[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
السيدة والخادم  السيدة والخادم
التاريخ:  القراءات:(13704) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
بسم الله الرحمن الرحيم

السيدة والخادم

قصة قصيرة

- 1-

عندما قررت التقاعد من العمل ، والبقاء في المنزل ، كنت أفكر بأن أرتاح من العمل المتصل ، وضغوط العمل التي لا تنتهي ، ويكفي أن أنام حتى الظهيرة .

فقد سئمت وسقمت من دوامة العمل ، فكل يوم كنت أستيقظ باكرا ، ثم انطلق إلى العمل ، وعند الظهر أعود منهكة ، مرهقة أشد الإرهاق , وأمامي الكثير من المهام ، التي تقوم بها كل النساء ، من استقبال الزوج ، وإعداد الغداء ، ورعاية الأولاد . وهكذا دوامة مرعبة لا تكاد تنتهي .

-2-

استيقظت ذات صباح ، على نبأ سيء ، هو هروب الخادم الاندونيسية ، التي كانت تساعدني في المنزل .

علمت بعد ذلك أنها كانت على علاقة مريبة بأحدهم ، مما ساعدها على الهروب .

في الحقيقة ، لم أكن أشعر بالأسف حيالها ، فقد كانت أفعالها مريبة ، وكانت تعامل الأولاد بعصبية ، وترد بوقاحة . وخاصة على ابني الكبير . لاحظت التغير في مزاجها ، وأخلاقها و شرودها . وهكذا لم يكن هروبها صدمة لي . بل حمدت الله ، فهي شر وفساد خرج من الدار .

-3-

جاءت فاطمة ، وهذا اسم من أسمائها المختلفة ، اسم حركي ، فلا أحد يعلم اسمها الحقيقي .

جاءت بعد بحث مضني ، وجهد جهيد ، وراعني لأول مرة طولها المفرط ، ونحافة جسدها ، ولها قدمان مفلطحتان ، غريبتان ، تثيران الفزع .

حمدت الله ، وتوكلت عليه ، ورحبت بهذه الخادم أيما ترحيب ، وشرحت لها نظام العمل في المنزل ، وبدأت بكل همة ونشاط .

- 4 -

رويدا ، رويدا تعرفت على فاطمة ، فكنت أراقبها كلما جاءت أو ذهبت ، وأتأمل كثيرا في خلقتها وأخلاقها كذلك .

لم أعرف من أين جاءت بالتحديد ، فهل هي من السودان ، أو من مالي ، أو تشاد . لست أعلم لكنها سمراء البشرة . لا شك أنها من القارة السمراء .

ومما دهشت له ، اعتزازها الشديد بذاتها ، الذي يصل أحيانا إلى حد التكبر ، ورفضها للواقع الذي تعيشه .

أخبرتني أنها كانت تعمل في جدة ، وهي تتحدث بلهجة أهل جدة ، وكأنها جداوية أبا عن جد . ولكنها اضطرت للقدوم إلى الطائف ، لأنها قد أصيبت بالحسد ، كما تزعم . فهي تكسب الكثير من المال ، من عملها في المشاغل النسائية . كما تعمل مندوبة لبعض الشركات ، التي تبيع أدوات التجميل ولوازم نسائية أخرى .كذلك تخدم في قصور الأفراح ، والاستراحات ، فهي تجني بذلك الكثير من المال .

وكم شعرت بالسرور والبهجة ، عندما استيقظت ذات صباح على رائحة المنظفات المنعشة ، التي تملأ أركان المنزل .

وشاهدت مظاهر النظافة ، والتنسيق والجمال ، والنظام في كل زاوية من البيت .

حمدت الله في أعماقي ، وسرى الشعور بالغبطة في أنحاء نفسي ، ورددت بصدق ، الحمد لله الذي يسر لي هذه الخادم الأمينة .

وبمرور الوقت ، ومراقبتي لها ، لاحظت بعض التصرفات الغريبة ، فهي تجلب معها خبزا وجبنا ، وأنواعا من العصير , وفي العادة ، تأكل الخادم مما نأكل منه ، وأسمح لها بذلك ، بل أعتبره واجبا علينا . فنحن المسلمين نطعم الخدم ونكسوهم ، ونعتبرهم إخوة لنا في الدين .

