[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
إبنتي 
التاريخ:  القراءات:(1603) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
*1*

وقفت ابنتي ، تتأمل جسدها الممشوق ، ودارت على أطراف قدميها ، كأنها ترقص الباليه ، ثم ضحكت برعونة وقالت : ما رأيك يا أمي ؟

قطبت جبيني ، وتظاهرت بعدم الفهم ، عندئذ صاحت بدهشة وفردت ثوبها ، ثم قالت : المريول !

آه إنه جميل ، ولونه الأخضر ، أجمل ما فيه ، ولكن ألا ترين أنه ضيق ، يكاد يلتصق بجسدك النحيل .

ماذا تريدين يا أمي ، إنه ثوب وليس عباءة ، ثم هرعت إلى مرآتها ، لتنعم النظر في أعطافها , بإعجاب وافتخار .

عندما انصرفت ابنتي ، غادرت في اللحظة ذاتها ، وغبت في لجة الذكريات ، عندما كنت في الصف الأول الثانوي ، ارتديت المريول ، ولكل مرحلة من التعليم لون خاص ، وفي ذلك الوقت ، كان اللون بنيا ، وقد ارتدينا أثوابا بنية اللون ، مختلفة الدرجات .

اللون البني ، هاديء ، وقور ، لا يناسب تلك المرحلة ، التي تتسم بالثورة والتمرد ، ومحاولة إثبات الذات .

الجسد يثور ويتغير ، وينقسم وتبدو علامات الأنوثة جلية للعين ، والعقل يزداد نضوجا ، ويطرح الأسئلة حول كل شيء .

عدت من غيابي القسري ، على صوت ابنتي ، وهي تعيد طرح السؤال ذاته ، ما رأيك بالمريول ؟

ابتسمت وقلت لها ، إنه جميل ، كما قلت سابقا ، لماذا تلحين في السؤال ؟

لأن رأيك يهمني ، هكذا ردت بجدية .

إذا كان رأي مهما كما تزعمين ، فإنه ضيق عليك ، فأنت ترتدينه من أجل المدرسة ، ولا يليق أن يكون شديد الضيق هكذا .

*2*

نهضت ابنتي من نومها مبكرا ، تحدوها الآمال ، فهو يومها الأول في المدرسة الثانوية ، واعتنت بفرك بشرتها ، ودعك خديها ، واستخدمت منظفات البشرة ، ثم كريمات أخرى للترطيب والوقاية من أشعة الشمس ، وبعد أدائها صلاة الفجر ، قامت بأداء بعض التمارين الرياضية .

انصرفت كالعادة ، إلى إنجاز بعض شئون المنزل ، من إعداد الإفطار من الحليب الساخن وحبوب الذرة ، أو القليل من الجبن والبيض والخبز .

ظلت ابنتي تمارس التمارين الرياضية ، بينما تصغي بشغف إلى أغنية أجنبية ، تصدح من جهازها المحمول .

هلا بدأت يومك بذكر الله ، قلت ذلك بغضب وشدة ، ألا تودين أن يكون يومك سعيدا ومباركا ؟

لا تقلدي الأفلام ، أنت فتاة مسلمة ، ونحن لدينا أذكارا ، نتلوها في الصباح ، المسلم الحق ، لا يبدأ يومه بسماع الأغنيات .

هداك الله يا بنيتي .

بالطبع لم ترد علي ، وتعلم أنها مخطئة ، فلا تجرأ على مجادلتي ، هزت رأسها ، وابتسمت ابتسامة المذنب ، المقر بذنبه .

*3*

أنجزت ابنتي برنامجها في الصباح ، لكنها تأخرت على السيارة الخاصة ، التي تقلها إلى مدرستها الثانوية المطورة . وبسرعة تجرعت القليل من الحليب الساخن ، وقبل أن تغادر ، استدارت إلى الخلف ، لتريني تسريحة شعرها ، ثم سألتني ، هل هي جيدة ومناسبة ، أم لا ؟

في الحقيقة كانت تجيد تصفيف شعرها ، وتتعلم الكثير من التسريحات عبر النت . وكل يوم تصفف شعرها بطريقة جديدة .

كانت ابنتي تضج بالحيوية ، والصخب ، وتمور نفسها بقلق عميق ، تعبر عنه من خلال سلوكها المتهور ، وردات فعلها العصبية النزقة أحيانا ، أو ضيقها وحزنها بدون سبب ظاهر.

