[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الرمزوالتجديد برسم الواقع قصص حورية البدرى
التاريخ:  القراءات:(1103) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  

الرمز والتجديد برسم الواقع فى

أخرجنى من عينيك

قصص حورية البدرى

السيد الهبيان

كثيرة تلك الأصوات التى تزدحم بها ساحة القصة القصيرة .. وكثيرة تلك الإصدارات التى تتالى دونما انقطاع .. تحمل العديد من المحاولات والتجارب .. وكثيرة أيضا .. تلك التصنيفات التى تنتقى من بين التيارات المتعددة والاتجاهات المختلفة .. لترسم دائرة حول العمل الإبداعى تكون بمثابة سمة له .. ووسط كل هذا .. تنفرد الإصدارات الأولى بوصف التجارب البكر .. لأنها تخرج

من خلال عباءة المحاولات الأولى .. لكنها لا تتساوى حال التقييم الذي تخضع له .. فمنها من تمضى كشىء عابر لا يستوقف الأنظار .. ومنها من ترسخ وتشد الانتباه إليها .

لكن " مجموعة " أخرجنى من عينيك " وإن كانت تعتبر الإصدار الأول للكاتبة – السكندرية – " حورية البدري ".. إلا أنها لا يمكن بحال اعتبارها بدايات تجريبية .. تتشكل منها الخطوة الأولى علي طريق إبداعها القصصى .. لأن ما قدمته ينف جميع شواهد المحاولات البكر .. ويضعها في مصاف المبدعين المتمرسين في الكتابة .. وهذا ما يشير إلي أنهــــــــا – بالفعل – تمارس كتابةالقصة القصيرة منذ فترة ليست بالقصيرة .. وكانت تكتفي بنشر قصصها في الصحف والمجلات .. ثم جمعتها – أخيرا – في مجموعتها الأولي"أخرجتى من عينيك" التى ضمت ست وثلاثين قصة .

ومن ثم لا يمكن اعتمادها كمحاولات أولى بصورة قاطعة .. وإنما يتحتم حال وضعها قيد التناول أن تعامل وبصفة أساسية من خلال منظور المستوى الذى تخطى البدايات .. وذلك بسبب الإيقاع القصصى الذى يؤكد حقيقة نسج العملية الإبداعية .. بالرغم من أنها تتسم بعدم الالتزام بشكل معين .. او بأطر محددة تتقيد بها .

فثمة ملمح أساس يتراءى بوضوح حال الرؤية الشمولية لقصص المجموعة .. يتحدد فيما تحمله – القصص – من إثارة للفكر خلف المعانى الظاهرة للجمل التعبيرية .. التي نسجت بشاعرية موحية مغلفة بالرومانسية .. ورغم ذلك تبدو القراءة الأولي أو العابرة غير كافية .. وتحتم التأنى فى القراءة بما يتطلبه ذلك من جهد ذهنى مرهق للعقل والنفس .

قد يوحى ذلك إلى وجود لا معقولية – فى القصص – انبنت علي تهويمات متشعبة .. أو وجود ثمة متاهات تشتت الذهن وتبعده عن فهم ماهيتها .. لكن تلك المعقولية التى قد تنعدم حال الوقوف على حقيقة الإحساس المنقول عبر المضمون .؟. إذ تستحيل – حينئذ – كل الأشياء الغامضة أو المبهمة إلى قشرة رقيقة جدا .. يمكن الولوج من خلالها إلي ماهية العمل .. ومن ثم تنعدم استحالة الفهم التى قد تكون أول الأمر .. وتتحقق المعايشة الفعلية لكل ما يبدو من أحداث خلال النصوص القصصية .

فقد بدت القصص كتنويعات مختلفة .. ترتبط ارتباطا وثيقا بالحس التجريبى الذى تتعانق فيه الأشياء من خلال علاقة متناغمة .. تبدي جوهر الواقع بحقيقته الملموسة والمعاشة .. وتتساوي هذه التنويعات في كونها تعكس الواقع الحياتي من خلال رؤية فكرية تأملية لكل ما يحدث فيه .. وما يؤثر في تكويناته .. وتتأثر به دواخل شخصايته بالرغم من السطح الهاديء الذي قد يبدو .. ويشير إلى أن ليس ثمة رفض أو تمرد على الحال الذي يكشف صعوبة الوضع البشرى في ظله .. وحتى إذا كانت ثمة محاولة لتغيير ذلك الحال لا يتأكد نجاحها .. وتتوسط الضبابية التى تغرق فيها منذ البدء .. وتجعل نتائجها غير معلومة .

بيد أن تلك النتائج الغير معلومة واذا كانت تبدو وقفا على قصة بذاتها .. إلا أنها قد تبدو بصورة غير مباشرة في قصة أخرى تشترك معها فـي ما يطرحه المضمون .. بالرغم من أنها تبدو دونما ارتباط بها .. لانبنائها علي حدث مغاير .. وتقديمها من خلال موقف مختلف .. ومن ثم تبدو القصة – أحيانا – وكأنها تتمة لقصة أخري .. وذلك لأن ثمة تطور للحدث الذى يبدو من خلال استمرارية البعد الرمزى الذى يجمع اكثر من قصة علي معني واحد .

فمن خلال الشخصية الرئيسية فى القصة .. والتى تكون المرأة في الغالب .. تبدو ثمة عوالم قد تكون شديدة الخصوصية .. لكنها تحمل في مضامينها إشارات عامة هى فى الأساس معاناة هموم ومشكلات الواقع الحياتى بصفة عامة .. وليس بالنسبة للجزئية البسيطة التي تبدو من خلالها .

لأن علاقة الرجل بالمرأة – كما تبدو فى القصص – وإن كانت هى الأساس الذي يربط بينهما .. واعتمدت عليها الكاتبة في استخدامها لها كإطار معتاد لنوعية القصص التي تتماثل معها في ظاهر المضمون .. إلا أن ثمة أبعاد تبدو بجلاء .. تتخطى اللحظة الموقف .. وتعكس القضية الأساسية الملحة علي الذهن دوما .. والمثيرة للقلق بصفة مستمرة .. وذلك بالرغم مما يبدو علي السطح بحكم الارتباط الذى يكون بينهما .. اذ تنعدم بينهما أسس الاستقرار الفعلى الذى يجب أن يتوافر بحكم العلاقة التي تكون .

فالرغبة في الحصول علي الحرية تتملك المرأة بصورة ملحة فى قصة " أخرجنى من عينيك " – التى اختارتها الكاتبة عنوانا لمجموعتها وجعلتها تتصدر قصصها – التى يبدو فيها الرفض التام لكل القيود المفروضة عليها من قبل الرجل الذى يحبها .. ولا يريد أن يتخلى عنها .. وقررت بإصرار أن تستمر فى الحياة معه .. آملة ان تعيش بدونه حياة الانطلاق والحرية التى حرمها منها .. ما دام يريدها أن تبقى بلا صوت تعبر به عن نفسها .. ومنعها عن كل ما تعود عليه .. ورفض أن يمنحها فرصة أن تعيش حياة الانطلاق ولو لمرة واحدة ثم تعود إليه .

لقد جعلها من " يوم لقاءه الأول تصمت . تأتى الكلمات . تدور داخل رأس محظور فيه وصول الكلمات إلي الفم . تمضى قدما لكنها تتراجع " .. ثم اكتشفت أن " بداخل عينيه ظلام يحوى الأشياء . يغلفها . يجعلها دوما تحيا الأيام مساء " .. وعندما داهمتها الذكرى الحلوة انتفضت قالت :" أخرجنى يوما من عينيك .أجابها :" عيناى لك المأوى . ابق فى سكنك داخل عينى . أحميك من كل الدنيا ".. لكنها تأكدت أنه لن يمنحها شيئا .. مما جعل " العقل الكامن لم يهدأ .والروح الواهنة تفور داخل جسد سكن كثيرا داخل مقبرة العينين ".. واستحال الصخب الحلو إلى ذكرى قديمة تهفو إلى أن تحيا مرة أخرى ثم تموت .. وعندئذ " امتدت خارج عينيه . خافت أن يرجعها . لم يفعل . في الخارج نور مبهر يحرقها . وصهرها . عادت تتحرك قدميها ويديها . اختفت الرعشة من الجسد الخائر " .. وانطلقت إلى كل الأشياء التى اشتاقت اليها .. ثم " فلتنتظر العينين الجسد الخائر بعد الزمن الموقوت " مادامت – العينان – قد استحالتا الى مقبرتين .. وإن كان فيهما المسكن والدفء ففيهما تحولت إلي كائن ساكن .. وسط القيود المفروضة ومصادرة الحق في الكلام .

وقصة " مذكرات شىء في الداخل " تبدو البطلة وهى تحاول الخروج من قوقعتها السجينة داخلها .. تستطيع التغلب علي ترددها .. ويبهرها ضوء الشمس في الخارج .. وتشعر بأن " الحياة تبعث من جديد ".. فتعتزم البقاء خارج القوقعة لتظل تحيا بين نبضات الكون دونما نظر إلى الماضى أو اهتمام به .. بيد أنها تواجه بحيوان يهددها وكاد أن يفتك بها لولا أنها استطاعت أن تعود إلى القوقعة فى اللحظة المناسبة .. ومن ثم تؤجل خروجها ثانية إلي حين تأكدها تماما من ابتعاد ذلك الحيوان عن باب القوقعة .. ولتحقق رغبتها فى أن تعيش " حرة طليقة متحررة من سجنها ".

وفى قصة "داخل حبات اللؤلؤ " تبدو البطلة سجينة الأفكار المشتتة المتناثرة فى كل الأجواء .. وتعيش وسط عالم من الأسرار فيه كل طباع البشر بمختلف أنواعها .. لكن ثمة حلما يتراءى لها ممتزجا بالأحداث المجنونة حولها .. وتحاول أن تمحو – من ذلك الحلم – زيف اللامعقول واللامقبول " لكن الصوت الصارخ يذبح دفء الحلم .. وبجذبها التصفيق الحاد من وطنها الذي تحلم به .. ثم يعيدها إلى " جموع البشر المحنى الهامات " لتعيش ذل السادة الذين أعادوا زمن العبيد .. ويمتلكون ألاعيب الحواة .. كما يمتلكون القدرة على ابتكار صنوف التعذيب والترغيب .. لكنها تتمسك بحلمها بوطن لا يحكمه ألوف السادة المحنى الهامات .. برغم الموجود في الخارج ينتظر .

فهذه القصص الثلاث وإن كانت تبدو باختلاف من حيث الشكل .. إلا أنها تتفق في المضمون الذي يطرح رغبة البطلات – الثلاث – في الحرية .. والخلاص من قيدها .. فالسجن داخل العينين المقبرتين .. أو القوقعة .. أو حبات اللؤلؤ .. هو فى الواقع الجدار الحائل بين البقاء وسط القيود المفروضة .. والانطلاق فى رحاب الحرية .. وان كانت – الحرية – قد تتحقق فى " أخرجنى من عينيك " لأن بطلتها – رجاء – أصرت عليها بقوة إرادة .. فقد كان إخفاق بطلة " مذكرات شىء في الداخل " يرجع إلي إحساسها بضآلتها " أنا شيء صغير تافه قطعة لحم صغيرة داخل قوقعة يستطيع أى مخلوق أن يطأني بقدمه أثناء سيره عامدا أو دون قصد " بينما بطلة " داخل حبات اللؤلؤ " مرهونة بما هو مفروض عليها وعلى الآخرين .. ولم تتعد رغبتها مرحلة الحلم . ومن ثم فبرغم الاختلاف فى الشكل تبقى الحرية هي المطلب الأساس الذي لا حياد عنه .

