[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بابور سكّين من وحي الحياة في قريتي قبل نصف قرن
التاريخ:السبت 21 ديسمبر 2013  القراءات:(2751) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن ربيع الغامدي  
أنزلت عن ظهر حمارتي كيسا حوى مدين من الحنطة الحمراء المخلوطة مع الشعير الأصفر وحملته حتى دخلت به إلى البابور، تناول العم سكين ذلك الكيس وبعد أن فتحه قال هذه مشعورة ولعلها مدين فقط، قلت نعم هي كذلك قال أجرة طحنها قرش واحد، قلت: أبشر، اطحن الآن وإذا عاد أبي من مكة سيعطيك القرش.

تذكرت فجأة أن أمي قد وضعت ملحا على المشعورة وهذا يعني أن صاحب البابور لن يضع ملحا من عنده وبالتالي تكون الأجرة أقل، لذلك قلت له كيف تأخذ قرشا ومشعورتي مملوحة؟ ضحك وهو يقول أنه قد رأى الملح على صفحة الحب داخل الكيس، وأكد لي أنه ليس بأعمى ولو لم تكن المشعورة مملوحة لكانت الأجرة قرشا ونصف.

كاد الخجل أن يغشى وجهي لولا أنه وجه قد نسجه أبي من جرانيت جبال السراة ولذلك كنت قويا عندما قلت له: طيب اعجل لا تؤخرني وتقدم غيري، ومع انه متفضل علي لكنه غلّب السماحة حين قال أبشر، لا تخف أمامك اثنين بعدهما يصل إليك الدّوَل فأضع مشعورتك في كادوس البابور وتعود بها مطحونة إلى أمك.

كان الطاحون كادوسه ورحاه وسيره الغليظ وماطوره الممرد بالزيت يتواضع على الأرض كتمثال أبي الهول لكنه محبوس داخل غرفة مستطيلة خارج عمران القرية، وهناك أنبوب متصل بالماطور يتجه نحو سقف الغرفة ثم يخترق السقف ليطل من خارج الغرفة نافثا دخانه الأسود متكلما بأبجدية غريبة كنت على ثقة أنها تشكل جملا مفيدة.

تركت غرفة البابور وخرجت إلى حيث المكان الذي أعشقه وأترقب مشوارا كهذا لأجلس فيه تحت تلك الأنبوبة التي تنفث دخانا وأبجدية غريبة، كنت أقسم لأقراني أن عادم البابور هذا يقول شيئا وأننا لو أنصتنا جيدا فسوف نكتشف كلاما مفيدا يقوله البابور، وأقسم لكم الآن أنني كنت أتبتل في محراب ذلك الأنبوب فإذا أوشكت أن أفكك لغة البابور أفلت الحبل من يدي وفي كل مرة أقترب فيها من لغة البابور يأتي من يعيدني إلى أول السطر.

كان البابور يواصل رطانته عبر الشكمان العادم، وكنت استبين منها حرفا أو حرفين، قق قق قاق، قق قق قاق، قق قق قاق، قق قق قاق، قق قق قاق، هو يواصل رطانته وأنا أواصل الإصغاء، كل حواسي كانت معطلة عدا أذني اليسرى التي كانت موجهة نحو أنبوبة العادم تلك، أدخل في غياب لا يضاهيه حتى غياب الصوفي تحت خرقته، ولما أوشكت أن أفهم شيئا تشتت انتباهي وتبدد تركيزي تحت صوت العم سكين الذي كان يقول لي: قم، ثم يردف شاتما: قام ضلعك، ثم يردف موجها: احمل طحينك وعد لأمك قبل أن تأتي باحثة عنك.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007