وسبحان الله ، فقد كانت آية في الهدوء ، واللين والرقة ، والبعد عن الشغب والمشاكسات ، عندما كانت طفلة .

وتتحلى بالمثابرة والاجتهاد ، ولديها همة عالية ، تدفعها لإنجاز أعمالها بسرعة فائقة

فقد كانت التلميذات في فصلها يلعبن ، ويتصايحن مرحات ، بينما تنكب على إنجاز دروسها ، وترتيب أقلامها ودفاترها .

*4*

بعد الساعة الثانية ظهرا ، عادت وهي تلهث من التعب ، وتلتمع حبات العرق ، فوق جبينها العريض ، وتجر وراءها العباءة ، والحقيبة المليئة بالكتب .

تناولت القليل من طعام الغداء ، ثم انطلقت تحكي عن تجربة اليوم الأول ، وبدأت بالحديث عن الوكيلة ، فقد استقبلت الطالبات بالتهديد والوعيد منذ اليوم الأول . فتكون لديها شعور سلبي نحو الوكيلة .

هونت عليها الأمر ، وقلت لا بأس ، فالإدارة تحتاج إلى الصرامة ، ولا بد لها من التهديد والوعيد ، والتلويح بالعقوبة ، لمن تخالف النظام .

قوست حاجبيها في غضب ، ثم قالت باستهتار : طز فيها ...!

*5*

تغيرت ابنتي بسرعة ، فهي تغادر سنوات الطفولة البريئة ، إلى سنوات المراهقة ، والاقتراب من النضج ، وبدأت شخصيتها تتسم بالكثير من الخصال ، فهي عنيدة ، ولديها تصميم واعتداد برأيها ، إلى حد الطغيان ، وعندما نناقشها أحيانا ، تتظاهر بالاقتناع ،بما نقول ، سواء أنا أو والدها . ولكن في بريق عينيها ، وضحكتها الخافتة ، ما ينبئ عن شعورها بالعكس ، وكأنها تقول بطريقتها الخاصة ، أنتما تعيشان خارج هذا الزمن .

الرفقة تؤثر كثيرا ، على الفتيان والفتيات ، وقالوا قديما ، المرء على دين خليله . ولذلك فقد كنت أتوجس من رفيقاتها ، فانا لا أعلم من أية بيئات جئن ، وهل يعشن حياة عائلية هادئة ، وكيف تربت هؤلاء الفتيات ، وهل يتحلين بالحشمة والحياء ، والآداب الاجتماعية ، التي تربينا عليها جميعا .

لقد صحبتها ، في حضور مناسبة اجتماعية ، لدى إحدى صديقاتها المقربات . فقد حضر الكثير ، من رفيقاتها في المدرسة ، بصحبة أمهاتهن . فرأيت الأمر العجيب ، وكم كانت صدمتي كبيرة ؟

فكل الفتيات يرتدين ، ملابس قصيرة وشفافة ، ربما فوق الركبة وقلة منهن ترتدي بنطالا وقميصا ، وتبدو ثيابها منا سبة . وكانت المصيبة أكبر ، عندما كانت الأمهات ، يرتدين ملابس لا يمكن أن نصفها بالاحتشام ، فهي تظهر العنق وجزءا من الصدر أو الظهر وهناك من ترتدي ملا بس قصيرة جدا، وقلما تجد امرأة ترتدي الثوب المناسب .

ولهذا فقد شعرت بالأسف ، لأن الفتاة تقتدي بأمها ، فإذا كانت الأم على هذه الشاكلة ، فكيف نلوم فتاة لا زالت صغيرة .

شعرت حقا أن هناك الكثير من التغيرات في أخلاق الناس ، وكذلك عاداتهم .

خامرني شعور عميق بالغربة ، وكأنني أعيش خارج الزمن أو أنتمي إلى كوكب آخر .

تذكرت والدتي التي كانت صارمة بخصوص الملابس ، فلا يسمح لنا بارتداء القصير أو الثوب الذي يكشف أجزاء كثيرة من الجسم .

كانت تقول دائما أن أجمل ما تتحلى به كل فتاة هو الحياء .