ذلك الارتباط المتمثل في مطلب الحرية الذي جمع بين القصص الثلاث السابقة .. يبدو أيضا من خلال رؤى اخرى في عدد آخر من القصص .. بتطور في الأحداث يجعلها مرتبطة ببعضها وكأن كل منها تتمة لغيرها .

في قصة " هل نعود " يبدو الخوف من عودة زمن الجلاد الذي مات .. ففي عهده كانت الكلمات تموت يقتلها صوت السوط يتأرجح دورات مجنونة . يشرخ صوته صمت الأزمان الحاضرة .. يشرخ صوته حلم الأيام المقبلة . وتضيع الكلمة وصداها وتموت الكلمات ". وكأن صوته يقتل الكلمات كما قتل الكثيرين . بينما الباقون ادعوا الموت أو ناموا هربا من صفعات السوط المجنونة .. فبرغم نزع الصوت من بين أصابع كف الجلاد الميت " يظل الخوف يتساقط قطرات من قلوب الناس لأن الورثة احتفظوا بذلك السوط كتذكارا قدسيا .

وفي قصة " رأس داخل مكعب " يبدو امتداد زمن القهر الذى فرضه الجلاد الذى مات .. وذلك علي يد ورثته . فبرغم تقادم السلسلة الحديدية التي كان يكفيهم جذبها ليحققوا ما يريدون " لم ينس الجلادون المهنة . صادفهم الحنين إلي ما كان . انسحق السوط لكن الجلاد يعيش " .. فقد بدا أن الورثة " فى داخل كل منهم جلاد يتحكم ويسود ".. يعيش وسط الدهشة والاستنكار والرفض لكل شىء يبدو فى العينين .. وداخل الرأس الصغير الذى يتحرك فى جميع الجهات .

وفي قصة " أحذية فوق الخط الصمغى ".. ليس ثمة سماح للخروج عن الدائرة .. فالخط المرسوم يظل هو الأساس .. ومن يخرج عنه يغدو لا وجود له وسط الدائرة .. ويتقرر طرده بعيدا عنها .. فدورية الكلام لها ترتيب وحدود .. برغم عدم الاهتمام .. وبرغم عدم الاقتناع بما يقال .. لأن أصحاب الكلمات في الحقيقة يبدون كتماثيل من أنواع مختلفة من المواد .

وفي قصة " المصباح " تبدو استمرارية الحياة بخطها المرسوم ووسط ما تصنعه الأيدى .. لكن ثمة بحث عن أشياء غريبة لا اصطلاحات لها فى اللغة .. ووسط الحياة الراكدة مثل بركة ماء ضحلة هم " يغلقون النوافذ دائما .. فضوء الشمس يطغى علي ضوء المصباح ويبدده .. وهم يريدون ضوء المصباح. يفضلونه علي ضوء الشمس لأنه يؤذى أعينهم ".. وإذا فاجأهم صرخوا .. ومن ثم تبقى حياتهم المفضلة وسط الظلام الذى يضيئونه بمصابيحهم .

وفى قصة " الفئران " يبدو ثمة انتظار لعودة الأشياء التى ضاعت ..والتى أكلتها الفئران .. ثم تركت المكان خاليا .. فإذا لم تخرج الأشياء من بطنها ستكبر وتأكل الاشياء الأخرى وتصبح هى الكائن السائد على الأرض تأكل كل ما يعترضها .. وبين عدم التصديق والإيهام بما هو مزعوم يبقى المكان كما هو تملأه الفئران " تجرى تحت الاشياء وفى الأماكن المكشوفة .. ثم صارت لا تختفى تحت أو خلف شىء ..لأن كل الأشياء ضاعت ولم يبق سوي انتظار أن تعود .. ليس كما عاد يونس من بطن الحوت .. ولكنها قد تعود من جديد كخلق الكون من البداية .. أو كأى شىء يأتى من البعيد .

فما يبدو في قصة " هل نعود " .. تبدو ثمة تتمة له او تطورا فى قصة " رأس داخل مكعب " من حيث استمرار فرض القهر وإن اختلفت وسائله . بينما قصص " أحذية فوق الخط الصمغى " و " المصباح " و"الفئران" تعرض لمناخ تلك الحياة القهرية وما تمتلىء به من أحداث افقدها التكرار غرابتها .

ولاشك أن عوالم هذه القصص وإن كانت تبدو باختلاف عن بعضها .. إلا أنها تتحد فى الرؤية وفي تصوير واقع تظلله وسائل التسلط والترهيب .. بغية فرض سلطة تلتزم بنهج معين وهي تتحكم فى سائر الآخرين .. ولا تسمح بالخروج عن ذلك النهج حتى ولو كان من داخلها نفسها .. وإلا لكان الحرمان من الموقع السلطوى .. والنبذ بعيدا عن عمن يلتزمون بالخط المرسوم والذى هو الأساس .. لكن بالرغم من كل عوامل اليأس يبدو ثمة أمل في الخلاص يتراءى قادما مع البعيد الآتى .. وحين يتحقق ذلك الخلاص سوف يكون بالإمكان إعادة صياغة الأشياء من جديد .. ويبنى عالم خال من التسلط والترهيب وفرض القهر عنوة علي من تخضعهم السلطة لها بالقوة .

وامتدادا لذلك الانتظار .. تتحدد ملامح الآتى المنقذ في قصة " في انتظار الفارس القديم " الذي مات وانقضى عهده لكن لازال صدى صوته .. وبرغم انه لا أمل فى عودته .. إلا أن ثمة من سوف يجىء بعده .. ويكمل مسيرته التي ستضيف إلي التاريخ صفحات جديدة .. وتعيد الحركة إلى الأشياء .

واستحال رفض الاعتراف بنبأ الرحيل عن الحياة والصمت تجاه ذلك الحدث – فى قصة " رسالة إلي الحبيب الغائب "- إلى حزن عميق واسترجاع لذكراه يصل إلى حد اليأس من البقاء بدونه .. والرغبة فى اللحاق به للخلاص من الضياع وضلال الطريق .

وتحمل قصة " يوم العيد " امتداد الحزن واستمرار ارتداء السواد على الحبيب الذى رحل .. فأخذ معه البهجة والفرح وترك الأسف على ذبول الحياة بعده " مذ ذهبت لم اشعر بالعيد .. أنتظر دخول جنة أحلامى تحت هذا المكعب الرخامى .. تنتظرنى . العيد كان يجىء معها .. وذهبت .. ولم تعد تجيء من بعدها أعياد " .. ولأن دورة الحياة تستمر ولا تتوقف .. أيضا تكون ثمة دورة للأحزان والأفراح .. ويتراءى الأمل القادم بألوانه الزاهية التى يتلاشى أمامها اللون الأسود القاتم .. ويستحيل الحزن إلي ابتسام وضحك ومرح يصاحب خطوات المسيرة السرية .. وهى تبتعد عن مراقد الأحزان .

ويضع عالم قصة " لم لا أحيا " المترائى بأزهاره .. والطفلة الرائعة المبتسمة وثوبها الأبيض .. حدا لاستمرار البكاء الذى تمخض عن شعور طاغ من الحيرة والضيق .. ويمسح صوت " فيروز " الدمعات وهو يحمل الأمل في الحياة .

كما أن ثمة صور أخرى للانتظار .. وإن كانت تبدو – أيضا – باختلاف عن بعضها .. إلا أن ما يجمع بينها هو الموقف الواحد .. الذى يبدو من خلال رؤية واحدة .

" في انتظار الحلم " التي تبدو فيها البطلة وهى تنتظر خاطبا – لها – معينا – وترفض الكثيرين الذين يتقدمون لها .. لأنها تفتقد فيهم من تستطيع أن تعيش معه حلمها الجميل .. وتمضى فى انتظاره .

و" الحلم بقصر ورغيف " .. انتظار عودة المسافر ليحقق حلمه ببناء بيت والعيش وسط حياة رغدة .. لا زحام فيها ولا تقاتل على رغيف خبز .. وبرغم أنها منحته فرصة تحقيق حلمه آملة أن يسعي لينتشلها من معاناتهما معا .. كتب لها من غربته وفاجأها بانتهاء حياتهما معا .. " طلقها .. قطع الخط الواصل بين مدينتها والبلد الراقد فى البعد هناك " .. وأعادها لتأخذ مكانها وسط الزحام من جديد .

من ثم – كما يبدو- يتواصل الانتظار عبر الأشكال القصصية المختلفة .. بصورة أو بأخرى .. ومن خلال موقف مغاير للآخر .. بينما تبقي ثمة ملامح محددة تتراءى وفق الاستمرارية والديمومة .. والتواصل الممتد .. وتجمع الخط الواحد الذى يربط بين القصص وبعضها .. وذلك من خلال المزج بين الواقع الغير محتمل .. وبين الآتي المحمل بالأحلام والأمانى التى قد تغير من الحال .. وترسم تطلعات المستقبل .. التى يتلاشى أمامها حزن الماضى .. ويستحيل إلى زهور ملونة تعيد للحياة بهجتها ومرحها .

ومن خلال بطلى الكاتبة – المرأة والرجل – تبدو ثمة عوالم قد تكون شديدة الخصوصية .. لكنها تحمل في مضامينها إشارات عامة هى في الأساس معاناة هموم ومشكلات الواقع الحياتى ككل .. وليس بالنسبة للجزئية البسيطة التى تبدو من خلالها .. فثمة أبعاد تتخطى اللحظة الموقف .. وتعكس القضية الملحة علي الذهن دوما والمثيرة للقلق بصفة مستمرة .. بالرغم مما يبدو علي السطح من ارتباط وثائقى .. فذلك – الارتباط الوثائقى – يجمع بين طرفين – المرأة والرجل – تنعدم بينهما أسس الاستقرار الفعلى الذى من المفروض أن يكون بينهما .

" خلف جدار الخوف " الحياة على بساط القلق بعد تأكيد الاطباء بأن ليس ثمة أمل في الإنجاب .. ومن ثم فالزوجة تحاول أن تتجنب كل ما يثير زوجها .. والذي يصرخ دائما بسبب " الحصو " الذي يصل خلسة بين حبات الأرز الي تحت ضروسه .

" خطوات علي الطريق المقفرة " الزوجة المشحون عقلها بالأفكار للتخلص من الجمود الذي ساد حياتها مع زوجها .. بينما الزوج يدعوها إلى أن تلتزم بما اعتادته ولا تتذمر .. ويتجاهل كون العلاقة الزوجية مشاركة ومحاورة ووفاق .. أو خلاف .. فتتخلى عن يده التي مدها لها ..ولا تتخلى عن فكرها لأنه طلب منها ان تفعل ما تريد شرط أن تلتزم الصمت .

" من داخل تابوت اللحظة " الزوجة التى تعيش حالة السكون وسط فراغ يحيط بها .. وتفتقد من يوقظ زوجها النائم الساكن دوما دونما صوت يصدر عنه .. حتي ولو كان ذبابة تشاكسه فيتحرك وينتبه من نومه .. وتفكر فيما يملأء ذلك الفراغ الذي تعيشه بالدمع او بالماء .. لكنها تترك عينيها تتحركان وهما مغمضتان .. إلا أن السكون يطالهما أيضا " ظلتا مفتوحتين .. ساكنتين .. تنظران إلي السقف . فارغتان إلا من دمعة ".

