[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
تاج  تاج
التاريخ:  القراءات:(1737) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
تاج

قصة قصيرة

صورة في المرآة

وقفت أمام المرآة ، كانت تشعر بالوهن في كل أنحاء جسدها ، تتنازعها الهواجس ، وتنهب عقلها الأفكار ، انعكست صورتها في المرآة الصقيلة ، مرآة الحمام ، المجاور لغرفة العمليات .

ومضت عيناها اللتان تورمتا وانتفخت جفونهما وأحيطتا بهالة شديدة من السواد .

إنها لا تخشى المرض ، فكم من المرات قد لزمت السرير ، وترددت على الأطباء . لا تنسى أنها قد أشرفت على الموت يوما ، ولكن ذلك الفزع المخيف الذي رأته في عينيها ، وتلك الوحشة القاتلة التي استقرت في أعماق نفسها ، لم يسبق لها مثيل .

رأت نفسها وحيدة ، وعارية ، تواجه الموت ، أو أمرا أقسى من الموت .

لم يكن بجوارها أحد من الأهل والأحبة ، أو الأصدقاء . فقد اعتادت مواجهة المحن لوحدها .

تضرعت إلى الله فقالت : اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، وإليك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم أنزل علي السكينة ، أنا الفقيرة إلى رحمتك ، يا من سلمت من الشرور والنقائص ، يا من تسلم عبادك ، سلمني يا رب ، ليس لي سواك ، ولا أرجو أحدا إلا أنت .

يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني .

ارتعدت أوصالها ، بينما كانت تنضو ثوبها ، وترتدي رداء العملية ، عملية قسطرة في رقبتها ، كأنها تساق إلى حتفها ، ألمها فوق الوصف ، وحشتها عميقة كعمق المحيط .

تاج

تاج ممرضة فلبينية ، شابة فتية في مقتبل العمر ، قد لا تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها .

ترتدي الرداء الأبيض المعتاد للممرضات ، تلف خمارا أبيض حول شعرها الناعم .

كذلك تضع النقاب الأبيض على وجهها حسب نظام المشفى . تتحرك بل تحلق مثل فراشة جميلة ، تضيء بجمالها المكان كله .

تقوم بتفقد أجهزة الغسيل ، تحي المرضى بابتسامة صافية ، وبلكنة عربية طريفة ، تقول صباح الخير .

الغرفة تزدحم بالأسرة ، وأجهزة الغسيل الدموي ، والأدوات الطبية المتعددة ، من المطهرات والإبر والقطن ، والأدوية وأوعية المحاليل وغير ذلك .

الجو العام في الغرفة ، يبعث على السآمة والحزن ، حيث يشم الإنسان رائحة المرض في جنباتها ، وتعلو أصوات الأنين ، فوق كل صوت فيها .

الغرفة واسعة ، جيدة التهوية ، تتمتع بأعلى درجات النظافة .

تأنس المريضات إلى تاج كثيرا ، ويملن إلى الحديث معها ، وممازحتها ، لأنها بشوشة ، طيبة النفس ، رقيقة العبارة ، لا تنفك تبتسم ، وتولي المريضة كل عنايتها .

عندما تكون الأمور هادئة في الغرفة ، وقد انتهت تماما من شبك كل مريضة بكليتها الصناعية ، تتسلى بإرسال الرسائل ، عبر هاتفها المحمول ، أو تثرثر مع رفيقاتها أو أحد أفراد عائلتها ، عبر الواتس .

هذه الممرضة مدهشة ، وقلما تجد لها نظيرا بين لداتها من الممرضات أو العاملات في أقسام المركز المتعددة ، فهي لا تبدي التذمر من طلبات المرضى ، وإن تجاوزت الحد ، وهي تهب لنجدة المريض ، ومساعدته عند الحاجة ، وتعتني براحته والتخفيف من ألمه وضيقه .

أحيانا تساعد المريض ليستلقي براحة على سريره ، أو تساعده على تناول طعامه ، فضلا عن متابعة ومراقبة عملية الغسيل ، عبر الآلة ، وتفقد درجة الضغط ، وتسجيلها في ملف المريض .

حباها الله تلك الروح الصاخبة ، الجياشة بالعواطف والأحاسيس ، الفياضة باللطف والمرح .

أحيانا يشعر المرء ، وكأنها تجيد الانفصال ، والخروج من العالم حولها ، في تلك الغرفة التي تجسد المعاناة والعذاب . وربما تكون قد اعتادت تلك الأجواء الكئيبة ، التي تعيشها كل يوم .

لو كانت تغرق في مأساة كل مريض ، تتولى رعايته ، لربما انتهى بها الأمر ، إلى ترك ذلك العمل ، ولربما أورثها الشعور بكره الحياة والنظر إليها بسوداوية .

ولا يمكن لتاج وحدها ، العناية بكل المرضى ، بل تساعدها ممرضات أخريات ، ولكنهن على النقيض تماما ، لا يتمتعن بالجاذبية التي لديها ، في روحها صخب الحياة ، وقوتها وجمالها وانطلاقها . وفي ابتساماتها المشرقة ، وألق عينيها الساحرتين ، رقة وبهجة ، تمنحك الشعور بالعافية ، حيث المرض والشدة والمعاناة . وتوحي إليك بمعنى عميق للحياة ، حيث أسباب الموت والفناء ، قائمة أمام عينيك .

يتساءل المرء أحيانا ، كيف تربت هذه الفتاة ، وبأي قيم تعيش ، لتحيا على هذا القدر من الخلق الرفيع ، والبهجة الغامرة .

أحيانا تدندن بأغنية بلغتها الأم ، أو بلغة إنجليزية . وهي تدور بين الأسرة ، وتتفقد المرضى .

