[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
جمال حسان فى عصف اليقين 
التاريخ:السبت 14 سبتمبر 2013  القراءات:(1207) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
جمال حسان في عصف اليقين

السيد الهبيان

في أولي أعمالها الأدبية قدمت الكاتبة المصرية الدكتورة "جمال حسان" مجموعتها القصصية الأولى " عصف اليقين " .. والتى تضمنت بداياتها في مجال التجربة الإبداعية من خلال القصة القصيرة.. إذ قدمت عددا منها وصل إلي خمس وعشرين قصة هي كل قصص المجموعة ، وفق مساحات تماثلت ما بين ثلاث وست صفحات من القطع المتوسط .. مما يشير إلي الاعتماد علي التركيز كفرضية لتجسيد مضامينها .. التي تنوعت عوالمها وتماثلت أحيانا علي أساس عرض الواقع الحسى للشخصيات .. والتعبير عن شعورها حال اللحظة التى تتجسد فيها معانتها النفسية.. بينما تعيش تضاد رغائبها في الواقع .. الأمر الذي يبدي أن ثمة صراعا بين الرغبة وغمكانية تحقيقها .. وذلك فى شكل انفصال حاد بين عالم الذات وواقعها المعيش .. وهو ما يلاحظ بوضوح فى بعض قصص المجموعة .. التى تعتمد مضامينها علي تناول الواقع النفسي للذات وأثر المحيط الخارجى عليها .. سواء كان ذلك خاصا بوقائع لها تأثبرها النفسى علي الفرد .. أو الجماعة .. وكل ذلك من خلال نص قصصى ظاهره عادية الحدث.

فنافذة غرفة الأولاد في قصة " نافذة " كالحة وضيقة .. لكن الأم تنهي عن فتحها وتنهر بشدة من يحاول ذلك بحجة أن لا فائدة منها . لأنها تطل مباشرة علي غرفة نوم الجيران . وأسفلها يلقى السكان حاجياتهم القديمة وخرقهم البالية ، والرياح التى تدخل منها حارة وكريهة الرائحة ، إلا أن اكبر الأولأد يعلن في لحظة ملل ورتابة من ممارسة ألعاب متكررة أنه سيفتحها . ويتوعد من يفتح فمه ب" علقة " لم ينلها من قبل . ثم يدفع المزلاج الصدىء حتي يفتحها فلا يبدو غير ظل الجار وامراته وتتعذر رؤية الأسياء بوضوح وبمحاولة من الأخ الأصغر يبعد الأخ الأكبر عنها ويعيد إغلاقها وكأن شيئا لم يكن.. ويقل الاهتمام بما يدور خلفها رغم نمو الرغبات الحادة وازدياد التمرد علي أوامر الأم الصارمة ، لكن رائحة عفنة شديدة النتانة تتدفق من اتجاهها ، وتداهم خياشيم كل السكان .. وتتجمع نظراتهم ومن بينهم الأب وجميع الأخوات علي غرفة نوم الجيران .. وينبعث الصراخ من النوافذ المحيطة عند رؤية امرأة الجار تقوم بالاعتداء على زوجها المتدلى من حبل مثبت بنجفة السقف بينما صغارها يراقبونها في هلع من طرف المكان . ويبدو أن غضب الأم لا مفر منه وسيكون نهار الأسرة أسود لعدم امتثال الأب والأبناء لأوامرها وعدم تحركهم من وقفتهم رغم الصراخ والعويل .. فيكون الاستسلام للبكاء .

والتلميذ الصغير الذي تفتنه الألوان والزخارف الشرقية .. الخشب المحفور والمطعم بالنحاس والصدف والمزهريات الملونة .. فتنعم عليه مدرسته العريقة .. وتهديه علبة ألوان .. فيتباهي بها علي أمه وإخوانه .. ويسهر ليلته سعيدا بحاله رغم ركونه ألي الحكمة في إخفاء الأمر عن والده خوف من مواعظه المأثورة بالبعد عن عبثه . وفي الصباح تنسيه نشوته ما يجري في طابور الصباح وتحذيرات وتوعدات المشرف الذي ينتبه إليه ويأمره بأن يلحق به في مكتبه .. وأثناء عودته يتعرض للسخرية من بعض التلاميذ وهم يتضاحكون ويتندرون بجروحه وآثار الضرب الدامية فيتمني الخلاص من يومه وألا يذكره ابدا ، وهو ما يبدو في قصة " علبة ألوان ".

يجمع بين هاتين القصتين كونهما تناولتا عالم الطفولة .. بما يمثله من براءة .. وتطلع إلى آت خال من عوامل تقف حجر عثرة في طريق من يمثلون المستقبل .. ففي القصة الأولى – نافذة – تبدو الرغبة في المعرفة وولوج المحظور في ظل سيطرة قهرية من الأم علي أطفالها .. رغم أنها تحاول إبعادهم عن معرفة الواقع المحيط بهم الملىء بالعفونة والنتانة والبشاعة .. فيتمردون على تعاليمها الصارمة في غفلة منها أثناء وجودها في البيت مستلقية بعد عناء يوم طويل .. وحال غيابها عن البيت .. ويظل الإصرار علي رؤية ما تمنعهم عنه دونما اهتمام بغضبها وعواقبه .. وفي القصة الثانية – علبة ألوان – الرغبة في تجميل الواقع بما فيه من عوامل الإحباط .. والرغبة في إحياء القديم الذي تبدو فيه العودة إلي الأصل .. وذلك رغم التحذيرات والتهديدات التي بدت فى القصة الأولي من قبل الأم .. وفي القصة الثانية من قبل المشرف غليظ الصوت .

يتغير الحال في قصة " المحاضرة " .. حيث يبدو التاريخ المريض .. فموضوعها وإن كان حول التاريخ المعاصر .. إلا انها تتشعب فى النقاش حول السياسة الخارجية والداخلية والحديث عن التفرقة العنصرية فى جنوب أفريقيا والأمان .. فيبدو ما يؤكد أن التاريخ الحقيقى هو المكتوب في السجون وتتغافل عنه أدوات الإعلام المزيفة لأنها الأقرب علي الخارطة بدلا من الحديث حول التغيرات في جنوب أفريقيا ، والوعد بعقد مقارنة تفصيلية بين جنوب أفريقيا وشمالها .. واثناء حوار الطلبة الممزقين الذين " يهب عليهم تيار وهم معصوبة أعينهم فى طريق " يقتحم رئيس القسم المحاضرة ويسأل الأستاذ – المحاضر – عن أى حقبة من التاريخ يتحدثون .. فتتحول ملامحه الغليظة إلى علامة استفهام كبرى عندما يجيبه " نحن على هامش التاريخ نحيك الأطراف ونرتق المزق ونغلق الثقوب " .. فيدعوه الي مكتبه .. بينما خف ضجيج الطلبة .. فتمنى – المحاضر – ألا يطول صمتهم أو يهجروا التاريخ فى فتراته الحرجة ".

وفي قصة " مظاهرة " .. بأحداثها العصيبة والمشحونة بالخوف والقلق والذعر .. حال الصمت الذي سبق اندلاع حرب الخليج .. والظواهر التي تنبىء بالكارثة .. والكل غائص في السفينة الغارقة .. ومنكسو الرؤوس .. والنواح بصوت عال وسط الحشد الذي جمع بين الطلاب والأساتذة .. وتقدم نحو بوابة الجامعة المؤدية إلي الميدان الرئيسى بعد انتشار رائحة الغضب والتآمر .. والتعرض لعصى رجال الأمن وقنابلهم الحارقة والذخيرة الحية . والسقوط تحت أحذية العسكر .. والجثث التي تحت أقدامهم . وما بدا تسجيلا للانكسار والتمزق .. مما أنهى التظاهرة الطلابية بالجثث والدم المراق .. والبحث عن مكان لدفن الغضب والاحتقار .. وبدا الأمل في التشبث باللاوعى .. " فدائرة الوعى شرنقة دامسة لا تحيا بها الكائنات " .