"وبرغم الخطوة خلفه " الزوجة التى أضناها البحث عما يرضى زوجها أو ما قد يرضيه .. والزوج الذى يعيش حاضره وهو مشدود إلى الماضى .. وتستمر الزوجة خاضعة له وراضية بالحياة معه .. وبأى مكانة يختارها لها .

" دقات علي جدار مدينة اخري ".. الزوجة التى تنازلت عن حرية اختيارها لزوجها عندما تقدم لها عندما وجدت أن رفضها له غير مبرر .. وعاشت معه لسنوات طويلة حياة الملل والرتابة الخالية من كل جديد .. لكنها فكرت في محاولة تغيير نمط حياتها .

هذا القلق واللاستقرار فى الحياة الخاصة .. وامتداد لما فى القصة الأخيرة –" دقات علي جدار مدينة أخرى" – تأتى قصة ( عندما يسقط التابوت ) .. والتى يبدو فيها الزوج وقد انتبه إلي ما تعانيه زوجته ويكشف لها علمه بأنها مللته .. لكنه يؤكد لها " أن الزوجة الفاضلة هى التى لا تمل زوجها .. هي التى لا تتركه لدقائق .. هكذا تقول الآداب والأديان ".. ثم تركها إلى مكان آخر هربا من دموعها .. ولتعيش وحدتها كما أرادت .

و"تحت البلاطة المفقودة " الزوج الذى يدعو زوجته إلى أن يعيشا حياة الآخرين الذين لا يهتمون إلا بالأشياء التافهة .. فيرعبها ذلك .. لكنه يؤكد لها أن كلماته ليست حقيقية .. وأن ما كان يدعوها إليه لم يكن جادا فيه .. ويمضى معها وهما يتحاشيان تعثر أقدامهما على الطريق .

و" لم يصرخ أبدا " الزوج الذى اصطحب زوجته ليعبر بها إلي البر الثانى .. وذلك هربا من " بؤس وازدراء المعارف والتدنى بسبب وغير سبب " .. وأراد لها " أن ترفع رأسها رغم ذل العار الرابض حولها " .. وأن يحقق لها حلمها بالفرار.. دونما خشية من أخطار العبور والوقوع فريسة لتماسيح النهر .. وغاص بقدميه في الوحل وهو يدفع القارب بها جهة الشاطىء .. لكنها بمجرد وصولها فرت هاربة وتركته يحاول انتزاع ساقيه من الطين حين وصلت التماسيح إليه .. لكنه لم يستطع النجاة .

فذلك الثنائي – المرأة والرجل – يبدو كجزئية صغيرة تعيش وسط كل ما يفجر فيها عوامل الإثارة والتمرد .. بيد أن ثمة استسلام متواصل للحال .. وقناعة بالركود بالرغم من الرغبة الحقيقية فى الخلاص والتغيير من حال الإرغام إلي ما يحقق الحرية المأمولة .. وكل ذلك وحتى الآن لا يمكن بحال القول بأن الكاتبة حادت عن الواقعية في مضامينها .. لكن واقعيتها اقترنت بالتعبير عن الحال والهموم الإنسانية والردود العفوية التي تعمق المفهوم الحقيقى لمضامين القصص .

ودونما خروج عن علاقة ذلك الثنائى – الرجل والمراة – التي بدت بشكل مباشر فى كثير من القصص وبحضور ومشاركة في الموقف الواحد .. قدمت الكاتبة عددا من قصص المجموعة بدا الحضور فيها لأى من المرأة .. أو الرجل .. دونما وجود للآخر إلا من خلال الارتباط الذى قد يكون بينهما .. والذى يبدى في النهاية أن التغيير في مسار القصة لم يحدث إلا فى تغيير المواقع فقط .

" رجل بأصوات الأغلبية " المرأة التى تقف وراء زوجها من أجل أن يبدو أمام الجميع أنه سيد البيت .. وأنه وحده الذى يتكفل بشئونه .. ولا يعرف أحدا غيرها بحقيقته وضآلته .. وأن النقود التى تكون بيده هى نقودها هى .. وتنعكس صورته أمامها في صورة طفل يحاول أن يتصرف كرجل رغم صغر عمره .. فتهوى علي وجه الطفل دونما شعور منها ... ثم تؤكد لزوجها أنها كانت تقصد أن تصفعه هو لا أن تصفع الطفل . لكنه لا يهتم .. ويعتزم الزواج بأخرى .. مما يجعلها تقرر العمل على أن تمنع ذلك الزواج حتى لا تلغي فرديتها .. ولا يشاركها أحد رأيها فيه .

" ثوب اسود من أجلها " المرأة التي حال بينها وبين من كانت تريد أن يشاركها حياتها اقترانه بفتاة غيرها كانت تعرفها .. وبرغم أنها لم تكن تستحق مجرد الذهاب إليه لتعزيه فيها بعد وفاتها إلا انها ارتدت الثوب الأسود ومضت إلي بيته .. وهناك فوجئت بشبيهة للفتاة تجلس بجواره .. وقابلها بدهشة واستخفاف .. وقطعت – هي – لحظات الاضطراب بالاعتذار والوعد بالعودة مرة اخرى .

" حين تبهت الأشياء " انحسار الضوء .. ومحاولة المضى في متابعة ما حدث لبطل الرواية الذي ابتلعه الروتين .. ثم الاستغراق في الحيرة بسبب عدم وجود مكان للشمس يتيح للبشر جميعا الاستفادة من ضوئها . ولأن ذلك من الأشياء التى تبدو في حكم المستحيل .. ولم يكن سوى تطلع لمستقبل قابع وسط دائرة الامانى .. لم يكن ثمة بد من التحرك لاجتياز الظلام .

" همسات روح قلقة " بطلة الرواية التي تخلص منها المؤلف بوضعها أمام عجلات عربة مسرعة .. ورغم أنها تعرف أن تخلصه منها على هذا الشكل لم يكن إلا بسبب عجزه عن الوصول إلي نهاية طبيعية للأحداث .. كانت تراه يحيط نفسه بهالة من الوهم ينقلها إلي كل من يذهب إليه .. وفى النهاية أهداها لكاتب آخر يشبهه في أشياء كثيرة .. ولا تستطيع ان تتخلى عن الارتباط به .

" الجسر " محاولة عبور الجسر المهدد بالانهيار في أية لحظة .. يقوم بها بطل القصة ويتخطى كل إحساس بالخطر .. ويعمل على بقاء الجسر ليجده سالما حين يعود .

" وقفة عند المفترق " محاولة تمزيق خيوط العنكبوت الذى ينجح في الابتعاد .. ويبقى بطل القصة يتأمل العالم المحيط به .. ويتراءى له السقوط في الهاوية .. لكنها تحذره من السقوط .. فينظر إليها ثم إلى الأرض ويبتسم " في تراخ تتابعت خطواته علي السلم . وقف على الأرض . دب بقدمه بقوة . ضحك تناول يدها سارا ."

" خلف سرابات الداخل ".. الإنسان العظيم المرموق فى نظر الناس .. لكنه يعرف كما يعرفون – هم – ما حققه وما يمكن أن يحققه .. ويمضى في حبه لذاته أكثر من تلك التى تمنحه الكثير .. ويتمنى الموت لكل شىء أملا أن يتخطى – بعد ذلك – الوهم الذى يعيش فيه .

" خلف الباب المغلق " البقاء خلف الجدران لعشر سنوات لم يغير شيئا مما كان قبلها .. فالظن بأنه لا يفكر باتزان هو السبب في وضعه داخل سجنه .. وبالرغم من استمرار بقائه – خلف الباب المغلق – إلا أنه لا يهتم .. لأنه يعيش في الداخل حرية التفكير .. بينما في الخارج لا يتغير أى شىء من الأشياء المعادة والمكررة .

" البشر على الأرض الثانية " .. الإرادة الميتة .. والاستسلام للأقوى الذى يستطيع التغلب علي كل من يفكر فى مهاجمته .. والاحتفاظ بكل من يقع في قبضته .. مما يفقد المخلوق البشرى تماسكه وما يعينه علي الحياة .. ويجعله صيدا سهلا للطامعين الذين يستبيحون لأنفسهم كل ما لديه .

فما يبدو من خلال هذه القصص هو اعتماد صراعات الحياة خط أساسي .. لا حياد عنه .. ولا اختلاف في العوالم .. بيد أن تلك الهموم الذاتية تعكس الإحساس بحياة يبدو الانهزام والاستسلام أساسها .. وإن كان ذلك لا يفقد الرغبة في تغييرها .. ومحاولة تصحيح مسارها .. فالتدمير النفسى والإحباط والإحساس بالقيود المفروضة قسرا .. من سمات حياة القاع .. التى تعيشها نماذج إنسانية مسحوقة تخضع لسيطرة قهرية دونما احتجاج علي وضعها الحياتى الذي استقرت عليه لزمن طويل .. وباتت تفتقد البداية الفعلية للتخلي عن سلبيتها .

ففي " شيء يكسوه الطحلب " تفكر البطلة فيما سيجىء ولا تعرفه.." أتمنى أن أعرف ماسيحدث غدا. لو أقرأ الطالع فيجيبنى صدقا أو كذبا.لايهم. فقط يطمئنى الآن" ..وذلك لأنها ترى فى الحاضر ما كان فى الماضى ..ثمة مايتكرر باتفاق محكم ومرسوم وهى لاتدرى ..وعندما اختارت رفيقة لها ..حاولت أن تبعدها عن مصيرها الذى آلت إليه.رافقتها الطريق بالرغم من كرهها لها..تلك الكراهية التى بدت بعد الخطوة الأولى ..وراجعتها فى نمط حياتها ..وبوجوب الرضاء والابتسام ..بدلا من الحزن الذى يجعلها تتعثر .دون أن تعترف بضياع ابتسامتها إلى الأبد..ورافقتها طريق الخواء ..الذى لاترى طريقا سواه..وتتعجب منها "عندما أناديها "ناديه" تغضب ..لكن بسمتها تعود سريعة وهى تقول "درية" اسمى "درية" ..لا أعرف كيف أفهمها آن الإسم لايعنى شيئا ..وانها هى "نادية" أو درية" ..هى ولم تدر بأى إسم ستمضى معها ..وفى النهاية بدا لها احتمال السقوط أكثر من الاستمرار فى الارتفاع لأعلى ..فبقيت فى ركن من أركان القاع تحتمى فيه مما يتهددها .

وفى "غرفة بين الأحجار" تتراىء الصورة الذاتية للبطلة وهى لاتنظر لشىء..لكن ـ الصورة ــ لاتبتسم مثل "الموناليزا" لأنها فى داخلها تشعر بالفراغ الذى حولها..وعندما استحالت ـ الصورة ـ إلى الرجل الذىذهب ولم يترك خلفه سوى الصدى لكلماته الكثيرة..تتراءى لها مثل صورتها لا ينظر لشىء..تخيلته يبنى سفينة تعبر بهما الأظلال التى تقف تبكى عليها ..خذلها صمته ..ومن استسلمت للغريب فى خجل..إلا أنها وسط الثرثرة التى نالت منها لأعوام طويلة .. استحالت صورة الغريب الذى لم ترفضه إلى صورة ابنها الذى لم يعد صغيرا ..ويبنى بكلماته أبنية جميلة..ومن بين أكوام الحجارة التى تراكمت على أنفاسها ..والتى لو ارتفعت أكثر لدفنت حية ..قررت أن تبدى رأيها دونما الالتزام بالاختيار .

