[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نزهة  
التاريخ:  القراءات:(1634) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
نزهة

بقلم : سمير الفيل

نامت " نزهة " مكسورة الخاطر ، فقد أضاعت حلمها ، فقدته بشكل يدعو إلى الاستغراب. كان محل الموبليا الذي تقف فيه كل صباح ممسكة بقطعة قماش نظيفة ، تلمع بها السطوح والمنحنيات ومنمنمات " الأويما" . تخرج لترش قليلا من الماء أمام عتبة المعرض ، وتفتح الراديو ، ثم تدير المؤشر ليستقر على إذاعة القرآن الكريم ، تنتظر الشيخ الشعشاعي ، وهو يتلو ما تيسر من " سورة الرحمن". هذه السورة تأسرها بجمال نغمها .

يمر "عوض " أمامها ، يحك قدميه في الرصيف ليسقط ما علق بنعليه من تراب ، قبل أن يكلمها : صباح الخير.

يمد يده باللفافة ومنها تطل أعواد الجرجير الطازج. تعرف أن ثمن شقتين لا تعني الكثير ، لكن عليها أن تدفع ثمن إفطارها دون تأخير . يرفض ذلك ، فتنهره بدلال: يبقى ما عدتش تجيب لي فطار.

تسقط في يده القروش القليلة ، قبل أن تعطيه ظهرها متجهة لمدخل المعرض بواجهته الزجاجية وعتباته الرخامية ، تبتسم بشكل يبعث على الثقة . ربما ابتسامة تحمل بعض الود وقدرا من الصرامة ، تهز ذيل الحصان وهي تخلفه وراءها، تسمعه يقول بصوت خافت : صباح القشطة.

بنبرة لا يسمعها غيرها ، هي لا تعطيه فرصة للتمادي ، فتصعد للصندرة ، وتبدأ إفطارها وهي تحصي الأيام كي يعود أبوها من الصعيد ، فله رحلتان في الشتاء ورحلة واحدة في الصيف ، يعود ومعه قراقيش تكسر الأسنان لصلابتها.

في هذا الصباح الذي لن تنساه جاء بالإفطار ملفوفا في الورقة الشفافة . أحست أن أعود الجرجير أكثر من المعتاد . تعلل بالعطش فطلب منها كوب ماء . كالبلهاء أشارت إلى المقهى القريب ، فضحك متحرجا : عايز كباية مية من إيدك .

حملت اللفافة ، وركنتها بجوار الباب ، هشت بيدها رائحة الدخان المنبعث من المقهى ، ملأت الكوب حتى آخره. ثم سكبت بعض القطرات في الحوض حتى لا يتساقط على البلاط الذي تعبت في كنسه : اتفضل.

راح يشرب ، وتفاحة آدم تصعد وتهبط . لما انتهى مد يده بالكوب الفارغ : متشكر قوي.

مدت يدها وأمسكت بالكوب ، في نفس اللحظة التي شعرت بيديه تحتضنان يدها ، خافت ، وتراجعت ، ونظرت نحوه باستفسار.

قالت بلهجة تحمل احتجاج واضح: الكلام ده ما ينفعش معانا.

رد بكل قوة: وأيه اللي ينفع؟

ـ ما اعرفش ؟

ـ أمال مين يعرف ؟

ترددت قليلا قبل أن تخبره أنها لا تفكر في الزواج ، فهي خرجت للعمل في محل الموبليا لتساعد الحاج هريدي .

لم يتزحزح عن موقفه.

قال بنبرة تجمع بين الأمر والاستعطاف: هاشوفك بالليل.

تغلبت على اضطرابها : مش فاضية لك.

ـ لازم تفضي.

ـ ما تحاولش .

ـ لما هتفطري هتعرفي كل حاجة.

لم تعره انتباها. كانت مصممة على أن تبقي بعض الود دون أن تتورط في شيء لا تعرف عاقبته.

صعدت للأعلى ، طقطقت درجات السلم ، وهي تدوس القوائم الخشبية : مش عارفة ينفعني ولا لأ.