ولكنني تركت هذه الخادم تتصرف بحرية ، وتأكل ما تشاء . وقد اعتدت مؤانسة الخادم ، بسؤالها عن أهلها ، وديارها وزوجها ، وأبنائها وما سوى ذلك .

وفي الحقيقة ، كانت تلك الخادم تتحدث بمرارة واحتقار شديد للمسلمين عامة ، وللعرب خاصة ، وخمنت أنها ليست من أصول عربية ، أما غضبتها واحتقارها للمسلمين ، فربما لأنها عانت على أيدي مخدوميها كثيرا ، وعوملت بقسوة وجور ، جعلها تكرههم ، وتحقر إسلامهم .

إن المسلمين هم بشر كذلك ، لديهم مشكلات ، فهناك من لا يتحلى بأخلاق المسلم الحق ، ولكنهم على كل حال يعبدون الله ، ولا يمكن لكافر ، جاحد أن يكون خيرا من مسلم موحد .

لم أناقشها كثيرا ، فإذا كانت تكره المسلمين ، وتحتقرهم ، فما شأني بذلك . المهم أن تقوم بخدمتي على خير وجه ، ولها أن تعتنق ما شاءت من الأفكار .

وامتدت الأيام بيننا ، فهي تعمل بجد ونظام , ولكنها تبدو عابسة ، حزينة ، ولا أدري ما بها ؟

-5-

استيقظت ذات صباح ، ودخلت دورة المياه ، فدهشت لأنها غير نظيفة ، ورائحة المنظفات من الديتول والكلور ، التي اعتدت عليها في الصبحية ، لم تعانق حواسي .

دهشت ، ولكنني خمنت أنها ربما تأخرت في النوم ، والقيام بأعمال التنظيف المعتادة ، أو ربما كانت متوعكة أو غير ذلك .

عدت إلى فراشي ، وعند الظهر بعد الصلاة ،خرجت كما اعتدت إلى بهو المنزل ، وأنا أتوق إلى تناول كوبا من الشاي الساخن ، مع قطعة من خبز التوست وقطعة جبن قليل الدسم .

وعندما جلت ببصري قليلا في أنحاء المكان ، كانت التحف والكتب متناثرة ، وهناك غبار عالق برفوف المكتبة الصغيرة ، والوسائد متناثرة هنا وهناك . وبشكل عام ، كان المكان يعج بالفوضى .

وعندما سألت عن فاطمة ، وجدتها تتشمس على السطوح . سألتها برفق : مالك يا فاطمة ؟

فردت في لا مبالاة " طفشانة " فاجتاحني الغضب والحنق ، لكنني تمالكت نفسي ، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم ، ثم تركتها تتشمس . ذهبت بسرعة ، وقمت بترتيب الصالة ، وتنسيقها .

وفور سماعها أزيز المكنسة ، دفعت الباب بهياج ، وأخذت تصيح " ليش يا مدام " ! كنت راح أنظف بعد شوية ! . وبدت كمن انتابتها نوبة من جنون ، فكانت تصرخ وتحدق بنظرات زائغة ، لمجرد أنني كنت أمسك بطرف المكنسة .

وأدعت أنني قد أهنتها بهذا التصرف ، لأنني قمت بتنظيف الصالة ، وأنني أنوي طردها ، وحاولت تهدئتها دون جدوى .

كانت تزداد صياحا وهياجا وغضبا . وأسقط في يدي ، وحرت كيف أتصرف معها ، وشعرت بالذل والمرارة ، وهي تصرخ في وجهي ، وتدعي أنني أسأت إليها ، وبدوت وكأنني الخادم وهي سيدة الدار ، ومن حقها أن تصب علي جام غضبها .

وانتهى الأمر بأنها قد لمت ملابسها ، وجلست على الدرج، تنتظر سائقها الخاص ، لترك الخدمة عندي تماما .