وثمةعناصر مشتركة بين هاتين القصتين تمثل التخيل الذاتى..والقلق على اللآتى .. ايضا يأتى القرار فى الثانية "غارقة بين الأحجار" بابداء الراى دون قيود.. تتمة..أو تطور للاستسلام والتقوقع داخل الركن المظلم فى القصة الأولى..وذلك من خلال المزج بين الحال وبين الحلم المترائى..والذى بتحقيقه يتحقق التغير والخلاص.

وتبدو عناصر من نوع آخر تشترك مع بعضها فى قصتين أيضا ..

"حدوتة قبل النوم" خصوصا الانتماء إلى التاريخ القديم الطويل..وتأكيد الاعتقاد بحقيقة الامتداد التاريخى إلى الحاضر والمتغير..برغم ضياع الهوية ..وبرغم تجاهل ماتحمله الأوراق .. أو تبصر كل مافيها.. وايضا برغم الضياع وسط الزحام ..ومهما غفا الصديق الذى لم يصبح صديقا بعد.. سيعرف الإسم والهوية المفقودة "عروس النيل ..ابنة أحد المصريين"

"وشاهد من ورق" التاريخ الذى يرقب الأحداث ..ويحفظها فى ذاكرته على مر الزمن..مثلما مايجرى من أحداث يستحيل إلى كلمات على الصفحات ..ترسم الصورة الكاملة بكل أبعادها ..ولا تغيير فى الحقيقة الثابتة مهما ضاعتمعالمها ..وداست عليها الأقدام..الجميع يتحركون وهو واقف يرقب ..نظرته لاتعبر عن شىء.. قدمه ملتفة على الأخرى ..يمارس الوقوف بإتقان وتعود"كل الأقدام تتحرك إلا قدميه".

فالحديث إلى الصديق عن السقوط وسط الحركة والزحام عن الأوراق التى تحغظ الهوية ..استحال إلى الزحام حول المنزل المنهار ..وجميع أبعاد الصورة الكاملة للأحداث..وأوراق الحقيبة استحالت إلى رسالة "سارت تقطع الطريق القديم".

وتضع "أحلام زائر متعصب" البطلة فى حيرة مع الصديق الذى لايهتم بتاريخ البرج..لأنه لايقصد من رحلته إلا رؤية معالم التاريخ الذى أعجبته قبل أن يراها ..مما يجعلها فى دهشة وعجب منه..هل من الممكن أن يعجب شخص بشىء لم يره..بل رفض أن يسمع شيئا عن تاريخه .. لكنه أكد بذلك بنظرته الواثقة ..والرغبة فى لقاء آخرعلى طريق ممهد يربط بين المدينتين .

من ثم تكشف تلك التتممات التى تكون بين القصص وبعضها ..عن وجود ارتباط عضوى بينها..ولا يمكن بحال إذا ما اجتمعت مثل هذه القصص التى تجمع بينها استكمالات بصورة ما فى وقت واحد تحت بصرالمتلقى ..أن يتقبلها كأعمال منفصلة عن بعضها..وإنما سيعايش الحدث أو الموقف الذى بكون من خلال استمراريته التى لم تنقطع..على أساس ذلك التوحد الذى يجمع بينهما ..ويجعلها كمعزوفة واحدة متنوعة الأداء.

ذلك ينسحب أيضا على المجموعة ككل دون استثناء..باعتبار أن الشخصيات الرئيسية فى القصص تبدو من خلال مستوى واحد لايتغير ..وبحيث لايمكن الاعتراف بأن ثمة اختلاف بين إحداها والأخرى.. خاصة المرأة التى بدت كصوت أساسى فى غالبية القصص..فالتى فى "أخرجنى من عينيك" هى التى فى الكثير غيرها..بنفس عادياتها وبذات همومها المتعددة التى تؤرقها..وأيضا فى كل ماتثيره من قضايا تتعدى ذاتيتها لتشمل المجتمع الذى تعيشه ككل.. وهذاما ينتهى بها إلى كونها فى الحقيقة رمزا وليست امرأة عادية..إلا أن دلالة ذلك الرمز قد يبدو فيه ثمة تغيير فى قصتين فقط من قصص المجموعة ..هما "شىء يكسوه الطحالب"و" غارقة بين الأشجار" ..ومن الممكن بسهولة أن يكتشف القارىء الواعى دلالة ذلك الرمز..حال إسقاطه على العمل.

كما أن ذلك الرمز ــ المرأة ــ لايختلف من حيث دلالته ..سواء فى القصص التى تبدو وكأنها محاكاة لواقع مألوف فى كثير من القصص..إلى حد التطابق الفعلى للحياة الأسرية العادية.. أو فى عدد من القصص عمدت فيها الكاتبة إلى التجريب.. "داخل حبات اللؤلؤ"و"شاهد من ورق"و"حين تبهت الأشياء"وأحذية فوق الخط الصمغى"ووقفة عند المفترق "و"المصباح"و"رأس داخل مكعب"و "البشر على الأرض الثانية" وغيرها.. وأيضا فى القصص التى تجمع بين الرمز والتجريب معا..فالبعد الرمزى لم يأت بعفوية مطلقة تجعله معرضا للتشويش الذى يبعده عن ماهيته..وعلام يدل.. وإنما انبنى بتخطيط واع ..سواء بدا بتفرد فى قصة واحدة..أو تقاسمها فى القصص التى احتوت على عدد من الرموز.

لأن الاعتماد على على البعد الرمزى انبنى فى الأساس على القلق الوجودى ..التى تعيشه الشخصيةالرئيسية..وينسحب أيضا على مايكون معها من شخصيات أخرى.. تحيا الواقع كشىء فعلى..أو كحلم ترى فيه مايغير منه..لتعود الحياة فيه إلى سويتها الغائبة عن مسرحه..والتى يفتقدها المجتمع المعاصر الملىء بصور الإحباط الكثيرة ..التى يعانى منها الإنسان العادى.

وقد وضح ذلك فى تقديم القصص كصور مختزنة فى الذاكرة..طفت على سطحها فى لحظة ما..غير محدودة بزمن أو مكان..فالتاريخ منعدما دائما..والمسرح لم يخرج عن صفة العموم..وكذا الحدث افتقد خصوصيته على فرد بذاته..من ثم فالرفض..أو التمرد..والرغبة فى التغيير..ولو كان ذلك من خلال حلم.. من الأشياء التى لاتقتصر على إنسان بعينه فقط..وكذا التسلط ..وفرض الأوضاع الظالمة ..باستخدام أساليب القهر المتنوعة.. ووسائل الترغيب والترهيب..لايمكن بحال قصرها على آحاد الناس..وإنما يخضع لها كل من يتواجد فى ظلها.

فالتكنيك الذى اعتمدت عليه الكاتبة فى بناء الشكل ..هو إيجاز الحدث أو الموقف فى بداية القصة..ثم إضفاء بعض النفصيلات التى تلق الضوء قبل أن تعود إلى لحظة البداية مرة اخرى.."لو عادت السنوات فهل نعود,, أم أن ذهابنا بلا عودة" ..بداية ونهاية قصة"هل نعود" وهذا على سبيل المثال.

ومن ناحية أخرى قد يبدو سبب اتخاذ القرار النهائى كما فى قصة"أخرجنى من عينيك" بإيجاز للظروف التى دعت إليه.."نظرت إليه. فتحت فمها. لم تخرج الكلمات .تعجب من نفسها.كانت الكلمات على طرف لسانها.أين ذهبت.دائما تذهب ولا تعود.تحاول التذكر لكنها لا تستطيع.عيناه مقبرتان واسعتان .تضمانها. تكفيها مقبرة واحدة .لكنه يمنحها اثنتين.تنطوى داخلهما.تندثر.تضيع"..وأيضا قصة" داخل حبات اللؤلؤ" "أخذتنى حبات اللؤلؤالمتساوية الأحجام.يضمها خيط العقد.من سجنى.من أفكار المشتتة المتناثرة فى كل الأجواء.فى كل الأماكن.فى كل الأزمان".

من ثم فالاستحضارت التى تأتى بعد ذلك ..لاتعدو كونها مجرد تفصيلات ..وإضاءات أكثر لما فى داخل البناء الشكلى للحدث..وما تمخض عنه الموقف من خلال التطور الدرامى ..الذى يتصاعد إلى أن ينتهى فى نقطة معينة..قد تكون قاطعة كنهاية جتمية لما كان.. او تبدو كوقفة عارضة فى انتظار ما سيكون.

وقد اتسمت تلك الاستحضارات بالشاعرية ..كلغة لها إيقاعها الحسى,وقدرتها الموحية فى مواضيع كثيرة تكاد تكون هى الغالبة ..سواء كان ذلك من خلال السرد أو من خلال الحوار.. كما فى القصص التى انبنت أساسا من حيث الشكل على الحوار "نزعوا الصوت من بين أصابع كف الجلادالميت.جاء الورثة. صرخ الرجل بقوة كل الرعب القابض فى القلب. يعصر.يعصر. لا يبقى شيئا. يصرخ :

ــ كان الجلاد نبيا.

هتف الكل:

ــ كان الجلاد نبيا.

صرخ:

ــ والأنبياء لايورثون.

هتف الكل:

ــ والأنبياء لايورثون.

قال:

فليحفظ سوط الجلاد.تذكارا قدسيا لاتمسه الأيدى.

قالوا:

ــ فليحفظ .

قال:

ــ ولتعمل للجلاد جنازة مهيبة تليق بنبى .

امتدت كلماته تمس بقايا الخوف .قطرات الخوف تتساقط من قلوب الناس .ألسنة الناس الحجرية لا نت. وتكلم الناس" قصة" هل نعود"

كما بدا أيضا ثمة استخدام لمفردات معينة كدلالات تضيف إلى البعد الرمزى مايوحى إليه. كالشمس."الشمس معلقة فوق الأفق.نورها أقوى من نور المصباح فى حجرتهم. "..والبحر وطائر النورس" النورس يطوى أجواء الفرحة داخل ريش جناحيه.يهبط فوق الماء ويعلو . ينتظم بجوقات رائعة التشكيل. يعزف سيمفونية صيدالأسماك البحرية. ".." دار الطائر الكبير نصف دورة. سقط فجأة على سطح الماء ثم ارتفع." وغير ذلك مما يعين عاى الإيحاء داخل المضمون..يكشف عن ماهيته التى تتعدى حدود البادى على السطح..وتجعلهتسارا شفافا للرؤية التامليةالباعثة على التفكير..إذ يقوى من الترابط بين المعادلات الرمزية الأخرى ..حال الوقوف عليها إلى حد ما..

