[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خديجة  
التاريخ:  القراءات:(3631) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
خديجة

إنها تحاول أن تفكر فيمن ارتبطت به ، وجاء بها إلى هذا المكان الذي يشبه فخاً ، لا مهرب منه. صحراء موحشة لا زرع فيها ولا ظل . شمس مصلوبة في النهار ، وظلمة تناوش سكوناً مبهماً ، يطارد بقايا لفحات هجير ينسحب نحو الأطراف . يمكنها أن تصغي للرياح وهي تدمدم في فضاء مربد ، ووجهها فقد نضارته وأصبح ممتقعا رغم محاولات " أم السعد " إخراجها من الشرنقة التي دخلت فيها بغير إرادتها.

خديجة ، الفتاة التي لها وجه مشرق ، وضحكة تجلو القلوب الصدئة باتت مسهدة . لا مكان للدموع في عينيها . فقط نحيب خافت يتصاعد في الليل درجات ، والباب يطرق في عنف ، وسيارته تذهب بعيدا مخلفة خلفها سحابات غبار.

الحاج يونس ، والدها الذي أحب أبناءه بطريقته ، كان يعتبرها عبئا عليه ، فكل بنت تأتي بمشاكل لا نهاية لها. خلفته ولد وبنتان. " نزهة " الصغيرة وفوق رأسها "شريف " أما خديجة فقد كانت كبرى خلفته .عليه أن يخلي البيت منها في أقرب وقت ؛ ليسترها .

الرجل الناجح في تجارة الجلود يعرف كيف يسوس خيوله ويكسب الرهان. دخلت رغما عنه كلية الحقوق ، وتقدمت في دراستها حتى حققت نجاحا ملحوظا . وجاء الجار ابن تاجر القطن كي يخطبها. جلسة الرجال في المندرة البحرية وأكواب الشاي في ليلة جوها مكتوم ، جعل العرق يتفصد على وجوه من حضروا .

في نهاية الجلسة صعد الحاج يونس وأخبرها بموافقته على العريس وانتظر كلمة منها. لم يكن في حياتها غير الدراسة وحب موسيقى سيد درويش وأغاني ناظم الغزالي وسيمفونيات بيتهوفن ، كانت تعرف أنه يجيد العناد فصمتت حتى ترتب أفكارها من جديد .عليها أن تتصدى لتلك المشكلة بمزيد من التفكير وإعمال العقل .

صبيحة اليوم التالي لم تذهب للكلية التي تخرجت منها ، وعينت بها معيدة بعد تخرجها بعامين فقد كوفئت كونها الثانية على الدفعة .

سألته وصوتها يحمل نبرة رجاء : نؤجل الحديث في الموضوع .

ـ لكن سنك مناسب. لم تعودي صغيرة.

ـ أنت تعلم برغبتي في الحصول على درجة علمية .

ـ أخشى أن يفوتك قطار الزواج.

ـ لست متسرعة ؛ فهناك ما يشغلني من مواظبة على إعداد الدبلومة ، بعدها أمامي مشوار طويل .

ـ البنات مصيرهن بيت الزوج.

ـ ليس الآن.

ـ أنا أعطيت كلمة.

ـ لكنني لم أوافق بعد.

ـ هل تعترضين؟

ـ اعتراضي ليس على الشخص بل على الطريقة.

ـ رأسك ناشفة كأمك. سيكون العريس عندنا الخميس القادم. انظري إليه وأعطني كلمة أخيرة.

ـ ربنا يسهل.

انشغلت الأم والخادمة "أم السعد " في تنظيف الشبابيك وبسط المفارش وتلميع زجاج السفرة وإعداد المكان لاستقبال الضيوف . جاءت الخادمة بعصا "رأس العبد" ومرت على السقف فأزاحت بعض خيوط العنكبوت .

في السادسة كانت عائلة العريس تجلس متفرسة في وجهها وقوامها ومشيتها . " كشف هيئة " لم تسلم منه فقد كان بعنقها " شامة " لأن أمها " توحمت " على عنقود عنب في غير موسمه .

