[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
و انسلَّت أصابعها 
التاريخ:  القراءات:(4123) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
-1-

انسلَّت أصابعها من بين أصابعه.. سرت البرودة في تلك الأصابع, فهرب ما كان بها من إحساس هروباً لا رجعة بعده.. خبت الحرارة التي طالما أدفأت تلك الأيادي.. انقضت اللحظات التي كانت يداها تنعمان فيها بالدفيء في أمان بين يديه.. ذهب الدفء و الأمان بلا عودة.. افترقت النبضات التي كانت تشعر بها و يشعر بها في آن واحد, فلا يدري أي منهما عن أي قلب تصدر.. صارت نبضاته غير نبضاتها, فلا وحدة بينهما بعد اليوم.

-2-

أرخت العيون سدولها بعدما حُرِّم عليها اللقاء.. عيون طالما التقت نظراتها ناطقة بفصيح الكلم .. نظرات حملت من الأسرار ما لم يكف الوقت للبوح بها.. نظرات تبادلت من الرسائل ما لم يفهم كنهها سواهما.. التقت العيون لقاء الوداع, و صار الدمع هو الشاهد الأوحد على هذا اللقاء, ثم أُسدل الستار على ما كان من لقاءات.

-3-

هربت الحياة من الشفاه التي نطقت عشقاً و تكلمت حباً و همست هياماً و صمتت فأفصح الغرام عما كان من مكنون أسرارها.. هرب الرواء من شفاه ظلت مزدانة كالفراديس في دوح الهوى و الوجد و الصبابة.. انتهت الأحاديث المعسولة.. نفذت كلمات الحب التي طالما اختالت و هي تخرج في كبرياء من بين تلك الشفاه.. جاء الوقت لتصمت الشفاه و تستسلم للمكتوب.. تلاشت الابتسامة التي طالما ارتسمت على تلك الشفاه فزانتها.. خبت الابتسامة لتحل محلها غضون الأسى و الحسرة.

-4

توارى الجمال حثيثاً من على الخدود النوادي.. كم ظل يحلم بتلك الخدود ليال و ليال آملاً أن يأتي اليوم الذي يكون له نصيب في وضع طابع حب عليها! لم يمَّكنه القدر من تحقيق بغيته, و ها هي الخدود و قد علمت بقرب الفراق فشاركت صاحبتها في حُرقتها خالعة ثياب النضارة مرتدية ثياب الحداد و لا شيء سواه.

-5-

خضع عقلها الغض البريء للأوامر الصادرة عن محكمة الأب العليا و القاضية بعدم إمكانية ارتباطها به, لا لشيء سوى لانتمائه لطبقة ليس من الشرف لهم الارتباط بها.. لم يصبح لدى العقل الغِر حيلة في الاستئناف, أو الطعن في الحكم.. رضخ في الحال مستكيناً مسلماً أمره لمن بيده الأمر, مكتفياً بالاحتفاظ بجميل ذكريات لمن كان في يوم من الأيام يملك زمام أمره و يسيطر على ملكوته و يدير شؤونه و يدبر أموره و يجلس على عرشه, فكان فارسه و مليكه و سيده و مولاه.. رفع العقل الراية البيضاء موَّدعاً فارسه غير عالم ما إذا كان هناك أمل في اللقاء أم يكفيه من اللقاءات ما قد كان.

-6-

كل ذلك و القلب الطاهر الكسير يئن و لا أحد سواها يعلم بحاله.. كل ذلك و القلب البريء ينزف دمعاً و دماً على الحب الذي تبدد بين ليلة و ضحاها.. كل ذلك و القلب الجريح ينوح على من كان سبباً في تحريره من أسره في يوم من الأيام.. كل ذلك و القلب العميد يتململ على إثر تلك الفاجعة التي ألَّمت به فأصابت ما قد نما و ترعرع بين جنباته من حب, و ما أُترع به من شآبيب عشق, و ما تئق به من فيض شوق و حنين ظل ينمو و يعُش به يوماً بعد يوم.. لم يكن القلب الوفي ليستسلم بسهولة.. لقد أظهر الانصياع للأوامر العاتية المجحفة مقسماً أن يظل نبع الحب فيه ثجاجاً دفاقاً جارياً, يرتوي منه و يروى ذكريات غالية عليه علَّها تجد يوماً من يؤنسها و يجالسها.. علَّها تجد من يجددها.. علَّها تظل حية كالواحة الوارفة حتى يعود إليها من كان سبباً في وجودها, إن كان له أن يعود.. أقسم القلب بأعظم أقواس كيوبيد أن يظل على عهد الوفاء قابعاً في وحدته, صابراً على بلواه, حتى يعود إليه من يحرره مرة ثانية كما فعل معه في مرته الأولى.

-7-

انسلَّت الأصابع.. افترقت النبضات.. أرخت العيون سدولها.. هربت الحياة من الشفاه.. توارى الجمال بعيداً عن الخدود.. خضع العقل و استكان.. افترقا.. و بقى القلب على موعد.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007