وعلى هذا الأساس تبدو مجموعة" اخرجنى من عينيك" وقد جمعت بين تيارات متعددة .التمرد.الوعى.الرمز. التجريب. على بسط الواقعية ..التى تبدو فى انسحاق الإنسان فى ظل مجتمع اعتمد فى على سياسة الترغيب والترهيب..وتعميق الإحساس بالضياع ..والرفض للحياة المليئة بالإحباط..والقهر الذاتى فى ظل قيود محكمة ..يغيب الأمل فى الخروج من أسرها ..أو الانفصال عنها..وكأنها قدر حتمى..رسخ الاعتياد عليه فى ـ النفس ـ مواتا لرغبة فى الخلاص منه.. إلا أنها وإن كانت قد اهتمت بطرح شماهو فى الواقع ..ولم يكن ثمة لجوء للحلول الجاهزة ..فذلك يرجع كما يبدو إلى تغليف الآتى بضبابية قاتمة..يختفى وراءها ملامح القادم الجديد.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*

السيد الهبيان

الرمز والتجديد برسم الواقع فى

أخرجنى من عينيك

قصص حورية البدرى

السيد الهبيان

كثيرة تلك الأصوات التى تزدحم بها ساحة القصة القصيرة .. وكثيرة تلك الإصدارات التى تتالى دونما انقطاع .. تحمل العديد من المحاولات والتجارب .. وكثيرة أيضا .. تلك التصنيفات التى تنتقى من بين التيارات المتعددة والاتجاهات المختلفة .. لترسم دائرة حول العمل الإبداعى تكون بمثابة سمة له .. ووسط كل هذا .. تنفرد الإصدارات الأولى بوصف التجارب البكر .. لأنها تخرج

من خلال عباءة المحاولات الأولى .. لكنها لا تتساوى حال التقييم الذي تخضع له .. فمنها من تمضى كشىء عابر لا يستوقف الأنظار .. ومنها من ترسخ وتشد الانتباه إليها .

لكن " مجموعة " أخرجنى من عينيك " وإن كانت تعتبر الإصدار الأول للكاتبة – السكندرية – " حورية البدري ".. إلا أنها لا يمكن بحال اعتبارها بدايات تجريبية .. تتشكل منها الخطوة الأولى علي طريق إبداعها القصصى .. لأن ما قدمته ينف جميع شواهد المحاولات البكر .. ويضعها في مصاف المبدعين المتمرسين في الكتابة .. وهذا ما يشير إلي أنهــــــــا – بالفعل – تمارس كتابةالقصة القصيرة منذ فترة ليست بالقصيرة .. وكانت تكتفي بنشر قصصها في الصحف والمجلات .. ثم جمعتها – أخيرا – في مجموعتها الأولي"أخرجتى من عينيك" التى ضمت ست وثلاثين قصة .

ومن ثم لا يمكن اعتمادها كمحاولات أولى بصورة قاطعة .. وإنما يتحتم حال وضعها قيد التناول أن تعامل وبصفة أساسية من خلال منظور المستوى الذى تخطى البدايات .. وذلك بسبب الإيقاع القصصى الذى يؤكد حقيقة نسج العملية الإبداعية .. بالرغم من أنها تتسم بعدم الالتزام بشكل معين .. او بأطر محددة تتقيد بها .

فثمة ملمح أساس يتراءى بوضوح حال الرؤية الشمولية لقصص المجموعة .. يتحدد فيما تحمله – القصص – من إثارة للفكر خلف المعانى الظاهرة للجمل التعبيرية .. التي نسجت بشاعرية موحية مغلفة بالرومانسية .. ورغم ذلك تبدو القراءة الأولي أو العابرة غير كافية .. وتحتم التأنى فى القراءة بما يتطلبه ذلك من جهد ذهنى مرهق للعقل والنفس .

قد يوحى ذلك إلى وجود لا معقولية – فى القصص – انبنت علي تهويمات متشعبة .. أو وجود ثمة متاهات تشتت الذهن وتبعده عن فهم ماهيتها .. لكن تلك المعقولية التى قد تنعدم حال الوقوف على حقيقة الإحساس المنقول عبر المضمون .؟. إذ تستحيل – حينئذ – كل الأشياء الغامضة أو المبهمة إلى قشرة رقيقة جدا .. يمكن الولوج من خلالها إلي ماهية العمل .. ومن ثم تنعدم استحالة الفهم التى قد تكون أول الأمر .. وتتحقق المعايشة الفعلية لكل ما يبدو من أحداث خلال النصوص القصصية .

فقد بدت القصص كتنويعات مختلفة .. ترتبط ارتباطا وثيقا بالحس التجريبى الذى تتعانق فيه الأشياء من خلال علاقة متناغمة .. تبدي جوهر الواقع بحقيقته الملموسة والمعاشة .. وتتساوي هذه التنويعات في كونها تعكس الواقع الحياتي من خلال رؤية فكرية تأملية لكل ما يحدث فيه .. وما يؤثر في تكويناته .. وتتأثر به دواخل شخصايته بالرغم من السطح الهاديء الذي قد يبدو .. ويشير إلى أن ليس ثمة رفض أو تمرد على الحال الذي يكشف صعوبة الوضع البشرى في ظله .. وحتى إذا كانت ثمة محاولة لتغيير ذلك الحال لا يتأكد نجاحها .. وتتوسط الضبابية التى تغرق فيها منذ البدء .. وتجعل نتائجها غير معلومة .

بيد أن تلك النتائج الغير معلومة واذا كانت تبدو وقفا على قصة بذاتها .. إلا أنها قد تبدو بصورة غير مباشرة في قصة أخرى تشترك معها فـي ما يطرحه المضمون .. بالرغم من أنها تبدو دونما ارتباط بها .. لانبنائها علي حدث مغاير .. وتقديمها من خلال موقف مختلف .. ومن ثم تبدو القصة – أحيانا – وكأنها تتمة لقصة أخري .. وذلك لأن ثمة تطور للحدث الذى يبدو من خلال استمرارية البعد الرمزى الذى يجمع اكثر من قصة علي معني واحد .

فمن خلال الشخصية الرئيسية فى القصة .. والتى تكون المرأة في الغالب .. تبدو ثمة عوالم قد تكون شديدة الخصوصية .. لكنها تحمل في مضامينها إشارات عامة هى فى الأساس معاناة هموم ومشكلات الواقع الحياتى بصفة عامة .. وليس بالنسبة للجزئية البسيطة التي تبدو من خلالها .

لأن علاقة الرجل بالمرأة – كما تبدو فى القصص – وإن كانت هى الأساس الذي يربط بينهما .. واعتمدت عليها الكاتبة في استخدامها لها كإطار معتاد لنوعية القصص التي تتماثل معها في ظاهر المضمون .. إلا أن ثمة أبعاد تبدو بجلاء .. تتخطى اللحظة الموقف .. وتعكس القضية الأساسية الملحة علي الذهن دوما .. والمثيرة للقلق بصفة مستمرة .. وذلك بالرغم مما يبدو علي السطح بحكم الارتباط الذى يكون بينهما .. اذ تنعدم بينهما أسس الاستقرار الفعلى الذى يجب أن يتوافر بحكم العلاقة التي تكون .

فالرغبة في الحصول علي الحرية تتملك المرأة بصورة ملحة فى قصة " أخرجنى من عينيك " – التى اختارتها الكاتبة عنوانا لمجموعتها وجعلتها تتصدر قصصها – التى يبدو فيها الرفض التام لكل القيود المفروضة عليها من قبل الرجل الذى يحبها .. ولا يريد أن يتخلى عنها .. وقررت بإصرار أن تستمر فى الحياة معه .. آملة ان تعيش بدونه حياة الانطلاق والحرية التى حرمها منها .. ما دام يريدها أن تبقى بلا صوت تعبر به عن نفسها .. ومنعها عن كل ما تعود عليه .. ورفض أن يمنحها فرصة أن تعيش حياة الانطلاق ولو لمرة واحدة ثم تعود إليه .

لقد جعلها من " يوم لقاءه الأول تصمت . تأتى الكلمات . تدور داخل رأس محظور فيه وصول الكلمات إلي الفم . تمضى قدما لكنها تتراجع " .. ثم اكتشفت أن " بداخل عينيه ظلام يحوى الأشياء . يغلفها . يجعلها دوما تحيا الأيام مساء " .. وعندما داهمتها الذكرى الحلوة انتفضت قالت :" أخرجنى يوما من عينيك .أجابها :" عيناى لك المأوى . ابق فى سكنك داخل عينى . أحميك من كل الدنيا ".. لكنها تأكدت أنه لن يمنحها شيئا .. مما جعل " العقل الكامن لم يهدأ .والروح الواهنة تفور داخل جسد سكن كثيرا داخل مقبرة العينين ".. واستحال الصخب الحلو إلى ذكرى قديمة تهفو إلى أن تحيا مرة أخرى ثم تموت .. وعندئذ " امتدت خارج عينيه . خافت أن يرجعها . لم يفعل . في الخارج نور مبهر يحرقها . وصهرها . عادت تتحرك قدميها ويديها . اختفت الرعشة من الجسد الخائر " .. وانطلقت إلى كل الأشياء التى اشتاقت اليها .. ثم " فلتنتظر العينين الجسد الخائر بعد الزمن الموقوت " مادامت – العينان – قد استحالتا الى مقبرتين .. وإن كان فيهما المسكن والدفء ففيهما تحولت إلي كائن ساكن .. وسط القيود المفروضة ومصادرة الحق في الكلام .

وقصة " مذكرات شىء في الداخل " تبدو البطلة وهى تحاول الخروج من قوقعتها السجينة داخلها .. تستطيع التغلب علي ترددها .. ويبهرها ضوء الشمس في الخارج .. وتشعر بأن " الحياة تبعث من جديد ".. فتعتزم البقاء خارج القوقعة لتظل تحيا بين نبضات الكون دونما نظر إلى الماضى أو اهتمام به .. بيد أنها تواجه بحيوان يهددها وكاد أن يفتك بها لولا أنها استطاعت أن تعود إلى القوقعة فى اللحظة المناسبة .. ومن ثم تؤجل خروجها ثانية إلي حين تأكدها تماما من ابتعاد ذلك الحيوان عن باب القوقعة .. ولتحقق رغبتها فى أن تعيش " حرة طليقة متحررة من سجنها ".

وفى قصة "داخل حبات اللؤلؤ " تبدو البطلة سجينة الأفكار المشتتة المتناثرة فى كل الأجواء .. وتعيش وسط عالم من الأسرار فيه كل طباع البشر بمختلف أنواعها .. لكن ثمة حلما يتراءى لها ممتزجا بالأحداث المجنونة حولها .. وتحاول أن تمحو – من ذلك الحلم – زيف اللامعقول واللامقبول " لكن الصوت الصارخ يذبح دفء الحلم .. وبجذبها التصفيق الحاد من وطنها الذي تحلم به .. ثم يعيدها إلى " جموع البشر المحنى الهامات " لتعيش ذل السادة الذين أعادوا زمن العبيد .. ويمتلكون ألاعيب الحواة .. كما يمتلكون القدرة على ابتكار صنوف التعذيب والترغيب .. لكنها تتمسك بحلمها بوطن لا يحكمه ألوف السادة المحنى الهامات .. برغم الموجود في الخارج ينتظر .

فهذه القصص الثلاث وإن كانت تبدو باختلاف من حيث الشكل .. إلا أنها تتفق في المضمون الذي يطرح رغبة البطلات – الثلاث – في الحرية .. والخلاص من قيدها .. فالسجن داخل العينين المقبرتين .. أو القوقعة .. أو حبات اللؤلؤ .. هو فى الواقع الجدار الحائل بين البقاء وسط القيود المفروضة .. والانطلاق فى رحاب الحرية .. وان كانت – الحرية – قد تتحقق فى " أخرجنى من عينيك " لأن بطلتها – رجاء – أصرت عليها بقوة إرادة .. فقد كان إخفاق بطلة " مذكرات شىء في الداخل " يرجع إلي إحساسها بضآلتها " أنا شيء صغير تافه قطعة لحم صغيرة داخل قوقعة يستطيع أى مخلوق أن يطأني بقدمه أثناء سيره عامدا أو دون قصد " بينما بطلة " داخل حبات اللؤلؤ " مرهونة بما هو مفروض عليها وعلى الآخرين .. ولم تتعد رغبتها مرحلة الحلم . ومن ثم فبرغم الاختلاف فى الشكل تبقى الحرية هي المطلب الأساس الذي لا حياد عنه .

