[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
فواطم. 
التاريخ:  القراءات:(2255) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
فواطم.

بقلم: سمير الفيل

إن فواطم تشرع عينيها العسليتين باتجاه السماء ، وتتنفس بعمق وهي تتابع السحب الرمادية المنسحبة في بطء وتثاقل. ما أشبه تلك المزق بروحها التعسة المنقسمة. لا تظن أنها كانت مجبرة على الزواج بعدلي القصير المدكوك صاحب محل الأسبرتو الأحمر والخل، وهما لازمان في مهنة دهان الموبليات . ولا هو بالعريس المناسب أبدا لها فهي رومانسية تبكي مع كل فيلم يصفع فيه البطل المرأة التي عشقها لاكتشافه خيانتها ، وتعتب على الزمن أن جعل جنس الحريم ملطشة . صممت في الزيجة الأولى أن تثبت إخلاصها وأن المرأة ليست دائما هي التي تخفض رأسها ذلا واستكانة. طالما هي جميلة وتعطي الرجل حقوقه كاملة في السرير والمطبخ ، فلم الشجار.

لم تكن تدرك أن هناك أرواحاً تخاصم أرواحاً بدون أسباب واضحة. لا يمكن أن تمسك ورقة وقلما وتحسب مشاعرك بالسنتيمتر. هذا نوع من الجهل المركب. حين لعنته وفي المواجهة مباشرة شد شعرها ، ومرمغ بها الأرض لكنها تغلبت على آلامها المبرحة . لم تنطق كلمة. كانت كالطائر الذبيح الذي يرقص فوق دمه ، وهي تحتضن كومة اللحم بين يديها توأوئ ، ترفض أن تترك ضناها. وقد أوشكت أن تموت بين يديه فطلقها بالثلاثة.

قررت بينها وبين نفسها ألا تعيد التجربة ، ولم تكن قد تخطت الثلاثين ، وهي جميلة ، مرحة ، مطلقة وفي عينيها كحل لا يمكن لرجل أن يمحوه. فواطم هو اسمها وليس كما قد يتراءى للبعض أنه تدليلها، وقد شاء لها أبوها التاجر أن يكون الاسم تدليلا بعد حرمانه الطويل من البنات. أراد ولدا فجاء ولد ، وأراد بنتا فجاء ولد لثلاث مرات. ذهب للطبيب وسأله في خجل: هل هناك طريقة معينة لإنجاب البنت؟

ضحك الطبيب ضحكا عاليا رن صداه في العيادة المطلية بالجير الأبيض ، ربت على كتفه: دع الملك للمالك . الجميع يطلب الولد وأنت تريد بنتا؟

كان يريد أن تأتي جميلة فيسميها باسم خالته : فاطمة وباسم عمته لأبيه : فاطمة ، وباسم أول حب في حياته: فاطمة ، فلما استجاب له ربنا جمع الثلاثة في واحد واسماها " فواطم".

كانت جميلة ومدللة لم تكمل تعليمها الجامعي ورضيت بالثانوية التجارية . تعلمت الضرب على الآلة الكاتبة ، عن طريقها تعلمت كيف تكتب أشعار إبراهيم ناجي : يا فؤادي رحم الله الهوى. وعلى عكس ما تصورت تزوجت بغير قصة حب. في يوم جمعة طبت عليهم جارتهم ومعها ابنة أختها وطلبوها للزواج.

أمها فرحت وأبوها تردد قليلا فقد كانت هي ريحانة البيت ، لا يمكنه أن يتركها تذهب ببساطة. سأل عن العريس فوجده مقتدرا ، له عيب واحد أنه " يشرب" أحيانا. فلما أوشك على الرفض قالت زوجته: اشترط عليه. الكاس مقدور عليه؟

وقد وافق على أن يمتنع عن الخمر بل جاء في يوم خميس ، وأعلن توبة نصوحاً ، ثم فرد سجادة الصلاة وأدى صلاة العشاء مع السنن . وما هي إلا شهور حتى تيقنوا أنه قد انصلح حاله.

كانت تجمع صور الفساتين الجديدة ، وتلصقها في كراسة وتعلق عليها في سطرين بقلم لونه أحمر. أما القصائد فكانت تنسخها وتضع العناوين بالأخضر : كان صرحا من خيال فهوى.

ليلة الدخلة أدركت أن الزواج فيه التحام قوي وعري ومتعة خفية وبعض الدنس ، فلامت أمها التي لم تشرح لها الأمر. بعد فترة شعرت العائلة بالقلق ، وبطنها لم تتكور بعد . زوجها بعد القيلولة ينزل محله وتصعد هي إلى السطح . في ساعة الغروب تتندى عيناها بدموع حقيقية حين تسمع صوت الطائر الخفيف يغرد تغريدا حزينا يمس قلبها. إن ما يبدو عجيبا أن هذا الترديد يسكن قلبها فيترع بالأحزان وتظل سادرة في تخبطها وهي ترى الطائر يختفي في الفضاء البعيد.

ـ فواطم. لماذا تأخرت؟

كانت حماتها تسألها عن الإنجاب وتلح عليها في زيارة الشيوخ وهي رضيت بالطبيب الذي بشرها بالجنين في شهره الأول . لم تكن متعجلة : كل شيء بأوان. زارتها الحماة مرة فلم تجدها في الشقة ، بغريزتها صعدت السلم ومسحت بنظراتها السطح فوجدتها تذرف الدموع وتنهنه وبين يديها أوراق مبللة بالدموع . أمسكت الورقة بعد أن انتزعتها بقوة وقرأت السطور الأولى. سألتها باستنكار: أيه ده ؟

ـ كلام؟

ـ لمين؟

ـ مش عارفة. لما باكون لوحدي باكتب اللي أنا حاساه.