لم تكن قد حسمت موقفها منه بعد. ربما بعض مشاعر دافئة ممزوجة بخوف من معرفة شخص غريب.

فتحت اللفافة وبدأت في التهام السندويتش الساخن ، بينما هي تمضغ لمحت ورقة بيضاء مطوية بعناية. فتحتها . قرأت كلاما يدير الرأس . للحظة امتلكتها النشوة لكن وجه أبيها لاح من بعيد وهو يتجشأ ويصيح بها : بنت يا نزهة. مالك مش على بعضك.

ضبطت قلبها يقفز بين ضلوعها ، فهدأت من نفسها وقالت لهريدي : أنا على بعضي يا أبوي .

لم تكن على بعضها ، فقد شملها الارتباك ولم يكن أبوها قد رجع من رحلته الشتائية . لكن هذا الصوت ظل يرن في أذنها طول الوقت . طوت الورقة التي رسم في نهايتها منظر قلبين باللون الوردي.

عند الظهيرة ، تعلل بأنه جاء ليسأل عن الحاج المتولي صاحب المعرض. قالت له : الحاج مش بيحضر إلا قرب المغرب. باسلمه المفاتيح ، وأروح.

نظر نحوها في ود: يبقى استناك على الناصية . فيه كلام عايز أقوله لك.

تراجعت للخلف خطوة ، وبان على وجهها الاحتقان: يا عوض . إحنا أولاد ناس.

رد عليها كأنه قد جهز إجابته: وأحنا أولاد أصول.

داعبها أمل شاحب : طلباتك؟

اتسعت ابتسامته: نتجوز.

زحفت الحمرة لوجنتيها ، بصعوبة تحكمت في مشاعرها. الصمت هو الحل في مأزقها هذا .

عاجلها بعبارة حادة ، على شكل سؤال : موافقة يا بنت الناس ؟

ـ الكلام ده تقوله في البيت.

وضع يديه في وسطه وهمس : مش قبل ما ندخل سينما ونتكلم عن مستقبلنا.

قبل أن يتم العبارة ، رفعت يدها وصفعته صفعة خفيفة. لم تكن متيقنة أنها صفعة قوية. لكن سائق عربة الكارو التي تحمل أنابيب البوتجاز التفت حين دوت الصفحة ثم سار في اتجاهه مستغربا . بقى عوض مرتبكا فيما استولى عليه غضب أخرجه عن الجو الرومانسي الذي رتبه.

كادت أن تقبل رأسه اعتذارا ، فهي لم تكن تقصد إيذائه ولا إحراجه.

قال وهو ينسحب في هدوء : هتترد لك في يوم.

كانت عبارة متوعدة ، آلمتها كثيرا. ودت لو رد الصفعة بمثيلها بدلا من جرحها بمثل هذا التهديد الواضح . استسلمت لشرود ران عليها لدقائق . عند المغرب جاء الحاج متولي يخب في عباءته البيضاء وفوقها معطف الكشمير . استلم منها المفاتيح واستفسر عن كل شيء . لمح دمعة تندت على وجنتيها: مالك يا نزهة؟

انسحبت لتعدل ملابسها وتضم ذيل الحصان : عيني دخل فيها حصوة.

عند الناصية رأته يرقبها ، ولم يكن في خاطرها أن ينتهي كل شيء بهذا الفعل العبثي . سمعت أباها يصهلل بالضحك : جدعة يا بنت.. عجبتيني لما لطمتيه .

ابتسمت ثم قلبت الأمر في عقلها : الجدع ضاع مني .

تردد صوته الخشن الذي تعرفه جيدا: والله لو عملت غير كده كنت أقطع رقبتك.

مدت يدها فتحسست عنقها ، ورمت لعوض ظل ابتسامة كان ينتظرها. سمعته يقول لجدار يواجهه : المسامح كريم.

مضت في اتجاه بيتها بالدور الأرضي ، رأت أمها تنتظرها على حافة الشرفة ككل مساء كي يتعشيان على الطبلية معا. انخرطت في البكاء وهي تقول : هو أبويا اتأخر المرة دي ليه يا أما ؟

4/10/2012

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007