ذلك الارتباط المتمثل في مطلب الحرية الذي جمع بين القصص الثلاث السابقة .. يبدو أيضا من خلال رؤى اخرى في عدد آخر من القصص .. بتطور في الأحداث يجعلها مرتبطة ببعضها وكأن كل منها تتمة لغيرها .

في قصة " هل نعود " يبدو الخوف من عودة زمن الجلاد الذي مات .. ففي عهده كانت الكلمات تموت يقتلها صوت السوط يتأرجح دورات مجنونة . يشرخ صوته صمت الأزمان الحاضرة .. يشرخ صوته حلم الأيام المقبلة . وتضيع الكلمة وصداها وتموت الكلمات ". وكأن صوته يقتل الكلمات كما قتل الكثيرين . بينما الباقون ادعوا الموت أو ناموا هربا من صفعات السوط المجنونة .. فبرغم نزع الصوت من بين أصابع كف الجلاد الميت " يظل الخوف يتساقط قطرات من قلوب الناس لأن الورثة احتفظوا بذلك السوط كتذكارا قدسيا .

وفي قصة " رأس داخل مكعب " يبدو امتداد زمن القهر الذى فرضه الجلاد الذى مات .. وذلك علي يد ورثته . فبرغم تقادم السلسلة الحديدية التي كان يكفيهم جذبها ليحققوا ما يريدون " لم ينس الجلادون المهنة . صادفهم الحنين إلي ما كان . انسحق السوط لكن الجلاد يعيش " .. فقد بدا أن الورثة " فى داخل كل منهم جلاد يتحكم ويسود ".. يعيش وسط الدهشة والاستنكار والرفض لكل شىء يبدو فى العينين .. وداخل الرأس الصغير الذى يتحرك فى جميع الجهات .

وفي قصة " أحذية فوق الخط الصمغى ".. ليس ثمة سماح للخروج عن الدائرة .. فالخط المرسوم يظل هو الأساس .. ومن يخرج عنه يغدو لا وجود له وسط الدائرة .. ويتقرر طرده بعيدا عنها .. فدورية الكلام لها ترتيب وحدود .. برغم عدم الاهتمام .. وبرغم عدم الاقتناع بما يقال .. لأن أصحاب الكلمات في الحقيقة يبدون كتماثيل من أنواع مختلفة من المواد .

وفي قصة " المصباح " تبدو استمرارية الحياة بخطها المرسوم ووسط ما تصنعه الأيدى .. لكن ثمة بحث عن أشياء غريبة لا اصطلاحات لها فى اللغة .. ووسط الحياة الراكدة مثل بركة ماء ضحلة هم " يغلقون النوافذ دائما .. فضوء الشمس يطغى علي ضوء المصباح ويبدده .. وهم يريدون ضوء المصباح. يفضلونه علي ضوء الشمس لأنه يؤذى أعينهم ".. وإذا فاجأهم صرخوا .. ومن ثم تبقى حياتهم المفضلة وسط الظلام الذى يضيئونه بمصابيحهم .

وفى قصة " الفئران " يبدو ثمة انتظار لعودة الأشياء التى ضاعت ..والتى أكلتها الفئران .. ثم تركت المكان خاليا .. فإذا لم تخرج الأشياء من بطنها ستكبر وتأكل الاشياء الأخرى وتصبح هى الكائن السائد على الأرض تأكل كل ما يعترضها .. وبين عدم التصديق والإيهام بما هو مزعوم يبقى المكان كما هو تملأه الفئران " تجرى تحت الاشياء وفى الأماكن المكشوفة .. ثم صارت لا تختفى تحت أو خلف شىء ..لأن كل الأشياء ضاعت ولم يبق سوي انتظار أن تعود .. ليس كما عاد يونس من بطن الحوت .. ولكنها قد تعود من جديد كخلق الكون من البداية .. أو كأى شىء يأتى من البعيد .

فما يبدو في قصة " هل نعود " .. تبدو ثمة تتمة له او تطورا فى قصة " رأس داخل مكعب " من حيث استمرار فرض القهر وإن اختلفت وسائله . بينما قصص " أحذية فوق الخط الصمغى " و " المصباح " و"الفئران" تعرض لمناخ تلك الحياة القهرية وما تمتلىء به من أحداث افقدها التكرار غرابتها .

ولاشك أن عوالم هذه القصص وإن كانت تبدو باختلاف عن بعضها .. إلا أنها تتحد فى الرؤية وفي تصوير واقع تظلله وسائل التسلط والترهيب .. بغية فرض سلطة تلتزم بنهج معين وهي تتحكم فى سائر الآخرين .. ولا تسمح بالخروج عن ذلك النهج حتى ولو كان من داخلها نفسها .. وإلا لكان الحرمان من الموقع السلطوى .. والنبذ بعيدا عن عمن يلتزمون بالخط المرسوم والذى هو الأساس .. لكن بالرغم من كل عوامل اليأس يبدو ثمة أمل في الخلاص يتراءى قادما مع البعيد الآتى .. وحين يتحقق ذلك الخلاص سوف يكون بالإمكان إعادة صياغة الأشياء من جديد .. ويبنى عالم خال من التسلط والترهيب وفرض القهر عنوة علي من تخضعهم السلطة لها بالقوة .

وامتدادا لذلك الانتظار .. تتحدد ملامح الآتى المنقذ في قصة " في انتظار الفارس القديم " الذي مات وانقضى عهده لكن لازال صدى صوته .. وبرغم انه لا أمل فى عودته .. إلا أن ثمة من سوف يجىء بعده .. ويكمل مسيرته التي ستضيف إلي التاريخ صفحات جديدة .. وتعيد الحركة إلى الأشياء .

واستحال رفض الاعتراف بنبأ الرحيل عن الحياة والصمت تجاه ذلك الحدث – فى قصة " رسالة إلي الحبيب الغائب "- إلى حزن عميق واسترجاع لذكراه يصل إلى حد اليأس من البقاء بدونه .. والرغبة فى اللحاق به للخلاص من الضياع وضلال الطريق .

وتحمل قصة " يوم العيد " امتداد الحزن واستمرار ارتداء السواد على الحبيب الذى رحل .. فأخذ معه البهجة والفرح وترك الأسف على ذبول الحياة بعده " مذ ذهبت لم اشعر بالعيد .. أنتظر دخول جنة أحلامى تحت هذا المكعب الرخامى .. تنتظرنى . العيد كان يجىء معها .. وذهبت .. ولم تعد تجيء من بعدها أعياد " .. ولأن دورة الحياة تستمر ولا تتوقف .. أيضا تكون ثمة دورة للأحزان والأفراح .. ويتراءى الأمل القادم بألوانه الزاهية التى يتلاشى أمامها اللون الأسود القاتم .. ويستحيل الحزن إلي ابتسام وضحك ومرح يصاحب خطوات المسيرة السرية .. وهى تبتعد عن مراقد الأحزان .

ويضع عالم قصة " لم لا أحيا " المترائى بأزهاره .. والطفلة الرائعة المبتسمة وثوبها الأبيض .. حدا لاستمرار البكاء الذى تمخض عن شعور طاغ من الحيرة والضيق .. ويمسح صوت " فيروز " الدمعات وهو يحمل الأمل في الحياة .

كما أن ثمة صور أخرى للانتظار .. وإن كانت تبدو – أيضا – باختلاف عن بعضها .. إلا أن ما يجمع بينها هو الموقف الواحد .. الذى يبدو من خلال رؤية واحدة .

" في انتظار الحلم " التي تبدو فيها البطلة وهى تنتظر خاطبا – لها – معينا – وترفض الكثيرين الذين يتقدمون لها .. لأنها تفتقد فيهم من تستطيع أن تعيش معه حلمها الجميل .. وتمضى فى انتظاره .

و" الحلم بقصر ورغيف " .. انتظار عودة المسافر ليحقق حلمه ببناء بيت والعيش وسط حياة رغدة .. لا زحام فيها ولا تقاتل على رغيف خبز .. وبرغم أنها منحته فرصة تحقيق حلمه آملة أن يسعي لينتشلها من معاناتهما معا .. كتب لها من غربته وفاجأها بانتهاء حياتهما معا .. " طلقها .. قطع الخط الواصل بين مدينتها والبلد الراقد فى البعد هناك " .. وأعادها لتأخذ مكانها وسط الزحام من جديد .

من ثم – كما يبدو- يتواصل الانتظار عبر الأشكال القصصية المختلفة .. بصورة أو بأخرى .. ومن خلال موقف مغاير للآخر .. بينما تبقي ثمة ملامح محددة تتراءى وفق الاستمرارية والديمومة .. والتواصل الممتد .. وتجمع الخط الواحد الذى يربط بين القصص وبعضها .. وذلك من خلال المزج بين الواقع الغير محتمل .. وبين الآتي المحمل بالأحلام والأمانى التى قد تغير من الحال .. وترسم تطلعات المستقبل .. التى يتلاشى أمامها حزن الماضى .. ويستحيل إلى زهور ملونة تعيد للحياة بهجتها ومرحها .

ومن خلال بطلى الكاتبة – المرأة والرجل – تبدو ثمة عوالم قد تكون شديدة الخصوصية .. لكنها تحمل في مضامينها إشارات عامة هى في الأساس معاناة هموم ومشكلات الواقع الحياتى ككل .. وليس بالنسبة للجزئية البسيطة التى تبدو من خلالها .. فثمة أبعاد تتخطى اللحظة الموقف .. وتعكس القضية الملحة علي الذهن دوما والمثيرة للقلق بصفة مستمرة .. بالرغم مما يبدو علي السطح من ارتباط وثائقى .. فذلك – الارتباط الوثائقى – يجمع بين طرفين – المرأة والرجل – تنعدم بينهما أسس الاستقرار الفعلى الذى من المفروض أن يكون بينهما .

" خلف جدار الخوف " الحياة على بساط القلق بعد تأكيد الاطباء بأن ليس ثمة أمل في الإنجاب .. ومن ثم فالزوجة تحاول أن تتجنب كل ما يثير زوجها .. والذي يصرخ دائما بسبب " الحصو " الذي يصل خلسة بين حبات الأرز الي تحت ضروسه .

" خطوات علي الطريق المقفرة " الزوجة المشحون عقلها بالأفكار للتخلص من الجمود الذي ساد حياتها مع زوجها .. بينما الزوج يدعوها إلى أن تلتزم بما اعتادته ولا تتذمر .. ويتجاهل كون العلاقة الزوجية مشاركة ومحاورة ووفاق .. أو خلاف .. فتتخلى عن يده التي مدها لها ..ولا تتخلى عن فكرها لأنه طلب منها ان تفعل ما تريد شرط أن تلتزم الصمت .

" من داخل تابوت اللحظة " الزوجة التى تعيش حالة السكون وسط فراغ يحيط بها .. وتفتقد من يوقظ زوجها النائم الساكن دوما دونما صوت يصدر عنه .. حتي ولو كان ذبابة تشاكسه فيتحرك وينتبه من نومه .. وتفكر فيما يملأء ذلك الفراغ الذي تعيشه بالدمع او بالماء .. لكنها تترك عينيها تتحركان وهما مغمضتان .. إلا أن السكون يطالهما أيضا " ظلتا مفتوحتين .. ساكنتين .. تنظران إلي السقف . فارغتان إلا من دمعة ".