ثمة تصاعد قد يبدو في الرؤى التى صيغت من خلالها القصص السابقة .. تمثل في الانتقال من مرحلة الطفولة التى تعيشها شخصيات قصتى " نافذة وعلبة ألوان " . على مرحلة الشباب التى تعيشها شخصيات قصتى " المحاضرة والمظاهرة ".. لكن ثمة أيضا ما يجمع بين القصص الأربع .. وهو السخط على الواقع ومحاولة التمرد علي الحال البادى في ظل سيطرة قهرية تمثلت في الأم والمشرف ورئيس القسم ورجال الأمن .. بينما يظل الآتي وسط عتمة شديدة تفتقد ملامح الخروج منها .. وبين الخصوصية والعمومية بالنسبة للحدث وارتباط الشخصيات به . يظل الحال نتاج تراكمات مناهضة للتغيير .

علي الجانب الاجتماعي يبدو " فارس الاعسر " بطل قصة " نوبة سرحان " ساخطا على الحال الذى انتهى إليه .. بعد عشرين سنة زواج من امراة تندب الخيبة كل يوم .. وتطلب منه الاستعداد لحفل خطوبة ابنته على رجل الأعمال المعروف "صالح جمبرى" فيهرب منها إلي " غرزة " يتعاطى فيها ما يجعله يغيب عن الوعى حتى ينسى ما يعانيه فى حياته معها .

وتبدو " زينب " بطلة قصة " فردة حذاء " مهرولة بكل قوتها بعد انتهاء فترة عملها لتسرع بالذهاب إلي بيتهاحتى تقوم بتجهيز الطعام لزوجها وأولادها .. لكنها تكتشف بعد خلاصها من عناء زحام الأتوبيس أنها فقدت فردة حذائها .. وتتناسي حرارة الأسفلت وهي مستغرقة في تخيلاتها إذا بدا سيرها حافية موضة .. وتحاصرها كاميرات المصورين وتزين صورها صفحات الأناقة وأغلفة المجلات النسائية .فتغدو مشهورة ولا يتعرف عليها أهل دربها القديم " الجمالية " وقد تتزوج رجل أعمال أو نجم تليفزيونى او سينمائى .. لكنها تفيق من تخيلاتها علي سقوطها في إحدى بالوعات المجاري المفتوحة .. وتتلطخ بالأوحال والقاذورات .. فتنسى كل تخيلاتها وتطلب سرعة إخراجها دونما انتظار العامل المكلف لأن ما يشغلها هو الغذاء والزوج والأولاد .. فيبدو للجميع الذين أخذوا ينصرفون عنها الواحد اثر الآخر أن بها لطفا .

وبطل قصة " قيلولة " الذى تكلفه زوجته بشراء الخبز وتذكره بهموم حياتهما الأسرية.. فينعطف إلي مقهى الحياة املا فى ركن هادىء تصفو فيه خواطره .. فيستسلم لتخيلاته التي ترسم له امراة تنجذب إليه وتراوغه رغم ما بدا علي جسده من تغيرات رضيت بها امراته الصابرة .. وتغريه بالبقاء معها وتؤكد أنه بالنسبة لها كل شىء .. لكن واقعه يتجسد أمامه ويجعله في حيرة من أمره . "وعبد السلام" بطل قصة " دنيا جديدة " الذى يضطر للاستدانة من أجل إنقاذ محصول قطنه ولا يجد من يقرضه .. فيعود إلي زوجته التي تحاول أن تخفف عنه وتدفعه إلي حضور حفل زفاف .. فيفاجأ بمن اعتذروا عن إقراضه ما يحتاجه من مال .. ينهالون بالنقوط علي الراقصة .. فيقرر بيع أرضه ليعمل طبالا او زمارا .. ويحاول أن يتلمس دنيا جديدة .

والعروس بطلة قصة " ليلة مباركة " تتزوج من رجل مزواج له العديد من الأبناء .. قضى على أملها فى الارتباط بابن الجيران المتعلم الوسيم . وكان الكل يعتبرونها مخطوبة له . فتنعم الأسرة بكرم الزوج .. ويتغير الأب الهاديء الوقور ليتعمد التعالى علي زملائه الموظفين متواضعى الحال .. وفي لحظة استسلامها له ليلة عرسها يفاجأ الزوج باستدعائه من قبل زوجتين له بسبب سقوط ابن الأولى من الشرفة .. وإصابة الثانية بنزيف شديد .. فيظن أنهما متآمرتان عليه ويتوعدهما بالعقاب إذا ثبت كيدهما له .أويطلب من العروس الشابة أن تنتظره إلي أن يعود اليها بعد أن يحسم الأمر .

والعجوز المشلولة بطلة قصة " ترقب " التى تعيش وحيدة في شقتها .. ويقلقها حارس البناية الذى يهمل عمله .. وتشعر بوقع خطوات تدرك منها أنها المقصودة من قبل صاحبها وتحاول أن تتخيله وتتساءل عما يريده منها وما سيقعله بها . فتقرر مواجهته . وتستطيع التغلب عليه .

مجموعة من نماذج لشخصيات تتواجه في حياتها بما يجعلها تستسلم لضرورة تحتم عليها قبول التغيير فى مسار حياتها .. أو الرضوخ لواقع لا أمل فى الخلاص منه يبدو ذلك رغم اختلاف عوالمها لتؤكد أن ثمة قهرا كامنا في دواخلها .. مصدره معلوم وملموس .. ولكن يستحيل الإفلات منه .

أما في قصتى " سرطان وجراحة " و " الحاجز الهش " فثمة قهر من نوع آخر .. هو قهر الجسد.. من خلال استسلامه لداء المرض الذى يضعه علي طاولة الجراحة .. ويخضعه لطبيب التخدير قبل أن يقوم الجراح باستئصال الخلايا الدخيلة .. ومصدر اوجاعه المزمنة .. وتنتهي آلية عمل الاطباء في الأولي بانصرافهم بعد ثبات الجسد الثبات الأبدى.. وتتماثل النهاية في الثانية .. وكأنما ثمة تأكيد على أن العجز عن استجلاء أصل الداء يجعل الجسد مآله إلى الثبات المؤدى الى العدم . لكن الثبات في قصة " رأس احدهم " يستحيل الى شجرة تنثر ثمارها التى يأكلها الصغار فيغير بعضهم من اتجاهه .. رغم أن الطبيب الذى عكف على فحص الرأس باهتمام أكد انه سليم و"المخ" في افضل حال .. مما جعل الصحفى الذى يشكو من نمو الألم وتمدده في مقدمة رأسه يقع صريع أفكاره بعد أن أشار له الطبيب أنه قد يفيده التغيير في طباعه أو طبيعة عمله .. ووقع في حيرة بين أن يقوم بعمله الصحفى بآليته المطلوبة وحسب رغبات رئيس التحرير .. أو يترك القلم كلية لنفسه . وبعد أن استدعاء رئيس التحرير الذي يحمل عدة وجوه ليخبره بأنه مرفود .. فيصحح له القول بأنه يقصد مرفوض .. فيؤكد ساخرا "مرفوضومرفود".. فيترك مكان عمله ويذهب لمكان آخر يخاله بكرا ينشر فيه افكاره بين الناس .. ويبدو تفاقم خطرها فيتفق الكبار علي تجميدها .. بينما الصغار . لا يرفضونها .

