال، ثم أردف متوسلا، أرجو أن تحتفظ بما دار بينا من أسرار عن و أشار بإبهام يده اليسرى إلى قفاه إلى الباب، فهمت القصد وهززت رأسي بالموافقة وهممت بالانصراف، أطل المدير بكرشه المنفوخ الذي يتقدمه ببضع سنتيمترات وأنفه الطويل وكأن الله خلقه بهذا الطول ليجذب القدر الكافي من الأكسجين لهذا الكرش، أشار إلي أنْ تعالْ، أغلقنا الباب خلفنا، مكتب فسيح وفرش ناعم ، أربعة مقاعد جلود من الطراز الرفيع ومكتب إيطالي فخم أمامه منضدة زجاجية عليها عصائر باردة وحلوة المذاق، جهاز كمبيوتر شخصي وآخر خاص بالمكتب، أوراق مبعثرة فوق المكتب، استطعت أن أميز مجلة فرنسية، على غلافها صور بدت خليعة نوعا ما، وقف كمن يريد أخذ شيء ما وأزال المجلة بهدوء تام، وأردف ليشتت انتباهي عن الأمر، تفضل بني كلي آذان صاغية، هل أعرفك؟ صدمت قليلا، فالاتصال الذي انتظرت لم يحدث، قلت بعد أن لملمت شتات أفكاري، وبتأن مبالغ فيه حتي لا يظهر ضعفي أمامه، شكرا لكم سيادة المدير على الإستقبال - ابتسم بامتنان لتسفر ابتسامته عن أسنان متراصة ونظيفة جدا- ، أنا متخرج من سوريا في إدارة الأعمال، كنت قد ذهبت هناك بمنحة من الدولة، وللأسف لم أحصل على عمل منذ عدت قبل سبعة أشهر إلا أسبوع تحديدا، فعلت وجهه ابتسامة خفيفة، ربما إعجابا بدقتي في تحديد التاريخ، لقد دلني عليكم زميل لي، قال إنكم تهتمون بالشباب خاصة، ثم سكتتُّ.

تحرك قليلا في مقعده وبدا مزهوا بهذه الشهادة المجانية، الكاذبة، كما علمت بعد ذلك من خلال عملي، كان يعرف أنه لا يقدم خدمة إلا للنساء الجميلات، لقد لمح لي البواب عن ذلك ولكنه كان كل مرة يشر فيها للأمر يعود لتسبيحه وتحميده كمن يكفر عن أمر ما، قال لي محمد سالم باستغراب سيادة المدير لا يحب إلا العطور النسائية الفاخرة، سمعته أكثر من مرة يتصل ويقول لإحداهن هل اشتريت الملحفة الفلانية إنها جميلة عليك ، أريد أن أراك وقد ارتديتها، وحبذا لو زرتني في المكتب. كان ذلك أول قدوم لسيدة إلى هذا المكان، كانت جميلة جدا، استغفر الله، ملحفتها كذلك من نوع غالي، استغفر الله، عطرها بقي في المكتب حتى المساء، استغفر الله، ثم أردف باهتمام كبير وتعجب! إنهن بنات الليل والعياذ بالله، اللهم لا تأخذني بذنب غيري يا أرحم الراحمين!، قال لي بعد أنْ اطمأن إلي، مدير حقير يستغل منصبه لجلب النساء والعبث معهن، أقسم أني سمعت في بعض الأحيان أصوات غريبة تنبعث من هذا خلف هذا الباب، ثم ينظر إلى السماء كمن يعتذر من الله ، رافعا يديه، اللهم إني ليس لي من باب رزق إلا هذا فلا تعذبني بجرم غيري، ويضيف ، ثم تخرج إحداهن راضية بما غنمت من فحل رجال يترك زوجته في البيت معتقدة بعفة زوجها الذي لا تذكر أبدا أن سبحته الطويلة فارقت يده ولو لمرة واحدة، كما لا يمكن نسيان سجادته التي يضعها بجانبه دائما، ليصلي عليها صلاة العصر في مكتبه الفخم.

