[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أستغفرك يا حب  
التاريخ:  القراءات:(4154) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : دكتور محمود عبد الناصر نصر  
-1-

تقدمت و قدماها تصطك إحداهما بالأخرى.. سارت بخطوات وئيدة, كادت تعدها خطوة تلو الأخرى.. دلفت في صمت علاه الخشوع و الخضوع.. صمت لم يكن ليخفي أصوات التوبة و الندم و الأوبة و الرجوع المتصارعة داخلها.. شدّت رحالها نحو قبلتها و معبدها و قدسها.. سارت, و عيناها تنظران تحت قدميها.. لم تقو عيناها على مد الطرف نحو وجهتها.. قربت المسافة, و أصبح الهدف قاب قوسين أو أدنى.. و كلما دنت من مأربها ازدادت الثورة داخلها, ودوَّت الأصوات المحبوسة راغبة في أن تنطلق, فلم تجد لها مهرباً.

-2-

وصلت إلى بغيتها.. ها هي كعبة عشقها و غرامها.. إنه محرابها الذي تلقت فيه أول دروسها في علوم الحب.. ها هنا تعلمت على يديه ألفباء ذلك الحب.. لقد تلقاها فتاة غِرة بريئة, لا تعلم شيئاً عن عالم الهوى.. فتعهدها بالرعاية أياماً و شهوراً و سنوات.. فتح قلبها لعالم العشق فعلَّمه كيف يعشق, و كيف يبادل معشوقه عشقاً بعشق.. أطلق لسانها بعد طول انعقاد, فبدأ ذلك اللسان يتلو آيات الحب المقدس صباح مساء.. علَّم عينيها كيف تفهمان نظرات من ينظر إليهما, و كيف يرسلان نظرات لا يستطيع مستقبلها سوى الوقوع في شباكها.. كبرت و برعت فيما علمها إياه أستاذها, بل صارت تعلمه لصغار العاشقين ممن كانوا مثلها.

-3-

بدأ الخيط يرتخي شيئاً فشيئاً بينها و بين من كان سبباً في دخولها عالم الحب.. تباعدت اللقاءات, و قلت الكلمات.. يبدو أن فتوراً أصابها, أو ضعفاً ألمَّ بها, أو يداً غريبة بدأت تعزف على أوتارها.. تعددت الأسباب, و بقى السر عند كيوبيد لا يعلمه سواه.. اندلعت ثورة عارمة في عقلها الذي أعلن تمرده عليها راغباً في العودة إلى صراط الحب المستقيم.. أرسل العقل المتيم رسائل عاجلة لكل جوارح الجسد الدنف الذي هدَّه العشق و أوجعه الهيام.. ذهبت أولى الرسائل إلى قلبها فأيقظته من سبات احتمى به في فترة من فترات عمره.. فترة جاهد فيها مستبسلاً مدافعاً عن حب طاهر كان قد استعمره فأعمره, و ارتشف ذلك القلب من معينه فأترعه, و جالس الحب ذاك القلب الوحيد فآنسه و اذهب عنه وحشته.. هبَّ القلب العميد معلناً بدء عهد جديد, بل تجديد العهد القديم و توثيقه و التصديق عليه.. ذلك العهد الذي نكثت به صاحبته في لحظة من لحظات ضعف استسلمت لها.. تهيأ القلب و ازدانت فراديسه لاستقبال فارسه و محرره و القائم على أمره.. رفع القلب عقيرته مهللاً بقدوم معشوقه قائلاً "هيت لك" .. وصلت الرسالة الثانية إلى عيون بحثت طويلاً عمن فقدته, و لم تجد سوى السيول المنهمرة من الدمع لا يجف لها منبع, و لا يقف في وجهها سد.. ذبلت العيون و أرخت سدولها.. ذهبت نضارتها, و كحل السهاد جفونها.. استقبلت العيون الرسالة, فبدأت الحياة تدب فيها من جديد لتعيد إليها ما قد فارقها من جمال و دلال و فتنة و إغراء.. جددت العيون عهد الوفاء.. لم تعد تنظر لسواه متأملة فيه, راضية عنه.. جاءت الرسالة الثالثة إلى اللسان الحبيس الأسير الذي طال اعتقاله, فطال كتمانه لما يحمله من أسرار, حتى تئق بها, و لم يعد يحتمل المزيد.. ها هي الفرصة قد تأتت لما يموج بداخلها ليعبر عن نفسه من خلال رسولها المتمثل في لسانها.

-4-

نطق اللسان مجلجلاً "حباه! إليك عُدت و كُلى ذنوب آمل في غفرانها.. رجعت إليك تائبة عما بَدَر منى من إهمال و تقصير.. إننا بشر, و الضعف في طبيعتنا كامن و راسخ.. أعترف اعتراف المذنبة بأنني قد فتحت للهوى باباً في لحظة من لحظات ضعفي, فتملكني الهوى, و لم أستطع منه فكاكاً.. صوَّر لي عالماً لم أره من قبل مع فلان و فلان.. جريت مسرعة عمياء.. عدوت وراء أهوائي, تدفعني عواطفي و نزواتي الجامحة و المتأججة و الطائشة لأجد في النهاية أنني كنت أجرى وراء سراب, لأجد العالم الذي ظللت أحلم به كومة رماد خبَّأت تحتها جمر الغضا الذي ظل يكويني طوال ليلى و نهاري.. و ها أنا ذا قد جئت إليك متضرعة خاشعة طالبة العفو منك.. فالعفو من شيم الكرام, و الضعف إن فارق الأنثى فلن يجد له صدراً حنوناً.. لقد أقررت بذنبي, فاغفر لي.. أقسم عليك بك.. أتوسل إليك توسل المذنب الضعيف, و البائس الذليل أن تصفح عنى.. فإن قبلت توبتي, فذاك رجائي فيمن عبَّ من سلسبيل الحب الطاهر السلسال.. و إن لم تقبلها, فليس لي سوى الضراعة ثانية و ثالثة إلى آخر نفس أتنفسه.. أستميحك عذراً بحق قلبي الذي اكتوى بنارك, و بحق عقلي الذي ثمل من معين غرامك , و بحق لساني الذي يهمس بحمدك في صمت, و بحق عين سهرت الليالي هائمة في ملكوت عشقك الأبدي.. أرفع إليك توبتي مبتهلة بحق أقواس كيوبيد و حمائم فينوس و رسائل فالنتاين , فلا تردني خائبة."

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007