وفي قصة " تائه " تستحيل لحظات الرغبة والشبق إلي احساس بأن ثمة تآخيا بين بائعة الهوي وبين من أوقعته الظروف في طريقها .. أغرته بخوض تجربة معها تزيده خبرة .. وتبدو له جادة فيما دعته إليه .. يأخذ الامر مأخذ الفكاهة وإضاعة الوقت . ويتذكر بداية مراهقته ورصد أبيه لنزواته الأولي ووأدها في مهدها .. وتتماثل له صورة أمه الميتة بما يبدو احتمال أن تكون شبيهة لها .. فيشفق عليها .. وعندما تلحظ شروده عنها تستثيره ليتجاوب معها .. لكنه يشعر بتأنيب الضمير كلما احتوته فينفلت عنها ويفيق لنفسه علي استهتاره وارتباكه .. ويتماثل له رأسه بين رؤوس كثيرة لرجال يتفحصون بعضهم بتلقائية.. تجعله يشعر بأنه اختلط بهم من قبل .

وبما أن للغربة مشاكلها وهمومها وتدركها الكاتبة كما يبدو .. فقد قدمت من خلال مجموعتها اكثر من قصة طرحت من خلالها ما قد يصادفه المغترب او يعيشه وهو خارج وطنه .

ففي قصة " لك الله يا بلاد الأحباب " يبدو تجرع الخزى والإحساس بالمهانة إبان حرب الخليج . حيث لم يكن ثمة حديث إلا عن معدات القتال الفتاكة الحديثة والمبرمجة .. والعديد من المظاهرات التي تطالب بإيقافها .. لكن لافتات السلام والشعارات تبدو عديمة الفائدة .. ولا يبقى للمغترب غير الذعر والإحساس بالمرارة .

وفي قصة " خارج الزمان والمكان " يبدو " سعيد " الحائر بين الماضى والحاضر الذي ينتمى إلى جنس منقرض هوايته حفظ الكتب المقدسة وذرف الدموع .. وهو يواجه مشكلة مع الكمبيوتر .. فيطلب العون من زميله العربى الذي توسم فيه الخبرة فيتهكم منه ويرجع فشله إلي ضياعه في متاهات الرومانسية .. فشلك في الحب مرتبط بفشلك في مواجهة الواقع ومجاراة الآخرين .. فيحاول أن يثبت له من منهما الفاشل في الحب .. ويلتقي ب " زهرة " التى يكتشف معها أنه طبيعيا وعكس ما يظنه الآخرون .. فلا يعبأ بتهكمات زميله العربى .. ويمضى إلى محطة المترو ليبتاع جريدته المفضلة .. ولا يتأثر بنفاذها ويستبدلها بأخرى يجدها تدافع عن كرامة الإنسان وصيانة المقدسات وتمتلىء بالشعارات الملتهبة . فيحاول الخلاص منها ويفاجأ بجريدة مبتذلة علي إحدى صفحاتها الممزقة صورة " زهرة " كما رآها من قبل لكنها بلا تنورة . فيتلمس الهروب من وقع الحال الذى وجد نفسه فيه .

وفي قصة " من خلال الثقب " المغترب الذي عقد العزم على التعلم واكتساب الخبرة .. فيتعرض لغواية شقراء . " هالتها عضلاته المفتولة وشاربه الأسود الغزير " تنسيه خيالات نساء قبيلته عريقة الأصل .. لكنه يفشل في إرواء ظمأ الشقراء فتصفعه بقوة وتتركه يجتر لحظات الخجل والكبرياء الجريح .. وينشغل بخاطر إثبات فحولته .. لكن لا تواتيه الفرصة إلا بعد عودته لبلده حاملا شهادته . ولم يثنه عن ذلك معرفته بأن الاقتراب من النساء مخاطرة .. فيتسلل ليختلس النظر إليهن وقت القيلولة حيث يخلعن لفائفهن وسراويلهن .. لكنه يفاجأ بأن الثقب الذى أحدثه في الخيمة ليختلس النظر إليهن منه ليس غير واحد من آلاف الثقوب .

وفي قصة " مصور خاص " الصحفى الذي يضطر لمرافقة أحد الشيوخ من أبناء بلده.. التقاه صدفة فى عيادة طبيب شهير .. وتطول فترة غيابة عن عمله ويخشي عقاب رئيسه .. لكنه يفاجأ بأن ذلك الشيخ طلبه للعمل معه بمرتب مضاعف .. فيقبل عرضه ويقوم بأي عمل يطلب منه .

وفي قصة " احتضار " العائد من الغربة بعد غيبة طويلة فيشعر وكأنه لم يفارق كل ما كان مألوفا له ويتحدث لعجوز عن أخباره القديمة وما جد منها .. وعناده لتحقيق حلمه المشبوب .. وسعيه إلي مصير غابت دلالته.. لكن حلمه انتهي وهما .. وصار يخشي أن يستحيل التسليم بالعجز طوق حلم جديد معابث ومستفز ومراوغ .

أيضا فى قصة " انتظار" تبدو البقعة المفضلة قرب مرسى القوارب مقصد الغائب بعد عودته من الغربة . لتلمس ذكرى نسمات حبه الاولى .. فيلتقي بعجوز يحصى القوارب والرجال .. ويحدثه عن حلمه الذى غاب وانطمست صورته بعد زفاف حبيبته إلي غيره .. مما اضطره إلي الهجرة .. حيث عانى الكثير في الغربة كلما طافت بخاطره .. وقد أضناه البحث بعد العودة عن شيء من بقايا أيامه معها . ويتراءي له هو والعجوز أحد القوارب الذي يصارع الأمواج والرياح وتتحد رغبتهما في أن ينجو – القارب- من غدر البحر .. ثم يترقبان لحظات النجاة وانقشاع الخطر .

وتعرض قصة " نعى " لمحاولات بحث عن رفيقة أيام الدراسة .. التي تحملت الكثير من أجل ثوريتها علي الواقع الذى ترفضه .. وكانت تبدى حماسا في مظاهرات الطلبة . ثم غابت بفعل الغربة التي حتمت الافتراق .. وتتماثل فى بلاد الغربة .. لكن الظن يبدى أن الرغبة المشبوبة لرؤيتها هي التي جسدتها .. لكنه البحث لا يسفر عن شىء . ويبدو أن الانتظار كان هباء والحلم تيها .. لكن استمرار الاحلام التي يتعذر تحقيقها لا يبقي منها إلا مرثية .