"وبرغم الخطوة خلفه " الزوجة التى أضناها البحث عما يرضى زوجها أو ما قد يرضيه .. والزوج الذى يعيش حاضره وهو مشدود إلى الماضى .. وتستمر الزوجة خاضعة له وراضية بالحياة معه .. وبأى مكانة يختارها لها .

" دقات علي جدار مدينة اخري ".. الزوجة التى تنازلت عن حرية اختيارها لزوجها عندما تقدم لها عندما وجدت أن رفضها له غير مبرر .. وعاشت معه لسنوات طويلة حياة الملل والرتابة الخالية من كل جديد .. لكنها فكرت في محاولة تغيير نمط حياتها .

هذا القلق واللاستقرار فى الحياة الخاصة .. وامتداد لما فى القصة الأخيرة –" دقات علي جدار مدينة أخرى" – تأتى قصة ( عندما يسقط التابوت ) .. والتى يبدو فيها الزوج وقد انتبه إلي ما تعانيه زوجته ويكشف لها علمه بأنها مللته .. لكنه يؤكد لها " أن الزوجة الفاضلة هى التى لا تمل زوجها .. هي التى لا تتركه لدقائق .. هكذا تقول الآداب والأديان ".. ثم تركها إلى مكان آخر هربا من دموعها .. ولتعيش وحدتها كما أرادت .

و"تحت البلاطة المفقودة " الزوج الذى يدعو زوجته إلى أن يعيشا حياة الآخرين الذين لا يهتمون إلا بالأشياء التافهة .. فيرعبها ذلك .. لكنه يؤكد لها أن كلماته ليست حقيقية .. وأن ما كان يدعوها إليه لم يكن جادا فيه .. ويمضى معها وهما يتحاشيان تعثر أقدامهما على الطريق .

و" لم يصرخ أبدا " الزوج الذى اصطحب زوجته ليعبر بها إلي البر الثانى .. وذلك هربا من " بؤس وازدراء المعارف والتدنى بسبب وغير سبب " .. وأراد لها " أن ترفع رأسها رغم ذل العار الرابض حولها " .. وأن يحقق لها حلمها بالفرار.. دونما خشية من أخطار العبور والوقوع فريسة لتماسيح النهر .. وغاص بقدميه في الوحل وهو يدفع القارب بها جهة الشاطىء .. لكنها بمجرد وصولها فرت هاربة وتركته يحاول انتزاع ساقيه من الطين حين وصلت التماسيح إليه .. لكنه لم يستطع النجاة .

فذلك الثنائي – المرأة والرجل – يبدو كجزئية صغيرة تعيش وسط كل ما يفجر فيها عوامل الإثارة والتمرد .. بيد أن ثمة استسلام متواصل للحال .. وقناعة بالركود بالرغم من الرغبة الحقيقية فى الخلاص والتغيير من حال الإرغام إلي ما يحقق الحرية المأمولة .. وكل ذلك وحتى الآن لا يمكن بحال القول بأن الكاتبة حادت عن الواقعية في مضامينها .. لكن واقعيتها اقترنت بالتعبير عن الحال والهموم الإنسانية والردود العفوية التي تعمق المفهوم الحقيقى لمضامين القصص .

ودونما خروج عن علاقة ذلك الثنائى – الرجل والمراة – التي بدت بشكل مباشر فى كثير من القصص وبحضور ومشاركة في الموقف الواحد .. قدمت الكاتبة عددا من قصص المجموعة بدا الحضور فيها لأى من المرأة .. أو الرجل .. دونما وجود للآخر إلا من خلال الارتباط الذى قد يكون بينهما .. والذى يبدى في النهاية أن التغيير في مسار القصة لم يحدث إلا فى تغيير المواقع فقط .

" رجل بأصوات الأغلبية " المرأة التى تقف وراء زوجها من أجل أن يبدو أمام الجميع أنه سيد البيت .. وأنه وحده الذى يتكفل بشئونه .. ولا يعرف أحدا غيرها بحقيقته وضآلته .. وأن النقود التى تكون بيده هى نقودها هى .. وتنعكس صورته أمامها في صورة طفل يحاول أن يتصرف كرجل رغم صغر عمره .. فتهوى علي وجه الطفل دونما شعور منها ... ثم تؤكد لزوجها أنها كانت تقصد أن تصفعه هو لا أن تصفع الطفل . لكنه لا يهتم .. ويعتزم الزواج بأخرى .. مما يجعلها تقرر العمل على أن تمنع ذلك الزواج حتى لا تلغي فرديتها .. ولا يشاركها أحد رأيها فيه .

" ثوب اسود من أجلها " المرأة التي حال بينها وبين من كانت تريد أن يشاركها حياتها اقترانه بفتاة غيرها كانت تعرفها .. وبرغم أنها لم تكن تستحق مجرد الذهاب إليه لتعزيه فيها بعد وفاتها إلا انها ارتدت الثوب الأسود ومضت إلي بيته .. وهناك فوجئت بشبيهة للفتاة تجلس بجواره .. وقابلها بدهشة واستخفاف .. وقطعت – هي – لحظات الاضطراب بالاعتذار والوعد بالعودة مرة اخرى .

" حين تبهت الأشياء " انحسار الضوء .. ومحاولة المضى في متابعة ما حدث لبطل الرواية الذي ابتلعه الروتين .. ثم الاستغراق في الحيرة بسبب عدم وجود مكان للشمس يتيح للبشر جميعا الاستفادة من ضوئها . ولأن ذلك من الأشياء التى تبدو في حكم المستحيل .. ولم يكن سوى تطلع لمستقبل قابع وسط دائرة الامانى .. لم يكن ثمة بد من التحرك لاجتياز الظلام .

" همسات روح قلقة " بطلة الرواية التي تخلص منها المؤلف بوضعها أمام عجلات عربة مسرعة .. ورغم أنها تعرف أن تخلصه منها على هذا الشكل لم يكن إلا بسبب عجزه عن الوصول إلي نهاية طبيعية للأحداث .. كانت تراه يحيط نفسه بهالة من الوهم ينقلها إلي كل من يذهب إليه .. وفى النهاية أهداها لكاتب آخر يشبهه في أشياء كثيرة .. ولا تستطيع ان تتخلى عن الارتباط به .

" الجسر " محاولة عبور الجسر المهدد بالانهيار في أية لحظة .. يقوم بها بطل القصة ويتخطى كل إحساس بالخطر .. ويعمل على بقاء الجسر ليجده سالما حين يعود .

" وقفة عند المفترق " محاولة تمزيق خيوط العنكبوت الذى ينجح في الابتعاد .. ويبقى بطل القصة يتأمل العالم المحيط به .. ويتراءى له السقوط في الهاوية .. لكنها تحذره من السقوط .. فينظر إليها ثم إلى الأرض ويبتسم " في تراخ تتابعت خطواته علي السلم . وقف على الأرض . دب بقدمه بقوة . ضحك تناول يدها سارا ."

" خلف سرابات الداخل ".. الإنسان العظيم المرموق فى نظر الناس .. لكنه يعرف كما يعرفون – هم – ما حققه وما يمكن أن يحققه .. ويمضى في حبه لذاته أكثر من تلك التى تمنحه الكثير .. ويتمنى الموت لكل شىء أملا أن يتخطى – بعد ذلك – الوهم الذى يعيش فيه .

" خلف الباب المغلق " البقاء خلف الجدران لعشر سنوات لم يغير شيئا مما كان قبلها .. فالظن بأنه لا يفكر باتزان هو السبب في وضعه داخل سجنه .. وبالرغم من استمرار بقائه – خلف الباب المغلق – إلا أنه لا يهتم .. لأنه يعيش في الداخل حرية التفكير .. بينما في الخارج لا يتغير أى شىء من الأشياء المعادة والمكررة .

" البشر على الأرض الثانية " .. الإرادة الميتة .. والاستسلام للأقوى الذى يستطيع التغلب علي كل من يفكر فى مهاجمته .. والاحتفاظ بكل من يقع في قبضته .. مما يفقد المخلوق البشرى تماسكه وما يعينه علي الحياة .. ويجعله صيدا سهلا للطامعين الذين يستبيحون لأنفسهم كل ما لديه .

فما يبدو من خلال هذه القصص هو اعتماد صراعات الحياة خط أساسي .. لا حياد عنه .. ولا اختلاف في العوالم .. بيد أن تلك الهموم الذاتية تعكس الإحساس بحياة يبدو الانهزام والاستسلام أساسها .. وإن كان ذلك لا يفقد الرغبة في تغييرها .. ومحاولة تصحيح مسارها .. فالتدمير النفسى والإحباط والإحساس بالقيود المفروضة قسرا .. من سمات حياة القاع .. التى تعيشها نماذج إنسانية مسحوقة تخضع لسيطرة قهرية دونما احتجاج علي وضعها الحياتى الذي استقرت عليه لزمن طويل .. وباتت تفتقد البداية الفعلية للتخلي عن سلبيتها .

ففي " شيء يكسوه الطحلب " تفكر البطلة فيما سيجىء ولا تعرفه.." أتمنى أن أعرف ماسيحدث غدا. لو أقرأ الطالع فيجيبنى صدقا أو كذبا.لايهم. فقط يطمئنى الآن" ..وذلك لأنها ترى فى الحاضر ما كان فى الماضى ..ثمة مايتكرر باتفاق محكم ومرسوم وهى لاتدرى ..وعندما اختارت رفيقة لها ..حاولت أن تبعدها عن مصيرها الذى آلت إليه.رافقتها الطريق بالرغم من كرهها لها..تلك الكراهية التى بدت بعد الخطوة الأولى ..وراجعتها فى نمط حياتها ..وبوجوب الرضاء والابتسام ..بدلا من الحزن الذى يجعلها تتعثر .دون أن تعترف بضياع ابتسامتها إلى الأبد..ورافقتها طريق الخواء ..الذى لاترى طريقا سواه..وتتعجب منها "عندما أناديها "ناديه" تغضب ..لكن بسمتها تعود سريعة وهى تقول "درية" اسمى "درية" ..لا أعرف كيف أفهمها آن الإسم لايعنى شيئا ..وانها هى "نادية" أو درية" ..هى ولم تدر بأى إسم ستمضى معها ..وفى النهاية بدا لها احتمال السقوط أكثر من الاستمرار فى الارتفاع لأعلى ..فبقيت فى ركن من أركان القاع تحتمى فيه مما يتهددها .

وفى "غرفة بين الأحجار" تتراىء الصورة الذاتية للبطلة وهى لاتنظر لشىء..لكن ـ الصورة ــ لاتبتسم مثل "الموناليزا" لأنها فى داخلها تشعر بالفراغ الذى حولها..وعندما استحالت ـ الصورة ـ إلى الرجل الذىذهب ولم يترك خلفه سوى الصدى لكلماته الكثيرة..تتراءى لها مثل صورتها لا ينظر لشىء..تخيلته يبنى سفينة تعبر بهما الأظلال التى تقف تبكى عليها ..خذلها صمته ..ومن استسلمت للغريب فى خجل..إلا أنها وسط الثرثرة التى نالت منها لأعوام طويلة .. استحالت صورة الغريب الذى لم ترفضه إلى صورة ابنها الذى لم يعد صغيرا ..ويبنى بكلماته أبنية جميلة..ومن بين أكوام الحجارة التى تراكمت على أنفاسها ..والتى لو ارتفعت أكثر لدفنت حية ..قررت أن تبدى رأيها دونما الالتزام بالاختيار .

