[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حينما استنفرت الجماهير. 
التاريخ:  القراءات:(874) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : نورالدين الطويليع  

بينما كنت ذاهبا لقضاء بعض الحوائج ولقاء أصدقائي قابلتني في الاتجاه المعاكس جحافل بشرية ملأت الشارع عن الآخر، خمنت الأمر مسيرة صامتة، بحثت عن الوجوه المألوفة التي اعتاد الناس أن يروها في مقدمة المسيرات، فلم أجد أحدا، قلت في نفسي أخيرا صحا ضمير أبناء مدينتي، وهاهم الآن منتفضون ضد منطق الحكرة الذي مارسته عليهم المجالس المتعاقبة، دون أن ينتظروا مؤطرا أو مسيرا في هذه المسيرة العفوية ليقولوا لمن راهن على موتهم أو على تطبيعهم مع الإهانة بأن قلوبهم مازالت تنبض بحياة العزة والكرامة، وبأن الإحساس الإنساني لم يمت فيهم.

انهالت علي عشرات الأسئلة حول ما هم فاعلون، وحول رد فعل هؤلاء الذين طمأنهم اعتقادهم الخاطئ بألا أحد سيحاسبهم، فتمادوا في غيهم، دعوت الله أن يحافظ المنتفضون على سلمية مسيرتهم، وألا يذهب بهم الغضب مذهب الحماقة، فينقضوا دون رحمة على من مارسوا عليهم الاستغباء والاستعباد سنين عددا، ولا يتركوهم إلا بعد أن يقطعوا أجسادهم إربا إربا.

راودتني فكرة مواصلة مسيري إلى حيث أنا ذاهب، لكن وخزات الضمير، والإحساس بذنب التخلي عن نصرة مظلومين والتخلف عن يوم مشهود دفعني إلى اقتحام أمواج الخضم البشري والسير معها إلى حيث هي سائرة.

هالني صمت الجماهير المريب، وتوقعت سوءا من هذا البركان البشري المتحرك، تخيلت حممه متقاذفة على حين غرة، ودون سابق إنذار، في وجه من عبثوا بمدينتهم، استمررت في دعائي بأن تمر الأمور بسلام، وأن تكون الرسالة حضارية تذكر من تخلق بأخلاق الغابة ألا مكان له وسط بني الإنسان.

وصل السيل البشري إلى المصب والتقى بسيول أخرى جاءت من روافد مختلفة، التقى الجميع في ساحة العمالة، لفتت انتباهي منصة نصبت في وسطها جعلتني ألغي فكرة العفوية من ذهني، تملكني اليقين أن هذه المسيرات تقف وراءها هيئات منظمة، وفي الوقت الذي اشرأبت فيه الأعناق وتركزت الألحاظ على المنصة انتظرت على أحد من الجمر مع المنتظرين أن يصعد المناضلون وأن تتقاطر عبارات الشجب والاستنكار للاستغلال والقهر والنهب المسلط على مدينتي وأبنائها، داعية إلى رفع الظلم عنها وعنهم .

فجأة صعد رجل بزي الأفراح والحفلات لا يبدو عليه أثر النضال، خاطب الجموع قائلا: نرحب بكم في سهرة راقصة مع أبرز نجوم الطرب والغناء على الصعيد الوطني.

أصابني الخجل، وانتابني إحساس بالمرارة وخيبة الأمل، صحت بأعلى صوتي مفسرا سبب قدومي: تبا لكم، ألهذا جمعتمونا؟... نريد نضالا لا رقصا على الجراح... بيد أن كلماتي ضاعت وسط الهتافات والتصفيقات والترانيم المتماهية مع الألحان المنطلقة من المنصة.

انتشلت نفسي بصعوبة بالغة من بين الجموع وأنا أردد براءتي مما يمكرون، دون أن يهتم بكلامي أحد، وبعدما خلصت نفسي من الزحام الشديد جلست فوق كرسي بحديقة خلف الساحة لأسترجع أنفاسي وأستريح من تعب الصراخ، وغير بعيد عني جلس رجلان يبدوان في كامل نشوتهما باللباس الرسمي، قال أحدهما للآخر: هذا هو الصراع الذي بيننا وبين اليائسين الميئسين، لقد نجحنا في استقطاب الآلاف، ما يعني أن صوتنا مسموع ودعواتنا مستجابة، في حين أن هؤلاء المتشائمين المحرضين الفتانين لا تلبي دعوتهم للاحتجاج على ريعنا المزعوم وفسادنا كما يدعون إلا شرذمة قليلة تعد على رؤوس الأصابع رغم عزفهم المستمر على وتر التناقضات الاجتماعية وتباكيهم السمج على ما يسمونه اختلاسات وسوء تدبير من لدنا.

رد عليه زميله قائلا: نفر الناس من بضاعة أولئك الحمقى الذين لا يجدون ما يعرضون إلا ما كان نقدا وإدانة وشكوى، أما نحن فقد نجحنا في استمالتهم لأننا قدمنا إليهم الصورة الحقيقية للحياة الباسمة المتفائلة التي تزرع الأمل في النفس وتمتعها ساعات معدودات يستمر مفعولها شهورا، لذا يجب أن نتعهدهم بالسهرات والحفلات إن أردنا منهم البقاء على العهد وعدم الانزلاق في درك أعداء الوطن من المتشائمين.

لم أطق سماع المزيد من كلام الرجلين، فقمت من مقعدي، وقبل أن أنصرف خاطبتهما بقولة"جون هولت":( ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك، وكل ماعلينا هو التوقف عن ممارسة ما يجعلهم أغبياء)، وغادرت المكان دون أن أنتظر منهما ردا.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007