أما فى قصة " الحلم الأول .. الحلم الآخر " فيبدو بطلها وقد تعود الانطلاق الذي يتيحه له التواجد في مجتمع لا يحد من حرية العلاقات .. الى أن يشعر بأن سنواته الأخيرة في الغربة استهلكته وذبل مع النزوات المبتورة . فبعد أن قهرته المرأة الأولي في حياته وخذلته وهجرته إلى ذاتها النامية وأدمنت تعذيبه . ورغم أنه اتخذها مستودعا لانكساراته انشقت عليه .. فذهب إلي منفاه الاختيارى ووجد سلواه في غربته في تحقيق حلمه باللقاء بامرأة .. ودفعه الخلاص من ساحة الكآبة الي السعي لتحقيق نزوة ترتفع به إلي سماء الوهم .. فاجتذبته امرأة ووجد فيها حلمه الآخر .. جعل منها سيدة قلبه الوحيدة .. وعندما دعته إلي بيتها مني نفسه بارتواء عطشه إلي جسدها .. وتعلق بأهداب النشوة المؤكدة وهى تستقبله بما جعله يظن أن هزيمته مع الأولى ستدفعه ليعب من بحرها السكرى اللزج.. لكنها تستمهله لتعد له شرابا .. ثم تعود إليه تخطر فى دلال .. لكنه يعيش لحظات من ازدواجية الزمن .. حيث يتماثل له وجه الأولى وهي تضحك منه .. ويبدو له وجه الثانية في شموخ .. فيستحيل إلي مراهق أبدي يتجمد في محنته بقوة .

ويجمع الحب بين مضامين ثلاث قصص هي " طيف من الماضى وكلمتين وعصف اليقين ".. ليكون هو القاسم الأعظم بينها رغم الاختلاف الشكلى الذى قد يبدو في مواقفها .

في قصة " طيف من الماضى " لقاء الحبيبن بعد سنوات من الافتراق .. وتبادل أخبارهما فتعرف منه أن زوجته مصابة بمرض خبيث ولا أمل في شفائها . ويعيدها إلى بداية حكايتهما معا ويؤكد لها أنه لا يزال يحبها ..وتنتبه إلى كونها أما . ويتساءل ماذا لو لم يحدث ما حال بينهما وبين تحقيق أمله . لكنه سرعان ما يبدو له أن عودتها إليه مستحيلة .

وفي قصة " كلمتين " ثمة سعى أيضا لإعادة مسيرة الأيام الأولى .. بعد اعتراف بالذنب بسبب الانشغال عنها لكن محاولات الاستعادة تتحطم على صخرة الرفض لكونها لن تكون غير وسيلة نحو خطوته التالية .

وفي قصة " عصف اليقين " الحبيبة التي أنست إلى الانزواء .. وتجتر في وحدتها معاناة هزيمتها .. وتعيش انكسارها مع طيف الحبيب الذي يتماثل لها في امكنة الذكرى التي تنشد فيها سلوتها .. وتظل في حيرة يبديها احتمال تكرار المرة السابقة .

قد يبدو ثمة تنوع في قصص المجموعة .. إذا ما تم تناول كل قصة علي حدها وبشكل يجعل التعامل معها باعتبارها جزئية منفصلة عن غيرها .. لكن واقع الحال يؤكد الترابط الذى يجمع بين غالبيتها الى حد يمكن القول معه بأن منها ما يكمل بعضها . وذلك يتحقق في وجود الاعتماد الواضح في التركيز علي الجوانب النفسية للشخصيات .. وطرحه من خلال انفعالات ذاتية تعكس الواقع الذي يثير في داخلها الهموم التى تؤرق حياتها .. ويجعلها دائما فى انفصال عنه .. وهو ما يبدو في المزج بين الواقع والرمز الذى تكرر في عدد كثير من قصص المجموعة .. بالاضافة الى رؤي الفانتازيا التي تكررت في بعض النصوص وبدت في إطار الخروج على النمط التقليدي .. لكونها حادت – فى الأساس – بالمضمون المبنى على واقع معيش .. لتضعه في النهاية في دائرة التخيل . وقد لا يعنى ذلك غير تعميق الإيحاء الحسى لما تتمناه الشخصية .. وهو ما يعكس التوتر النفسى الذي يكتنفها .

وجل القصص ترصد ما تعيشه الشخصية حال موقف معين يتحتم عليها أن تواجهه .. وهو في العادة بمشاركة شخصية أخرى أو شخصيات في واقع مأساوى يتكرر على مدارات حياتية .. تتداعى فيها الهموم بصور مختلفة .. فهم الطفل الذى يؤرقه ما يدور خلف النافذة ,, او الذى يتمنى العودة إلي أصالة الماضي .. غير هم الزوج أو الزوجة بسبب المعاناة الأسرية .. وهموم الغربة ومعاناتها غير ما يكابده المحبون حال فرض الافتراق كواقع حتمي .

كل ذلك يبدو من نتاج المحصلة التي تتكون – لدي القاريء – بعد قراءة قصص المجموعة والتى تحمل الكثير من الإشارات غير المباشرة في سياق السرد .. أو في نهايات بعض النصوص مفتوحة النهايات .. حيث يتم القطع في لحظة مواجهة آت مجهول المسار.

ففى قصة المحاضرة يبدو أن " التاريخ الحقيقى حى جدا .. يكتبه زملاؤنا في السجون وتتغافل عنه أدوات الإعلام المزيفة فهي لا تملك شيئا " .و"ستميد بنا الأرض ونحن في غفوتنا لا نري النزر " والتغيرات فى جنوب أفريقيا وشمالها .. و" نحن علي هامش التاريخ نحيك الأطراف ونرتق المزق ونغلف الثقوب ".. والتمنى بألا يطول صمت الطلبة.. أو يهجروا التاريخ فى فتراته الحرجة .

وفي قصة " لك الله يا بلاد الأحباب " ستفشل كل المباحثات والمبادرات.. فالعرب لا يتباحثون " برزت الحقيقة كالجرح المزمن الذي علته القشور والتكلسات فلم نعد نراه ..أو نشعر به من طول تعايشنا معه "

وفي قصة " مظاهرة " الأحداث عصيبة مشحونة بالخوف والقلق.. بل الذعر واللامعقولية.. ومع هذا فالناس فى الشوراع والمقاهى يتسابقون على الصمت.. ولا غرابة في أن تندلع الحرب بين الإخوان . بينما تحمل بعض النهايات دلالات تحمل محصلة النص.. كبنية فاعلة لما انتهت اليه الشخصية .. وخاصة إذا ما وصلت عبر معايشتها للحدث الذي احتل مساحة في مسار حياتها .. وكان سببا مباشرا لما منيت به من خيبات وانكسارات .. وضع آتيها وسط دوامة من الاحتمالات .

ففي قصة " انتظار " كان انتظار لحظات النجاة وانقشاع الخطر .. وفى قصة " مظاهرة " كان التشبث باللاوعى .. وفى قصة " احتضار " كانت الخشية أن تكون النجاة من هوة التسليم بالعجز طوق حلم جديد معابث مستفز ومراوغ .. فمثل تلك النهايات وإن كانت تبدو تحديدا لما آلت إليه المصائر إلا أنها استخلاص للحال وترقب للآتى.. على ضوء ارتحالات الواقع.. التي انتهت بالشخصية على الحد الفصل بين الانكسار والرغبة فى الانعتاق منه أو محاولة الهروب من الواقع المأساوي.. بالتشبث باللاوعي كما فى قصة " مظاهرة " أو الابتعاد عنه كما فى قصة " خارج الزمان والمكان ".

وعلي هذا الأساس يمكن تحديد مجموعة عن التصورات التى تضع النصوص في نهاية المطاف محملة بالرموز والدلالات الناقدة فى الأساس لما يبدو في الواقع المرفوض وإشكالاته .. وذلك بالرغم من مظاهر المباشرة الاعتيادية .. التى بدت من خلال المنظومة الاجتماعية لحياة الكثير من الشخصيات.. مما يشير إلي أن الكاتبة تعي ما تطرحه فى نصوصها القصصية .. وتهتم بتقديم رؤاها فيما يدور حولها سواء كان ذلك على المستوى الخاص او المستوى العام لعالمها الذى تعيش فيه .

