[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
سيدي مطلوب  سيدي مطلوب
التاريخ:  القراءات:(2710) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
بسم الله الرحمن الرحيم

سيدي ....مطلوب

قصة قصيرة

- 1-

دفن رأسه بين يديه ، وأطلق العنان لدموعه ، إنه رجل وحيد ، وغريب كذلك .

هناك آلا ف الناس حوله ، ولكن لا أحد يشعر بما يضطرم في فؤاده من عواطف وأحاسيس ، لا أحد يأبه له .

كل يوم يتعاظم شعوره بالوحدة ، ووحشة الغربة القاتلة .

تبدو عليه سيماء الهدوء ، تطرف عيناه الضيقتان بحزن ، ولكنه بشوش يغالب شعوره العميق بالألم ، ويميل طبعه إلى اللين والسماحة ، يشبه صفحة البحر ، عندما تكون الأجواء هادئة فلا عواصف أو أمواج هادرة ، تطغى ابتسامته اللطيفة على حزن عينيه . ولكن من يستطيع أن يدرك أن في أغوار البحر السحيقة ، ظلمات فوقها ظلمات ، قلبه مثل تلك الأعماق ، تهدر فيه مشاعر متناقضة .

لماذا جئت إلى هنا يا مطلوب ؟

كم مرة طرح على نفسه هذا السؤال ، كم هو سؤال أليم ، لا ينفك يبكت نفسه ، يلومها أشد اللوم .

لماذا جئت إلى هنا يا مطلوب ؟

إلى ماذا تتطلع ؟ هل تشعر حقا بالسعادة ؟

هل وجدت ما كان ينقصك في هذه المدينة ؟

مطلوب لا زال في مقتبل الشباب ، إنه فوق العشرين بقليل ، قوي البنية ، فقد اعتاد ممارسة المشي وغيره من التمارين الرياضية . كذلك لديه بعض المواهب ، وهو لماح ، سريع البديهة ، ولكن الفقر لم يساعده ليتم تعليمه . انطلق منذ الخامسة عشر ليبحث عن لقمة العيش ، عمل في شتى الأعمال ، من حارس إلى طباخ ، إلى نادل ، وغير ذلك من المهن ، لم يجن الكثير من المال ، لكنه اكتسب مهارات كثيرة ، وعارك الحياة والناس مبكرا .

قرر أن يسافر إلى الرياض ليعمل سائقا ، مكث فيها فترة ، ثم حملته الأقدار إلى مدينة الطائف .

-2-

لقد تفطر فؤاده اليوم من الألم والحزن ، فقد تحدث إلى والدته المريضة ، هناك في بلده البعيد . كانت تغص وتشرق بدموعها ، بينما كان يتحدث إليها . توسلت إليه أن يعود ، فهي تشعر بقرب منيتها ، قالت له بأسى ورجاء ، لا أريد أن أموت دون أن أراك ، استحلفك بالله أن تعود بأسرع وقت . لسنا بحاجة إلى المال ، بل نحتاج إليك يا بني .

حاول التماسك ، وتهدئة خواطر أمه المريضة ، وهو شديد الحدب على أمه والإشفاق عليها ، ومشتاق إلى حنانها وعواطفها ونصحها وإرشادها كذلك .

وقد قرر في تلك اللحظة أن يسافر في أقرب وقت .

هجر عالمه ، وكل ما يحب ، أمه المريضة ، حبيبة صباه سمياتي ، إخوته ورفاقه في المدرسة والحي ، بلدته الجميلة ، بلاده كلها . لأنه يتطلع إلى حياة أفضل ، فقد تتاح له الفرصة ليجني بعض المال ، وليتعرف إلى عالم جديد ، إنه لم يهاجر من أجل المال ، فليس هدفه الغنى والحياة المترفة ، بل يتمنى أن يعيش حياة كريمة ، يطمح إلى أن يوفر لأهله المنزل المناسب ، ولأبنائه فيما بعد التعليم المناسب ، لا يريد أن يعيش مسكينا ، ينتظر الصدقة من أحد . يود أن يعيش بكرامة وحرية . ولكن أنى تتحقق الأحلام ؟!

امتلأت مقلتاه بالدموع ، كان يكابر ويحاول أن يمنع نفسه من الانهيار ، توسلات أمه المريضة ، صورة حبيبته الغاضبة ، تطوف في ذاكرته المشوشة .