أما الممرضة الأخرى ، فهي على النقيض تماما ، واجمة طوال الوقت ، لا تكاد تتحدث إلا عند اللزوم ، تبدو على ملامحها السمراء سيماء الجدية ، والوقار . وتميل إلى العبوس والحزن ، وكأنها قد تأثرت بجو المرض ومعاناة المرضى . فربما تراقب تلك الوجوه ، التي رسمت الآلام معالمها ، في كل جزء منها ، في المآقي الذابلة ، والابتسامات المبتسرة ، والبشرة المخددة .

إنها جادة طوال الوقت ، تتحدث بصرامة ، وتعقد جبينها أثناء الحديث ، وتمصمص شفتيها في قلق .

وعندما تجلس تثير الحزن والدهشة في نفس الناظر إليها ، فهي تبدو وحيدة وتعيسة .

ورغم جديتها العميقة ، وعبوسها ، وكآبتها ، إلا أنها بارعة في عملها ، تحسن غرز الإبر باحتراف ، فلا تسبب ألما يذكر للمريض .

كوكب صغير

أصبحت الآن تعيش في كوكب صغير ، حدودها السرير الأبيض ، وما عليه من لحف ومخدات ، وأجهزة تمكنها من التحكم بحركة وأوضاع السرير ، وإلى جوارها تقوم كليتها الصناعية ، التي تقف مثل كائن غريب ، قدم من عالم افتراضي .

تزمجر وتئن إلى جوارها . تصغي بشغف إلى ترتيل الشيخ ماهر المعيقلي ، لسورة البقرة ، والذي ينبعث من جهاز تسجيل ، وضع في جانب من الغرفة .

هرعت الممرضة إليها ، لتقوم بغرز الإبر في ساعدها ، وتوصيلها بالجهاز . شعرت بوخز الإبرة في ساعدها ، انقبضت أساريرها في ألم ، أنت في صمت . حاولت الشعور بالاسترخاء ، لتخفف من آلامها . أصغت بخشوع إلى ترتيل القران ، تمتمت ، سبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

كانت تتأمل باستغراب ، تلك الدماء ، ذات اللون الأحمر القاني ، تتلألأ أثناء مرورها ، خلال الأنابيب الطويلة ، الموصولة بجهاز الغسيل .

تكاد لا تصدق أنه دمها ، يتم استخراجه وتنقيته من السموم ، وسحب السوائل المؤذية من جسدها

يبدو الأمر أمامها كمفارقة عجيبة . يسفح دمها خارج الجسد ، بينما لا تزال على قيد الحياة . يبدو كنوع غريب وعجيب من الموت أو صورة غريبة ، من تعانق الموت والحياة ، في اللحظة ذاتها .

تتساءل في داخل نفسها عن سر الحياة ، ومعنى الوجود . وتنبسط أمامها صفحة غريبة ، يمكنها أن تسجل عبرها المشاعر المتناقضة ، حول جسدها المريض ، وكليتيها اللتين فشلتا تماما ، فأصبحت تعتمد على الغسيل الدموي.

تتبادر إلى ذهنها كل مظاهر العناية بالجسد ، من فرك ودعك بأفضل أنواع الصابون ، والمعطرات ، ودهنه بأنواع الزيوت العطرية ، وشتى الكريمات .

ما جدوى كل هذه العناية بالجسد ؟!

على الرغم من كونها امرأة ، تعتني بأمور الزينة ، وتربت في الحلية ، كما قال الله عز وجل : " أو من ينشأ في الحلية ، وهو في الخصام غير مبين "

إلا أن الإفراط ، والمبالغة في العناية بهذا الجسد ، يخرج بالأمر من الزينة ، إلى الهوس .

وكأن هذا الجسد ، هو وثن ، يتعبد البعض في رحابه ، كما أن الإنسان لا ينحصر في هذا الجسد ، إن حقيقة وكينونة الإنسان تتجاوز هذا الجسد ، بل تحمل سر الكون كله ، إن الإنسان كوكب صغير قائم بذاته ، وتنطوي في داخله أسرار وأعاجيب الكون كله . إنه مزيج من الجسد والنفس والروح ، مزيج من الشهوات والأفكار ، والعواطف .

الإنسان هو سر هذا الوجود ، وخليفة الله على هذه الأرض .

هل تشعر بالانفصال عن جسدها ؟

هل تشعر بأنه قد خذلها ، وتركها في نصف الطريق ؟

هل تشعر بالخذلان والبؤس ، لأن كليتها كفت عن العمل ؟

هل سوف تسقط في بئر الشقاء واليأس ، وتنظم القصائد في رثاء نفسها ؟

لماذا ينتابنا الأسف والأسى ، عندما تتعطل دورة الحياة في أجسادنا ؟

وعندما تفتك بنا الأمراض ، وتهددنا الآلام والمعاناة كل يوم ؟

الصراع محتدم بين روحها ، التي تمور بالتحدي ، وجسدها الذي يتضاءل ويذوي ، ويضعف يوما بعد يوم .

روحها القوية العامرة باليقين والإيمان ، تأبى اليأس والقنوط والاستسلام .

تتلو الآيات الكريمة " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا "

تبارك الله الحي القيوم الذي لا يموت ، الذي وهبنا الحياة ، وبثها في كل المخلوقات ، ثم قضى علينا بالموت ، وكم هو مبهم ومخيف ، لا نعرف له سببا محددا ، ولكن له صور كثيرة ، ومنها المرض ، ومن المفارقات العجيبة ، أن المريض قد يشفى ويعمر ، بينما يموت الصحيح .

‏06‏/11‏/13 الأربعاء

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007