&&&&&&&&&


جمال حسان في عصف اليقين
السيد الهبيان

في أولي أعمالها الأدبية قدمت الكاتبة المصرية الدكتورة "جمال حسان" مجموعتها القصصية الأولى " عصف اليقين " .. والتى تضمنت بداياتها في مجال التجربة الإبداعية من خلال القصة القصيرة.. إذ قدمت عددا منها وصل إلي خمس وعشرين قصة هي كل قصص المجموعة ، وفق مساحات تماثلت ما بين ثلاث وست صفحات من القطع المتوسط .. مما يشير إلي الاعتماد علي التركيز كفرضية لتجسيد مضامينها .. التي تنوعت عوالمها وتماثلت أحيانا علي أساس عرض الواقع الحسى للشخصيات .. والتعبير عن شعورها حال اللحظة التى تتجسد فيها معانتها النفسية.. بينما تعيش تضاد رغائبها في الواقع .. الأمر الذي يبدي أن ثمة صراعا بين الرغبة وغمكانية تحقيقها .. وذلك فى شكل انفصال حاد بين عالم الذات وواقعها المعيش .. وهو ما يلاحظ بوضوح فى بعض قصص المجموعة .. التى تعتمد مضامينها علي تناول الواقع النفسي للذات وأثر المحيط الخارجى عليها .. سواء كان ذلك خاصا بوقائع لها تأثبرها النفسى علي الفرد .. أو الجماعة .. وكل ذلك من خلال نص قصصى ظاهره عادية الحدث.
فنافذة غرفة الأولاد في قصة " نافذة " كالحة وضيقة .. لكن الأم تنهي عن فتحها وتنهر بشدة من يحاول ذلك بحجة أن لا فائدة منها . لأنها تطل مباشرة علي غرفة نوم الجيران . وأسفلها يلقى السكان حاجياتهم القديمة وخرقهم البالية ، والرياح التى تدخل منها حارة وكريهة الرائحة ، إلا أن اكبر الأولأد يعلن في لحظة ملل ورتابة من ممارسة ألعاب متكررة أنه سيفتحها . ويتوعد من يفتح فمه ب" علقة " لم ينلها من قبل . ثم يدفع المزلاج الصدىء حتي يفتحها فلا يبدو غير ظل الجار وامراته وتتعذر رؤية الأسياء بوضوح وبمحاولة من الأخ الأصغر يبعد الأخ الأكبر عنها ويعيد إغلاقها وكأن شيئا لم يكن.. ويقل الاهتمام بما يدور خلفها رغم نمو الرغبات الحادة وازدياد التمرد علي أوامر الأم الصارمة ، لكن رائحة عفنة شديدة النتانة تتدفق من اتجاهها ، وتداهم خياشيم كل السكان .. وتتجمع نظراتهم ومن بينهم الأب وجميع الأخوات علي غرفة نوم الجيران .. وينبعث الصراخ من النوافذ المحيطة عند رؤية امرأة الجار تقوم بالاعتداء على زوجها المتدلى من حبل مثبت بنجفة السقف بينما صغارها يراقبونها في هلع من طرف المكان . ويبدو أن غضب الأم لا مفر منه وسيكون نهار الأسرة أسود لعدم امتثال الأب والأبناء لأوامرها وعدم تحركهم من وقفتهم رغم الصراخ والعويل .. فيكون الاستسلام للبكاء .
والتلميذ الصغير الذي تفتنه الألوان والزخارف الشرقية .. الخشب المحفور والمطعم بالنحاس والصدف والمزهريات الملونة .. فتنعم عليه مدرسته العريقة .. وتهديه علبة ألوان .. فيتباهي بها علي أمه وإخوانه .. ويسهر ليلته سعيدا بحاله رغم ركونه ألي الحكمة في إخفاء الأمر عن والده خوف من مواعظه المأثورة بالبعد عن عبثه . وفي الصباح تنسيه نشوته ما يجري في طابور الصباح وتحذيرات وتوعدات المشرف الذي ينتبه إليه ويأمره بأن يلحق به في مكتبه .. وأثناء عودته يتعرض للسخرية من بعض التلاميذ وهم يتضاحكون ويتندرون بجروحه وآثار الضرب الدامية فيتمني الخلاص من يومه وألا يذكره ابدا ، وهو ما يبدو في قصة " علبة ألوان ".
يجمع بين هاتين القصتين كونهما تناولتا عالم الطفولة .. بما يمثله من براءة .. وتطلع إلى آت خال من عوامل تقف حجر عثرة في طريق من يمثلون المستقبل .. ففي القصة الأولى – نافذة – تبدو الرغبة في المعرفة وولوج المحظور في ظل سيطرة قهرية من الأم علي أطفالها .. رغم أنها تحاول إبعادهم عن معرفة الواقع المحيط بهم الملىء بالعفونة والنتانة والبشاعة .. فيتمردون على تعاليمها الصارمة في غفلة منها أثناء وجودها في البيت مستلقية بعد عناء يوم طويل .. وحال غيابها عن البيت .. ويظل الإصرار علي رؤية ما تمنعهم عنه دونما اهتمام بغضبها وعواقبه .. وفي القصة الثانية – علبة ألوان – الرغبة في تجميل الواقع بما فيه من عوامل الإحباط .. والرغبة في إحياء القديم الذي تبدو فيه العودة إلي الأصل .. وذلك رغم التحذيرات والتهديدات التي بدت فى القصة الأولي من قبل الأم .. وفي القصة الثانية من قبل المشرف غليظ الصوت .
يتغير الحال في قصة " المحاضرة " .. حيث يبدو التاريخ المريض .. فموضوعها وإن كان حول التاريخ المعاصر .. إلا انها تتشعب فى النقاش حول السياسة الخارجية والداخلية والحديث عن التفرقة العنصرية فى جنوب أفريقيا والأمان .. فيبدو ما يؤكد أن التاريخ الحقيقى هو المكتوب في السجون وتتغافل عنه أدوات الإعلام المزيفة لأنها الأقرب علي الخارطة بدلا من الحديث حول التغيرات في جنوب أفريقيا ، والوعد بعقد مقارنة تفصيلية بين جنوب أفريقيا وشمالها .. واثناء حوار الطلبة الممزقين الذين " يهب عليهم تيار وهم معصوبة أعينهم فى طريق " يقتحم رئيس القسم المحاضرة ويسأل الأستاذ – المحاضر – عن أى حقبة من التاريخ يتحدثون .. فتتحول ملامحه الغليظة إلى علامة استفهام كبرى عندما يجيبه " نحن على هامش التاريخ نحيك الأطراف ونرتق المزق ونغلق الثقوب " .. فيدعوه الي مكتبه .. بينما خف ضجيج الطلبة .. فتمنى – المحاضر – ألا يطول صمتهم أو يهجروا التاريخ فى فتراته الحرجة ".
وفي قصة " مظاهرة " .. بأحداثها العصيبة والمشحونة بالخوف والقلق والذعر .. حال الصمت الذي سبق اندلاع حرب الخليج .. والظواهر التي تنبىء بالكارثة .. والكل غائص في السفينة الغارقة .. ومنكسو الرؤوس .. والنواح بصوت عال وسط الحشد الذي جمع بين الطلاب والأساتذة .. وتقدم نحو بوابة الجامعة المؤدية إلي الميدان الرئيسى بعد انتشار رائحة الغضب والتآمر .. والتعرض لعصى رجال الأمن وقنابلهم الحارقة والذخيرة الحية . والسقوط تحت أحذية العسكر .. والجثث التي تحت أقدامهم . وما بدا تسجيلا للانكسار والتمزق .. مما أنهى التظاهرة الطلابية بالجثث والدم المراق .. والبحث عن مكان لدفن الغضب والاحتقار .. وبدا الأمل في التشبث باللاوعى .. " فدائرة الوعى شرنقة دامسة لا تحيا بها الكائنات " .