وثمةعناصر مشتركة بين هاتين القصتين تمثل التخيل الذاتى..والقلق على اللآتى .. ايضا يأتى القرار فى الثانية "غارقة بين الأحجار" بابداء الراى دون قيود.. تتمة..أو تطور للاستسلام والتقوقع داخل الركن المظلم فى القصة الأولى..وذلك من خلال المزج بين الحال وبين الحلم المترائى..والذى بتحقيقه يتحقق التغير والخلاص.

وتبدو عناصر من نوع آخر تشترك مع بعضها فى قصتين أيضا ..

"حدوتة قبل النوم" خصوصا الانتماء إلى التاريخ القديم الطويل..وتأكيد الاعتقاد بحقيقة الامتداد التاريخى إلى الحاضر والمتغير..برغم ضياع الهوية ..وبرغم تجاهل ماتحمله الأوراق .. أو تبصر كل مافيها.. وايضا برغم الضياع وسط الزحام ..ومهما غفا الصديق الذى لم يصبح صديقا بعد.. سيعرف الإسم والهوية المفقودة "عروس النيل ..ابنة أحد المصريين"

"وشاهد من ورق" التاريخ الذى يرقب الأحداث ..ويحفظها فى ذاكرته على مر الزمن..مثلما مايجرى من أحداث يستحيل إلى كلمات على الصفحات ..ترسم الصورة الكاملة بكل أبعادها ..ولا تغيير فى الحقيقة الثابتة مهما ضاعتمعالمها ..وداست عليها الأقدام..الجميع يتحركون وهو واقف يرقب ..نظرته لاتعبر عن شىء.. قدمه ملتفة على الأخرى ..يمارس الوقوف بإتقان وتعود"كل الأقدام تتحرك إلا قدميه".

فالحديث إلى الصديق عن السقوط وسط الحركة والزحام عن الأوراق التى تحغظ الهوية ..استحال إلى الزحام حول المنزل المنهار ..وجميع أبعاد الصورة الكاملة للأحداث..وأوراق الحقيبة استحالت إلى رسالة "سارت تقطع الطريق القديم".

وتضع "أحلام زائر متعصب" البطلة فى حيرة مع الصديق الذى لايهتم بتاريخ البرج..لأنه لايقصد من رحلته إلا رؤية معالم التاريخ الذى أعجبته قبل أن يراها ..مما يجعلها فى دهشة وعجب منه..هل من الممكن أن يعجب شخص بشىء لم يره..بل رفض أن يسمع شيئا عن تاريخه .. لكنه أكد بذلك بنظرته الواثقة ..والرغبة فى لقاء آخرعلى طريق ممهد يربط بين المدينتين .

من ثم تكشف تلك التتممات التى تكون بين القصص وبعضها ..عن وجود ارتباط عضوى بينها..ولا يمكن بحال إذا ما اجتمعت مثل هذه القصص التى تجمع بينها استكمالات بصورة ما فى وقت واحد تحت بصرالمتلقى ..أن يتقبلها كأعمال منفصلة عن بعضها..وإنما سيعايش الحدث أو الموقف الذى بكون من خلال استمراريته التى لم تنقطع..على أساس ذلك التوحد الذى يجمع بينهما ..ويجعلها كمعزوفة واحدة متنوعة الأداء.

ذلك ينسحب أيضا على المجموعة ككل دون استثناء..باعتبار أن الشخصيات الرئيسية فى القصص تبدو من خلال مستوى واحد لايتغير ..وبحيث لايمكن الاعتراف بأن ثمة اختلاف بين إحداها والأخرى.. خاصة المرأة التى بدت كصوت أساسى فى غالبية القصص..فالتى فى "أخرجنى من عينيك" هى التى فى الكثير غيرها..بنفس عادياتها وبذات همومها المتعددة التى تؤرقها..وأيضا فى كل ماتثيره من قضايا تتعدى ذاتيتها لتشمل المجتمع الذى تعيشه ككل.. وهذاما ينتهى بها إلى كونها فى الحقيقة رمزا وليست امرأة عادية..إلا أن دلالة ذلك الرمز قد يبدو فيه ثمة تغيير فى قصتين فقط من قصص المجموعة ..هما "شىء يكسوه الطحالب"و" غارقة بين الأشجار" ..ومن الممكن بسهولة أن يكتشف القارىء الواعى دلالة ذلك الرمز..حال إسقاطه على العمل.

كما أن ذلك الرمز ــ المرأة ــ لايختلف من حيث دلالته ..سواء فى القصص التى تبدو وكأنها محاكاة لواقع مألوف فى كثير من القصص..إلى حد التطابق الفعلى للحياة الأسرية العادية.. أو فى عدد من القصص عمدت فيها الكاتبة إلى التجريب.. "داخل حبات اللؤلؤ"و"شاهد من ورق"و"حين تبهت الأشياء"وأحذية فوق الخط الصمغى"ووقفة عند المفترق "و"المصباح"و"رأس داخل مكعب"و "البشر على الأرض الثانية" وغيرها.. وأيضا فى القصص التى تجمع بين الرمز والتجريب معا..فالبعد الرمزى لم يأت بعفوية مطلقة تجعله معرضا للتشويش الذى يبعده عن ماهيته..وعلام يدل.. وإنما انبنى بتخطيط واع ..سواء بدا بتفرد فى قصة واحدة..أو تقاسمها فى القصص التى احتوت على عدد من الرموز.

لأن الاعتماد على على البعد الرمزى انبنى فى الأساس على القلق الوجودى ..التى تعيشه الشخصيةالرئيسية..وينسحب أيضا على مايكون معها من شخصيات أخرى.. تحيا الواقع كشىء فعلى..أو كحلم ترى فيه مايغير منه..لتعود الحياة فيه إلى سويتها الغائبة عن مسرحه..والتى يفتقدها المجتمع المعاصر الملىء بصور الإحباط الكثيرة ..التى يعانى منها الإنسان العادى.

وقد وضح ذلك فى تقديم القصص كصور مختزنة فى الذاكرة..طفت على سطحها فى لحظة ما..غير محدودة بزمن أو مكان..فالتاريخ منعدما دائما..والمسرح لم يخرج عن صفة العموم..وكذا الحدث افتقد خصوصيته على فرد بذاته..من ثم فالرفض..أو التمرد..والرغبة فى التغيير..ولو كان ذلك من خلال حلم.. من الأشياء التى لاتقتصر على إنسان بعينه فقط..وكذا التسلط ..وفرض الأوضاع الظالمة ..باستخدام أساليب القهر المتنوعة.. ووسائل الترغيب والترهيب..لايمكن بحال قصرها على آحاد الناس..وإنما يخضع لها كل من يتواجد فى ظلها.

فالتكنيك الذى اعتمدت عليه الكاتبة فى بناء الشكل ..هو إيجاز الحدث أو الموقف فى بداية القصة..ثم إضفاء بعض النفصيلات التى تلق الضوء قبل أن تعود إلى لحظة البداية مرة اخرى.."لو عادت السنوات فهل نعود,, أم أن ذهابنا بلا عودة" ..بداية ونهاية قصة"هل نعود" وهذا على سبيل المثال.

ومن ناحية أخرى قد يبدو سبب اتخاذ القرار النهائى كما فى قصة"أخرجنى من عينيك" بإيجاز للظروف التى دعت إليه.."نظرت إليه. فتحت فمها. لم تخرج الكلمات .تعجب من نفسها.كانت الكلمات على طرف لسانها.أين ذهبت.دائما تذهب ولا تعود.تحاول التذكر لكنها لا تستطيع.عيناه مقبرتان واسعتان .تضمانها. تكفيها مقبرة واحدة .لكنه يمنحها اثنتين.تنطوى داخلهما.تندثر.تضيع"..وأيضا قصة" داخل حبات اللؤلؤ" "أخذتنى حبات اللؤلؤالمتساوية الأحجام.يضمها خيط العقد.من سجنى.من أفكار المشتتة المتناثرة فى كل الأجواء.فى كل الأماكن.فى كل الأزمان".

من ثم فالاستحضارت التى تأتى بعد ذلك ..لاتعدو كونها مجرد تفصيلات ..وإضاءات أكثر لما فى داخل البناء الشكلى للحدث..وما تمخض عنه الموقف من خلال التطور الدرامى ..الذى يتصاعد إلى أن ينتهى فى نقطة معينة..قد تكون قاطعة كنهاية جتمية لما كان.. او تبدو كوقفة عارضة فى انتظار ما سيكون.

وقد اتسمت تلك الاستحضارات بالشاعرية ..كلغة لها إيقاعها الحسى,وقدرتها الموحية فى مواضيع كثيرة تكاد تكون هى الغالبة ..سواء كان ذلك من خلال السرد أو من خلال الحوار.. كما فى القصص التى انبنت أساسا من حيث الشكل على الحوار "نزعوا الصوت من بين أصابع كف الجلادالميت.جاء الورثة. صرخ الرجل بقوة كل الرعب القابض فى القلب. يعصر.يعصر. لا يبقى شيئا. يصرخ :

ــ كان الجلاد نبيا.

هتف الكل:

ــ كان الجلاد نبيا.

صرخ:

ــ والأنبياء لايورثون.

هتف الكل:

ــ والأنبياء لايورثون.

قال:

فليحفظ سوط الجلاد.تذكارا قدسيا لاتمسه الأيدى.

قالوا:

ــ فليحفظ .

قال:

ــ ولتعمل للجلاد جنازة مهيبة تليق بنبى .

امتدت كلماته تمس بقايا الخوف .قطرات الخوف تتساقط من قلوب الناس .ألسنة الناس الحجرية لا نت. وتكلم الناس" قصة" هل نعود"

كما بدا أيضا ثمة استخدام لمفردات معينة كدلالات تضيف إلى البعد الرمزى مايوحى إليه. كالشمس."الشمس معلقة فوق الأفق.نورها أقوى من نور المصباح فى حجرتهم. "..والبحر وطائر النورس" النورس يطوى أجواء الفرحة داخل ريش جناحيه.يهبط فوق الماء ويعلو . ينتظم بجوقات رائعة التشكيل. يعزف سيمفونية صيدالأسماك البحرية. ".." دار الطائر الكبير نصف دورة. سقط فجأة على سطح الماء ثم ارتفع." وغير ذلك مما يعين عاى الإيحاء داخل المضمون..يكشف عن ماهيته التى تتعدى حدود البادى على السطح..وتجعلهتسارا شفافا للرؤية التامليةالباعثة على التفكير..إذ يقوى من الترابط بين المعادلات الرمزية الأخرى ..حال الوقوف عليها إلى حد ما..

وعلى هذا الأساس تبدو مجموعة" اخرجنى من عينيك" وقد جمعت بين تيارات متعددة .التمرد.الوعى.الرمز. التجريب. على بسط الواقعية ..التى تبدو فى انسحاق الإنسان فى ظل مجتمع اعتمد فى على سياسة الترغيب والترهيب..وتعميق الإحساس بالضياع ..والرفض للحياة المليئة بالإحباط..والقهر الذاتى فى ظل قيود محكمة ..يغيب الأمل فى الخروج من أسرها ..أو الانفصال عنها..وكأنها قدر حتمى..رسخ الاعتياد عليه فى ـ النفس ـ مواتا لرغبة فى الخلاص منه.. إلا أنها وإن كانت قد اهتمت بطرح شماهو فى الواقع ..ولم يكن ثمة لجوء للحلول الجاهزة ..فذلك يرجع كما يبدو إلى تغليف الآتى بضبابية قاتمة..يختفى وراءها ملامح القادم الجديد.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*

السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007