أرادت أن تعطي انطباعا سلبيا حول تقلب مزاجها فسعلت قبل أن تجلس . مد يده بمنديل فتناولته وتمخطت ، فيما وضعت ساقا على ساق وتحدثت بتكلف شديد : أهلا .

كانت قد ارتدت فستانا رماديا لا بهجة فيه. نظر إليها وشهق فرحا ، وهي لم تجد فيه شيئاً مميزا ، مجرد عريس مطموس الملامح ما عدا شارب قصير مقصوص بعناية ، وفم يبتسم طيلة الوقت بلا سبب .

أخبرهم أنه حاصل على بكالوريوس التجارة ، وقد ترك مؤهله في دولاب الفضيات ، وفضل أن يعمل مع الأب في متجر الأقطان . صمتت كأن الأمر لا يعنيها . قالت أمها تفيدة ، نيابة عنها : خديجة شاطرة وستكمل تعليمها العالي .

ردت أم العريس ، وهي تضغط على فخذ الفتاة باحتجاج خفيف: ربنا يوفق ، أهم شيء البيت ، ولما يحضر العيال يختلف الوضع .

نزل الضيوف ساحبين عطرهم الرخيص معهم ، فاستراحت قليلا لأن الانطباع الأول كان يشوبه بعض القلقلة وخيوط توجس .

ذعرت حين اختلت بنفسها ، فهي لم تكن صارمة في الوقوف أمام مشروع الزواج المفروض عليها بقوة ، فكرت أنها ربما أرادت أن تعطي نفسها فرصة حتى لا تسبح عكس التيار.

طاردتها الأحلام كأنها أرادت الثأر من صمتها ، وتورطها في مغامرة الزواج الذي لا تريده تقليديا ومفتعلا.

في الحلم الأول شاهدت في منامها حوتا كبيرا يبتلعها وتسبح في جوفه، يندفع الحوت في المحيط ثم يفغر فاه ويلقي بها على جزيرة صخرية ، تنبت أشجارا وفي كل شجرة تتدلى رؤوس مقطوعة.

صرخت في ارتياع فدخلت أم السعد ، وأضاءت المصباح الخافت . جلست على حافة السرير تربت على كتفيها حتى عادت للنوم .

في حلمها التالي وجدت نفسها محمولة على هودج ، والجمل يتحرك ، فتهتز في مكانها بعنف . ترفع يدها لترفع الستائر المنسدلة فتكتشف أن النخيل يضيء من بعيد في الليل بلا مصابيح . والقمر معلق فوق نخلتين تحابتا فمال الجذعان. غرد طائر فملأ المكان كله بترتيلات مدهشة :" الملك لك.. لك .. لك". ما أجمله من حلم بعيد المنال .

لم يكن أمامها مفر من قبول الزيجة فربما كانت مخطئة في تصوراتها ، اندفعت تخالف ما رتبته في ذهنها من أفكار فغرقت في تفصيلات الثياب والستائر وغرف الموبليات ومقاسات البسط والسجاد .

اهتمت بشقيقتها الصغيرة " نزيهة " وأجلستها على حجرها وصنعت لها " فيونكة " لكل ضفيرة . أما شقيقها الآخر " شريف" ، والذي لم يكن قد تجاوز العاشرة فقد اشترت له " قردا " صغيرا من صاج ، تضغط على بطنه فيصفق. كلما ضغطت صفق أكثر وهي تضحك وتعود لتشرد ثم تنحني على أوراقها البحثية.

عريسها " خليفة " لم يكن بشوشا وكانت ملامحه خرساء وشعره حليق كنزيل السجن. لم يمسك يدها يوما وهما في طريقهما للسوق ، ولم يقطف زهرة قرنفل ، ويهديها إليها ، ولا اشترى من بائعة الياسمين صبوحة الوجه عقدا من الفل.

أكتفى فقط بأسورة من ذهب عيار 24 موضوعة في علبة من القطيفة الزرقاء . حين فتحت غطاء العلبة وجدت أمامها ثعبان من ذهب ، وله عينان مستديرتان من ياقوت . سمعته يفح فحيحا مزعجا فأغلقت الغطاء بسرعة .