عاد السؤال القبيح مرة أخرى ليحاصره ، لماذا جئت إلى هنا يا مطلوب ؟؟

ولم أنت تبكي وقلبك كظيم ؟

هل ستتخلى عن أمالك وتعود إلى ديارك وأنت تجر أذيال الخيبة ؟

ماذا ينتظرك هناك سوى العوز وذل الحاجة ؟

- 3-

" فينك يا سيدي ....متلوب " ؟ !

كانت تشدد على مخارج الحروف ، وتتلاعب بها ، فتقلب " ط" إلى " ت " باستفزاز وتهكم ، وهذه عادتها دائما ، وهي تتعمد أن تناديه بسيدي ، إمعانا في إذلاله ، والنيل من كرامته . وربما لتذكره بأنه مجرد أجير مسكين ، بلا حول ولا قوة .

يزفر في غضب وحنق ، لكنه يتذرع بالصمت ، ويلوذ بالصبر ، يرد عليها بهدوء ، وبنبرة محايدة ، تخلو من الشعور بالقهر والهوان ، بينما يدعو الله في سره ، أن تنزل عليها صاعقة من السماء ، أو تخسف بها الأرض . وقد اختار لها لقبا يناسبها في نظره ، فهو يسميها " مصيبة كبير " وبالطبع لا يعلم بهذا اللقب ، سوى المقربين من رفاقه .

وبينما هو صامت على الطرف الآخر ، يتفكر بحسرة في حاله ، تتمزق أعصاب السيدة غادة ، عندما لا يرد عليها ، تنهره بعنف قائلة ، لماذا لا ترد ، هل أنت أصم ؟

غادة هي زوجة السيد الثانية ، وهي صغيرة في السن ، لكنها من عائلة متواضعة ، بينما زوجته الأولى ، من عائلة ذات مركز اجتماعي ومالي كبير .

تعوذ مطلوب من الشيطان ، ورد عليها بهدوء ، فقال " أيوه ، أنا أسمع ، إيش تبغ إنت "

فتأمره بالإصغاء إليها جيدا ، وتزجره ، وتصب اللعنات السوداء على رأسه ، وفي النهاية بعد أن تشفي غليلها من ذلك المسكين ، تسرد عليه قائمة لا تنتهي من الطلبات ، أدوية من الصيدلية ، أغراض للمنزل من المركز التجاري ، وأخيرا بعض الحلويات الطازجة من المحل المعروف بمذاق الملكة .

كذلك لا تنسى أن تتوعده بالعقاب ، لو تأخر دقيقة واحدة ، عن تنفيذ أوامرها الجليلة .

في الحقيقة ، إن جميع العمال ، والخدم ، عند سيده يرتعبون من مزاج السيدة النكد ، وميلها إلى الصراخ والشجار لأتفه الأسباب .

- 4-

كل يوم ، ينبغي عليه الاستيقاظ مبكرا ، ليقوم بحمل أبناء العائلة إلى مدارسهم المختلفة ، إنه يطوف مدينة الطائف من أقصاها إلى أقصاها . فهناك من يدرس في القمرية ، والبعض في شارع شهار ، وقلة منهم يدرسون في الحي المسمى مخطط الملك فهد .

لا يستطيع أحيانا أن يتمتع بربع ساعة ، ليأكل بعض الخبز ، أو الأرز المتبقي من عشائه ، كذلك فإن عمل السائق ليس عمله الوحيد ،فهو يقوم باستقبال الزبائن في الشقق المفروشة ، التي يملكها سيده ، ويقضي حوائجهم ، ويساعد بقية العمال في أعمال الإصلاح والتنظيف المختلفة .

وهو مسئول عن أعمال الصيانة والإصلاح في المنزل . إنه سائق وعامل ، وسباك وكهربائي .

لا يستطيع التذمر أو الرفض أو التراخي ، فعليه أن يلبي كل طلب ، ويؤدي كل الأعمال ، بصدر رحب وسعادة .

ولكنه في أعماق ذاته ، غاضب وحزين ومقهور ؟

إنه رجل موهوب ، يمكنه قيادة السيارة بمهارة ، ويصلح العطل في الكثير من الأجهزة ، ويجد حلولا لكل معضلة . ولكن ما يؤلمه أشد الألم ، هو معاملته باحتقار ، فهو إنسان لديه شعور عميق بقيمة ذاته ، وتمتعه بخصال فريدة رغم فقره . وكونه فقيرا ، لا يبيح للآخرين استغلاله ، والنيل من كرامته ، وتكليفه بما لا يطيق أو يحسن من الأعمال .

يريد أن يشعره الآخرون بالاحترام لآدميته ، وبتقدير لجهده ، وخلقه ، ومواهبه .