وقد شعرت بالامتنان والفخر ، لأن ابنتي كانت ترتدي ثوبا مناسبا ، وتتصرف بدماثة وتهذيب ، مما يدل على حسن تربيتها

*6*

الانغماس في الدردشة ، عبر الواتس أو التغريد من خلال تويتر ، أو غير ذلك من برامج التواصل الاجتماعي ، هو السمة التي تميز هذا العصر ، ومثل كل الفتيات ، فإن ابنتي تقضي الكثير من الوقت في الدردشة مع رفيقاتها ، فجهاز المحمول لا يكاد يفارقها ، في الصحو والمنام .

وبدأت ابنتي مثل كل الفتيات في سنها ، تنجذب إلى الجنس الآخر ، وتتطلع إلى المشاعر والعواطف ، وتكتب قصائد عن الحب ، وخواطر حول مشاعرها ورفيقاتها ، وغير ذلك .

وبدأت تتنازعني المخاوف حول انجرافها بسبب هذه العواطف الجياشة التي تضطرم في هذه السن . لأن تلك البرامج تشمل الجميع من فتيان وفتيات ، فقد خفت عليها أن يتلاعب بمشاعرها أحدهم ، ويجرح قلبها الرقيق ، وتصدق كذبة الحب . وطالما حذرتها من هذه الأوهام والأكاذيب

أحاول أن أبث الثقة بنفسها ، لتتصرف باحترام ، وتشعر بالمسئولية نحو نفسها ، ونحو عائلتها ، لكنني أراقبها من بعيد ، فأحيانا أتصفح رسائلها ، والصور التي تجمعها ، ومعرفة المواقع التي تفضل زيارتها .

أشجعها على البوح والإفضاء ، بأسرارها ومشاكلها ، في المدرسة ومع المعلمات والطالبات ، وأصغي إليها جيدا ، وأناقشها كذلك .

*7*

أحيانا تقف ابنتي حائرة بيني وبين والدها ، وذلك عندما يحتدم الخلاف بيننا ، وتعلو الأصوات ، وتعصف المشكلات . فهي تشعر بالتهديد ، حول حياتنا ، التي لم تكن مستقرة وهادئة على الدوام . لا تنحاز لطرف منا دون الآخر ، وفي مرة عندما شكوت إليها والدها ، ردت علي بهدوء وحكمة ، لا تناسب عقلها الصغير ، فقالت : أنتما تتعاركان حول كل شيء ، لماذا لا تجلسان وتناقشان المشكلات بهدوء ؟

عندما تراني غاضبة ، أو تلمح بقايا الدموع في عيني ، تتألم بصمت ، وربما تبكي قبل نومها ، لأنها تخشى من تفاقم الخلافات ، إلى حد الانفصال ، إنني أقدر شعورها جيدا ، فقد عشت العذاب ذاته ، بسبب الخلافات بين والدي ، وكان ينتابني شعور مخيف ، وهو أن تترك أمي المنزل ، ثم لا تعود أبدا .

حظيت ابنتي بدلال والدها ، فقد كان يغمرها بعواطف الحب ، ويدللها ، ويشتري لها الهدايا ، ويتنزه مع5 ، ويلعبان سويا ، ويناقشها بكل لطف .

أما أنا فقد كنت صارمة بعض الشيء ، كما أنني لا أبدي مشاعري ، وذلك جزء من شخصيتي ، فمن الصعب التعبير عن العواطف أو المشاعر ، وكنت ألوم والدها ، لأنه يدللها كثيرا ، والدلال عندما يتجاوز الحد ، قد يفسد الأخلاق .

بدوت أحيانا ، وكأنني أمثل كل ما تكرهه ابنتي ، وتحاول التملص منه ، من الأوامر ، والتوجيهات ، والتشديد حول الحجاب ، والصلوات ، والرفيقات ، والملابس ، وغير ذلك . بينما يمثل والدها ، الحياة اللاهية ، والدلال واللعب والتسوق والنزهات ، وغير ذلك من الأمور المسلية .

عندما تقف بجواري ، أشعر بأن حياتي التي تتضاءل وتنقص يوما بعد يوم ، تبدأ من جديد ، في مكان آخر ، والشجرة العتيقة ، أودعت بذورها ، في تربة أخرى ، لتزدهر من جديد .

ابنتي هي جزء من كياني ، يسعدني أن تملأ الكون بالصخب ، والشغب ، والمرح ، وتصدع رؤوسنا بالأغنيات ، والقصائد ، وتناضل عن رأيها بشجاعة .


الإثنين‏، 22‏/محرم‏/1435

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007