[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حـــنيـــن. حـــنيـــن.
التاريخ:  القراءات:(3964) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ميمون حرش  

حين تصفو نفسي أسترجع عبر ومضات سريعة شريط طفولة شقية لم أعشها كبقية أقراني.. لا زال ماضيها يأسرني، هو جميل رغم كل شيء ما دمتُ اليوم ، تأسيسًا على بعض فصوله ، أعيد صياغة حياتي ، أو بعضًا منها على الأقل ..

في أواخر السبعينات، وبداية الثمانينات،في هذا الزمن الجميل الأبيض.كنتُ وأصيحابي الصغار من أقراني نعلن التحدي لإبراز ذواتنا في مدينة وُصف أهلها بالأوباش، فضاءاتها موبوءة ومسدودة، عشنا فيها مضطرين حينا، وأبطالا صغارًا في أحايين كثيرة، لا الزمان طوانا،ولا الأمكنة حوتنا إلا صحبة معاناة كانت أكبر من أن نتحملها ، والناظور ما كانت لتعني لنا أكثر من فضاء واحد يتيم هو شارع محمد الخامس،بل لم نكن نسمي الناظور إلا لهذا الشارع، وبقية البطون ليست منه لدرجة أننا كنا نجيب كل من يسألنا عن وجهتنا ، ونحن في الناظور، كنا نقول :

"ذاهبون إلى الناظور".. أو "عائدون منه"..

ثانوية عبد الكريم الخطابي كانت عالمنا المفضل، ولكنها لم تكن كل العالم، كانت هناك جمعية "الانطلاقة الثقافية" التي كنت أعتبرها مدرستي الثانية، تخرج منها أطر تركوا بصماتهم في الشأن المحلي الناظوري، أغلبهم الآن قضاة، محامون،أساتذة،فنانون، رسامون، منشطو برامج...

تشكل وعيي ، وأنا طفل ، في جمعية " الانطلاقة الثقافية"، كانت فضاء جميلا حقا احتوتني وأقراني، وفتحت أعيننا على حقائق كثيرة، أغلبها كان يطرح طرحاً غير صحيح البتة فيما له علاقة بالشأن المحلي لمدينتنا..

تعودنا أن نختلف إلى الجمعية كل مساء جمعة للعب الشطرنج، ونحن نسمع مارسيل خليفة و هو يصدح :

أحن إلى قهوة أمي،

وخبز أمي..

وكذلك أحمد قعبور الذي كنا نردد معه :

أناديكم، وأشد على أياديكم ،

وأبوس الأرض... تحت نعالكم..

( ... )

وسعيد المغربي الذي كان يشنف أسماعنا بأغانيه الجميلة، كلماتها منتقاة من منهل الواقع حيث القضايا مطروحة بدون ماكياج على غرار الأفلام الهندية التي خدرتنا لسنوات، هناك بدأنا نتعرف ما معنى أن يكون الفنان ملتزماً حين يكرس فنه من أجل خدمة المتلقي ، فهمنا أن الفن الأصيل هو الذي ينقلك إلى عالم آخر لكن حقيقي،الوقائع مطروحة فيه بشكل صحيح، لها صلة بالقهر، وظلم الإنسان للإنسان، أما ميمون الوليد الذي غنى عن" أدشار إينو" كانت أغانيه تجعلنا نحس بمدينتنا بشكل أفضل، بشكل أفضل والله.

أغانٍ ملتزمة كثيرة كانت تغسلنا من الداخل، وتجعل النفس ترق وتصفو، وتنقشع داخلها غيوم القهر ،وتسطع في القلوب شمس الأمل ، تنير وتفعل فينا فعل مُزنة في الأرض، بعد البرق الخلب، صحيح كنا صغاراً لكن كنا نعي الظرفية التاريخية التي سيجت هذه الأغاني، شيء ما في دواخلنا كان يتملكنا حين نسمعها.

إيــه، يا زمن،

تُراك تذكرنا حين كنا نتلمس طريقنا، ونحن زغب الحواصل، في ناظور مغلق، لا باب خلفي له..؟

تراك تغفــر لنا شقاوتنا ونحن مراهقون..

تراك تذكرنا ..؟

تراك تذكر كيف كنا؟

لحظة يا أنا، دعني أقول لك كيف كنت أنا..

فتحت عيني في مدينة يغيب فيها أبسط شروط الحياة الكريمة، وفي أيام الآحاد، والعطل إذا لم ألعب كرة القدم، فإنني أظل أحرس باب سينما الريف، و"الرويو" لساعات لمعرفة فيلم اليوم، ولم يكن سوى فيلم هندي يخدرني لساعات.

كنت أعشق الأفلام الهندية وكانت هيما مالي، وممتاز، وريكا، وشارميلا طاغور فنانات يشغلن بالي، يسكن مني القلب والأهداب ..