سألها : بكم تثمنينه؟

هزت رأسها مخفية فزعها : إنه غال جدا.

رد بلوم : بأربعة آلاف جنيه .

حاولت الابتسام: هذا كثير جدا.

قال بجدية : حافظي على الأسورة . سنحتاج ثمنها يوما ما.

قبل ليلة الزفاف بليلة أدخلتها أم السعد حجرة صغيرة وأفهمتها ما سوف يحدث ، ولما لاحظت امتقاع وجه خديجة تصنعت الضحك . قالت: كل شيء في بدايته صعب ، بعدها تكون الأمور سهلة ، ميسرة .

لم تكن الأمور بسيطة أبدا ، فبغض النظر عن الألم النفسي الذي لم تطقه ، فقد شعرت كل مرة يشتجر فيها جسداهما، بالثعبان يخرج من علبته ، ويفح فحيحه المخيف فتطلب منه أن يسرع بإغلاق ضلفتي الدولاب . هو يفعل غير أن الفحيح يستمر طويلا. يتسرب من تحت الحافة المزينة برسومات مذهبة .

بعد ثلاثة أشهر رأى أن يتركها ويسافر لدولة الإمارات في عمل يستمر شهرين أو أكثر. لم تطلب منه غير شيء واحد أن تعود لكليتها لتقطع الإجازة التي حصلت عليها للزواج. رفض رفضا قاطعا ، وقبل السفر بأسبوع استأجر منزلا يقع على حافة الصحراء ، أثثه بقطع فقيرة من موبليات يغلب عليها اللون الأسود القاتم مشوب بلطشات بنفسجية. جاء بأم السعد وعاشت معها تخدمها.

حين سافر شعرت ببعض الراحة ؛ فقد كف الثعبان عن التسلل من علبته ليصعد للفراش ، كفت عن أحلامها المرهقة ، والحوت نفسه اختفى في طيات موج عال .

في حلم مشوش وجدته قد " شحط " على الشاطيء ، ولم يعد قادرا على العودة للبحر فسكن ومات ، حطت الجوارح على الجسد ، وراحت تنتزع قطعا من اللحم الطري حتى صار هيكلا من عظام. صرخت حين اندفع الموج ليطوي الهيكل بين لجة البحر المخيف . مع صرختها المكتومة جاء زورق وفوقه خليفة. سدد حربة من حديد مسنن نحو الهيكل العظمي ، وطاشت تسديداته في المياه التي تلونت رغم ذلك بلون الدم .

حلقات من الأحمر القاني ، وهو يقهقه ويضرب على صدره بإعجاب شديد. مد يده وانتزع ثوبها ثم وثب فوقها ، والجوارح تعلو وتهبط فوقهما . صرخت أنها لا تريد فصفعها ، وقامت من نومها تنهنه .

اكتشفت أن الفراغ سوف يقتلها ، وبالرغم من القنوات الفضائية التي ملأت بعض مساحات الزمن فقد أحست بشيء ناقص يحتل كيانها. تقف في المرآة فترى دمية بعينين زائغتين وشعر منسدل حتى الكتفين وبظلال قاتمة تزاحم كحل العينين . تلتفت للشباك هاربة من الوجه الحزين.

في الصحراء موتها الأكيد ، خاصة حين يجن الليل ، حينئذ تسمع عواء ذئاب بعيدة وصافرات تقود الريح أما حفيف الأغصان القريبة من نافذتها العلوية فقد كانت تزيد تعاستها .

زوجها خليفة كان يكلمها في الأسبوع مرتين: مرة بنهار الاثنين ومرة بليل الخميس ، فكانت ترتعب كلما اقترب الموعد ، وتشعر أن الخناق يضيق عليها لاسيما أن صوته كان متحشرجا ؛ كأنه راكب فوق زورق يوشك أن يقتحم عليها خلوتها لينقض عليها حاسرا ثوبها للفخذين فترتعب من أن الجوارح ترى عريها فتتكوم حول نفسها في نشيج مؤلم.