ـ جواب يعني؟

ـ شعر.

ـ وجوزك عارف؟

ـ يعرف ليه؟

ـ يعني بتخبي عليه؟

ـ هو هيحرم علي أكتب؟

في المساء جاء ثائرا وبحث عن كراساتها ومزقها فتقطعت الزهور الملونة والطيور المحلقة على صفحة الكراس.

بعد عام كانت قد أنجبت ولدا اسمته رستم . لا تعرف سبب التسمية لكنها رفضت الاسم الذي اقترحه الأب : عوض . مع الوقت تقف تهز طفلها وتناغيه وهو يتفلفص بين أحضانها . لم يعد الفراش مكانا مناسبا لشركة شرعية بالأوراق والشهود. امتنعت عنه فصفعها . قالت لأبيها كرهته. فأبقاها ولم يرجعها. بعد مداولات ومفاوضات متعثرة ومحاولة فاشلة للانتحار وصلتها ورقة الطلاق.

كأنها لم تتزوج، : تقف وراء الباب حتى تطمئن أن لا أقدام صاعدة. تنظر للسماء المصطبغة بالحمرة وتراقب الطائرات الورقية التي يطلقها الأولاد. تعاتب نفسها: كان يجب أن أسميه عمرو. رستم هذا اسم فارسي . يصعب أن اكتب له قصيدة. عادت إليها الابتسامة، شاحبة لكنها تسربت للحجرة الضيقة بخزانة صغيرة، فبدا شعاع نور .

قالت أمها: الزواج ستر وغطاء. عدلي لا يعيب . هو مثلك طلق زوجته ويحتاج من يشاركه برد الشتاء.

نظرت إليه من وراء ستار حين جاء البيت يطلبها. كان وديعا ومستقيما وينام في أي وقت لا يكلمه فيه أحد. يهز الأب رأسه قبولا وتشير الأم لها إشارة الموافقة لكنها تؤخر القبول لغرض في نفسها. سأختبره ربما يصبح سترا كما تقول أمي.

سأصعد الآن وأختلي بنفسي واضع " عدلي " في سطور قصيدة ومعه ورقة بيضاء . سأسحب واحدة من الورقتين. ولنرى ماذا يكون شأنه؟

لا ينفع هذا الاسم في مجرى قصيدة ، تحب أن تنظر للسماء وتطيل النظر حتى توشك أن تقبض بأصابعها على طبقة الليل وهي تنزل رويدا رويدا.

قابلها عدلي في الشارع وعرفها من مشيتها ، سألها: أنت مش عايزاني ليه؟

كان واضحا ومباشرا ، فارتبكت ، تلون وجهها من شدة الخجل وردت بصعوبة ، لكأن روحها على وشك الطلوع : بكرة نرد عليك.

سحبت ورقة وأغمضت عينيها ، حين حملقت فيها كان اسمه يظلل المكان فارتاحت لهذه الطريقة العفوية وأعلنت بإيماءة خفيفة قبولها الانتقال لبيته في آخر الشارع.

أراد أن يحتفي بها وهي تحمل طفلها من زواج سابق فعلق مناديل الزينة وأحبال النور وذبح عجلا صغيرا على العتبة مرت من فوقه ، وقد أغمضت عينيها حتى لا ترى الدم.

بعد الأسبوع الأول أخبرها عدلي أن أبنه البكري ماهر سيسكن معهم بعد عودته من امتحانات كلية الطب فهو في السنة الثانية . كان أقرب للشباب منه للطفولة ووجهه يشع نورا. يكلمها ووجهه مصوب للأرض.

تعد للأب وله الإفطار والغداء أما العشاء فعادة ما يكون خارج الشقة. سألته بنوع من الفضول: ليه مش بيعيش مع أمه؟

أخبرها وهو يتلمس جرحا نازفا: لا يطيق رؤيتها .

كانت تستريح عندما تنظم سريره وتطوي ملابسه وتتولى تنظيف حجرته. عندما يقتر عليه عدلي رغم أرباحه المهولة في تجارة السبرتو كانت تضع له تحت الوسادة مبالغ مالية بسيطة.

فهم أنها تساعده ، فكان يكتفي بهز رأسه شكرا وامتنانا.

عرفت منه بعد طول إلحاح أن أمه نوال البرماوي توشك أن تنفصل عن زوجها الجديد وقد اشترت بيتا لتسكن فيه من ميراث قدم لها.

بعد أسبوعين ، بالتمام والكمال ، وجدته يرتب قمصانه وبناطيله وجواربه وملابسه القطنية الداخلية في حقيبة واسعة.

وقفت أمام الباب وأمسكت بمعصمه : خليك معانا؟

نظر مباشرة للحائط المنقوش بزهور القرنفل : متشكر قوي. ما عدش ينفع .

سألته أن ينتظرها قليلا . اختفت لدقائق لكنه خمن أنها ستصعد السطح لتحملق في الفضاء كي تنعش فؤادها ثم تعود لتكمل حديثها . ربما ستمنحه مبلغا من المال.

هبطت بسرعة ، وبين يديها أوراق فيها شعر وورد وأشكال لعصافير تطير: خلي الأمانة دي معاك.

أرادت أن تقبله فخجلت. أراد أن ينظر في عينيها ليرى لماذا تخصه بهذا الاهتمام فجبن . في تلك اللحظة دق الباب دقات قوية. وجاء صوت الأب قويا: يا ماهر.. أتأخرت ليه؟

15/6/2013

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007