ثمة تصاعد قد يبدو في الرؤى التى صيغت من خلالها القصص السابقة .. تمثل في الانتقال من مرحلة الطفولة التى تعيشها شخصيات قصتى " نافذة وعلبة ألوان " . على مرحلة الشباب التى تعيشها شخصيات قصتى " المحاضرة والمظاهرة ".. لكن ثمة أيضا ما يجمع بين القصص الأربع .. وهو السخط على الواقع ومحاولة التمرد علي الحال البادى في ظل سيطرة قهرية تمثلت في الأم والمشرف ورئيس القسم ورجال الأمن .. بينما يظل الآتي وسط عتمة شديدة تفتقد ملامح الخروج منها .. وبين الخصوصية والعمومية بالنسبة للحدث وارتباط الشخصيات به . يظل الحال نتاج تراكمات مناهضة للتغيير .
علي الجانب الاجتماعي يبدو " فارس الاعسر " بطل قصة " نوبة سرحان " ساخطا على الحال الذى انتهى إليه .. بعد عشرين سنة زواج من امراة تندب الخيبة كل يوم .. وتطلب منه الاستعداد لحفل خطوبة ابنته على رجل الأعمال المعروف "صالح جمبرى" فيهرب منها إلي " غرزة " يتعاطى فيها ما يجعله يغيب عن الوعى حتى ينسى ما يعانيه فى حياته معها .
وتبدو " زينب " بطلة قصة " فردة حذاء " مهرولة بكل قوتها بعد انتهاء فترة عملها لتسرع بالذهاب إلي بيتهاحتى تقوم بتجهيز الطعام لزوجها وأولادها .. لكنها تكتشف بعد خلاصها من عناء زحام الأتوبيس أنها فقدت فردة حذائها .. وتتناسي حرارة الأسفلت وهي مستغرقة في تخيلاتها إذا بدا سيرها حافية موضة .. وتحاصرها كاميرات المصورين وتزين صورها صفحات الأناقة وأغلفة المجلات النسائية .فتغدو مشهورة ولا يتعرف عليها أهل دربها القديم " الجمالية " وقد تتزوج رجل أعمال أو نجم تليفزيونى او سينمائى .. لكنها تفيق من تخيلاتها علي سقوطها في إحدى بالوعات المجاري المفتوحة .. وتتلطخ بالأوحال والقاذورات .. فتنسى كل تخيلاتها وتطلب سرعة إخراجها دونما انتظار العامل المكلف لأن ما يشغلها هو الغذاء والزوج والأولاد .. فيبدو للجميع الذين أخذوا ينصرفون عنها الواحد اثر الآخر أن بها لطفا .
وبطل قصة " قيلولة " الذى تكلفه زوجته بشراء الخبز وتذكره بهموم حياتهما الأسرية.. فينعطف إلي مقهى الحياة املا فى ركن هادىء تصفو فيه خواطره .. فيستسلم لتخيلاته التي ترسم له امراة تنجذب إليه وتراوغه رغم ما بدا علي جسده من تغيرات رضيت بها امراته الصابرة .. وتغريه بالبقاء معها وتؤكد أنه بالنسبة لها كل شىء .. لكن واقعه يتجسد أمامه ويجعله في حيرة من أمره . "وعبد السلام" بطل قصة " دنيا جديدة " الذى يضطر للاستدانة من أجل إنقاذ محصول قطنه ولا يجد من يقرضه .. فيعود إلي زوجته التي تحاول أن تخفف عنه وتدفعه إلي حضور حفل زفاف .. فيفاجأ بمن اعتذروا عن إقراضه ما يحتاجه من مال .. ينهالون بالنقوط علي الراقصة .. فيقرر بيع أرضه ليعمل طبالا او زمارا .. ويحاول أن يتلمس دنيا جديدة .
والعروس بطلة قصة " ليلة مباركة " تتزوج من رجل مزواج له العديد من الأبناء .. قضى على أملها فى الارتباط بابن الجيران المتعلم الوسيم . وكان الكل يعتبرونها مخطوبة له . فتنعم الأسرة بكرم الزوج .. ويتغير الأب الهاديء الوقور ليتعمد التعالى علي زملائه الموظفين متواضعى الحال .. وفي لحظة استسلامها له ليلة عرسها يفاجأ الزوج باستدعائه من قبل زوجتين له بسبب سقوط ابن الأولى من الشرفة .. وإصابة الثانية بنزيف شديد .. فيظن أنهما متآمرتان عليه ويتوعدهما بالعقاب إذا ثبت كيدهما له .أويطلب من العروس الشابة أن تنتظره إلي أن يعود اليها بعد أن يحسم الأمر .
والعجوز المشلولة بطلة قصة " ترقب " التى تعيش وحيدة في شقتها .. ويقلقها حارس البناية الذى يهمل عمله .. وتشعر بوقع خطوات تدرك منها أنها المقصودة من قبل صاحبها وتحاول أن تتخيله وتتساءل عما يريده منها وما سيقعله بها . فتقرر مواجهته . وتستطيع التغلب عليه .
مجموعة من نماذج لشخصيات تتواجه في حياتها بما يجعلها تستسلم لضرورة تحتم عليها قبول التغيير فى مسار حياتها .. أو الرضوخ لواقع لا أمل فى الخلاص منه يبدو ذلك رغم اختلاف عوالمها لتؤكد أن ثمة قهرا كامنا في دواخلها .. مصدره معلوم وملموس .. ولكن يستحيل الإفلات منه .
أما في قصتى " سرطان وجراحة " و " الحاجز الهش " فثمة قهر من نوع آخر .. هو قهر الجسد.. من خلال استسلامه لداء المرض الذى يضعه علي طاولة الجراحة .. ويخضعه لطبيب التخدير قبل أن يقوم الجراح باستئصال الخلايا الدخيلة .. ومصدر اوجاعه المزمنة .. وتنتهي آلية عمل الاطباء في الأولي بانصرافهم بعد ثبات الجسد الثبات الأبدى.. وتتماثل النهاية في الثانية .. وكأنما ثمة تأكيد على أن العجز عن استجلاء أصل الداء يجعل الجسد مآله إلى الثبات المؤدى الى العدم . لكن الثبات في قصة " رأس احدهم " يستحيل الى شجرة تنثر ثمارها التى يأكلها الصغار فيغير بعضهم من اتجاهه .. رغم أن الطبيب الذى عكف على فحص الرأس باهتمام أكد انه سليم و"المخ" في افضل حال .. مما جعل الصحفى الذى يشكو من نمو الألم وتمدده في مقدمة رأسه يقع صريع أفكاره بعد أن أشار له الطبيب أنه قد يفيده التغيير في طباعه أو طبيعة عمله .. ووقع في حيرة بين أن يقوم بعمله الصحفى بآليته المطلوبة وحسب رغبات رئيس التحرير .. أو يترك القلم كلية لنفسه . وبعد أن استدعاء رئيس التحرير الذي يحمل عدة وجوه ليخبره بأنه مرفود .. فيصحح له القول بأنه يقصد مرفوض .. فيؤكد ساخرا "مرفوضومرفود".. فيترك مكان عمله ويذهب لمكان آخر يخاله بكرا ينشر فيه افكاره بين الناس .. ويبدو تفاقم خطرها فيتفق الكبار علي تجميدها .. بينما الصغار . لا يرفضونها .