إذا انتهى الفيلم الهندي خرجت حالما، وفي بيت من الطين أحمل معي وقائع الفيلم،فأخرج كراستي، فأبدأ في تسجيل عبارات الغرام الأثيرية التي أسمعها البطل لمعشوقته.

كنت أرسل شعري ، وأتركه يندلق على كتفي حسب الموضة، ولا زلت أتذكر اليوم الذي انخرط فيه أصدقائي في ضحك هستيري لما أخبرتهم ببراءة بأني لا أحب المطر، وحين استفسروني رددت بعفوية :

"إنه يفسد تسريحة شعري".

وكأي مراهقين كنا نحرص على هندامنا،وكان شرط سراويلنا الطويلة أن تكون ذات أكمام واسعة pattes éléphant تصل أخمص القدمين مع ضرورة تغطية الكعبين ، نتباهى بها، ونسير بها في الأرض مرحاً،و كنا نحرص أيضاً على أن يكون لسراويلنا من الأرض نصيب وإلا فهي لا تستحق أن تُلبس.

كانت حياتنا عادية لكن حافية،ومع ذلك تمسكنا بها لأنها حياتنا،عشناها بعمق رغم الكفاف ،كنا نعتبرها كما قال ناظم حكمت بيت أبينا لا دار مستأجر.. مارسنا طفولتنا ومراهقتنا "بالخبز الحافي"، في مدينة، كل ما فيها حـــافٍ..ومع ذلك لم نكن نعدم وسيلة في الخروج من خندق اللاشيء، كتبنا خواطر، وأشعارًا، وقصصاً، ونظمنا رحلاتٍ.. بكلمة : "عرفنا مصيرنا فاقتحمناه "رغم تخلف مدينتنا..

وللتخلف نصيب في كل شيء.. حتى مع مشروب غازٍ زمن الثمانينات..

عشقت مشروب " كروش"، كنتُ أشتريه خلسة مخافة أن يتهمني أصدقائي بالتخلف..لست أدري كيف حصل الاتفاق، والإجماع على أن كروش مشروب لا يليق بمتمدنين، فهو وقف على المتخلفين فقط، لذلك لم يكن أحد منا يجرؤ على طلبه علناً، وإلا سيكون مثار سخرية الأصدقاء..

يا الله، كم كان مذاقه منعشاً، ومع ذلك فقد كنّا نتشبه بالمتمدنين، ولا نقربه، شخصيا كنت أشربه خلسة،وإذا ارتويت ألقيت بزجاجته، ثم أفحص نفسي، وألعنها قائلا : "أيها المتخلف الصغير" ،لكن سؤالا ظل يؤرقني هو ما الفرق بين متخلف يستتر، وآخر يعلنه ويشرب كروش على مرأى الجميع؟ ثم هل هذا هو التخلف؟... أسئلة كثيرة جفت على لساني دون إجابة واحدة ترويه..

" كروش " مشروب المتخلفين،

يــــــاه ..كم كنا مساكين!

كنا نعيش في ناظور مثل مستنقع، الفراغ ينخرنا من الداخل والخارج ،مسؤولونا الكبار جاروا علينا، وكانوا مثالا ليس للسرقة، بل كيف تصح هذه السرقة..

لقد حول رؤساء المجلس البلدي الناظور مدرسة للنهب لمن يريد أن يتعلم.. هم ربما كانوا يشربون كروش، وبدل أن يسخروا من المشروب كانوا يسخرون منا في جلساتهم الحميمية ، يسكرون بأروع "كانيات"، وبأغلى أنواع الويسكي في مليلية المحتلة..وحين يرون الحمار غزالا تنم عيونهم، وتزداد أفواههم اتساعاً، ثم يبدأون في نهش لحم مدينتنا،هم يعتبرون أهلها متخلفين، ومدينتهم لا تستحق أية تنمية، وعليه فإن أي مشروع يجب ألا يطالها، بل كل من يريد أن ينجح عليه أن ينقل مشروعه إلى فاس، أو الرباط أو الدار البيضاء... كانوا يعتبرون أهل هذه المدن هم المتحضرون، أما أبناء الناظور مجرد متخلفين، و حثالة يعيشون على التهريب...

الأنذال نهبوا خيرات الناظور، وتركوها كمغتصَبة غارقة في دمائها بعد أن تناوب عليها مسؤولون/ ذئاب في هيئة بشر تنكروا لها في الأيام السود.. سود الله سعيهم، وقبح الله وجوههم..

السنون مرت بسرعة كما السحاب، واليوم كبرنا، وصرنا شيوخا،

كل في طريق،

و نترك الناظور في أيدي أبنائنا وحفدتنا ليعيش الجميع في زمنها المهم...

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007