في الحقيقة إن السيد كريم معه ، ويعامله باحترام ولطف ، وطالما أثنى على جهوده ، وامتدح أعماله . فالسيد رجل نبيل وتقي يخاف الله ، لكنه يعاني من بقية أفراد العائلة ، ومن النساء على وجه خاص .

استقر في جذور روحه ‘ ذلك الشعور بأنه لا توجد عدالة حقة على هذه الأرض ، فالأغنياء يستغلون الفقراء ، ويمنحونهم الفتات ، بينما يتمتعون بكل شيء .

- 5-

لمن أشكو حزني ؟

هكذا كان يدمدم مطلوب ، في أوقات وحدته ، وعندما يأوي إلى فراشه في ساعة متأخرة ، أو عندما يستيقظ في آخر الليل ، تحت تأثير الكابوس .

لمن أشكو ألم قلبي ، ووحدتي ، ووحشتي ؟ وهل تجدي الشكوى ؟

استقر الشعور بالمرارة والعذاب ، في أعماق نفسه ، عندما علم أن حبيبة صباه سمياتي ، قد هجرته وتزوجت برجل آخر .

شعر باليأس والغبن ، لفقدانه حبيبة العمر ، إنها الخسارة الفادحة بالنسبة إليه .

أحيانا يفضي بمكنون نفسه ، وما يضطرم فيها من أشواق ومخاوف ، إلى صديقه واين ، إنه مشتاق إلى أمه ، وبلده ، ورفاقه ، إنه يفتقد كل شيء في حياته ، ويشعر بالسقم والملل من حياته في بلاد الغربة ، رغم كل وسائل التسلية الموجودة . إنه مثل شجرة اقتلعت من تربتها الأصيلة ، ثم زرعت في أرض غريبة .

لمن يشكو السيدات والآنسات ، في تلك العائلة المحترمة ؟

إنهن يثرن الجنون ، عندما يتصرفن معه بصلف ، فيشعر بأنه عبد ذليل .

كل آنسة تصر على تنفيذ أوامرها ، والالتزام بمواعيدها ، قبل الأخريات ، وكأنها وحيدة زمانها . والسيدات لسنا متعقلات أكثر من الفتيات ، فالرعونة تبدو الصفة الأصيلة في النساء عامة .

وعندما تتضارب المواعيد ، والمشاوير ، يصبح مثل كرة تتقاذفها الأقدام دون رحمة .

هاتفه المحمول ، لا يكف عن الرنين ، طوال الليل والنهار .

إحداهن تريد الذهاب إلى المكتبة ، وأخرى تريد زيارة بعض الصديقات ، والثالثة تريد التسكع في السوق ، أما الرابعة فهي تود أن تتعشى مع رفيقاتها في المطعم الصيني ، في برج العبيكان .

مئات الأوامر تنهال عليه في وقت واحد ، والويل له إذا تأخر في تنفيذها .

تنطلق ألسنتهن الناعمة ، في السباب واللعن ، والتهديد بفصله والاستغناء تماما عن خدماته .

والحقيقة أنه يعلم تمام العلم ، أنهن كاذبات ، وينقصهن الكثير من خصال الأدب والتهذيب ، فإن المال وحده لا يجعل الإنسان نبيل الخلق ، إذا لم ينشأ تنشئة قويمة

الفتيات الصغيرات منهن ، يعانين من الفراغ الهائل ، ويحاولن الهروب بالتسكع في الأسواق ، وملاحقة الجديد في الموضة .

أما النساء فهن مولعات كذلك بالأسواق ، والزيارات ، وليس لديهن هدف حقيقي يسعين إليه ، فكل شيء موجود ، فهن مترفات ، يعشن في هناء ، لا هم لهن سوى الحديث عن مساحيق التجميل ، وأحدث العطور .

وعمليات التجميل ، وطرق الريجيم .

- 6-

عندما اتصلت به وداد ، بنت السيدة الكريمة أم عزيز ، ابتسم وتهللت أساريره ، وتألقت عيناه بالفرح .

جرت في أعطافه مشاعر البهجة الغامرة ، إنها الوحيدة التي يرحب بكل أوامرها ، بل يجلها حد التقديس .

عندما رآها واقفة ، في هيئتها الجميلة التي تخلب لبه ، بعباءة سوداء من قماش فاخر ، وخمارها الثقيل الذي يحجب عنه وجهها ، الذي رسمه في مخيلته الخصبة ، وفي تلك الليالي الباردة ، التي تدفئه ذكراها ، وتخيله أن تكون بين يديه ، وكذلك حقيبتها الكبيرة ، التي يميزها جيدا ، شعر بالارتباك والحرج ، تضرج وجهه ، وخفق قلبه ، واضطرمت نفسه بمزيج غريب من المشاعر ، وضع يمناه على صدره ، ثم تأوه قائلا بلوعة ، آآآآه !