قلت أريد منكم سيادة المدير توفير وظيفة ما ،تتماشى مع تخصصي، فأنا الأكبر من بين أسرة منهكة تتألف من أربع بنات وثلاث إخوة مات عنهم أبوهم وتركهم في عهدتي، فكر طويلا، ثم كمن تذكر شيئا وقال: ما رأيك بإدارة بعض أملاكي، فعمل الإدارة يشغلني عنها والناس غير مأمونة الجانب، هي كلها ثلاث عمارات من أربع طوابق في تفرغ زينة، وعشرة حوانيت قرب سوق العاصمة، وخمسة شاحنات نقل كبيرة، وعشرة سيارات أجرة وأشياء أخرى متفرقة ليست ذات أهمية أطلعك عليها في حينها، جحظت عيناي و فغرت فمي مأخوذا ووجدتني في عالم غير محسوس، أنا الفقير المعدم أصبح بين عشية وضحاها مديرا لكل هذه الممتلكات، لكزني بلطف قائلا ما لك شردت هكذا؟ أسمعت ما قلت لك؟، أفقت من الحلم الحقيقي وقلت نعم سمعته كله، أرجو من الله نجاحي في هذه المهمة وأن أكون عند حسن ظنك، قال، انتظر، ما عليك فعله فقط هو تقديم الحسابات مع نهاية كل شهر وأنا أنقدك مرتبك اتفقنا ، أجبت بالموافقة رغم أننا لم نتفق بعد على المرتب، قال كالمستدرك، مرتبك سيكون- ثم سكت كمن يريد استفزازي- سيكون ثلاث مائة ألف أوقية،عقدت المفاجئة لساني ، مبلغ كبير كهذا يكون راتبي أنا الذي لم أتقاضى فلسا يوما ما كمرتب!؟ ، انفتحت أساريري وغبت مرة أخرى في أحلام أخذتني بعيدا جدا، إلى أشياء لم أكن أفكر فيها ، زوجة وأولاد ومنزل جميل فاخر، سيارة حديثة والكثير من الأموال، شكرته كثيرا فابتسم كالمنتصر لتفرج عن أسنان جميلة متراصة ونظيفة كأنها مصنوعة بإتقان. قال مودعا نتقابل بعد نهاية الدوام لتوقيع العقد وهذه خمسة آلاف أوقية مساعدة مني لمن أصبح مدير أعمالي لكي تعلم أنني لست بخيلا مع الرجال، فقلت في سري ومع النساء كذلك. كانت لدي في جيبي الخلفي خمس مائة أوقية، أخرجتها عند باب المكتب وسلمتها للبواب محمد سالم الذي ما زال يكرر كلماته السرمدية ،سبحان الله ،سبحان الله.... أومأ برأسه شاكرا، لم يستفسر مني عن الأمر، هو صديق المدير الحميم وكاتم سره سيخبره بالتفاصيل، نظرت في ساعة معصمي التي تشير إلى العشرة إلا ربعا، ثم أخرجت هاتفي لأتصل على أمي وكذلك على هدي المنهكة من الانتظار. في نفس اللحظة مرت بي سيدة أنيقة جدا عطرها من النوع الغالي الثمن ، عطر النجمات السوريات الفاتنات اللائي حضرت حفلاتهن الماجنة الصاخبة لما كنت في الجامعة، لقد استهوتني أنا نفسي، ولم لا؟، لقد أصبحتْ لدي وظيفة وأستطيع الطمع في من أريد، تركت ذلك الخاطر يمر دون تركيز ، هدى تنتظرني بفارغ الصبر، لقد وعدتها بالزواج في أول فرصة عمل أحصل عليها هي التي طالما انتظرتني وصبرت علي في أيام الشدة، وحان الوقت لأمتعها وأحسن إليها كما أحسنت إلي. عدت في مساء نفس اليوم لتوقيع العقد، وتم كل شيء بسرعة وبنجاح مبهر ومحير، استلمت عملي في غضون أسبوع وبدأت تطبيق دروسي النظرية في إدارة الأعمال وكان كل شيء جميل وناجح. ذات يوم سألني المدير سؤالا غريبا، ومفاجئا، قال دون مقدمات: هل تزوجت، أطرقت دون جواب، إنه في عمر والدي ، عليَّ احترامه، عاداتي لا تسمح بقول هذا الشيء في حضرة من يكبرني، استمريت مطرقا دون جواب، ألح علي بالسؤال، فأومأت برأسي أن نعم، وعيني شاخصتين إلى الأرض كمن يفحص شيئا ما بعناية، لم يتركني في حالي فهو مجنون بكل ما له علاقة بالنساء، أقسم علي أن نزوره في المكتب أنا وزوجتي هدى، لم أفهم سبب الدعوة إلا أنني رضخت في النهاية فهو مصدر دخلي الوحيد، وأدركت حينها سبب بقاء محمد سالم إلى هذا الوقت في عمله، اصطحبت معي هدي يوم الأربعاء صباحا في طريقي لعملي في وسط العاصمة ، كنت قد اتصلت عليه هاتفيا لأخبره عن قدومي، تفاجأت بالمكتب في غاية النظافة ورائحة عطر نسائي تفوح منه، دلفنا فالتفتت إلي هدى كالمستفسرة عن سبب هذا العطر، لم أتجاوب مع نظراتها المستفسرة، سلم علينا بعناية فائقة خاصة هدي التي خصها بسلام حار وعميق فهي زوجة مدير أعماله . لم أعتقد لحظة أنه سيفكر بانحراف، طردت تلك الأفكار من رأسي في الحال، بعد حوالي عشرين دقيقة غادرنا المكتب، أثناء لقائنا سلم هدى بطاقته الشخصية معربا عن استعداده للمساعدة في أي وقت، كان لقاءً وديا وطبيعيا، تميز بالأريحية و المجاملة. بعد فترة من ذلك اللقاء طلبني في مكتبه لأمر هام، قال بكل وضوح وهو واقف أمامي مباشرة وبنبرة جدية ملحوظة، أحمد أريدك أن تطلق هدى، سألته باستغراب كأنني لم أسمع ما قال، ماذا تقول؟، كرر العبارة بهدوء تام قاتل، أريدك أن تطلق هدى، كان في هذا الوقت يمط شفتيه كالمتأهب لهجوم ما، قلت: لكن لماذا؟ أنت تعرف أنني أحبها ! قال: أريد أن أتزوجها.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007