كان الحاج يونس يرسل إليها لوازم البيت ، ومن آن لأخر تزورها أمها تفيدة ومعها " نزيهة " أما الولد فيقف مع أبيه في المحل . حين تفتح الباب تستقبلها بترحاب . بعد أقل من خمس دقائق من حديث متقطع ، تنخرط خديجة في البكاء . حين تسألها الأم عن سبب البكاء تهز رأسها : لا أعرف . صدقيني يا أمي .

تصر خديجة أن تبيت أمها معها ، تستجيب الأم لإلحاح ابنتها ، ويأتي الأب في الواحدة صباحا كي يأخذ معه زوجته و" نزيهة " تاركا العروس في حماية أم السعد.

لم يتصل بها الزوج في موعده الأسبوعي بنهار الاثنين ، ولم يتصل بليل الخميس ؛ فارتاحت لهذا الغياب .

في منتصف ليل الجمعة كانت نائمة وغلبها السهاد . تناهى إلى سمعها نباح كلاب ، أحست بوقع أقدام سريعة ، تضرب الدرج بقوة . استيقظت فزعة بين النوم والوخم ، وهي بثياب النوم التي تغطي جسدها حتى الكعبين .

وجدته أمامها . خليفة ابن تاجر القطن . سلم عليها بفتور ، سألها عما جعلها تصحو في هذا الوقت من الليل. استفسر منها عما طهت اليوم السابق ، فأخبرته ، خرجت تعد له مائدة الطعام .

حين أدخل حقائب السفر لصالة البيت ، دخل الحمام ليزيل عفار السفر . كانت قد قررت شيئا ، ولن تتراجع عنه مهما حدث . صممت أن تشق الصحراء ، وتخرج عن طوعه نهائيا.

عادت للحجرة ، بحثت عن مفتاح السيارة ، وقررت أن تعود لبيت أبيها متلمسة الطريق عبر إشارات أسهم مضيئة توصلها للمكان الذي جاءت منه . سيتهمونها بالجنون ، وسترفع عليها قضية نشاز، وقد تلوك سيرتها الألسنة . خديجة أصرت أن تصبح حرة ، ولو كلفها ذلك عمرها.

" كنت أتوقع أن يأخذني بين أحضانه حين عاد. أن يقبلني كما يفعل الرجال.أن يمرر يده على شعري . أن يسألني عن سر سهادي وأرقي. كل ما بحث عنه هو أطباق الطعام.والبقية معروفة. لن تشاهد الطيور الجارحة عريي ، ثانية".

ذعرت أن وجدت نفسها مدحورة كما لم تعرف نفسها من قبل. وضعت يدها حيث علبة القطيفة وفتحت الغطاء فلما فح الثعبان فحيحه المؤلم ، ضربته بظاهر يدها. شعرت بالانتشاء أنها فعلت . سمعت صوت الماء المنساب في الحمام وهو يغني لينعش روحه، استعدادا للانقضاض عليها .

امتعضت أنها ظلت معه طيلة هذه الأشهر، ضعيفة ، مستكينة . وضعت العلبة على السرير ولما انتهت من لبسها لم تضع أي مسحوق تجميل على وجهها. حملت حقيبة يدها الصغيرة ، هبطت السلم ، شغلت السيارة وتحركت بها نحو بيت الأب . لم تكن تعرف اتجاهها.

لما خرج خليفة من الحمام بحث عنها فلم يجدها. علم الأب عبر رنين الهاتف بما حدث وقلق عليها. انقلب البيت رأسا على عقب . قامت أم السعد لتبحث عنها هنا وهناك فلما يئست تماما صرخت مولولة. أمها تفيدة وضعت يدها أسفل ذقنها وفكرت في الطفلة التي رفضت أن تضرب القطة الصغيرة وعمرها لا يزيد عن أربعة أعوام .

كانت خديجة قد توغلت في المنطقة الصحراوية. أحست بعد وقت ليس بالطويل أن عجلات السيارة قد غرست تماما في كثبان الرمال . لا تعرف السبب في توهانها.

ظلت تحدق في الظلمة ، توقعت أن تفلت من مصيدة الرمال التي تحيط بها ، بالتأكيد سوف تعثر على الطريق الصحيح عندما يتخلق الفجر ، ويغمر النور المكان .

دمياط في 6/6/2012

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007