-6-

بعد طرد فاطمة ، بدأت مشاعر التشاؤم تسيطر على مزاجي ، قلت لنفسي بحسرة : هل أصابني النحس ، أم ماذا؟

وبحثت من جديد عن خادم أخرى ، وجاءت عائشة أو كما زعمت ، أنها تدعى " عائشة " وهذا اسم عزيز على نفسي .

كانت سمراء ، طويلة ،عصبية المزاج ، ويبدو أن بنات أفريقيا عموما عصبيات المزاج .

وفي الحقيقة ، كانت تلك الخادم صعبة المراس ، وهي جديدة على الخدمة في البيوت ، وجاءت مع زوجها من الحبشة ، عبر اليمن ، ودخلت البلاد بطريقة غير شرعية ، ومثلها آلاف يأتون عبر اليمن أو بواسطة العمرة ، ونحن نستخدمهم بحسن نية ، فنحن مثل الذي يدخل الذئب إلى زريبة الشياه

كذلك كانت مثل صاحبتها القديمة ، عريضة القدمين ، ذات شفتين غليظتين ، ونظرات مخيفة .

حاولت التفاهم معها حول أمور النظافة ، والنظام في المنزل ، ولكن دون جدوى .

كانت تثور وتتبرم لأتفه الأسباب ، ولا تتقبل الملاحظات ، وإذا تحدثت إليها , قالت بعصبية : " مدام ، فيه قرقر كثير، أنا في شغل كثير "

ويمكن ترجمة كلامها المكسر ، كما يلي ." إذا كنت سوف توجعين رأسي بكثرة الكلام ، فلدي من أعمل عندهم سواك "

وهي تعني بوضوح أنني في حاجة إليها ، وعلي أن أكف عن إزعاجها . وبالطبع ، رضخت لهذه الخادم ذات المزاج السيئ . ودارت الأيام ، وتعايشنا قليلا ، وهدأت عائشة وتحسن مزاجها كثيرا ، فصارت تتحفنا بالقليل من الابتسامات ، وصارت نظرتها لطيفة قليلا . وبدأت تتقبل ملاحظاتي البسيطة ، بصدر رحب . وفجأة سقطت مريضة ، تعاني من حمى ، وقيء ، ورجتني أن أسمح لها بالذهاب إلى زوجها ، ولأنها دخلت بطرق غير مشروعة ، فلا يمكنني أخذها بنفسي إلى المستوصف ، وفضلت محاسبتها وصرفها من الخدمة .

-7-

وبعد خروج عائشة ، عدت إلى نفس الفوضى ، وتراكم الغسيل والكي والغبار على زجاج النوافذ والأرفف والسطح والدرج والفناء كذلك .

شعرت باليأس والملل من كل شيء ، ولم أجد أحدا يمد لي يد المساعدة .

فأبنائي قد اعتادوا على الترف والخدمة ، ووالدهم أكثر بؤسا منهم . لا أستطيع تحمل الفوضى والإهمال والغبار ، وصحتي المعتلة لا تساعدني أبدا . ولهذا قررت البحث عن خادم أخرى .

- 8 -

جاءت ليلى ، حبشية كذلك ، سمراء ولكن سمرتها ليست شديدة ، حلوة التقاسيم ، ذات صوت ناعم ، وعلى غير عادة الحبشيات هادئة الطباع ، رقيقة الفؤاد ، لها ابتسامة صافية وآسرة ، وتصغي لكل توجيه من سيدتها . تفاءلت لأنها تبدو لينة الجانب ، هادئة الطباع ، لا تتبرم من الأوامر والملاحظات .

وقد طلبت مني أن تأخذ كفايتها من النوم ، فلا يمكنها الاستيقاظ من الفجر حتى العشاء مثلا .

وفي الحقيقة لم أكن أكلف الخادم بالاستيقاظ منذ الفجر حتى ساعات متأخرة ، بل أتيح لها فرصة النوم الجيد .

ولكن يبدو أنني قد تفاءلت أكثر من اللازم ، لأنها في الحقيقة ، كانت كسولة في العمل ، وتقضي جل النهار في الثرثرة عبر المحمول ، وكأنها امرأة مهمة تنجز أعمالها المعتادة .

27- 11-1433

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007