وفي قصة " تائه " تستحيل لحظات الرغبة والشبق إلي احساس بأن ثمة تآخيا بين بائعة الهوي وبين من أوقعته الظروف في طريقها .. أغرته بخوض تجربة معها تزيده خبرة .. وتبدو له جادة فيما دعته إليه .. يأخذ الامر مأخذ الفكاهة وإضاعة الوقت . ويتذكر بداية مراهقته ورصد أبيه لنزواته الأولي ووأدها في مهدها .. وتتماثل له صورة أمه الميتة بما يبدو احتمال أن تكون شبيهة لها .. فيشفق عليها .. وعندما تلحظ شروده عنها تستثيره ليتجاوب معها .. لكنه يشعر بتأنيب الضمير كلما احتوته فينفلت عنها ويفيق لنفسه علي استهتاره وارتباكه .. ويتماثل له رأسه بين رؤوس كثيرة لرجال يتفحصون بعضهم بتلقائية.. تجعله يشعر بأنه اختلط بهم من قبل .
وبما أن للغربة مشاكلها وهمومها وتدركها الكاتبة كما يبدو .. فقد قدمت من خلال مجموعتها اكثر من قصة طرحت من خلالها ما قد يصادفه المغترب او يعيشه وهو خارج وطنه .
ففي قصة " لك الله يا بلاد الأحباب " يبدو تجرع الخزى والإحساس بالمهانة إبان حرب الخليج . حيث لم يكن ثمة حديث إلا عن معدات القتال الفتاكة الحديثة والمبرمجة .. والعديد من المظاهرات التي تطالب بإيقافها .. لكن لافتات السلام والشعارات تبدو عديمة الفائدة .. ولا يبقى للمغترب غير الذعر والإحساس بالمرارة .
وفي قصة " خارج الزمان والمكان " يبدو " سعيد " الحائر بين الماضى والحاضر الذي ينتمى إلى جنس منقرض هوايته حفظ الكتب المقدسة وذرف الدموع .. وهو يواجه مشكلة مع الكمبيوتر .. فيطلب العون من زميله العربى الذي توسم فيه الخبرة فيتهكم منه ويرجع فشله إلي ضياعه في متاهات الرومانسية .. فشلك في الحب مرتبط بفشلك في مواجهة الواقع ومجاراة الآخرين .. فيحاول أن يثبت له من منهما الفاشل في الحب .. ويلتقي ب " زهرة " التى يكتشف معها أنه طبيعيا وعكس ما يظنه الآخرون .. فلا يعبأ بتهكمات زميله العربى .. ويمضى إلى محطة المترو ليبتاع جريدته المفضلة .. ولا يتأثر بنفاذها ويستبدلها بأخرى يجدها تدافع عن كرامة الإنسان وصيانة المقدسات وتمتلىء بالشعارات الملتهبة . فيحاول الخلاص منها ويفاجأ بجريدة مبتذلة علي إحدى صفحاتها الممزقة صورة " زهرة " كما رآها من قبل لكنها بلا تنورة . فيتلمس الهروب من وقع الحال الذى وجد نفسه فيه .
وفي قصة " من خلال الثقب " المغترب الذي عقد العزم على التعلم واكتساب الخبرة .. فيتعرض لغواية شقراء . " هالتها عضلاته المفتولة وشاربه الأسود الغزير " تنسيه خيالات نساء قبيلته عريقة الأصل .. لكنه يفشل في إرواء ظمأ الشقراء فتصفعه بقوة وتتركه يجتر لحظات الخجل والكبرياء الجريح .. وينشغل بخاطر إثبات فحولته .. لكن لا تواتيه الفرصة إلا بعد عودته لبلده حاملا شهادته . ولم يثنه عن ذلك معرفته بأن الاقتراب من النساء مخاطرة .. فيتسلل ليختلس النظر إليهن وقت القيلولة حيث يخلعن لفائفهن وسراويلهن .. لكنه يفاجأ بأن الثقب الذى أحدثه في الخيمة ليختلس النظر إليهن منه ليس غير واحد من آلاف الثقوب .
وفي قصة " مصور خاص " الصحفى الذي يضطر لمرافقة أحد الشيوخ من أبناء بلده.. التقاه صدفة فى عيادة طبيب شهير .. وتطول فترة غيابة عن عمله ويخشي عقاب رئيسه .. لكنه يفاجأ بأن ذلك الشيخ طلبه للعمل معه بمرتب مضاعف .. فيقبل عرضه ويقوم بأي عمل يطلب منه .
وفي قصة " احتضار " العائد من الغربة بعد غيبة طويلة فيشعر وكأنه لم يفارق كل ما كان مألوفا له ويتحدث لعجوز عن أخباره القديمة وما جد منها .. وعناده لتحقيق حلمه المشبوب .. وسعيه إلي مصير غابت دلالته.. لكن حلمه انتهي وهما .. وصار يخشي أن يستحيل التسليم بالعجز طوق حلم جديد معابث ومستفز ومراوغ .
أيضا فى قصة " انتظار" تبدو البقعة المفضلة قرب مرسى القوارب مقصد الغائب بعد عودته من الغربة . لتلمس ذكرى نسمات حبه الاولى .. فيلتقي بعجوز يحصى القوارب والرجال .. ويحدثه عن حلمه الذى غاب وانطمست صورته بعد زفاف حبيبته إلي غيره .. مما اضطره إلي الهجرة .. حيث عانى الكثير في الغربة كلما طافت بخاطره .. وقد أضناه البحث بعد العودة عن شيء من بقايا أيامه معها . ويتراءي له هو والعجوز أحد القوارب الذي يصارع الأمواج والرياح وتتحد رغبتهما في أن ينجو – القارب- من غدر البحر .. ثم يترقبان لحظات النجاة وانقشاع الخطر .
وتعرض قصة " نعى " لمحاولات بحث عن رفيقة أيام الدراسة .. التي تحملت الكثير من أجل ثوريتها علي الواقع الذى ترفضه .. وكانت تبدى حماسا في مظاهرات الطلبة . ثم غابت بفعل الغربة التي حتمت الافتراق .. وتتماثل فى بلاد الغربة .. لكن الظن يبدى أن الرغبة المشبوبة لرؤيتها هي التي جسدتها .. لكنه البحث لا يسفر عن شىء . ويبدو أن الانتظار كان هباء والحلم تيها .. لكن استمرار الاحلام التي يتعذر تحقيقها لا يبقي منها إلا مرثية .
أما فى قصة " الحلم الأول .. الحلم الآخر " فيبدو بطلها وقد تعود الانطلاق الذي يتيحه له التواجد في مجتمع لا يحد من حرية العلاقات .. الى أن يشعر بأن سنواته الأخيرة في الغربة استهلكته وذبل مع النزوات المبتورة . فبعد أن قهرته المرأة الأولي في حياته وخذلته وهجرته إلى ذاتها النامية وأدمنت تعذيبه . ورغم أنه اتخذها مستودعا لانكساراته انشقت عليه .. فذهب إلي منفاه الاختيارى ووجد سلواه في غربته في تحقيق حلمه باللقاء بامرأة .. ودفعه الخلاص من ساحة الكآبة الي السعي لتحقيق نزوة ترتفع به إلي سماء الوهم .. فاجتذبته امرأة ووجد فيها حلمه الآخر .. جعل منها سيدة قلبه الوحيدة .. وعندما دعته إلي بيتها مني نفسه بارتواء عطشه إلي جسدها .. وتعلق بأهداب النشوة المؤكدة وهى تستقبله بما جعله يظن أن هزيمته مع الأولى ستدفعه ليعب من بحرها السكرى اللزج.. لكنها تستمهله لتعد له شرابا .. ثم تعود إليه تخطر فى دلال .. لكنه يعيش لحظات من ازدواجية الزمن .. حيث يتماثل له وجه الأولى وهي تضحك منه .. ويبدو له وجه الثانية في شموخ .. فيستحيل إلي مراهق أبدي يتجمد في محنته بقوة .