ركبت في الخلف واستوى أمام المقود ، وغمره الشعور بالسعادة ، تغيرت الدنيا من حوله ، فرآها ساحرة وجميلة ومنصفة .

تمنى أن يسمع صوتها العذب ، وأن تقول له كلمة واحدة ، ولكنها كعادتها رصينة ، متحفظة ، لا تتحدث إليه إلا عند الحاجة .

كان يتمتع بتلك الرائحة العميقة ، التي تملأ السيارة ، عندما تركبها ، لا يدري هل هو عطرها أم نوع فاخر من العودة ، أم يخيل إليه ذلك . حتى الأكياس التي تحملها ، تفوح منها رائحة جميلة .

لا يدري ، ما الذي يحدث له ، عندما يراها ،تجيء على الفور صورة سيمياتي ، بعينيها الواسعتين ، وأنفها الأفطس ، وشفتيها المكتنزتين ، ترن في سمعه ضحكتها الصافية ، ولكن شتان بينهما ، فإن وداد لم يرمنها إلا أطراف يديها ، أظافرها المقلمة ، ولكن يدرك بقلبه أنها لا شك باهرة الجمال .

ما يكدر عليه عيشه ، هو شعوره بالإثم في دخيلته ، يلوم نفسه ، ويبكتها فيقول : ما الذي يحدث لي ؟ هل أنا مجنون ؟!

يأتي إليه صوت عميق ، ربما من قلبه أو ضميره أو جذور روحه ، يزجره بعنف ، يسخر منه ويقول : كيف تجرأ على النظر إلى سيدتك هذه النظرة ؟

هل نسيت نفسك ؟

هل أنت أحمق ؟

هل نسيت أنك مجرد أجير ، وغريب عن هذه البلاد ؟

أنت خائن ، بلا أخلاق ، تخون الأمانة ، التي أوكلت إليك ؟

لقد تجاوزت كل الحدود ، وأسرفت في الأحلام والأوهام . لو علم سيدك الذي منحك الثقة ، أنك تفكر في ابنته بهذه الطريقة ، وتنظر إليها بشهوة ، وتستمتع وتحلم ، كلما اختلست نظرة إليها ، لقطع رقبتك .

أيها المجنون أفق من هذه الأفكار ، وألزم حدودك .

ألا تدعي أنك رجل شريف ؟

هل هذا سلوك رجل شريف ؟

وفي غمرة الأفكار ، واضطراب المشاعر ، وتشوش الذهن ، كاد يصطدم بشاحنة أمامه ، فصرخت وداد وارتاعت رغما عنها ،لكنها قالت بلطف : ما بك يا

مطلوب ، كدنا نموت ، أرجوك انتبه للطريق ..!

في الحقيقة كانت الآنسة وداد ، مختلفة عن جميع الفتيات ، بل كل نساء العائلة ، فهي تتحلى بالرصانة والتهذيب ، وهي أبعد ما تكون عن النزق والطيش والرعونة . لم يسمعها يوما تتحدث بصوت عال ، وبحرية أو تضحك برعونة مثل البعض من الفتيات .

ولم تصرخ في وجهه أو تعنفه لأي سبب ، وكم سحرته جملتها التي اعتادت أن تقولها بأدب بالغ : من فضلك يا مطلوب .

كما أنه تعامله بلطف وكرم ، واعتاد منها أن تنقده بعض المال يكفيه للعشاء أو الغداء .

ربما شغف بهذه الرقة واللطف والتهذيب والإنسانية التي لم يجدها عند أحد ، يشعر بأنه إنسان له كرامة ، ربما انقلب الشعور بالامتنان إلى شغف وهوى ، كان يتمتم ، ما ذنبي إذا أحببتها ، أعذر قلبي الذي يكن لها أعمق مشاعر الحب والامتنان ، أي قلب لا يحبها ، فهو من حجر .

من الذي لا يحب الرقة والجمال وكرم الأخلاق ؟

وجاءه التقريع ثانية فقال بحزم ، ولكنك بهذا الحب سوف تؤذيها ، وتؤذي نفسك ، كما أنها لا تهواك ، إنها تعطف عليك لأنك غريب ومسكين .

‏24‏/04‏/13

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007