[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حنين 
التاريخ:  القراءات:(2121) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  
تَبَسَّمتْ كلُّ ملامحها المتعبة وهم يدفعون كرسيها المتحرِّك جهة السيارة؛ مسافرين إلى القرية التي أصبحتْ آخرَ أمانيِّها، أن ترى مزارعها وبيوتها، وطرقها المتعرجة. ما زالت تتذكر تفاصيل كل شيء في القرية التي غادرتها منذ ثلاثين سنة.

لم يجد ابنها مناصاً من تلبية رغبتها في أن ترى القرية التي تجوَّلتْ في دروبها وهو في أحشائها، وأن تُطلَّ من سطح بيتهم القديم على السفح، حيثُ يرقد أبوه منذ ثلاثين سنة، وأن تُكحِّل عينيها الحسيرتين بمراتع الطفولة والصبا، حيثُ رَعَتْ، واحتطبت؛ وأن تشربَ من البئر، حيث التقتْ زوجَها أولَ مرة، وأومأتْ له بالموافقة على خطبتها، فما جاءت العشية إلا وهو ضيفُ أبيها، وأن تنظر إلى المزارع حيثُ شاركت في الزراعة والحصاد، في أيامها الخضر، ولياليها المقمرة.

تحدِّق في ضوء الصباح عبر نوافذ السيارة، فقد أقعدها المرض عن استقبال شمس الصباح منذ زمن. بعد وقتٍ من التحديق في كل الاتجاهات، غلبها الإعياء فنامت. كلما أفاقت على اهتزاز السيارة سألت: وصلنا؟

فيأتيها الجواب مخيباً: باقي.

يرجوها أن تنام وترتاح. في حين تنوب عنه زوجته في تطمينها أحياناً، بأنها ستوقظها عندما يشارفون على الوصول.

قرروا التوقف لتناول الغداء فقد انتصف النهار، وكلهم يحتاج الراحة من عناء الطريق، غير أنها عارضت التوقف فهو إضاعة للوقت، بلا ضرورة، وهي تأمل أن تصل إلى بلدتها وما يزال في النهار بقية، فليس لديها الصبر حتى بزوغ شمس يومٍ جديد.

تمضي ساعات من السير الحثيث فيلفُّهم الصمتُ، بينما يشغله خوفه ألا يحتمل قلبها المنهك صدمة اندثار القرية، التي قضمتها الشوارع والعمارات. إلا أنها لم تَزل ماثلة بكل تفاصيلها في حكايات العجوز. ينتابه الندم لأنه رضخ لإلحاحها، ولكنه يعود فيسوِّغ موافقته بأنها كانت ستشعر بهوانها عليه لو تمسك برفضه زيارة القرية.

بعد وعثاء يومٍ من السفر المتصل، التقوا والليل على مشارف المدينة؛ اقترحَ أن ينزلوا فندقاً مشرفاً على الحي، وتقاطعات الشوارع الجاثمة على جنبات القرية، حدَّث زوجته وابنه الذي تولى القيادة منذ منتصف الطريق، فوافقاه على اقتراحه، فقد بلغ بهم الإعياء غايته.

ولكن هل ستوافقهم على النزول في الفندق حتى الصباح؟! تبددت حيرتهم، وحلَّ محلَّها حزنٌ عميق، عندما استيقنوا أن نومتها تلك ستطول.

أكتوبر 2013م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007