ويجمع الحب بين مضامين ثلاث قصص هي " طيف من الماضى وكلمتين وعصف اليقين ".. ليكون هو القاسم الأعظم بينها رغم الاختلاف الشكلى الذى قد يبدو في مواقفها .
في قصة " طيف من الماضى " لقاء الحبيبن بعد سنوات من الافتراق .. وتبادل أخبارهما فتعرف منه أن زوجته مصابة بمرض خبيث ولا أمل في شفائها . ويعيدها إلى بداية حكايتهما معا ويؤكد لها أنه لا يزال يحبها ..وتنتبه إلى كونها أما . ويتساءل ماذا لو لم يحدث ما حال بينهما وبين تحقيق أمله . لكنه سرعان ما يبدو له أن عودتها إليه مستحيلة .
وفي قصة " كلمتين " ثمة سعى أيضا لإعادة مسيرة الأيام الأولى .. بعد اعتراف بالذنب بسبب الانشغال عنها لكن محاولات الاستعادة تتحطم على صخرة الرفض لكونها لن تكون غير وسيلة نحو خطوته التالية .
وفي قصة " عصف اليقين " الحبيبة التي أنست إلى الانزواء .. وتجتر في وحدتها معاناة هزيمتها .. وتعيش انكسارها مع طيف الحبيب الذي يتماثل لها في امكنة الذكرى التي تنشد فيها سلوتها .. وتظل في حيرة يبديها احتمال تكرار المرة السابقة .
قد يبدو ثمة تنوع في قصص المجموعة .. إذا ما تم تناول كل قصة علي حدها وبشكل يجعل التعامل معها باعتبارها جزئية منفصلة عن غيرها .. لكن واقع الحال يؤكد الترابط الذى يجمع بين غالبيتها الى حد يمكن القول معه بأن منها ما يكمل بعضها . وذلك يتحقق في وجود الاعتماد الواضح في التركيز علي الجوانب النفسية للشخصيات .. وطرحه من خلال انفعالات ذاتية تعكس الواقع الذي يثير في داخلها الهموم التى تؤرق حياتها .. ويجعلها دائما فى انفصال عنه .. وهو ما يبدو في المزج بين الواقع والرمز الذى تكرر في عدد كثير من قصص المجموعة .. بالاضافة الى رؤي الفانتازيا التي تكررت في بعض النصوص وبدت في إطار الخروج على النمط التقليدي .. لكونها حادت – فى الأساس – بالمضمون المبنى على واقع معيش .. لتضعه في النهاية في دائرة التخيل . وقد لا يعنى ذلك غير تعميق الإيحاء الحسى لما تتمناه الشخصية .. وهو ما يعكس التوتر النفسى الذي يكتنفها .
وجل القصص ترصد ما تعيشه الشخصية حال موقف معين يتحتم عليها أن تواجهه .. وهو في العادة بمشاركة شخصية أخرى أو شخصيات في واقع مأساوى يتكرر على مدارات حياتية .. تتداعى فيها الهموم بصور مختلفة .. فهم الطفل الذى يؤرقه ما يدور خلف النافذة ,, او الذى يتمنى العودة إلي أصالة الماضي .. غير هم الزوج أو الزوجة بسبب المعاناة الأسرية .. وهموم الغربة ومعاناتها غير ما يكابده المحبون حال فرض الافتراق كواقع حتمي .
كل ذلك يبدو من نتاج المحصلة التي تتكون – لدي القاريء – بعد قراءة قصص المجموعة والتى تحمل الكثير من الإشارات غير المباشرة في سياق السرد .. أو في نهايات بعض النصوص مفتوحة النهايات .. حيث يتم القطع في لحظة مواجهة آت مجهول المسار.
ففى قصة المحاضرة يبدو أن " التاريخ الحقيقى حى جدا .. يكتبه زملاؤنا في السجون وتتغافل عنه أدوات الإعلام المزيفة فهي لا تملك شيئا " .و"ستميد بنا الأرض ونحن في غفوتنا لا نري النزر " والتغيرات فى جنوب أفريقيا وشمالها .. و" نحن علي هامش التاريخ نحيك الأطراف ونرتق المزق ونغلف الثقوب ".. والتمنى بألا يطول صمت الطلبة.. أو يهجروا التاريخ فى فتراته الحرجة .
وفي قصة " لك الله يا بلاد الأحباب " ستفشل كل المباحثات والمبادرات.. فالعرب لا يتباحثون " برزت الحقيقة كالجرح المزمن الذي علته القشور والتكلسات فلم نعد نراه ..أو نشعر به من طول تعايشنا معه "
وفي قصة " مظاهرة " الأحداث عصيبة مشحونة بالخوف والقلق.. بل الذعر واللامعقولية.. ومع هذا فالناس فى الشوراع والمقاهى يتسابقون على الصمت.. ولا غرابة في أن تندلع الحرب بين الإخوان . بينما تحمل بعض النهايات دلالات تحمل محصلة النص.. كبنية فاعلة لما انتهت اليه الشخصية .. وخاصة إذا ما وصلت عبر معايشتها للحدث الذي احتل مساحة في مسار حياتها .. وكان سببا مباشرا لما منيت به من خيبات وانكسارات .. وضع آتيها وسط دوامة من الاحتمالات .
ففي قصة " انتظار " كان انتظار لحظات النجاة وانقشاع الخطر .. وفى قصة " مظاهرة " كان التشبث باللاوعى .. وفى قصة " احتضار " كانت الخشية أن تكون النجاة من هوة التسليم بالعجز طوق حلم جديد معابث مستفز ومراوغ .. فمثل تلك النهايات وإن كانت تبدو تحديدا لما آلت إليه المصائر إلا أنها استخلاص للحال وترقب للآتى.. على ضوء ارتحالات الواقع.. التي انتهت بالشخصية على الحد الفصل بين الانكسار والرغبة فى الانعتاق منه أو محاولة الهروب من الواقع المأساوي.. بالتشبث باللاوعي كما فى قصة " مظاهرة " أو الابتعاد عنه كما فى قصة " خارج الزمان والمكان ".
وعلي هذا الأساس يمكن تحديد مجموعة عن التصورات التى تضع النصوص في نهاية المطاف محملة بالرموز والدلالات الناقدة فى الأساس لما يبدو في الواقع المرفوض وإشكالاته .. وذلك بالرغم من مظاهر المباشرة الاعتيادية .. التى بدت من خلال المنظومة الاجتماعية لحياة الكثير من الشخصيات.. مما يشير إلي أن الكاتبة تعي ما تطرحه فى نصوصها القصصية .. وتهتم بتقديم رؤاها فيما يدور حولها سواء كان ذلك على المستوى الخاص او المستوى العام لعالمها الذى تعيش فيه .

&&&&&&&&&

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007