[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رشيدة التركى فى عصر الحنين رشيدةا لتركى فى عصر الحنين
التاريخ:الجمعة 7 فبراير 2014  القراءات:(780) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
رشيدة التركى

فى عصر الحنين

السيد الهبيان

كثيرة هى تلك الأصوات النسائية فى القصة القصيرة .. مثلما الأمر أيضا بالنسبة للرواية .. وجل هذه الأصوات بمختلف رؤاها على الصعيد الأدبى .. قد تبدو مغلفة بالذات الأنثوية..مهما تنوعت تجاربها الإبداعية..سواء كان ذلك فى أشكالها أومضامينها .. إذ دائما ثمة إحساس بالتصور الخاص المنتج للميل الذكورى إلى الولوج فى عالم خصوصية المراة.. من ذلك العالم الذى يستحيل على غيرها تقديمه.. بنفس مصداقيتها فى التعبير.. وهو مايجعل فرضية تفردها بالقدرة على التعبير عن عالمها الخاص بها . أمرا لاختلاف عليه .. وسواء كان ذلك من علاقاتها بذاتها ..أو غيرها .. لكونها تصب فى محور التعامل مع الخصوصية.

وهذا مايتجلى بوضوح فى تجربة الكاتبة التونسية "رشيدة التركى" .. والتى قدمتها فى مجموعتها القصصبة "عصر الحنين" .. فهىلاتشذ بداية عن مفتتح هذا التناول .. وتيدوبتماش معه.. خاصة وقد تمثلت مضامينها فى تقديم المراة من خلال عالمها الخاص.. وبمنظور أنثوى ذاتى مغلف بصدق الإحساس فى التعبير.. يتحقق الشعور به حال التماهى مع السرد القصصى ومدلولاته .. وإيقاعه البعيد عن التخيل .. المبنى على الحوار الداخلىفى الأساس.. ويمثل الخروج عنه التذكير بالزمن والمكان.. من خلال تدخل الحال..كقطع لما تسترسل فيه الذاكرة المحفور فيها الحدث بكل تفصيلاته .. والمثقلة بالهموم الجسدية والحياتية.. ومعاناتها التى تبدو حبيسة الداخل..وفاقدة إمكانية الخروج إلى العلن..والبوح بها..لايكون إلا حالة استثنائية..لاتخرج عن مجال الخصوصية المثلية.. مثلما يبدو فى أولى قصص المجموعة "الكشف عن القناع".. التى تعرض فى مضمونها لحالة نسائية عامة .. تصفها بطلتها بأنها "بلية تصاب بها النساء"..تتعبها وتتعب من حولها..خاصة حين لايريدون فهمها"..إذ"تصاب أعصابها بالتوتر الشديد والمفاجىءفى كل مرة".. ومن ثم كان من الطبيعى أن تكون السبب فيما حدث لها..وتجعل منها ــ كما تظن ــ ضحية أوقعها قدرها فى يد طبيبها الذى يستغل تخصصه فى الأمراض النسائية..لإشباع رغبته المشبوهة من وراء قناع أصرت أن تكشف عنه.. رغم أنها اختارته لشهرته .. وعملا بنصائح صديقاتها .. التى حملت أراء متضاربة أخافتها.

عندما انتابتها المخاوف من معاناتها الشهرية.. لم تقدر أن تحكى لأمها عنها.. بينما ترى أن آلامها لابد أن تتوقف .. فاختارت الذهاب إلى الطبيب آملة فيه الإنسان الذى يمكن أن تحكى أمامه كل شىء بدون فقد لما يوحى به تخصصه الذى يؤكد انهاء أزمتها.. وأنها "ستخرج عقدها وستعلم أشياء كثيرة.. منعها عن معرفتها مجتمع من البيت إلى المدرسة.."كان اليوم حارا دعاها إلى غرفة الكشف بنورها البرتقالى الخافت وطلب منها أن تخلع ملابسها وتتمدد على الطاولة فتمددت عليها مستوية عارية وسط سكون مخيف.. بعد أن كانت مقرفصة .. ضامة صدرها خلف ذراعيها.. كأنها تصد نارا بردا و ""لم تفكر كيف نزعت ثيابها بسرعة لأول مرة فى غرفة غريبة عنها .. فى وجود رجل ينتظرها " طبيب مسموح له" بدت عارية إلا من خوفها عندما يراها الرجل وهى عارية رغم قوله بأن سيأتى حالا وعندما اقتربت خطواته لفت صدرها بقميصها.. وزررته بيدين مرتعشتين .. ثم رمت نفسها إلى الوراء ..وأغمضت عينيها حتى لاتلتقى بعينيه .. حين يدخل .. كان خوفها منه لأسباب تراكمت منذ القدم .. تلمس بطنها بأصابعه .. بدا الوضع المحرج يسبب لها عصبية جعلتها تود لو تصرخ " تساءلت عن الخجل والخوف من الطبيب رغم "أنه ليس الرجل الذى ستنام معه لأول مرة" أخبرته عن موضع الألم وهى لاتدرى ماذا يفعل.. وأى مكان يلمس..طلب منها ألاتخاف..وأن تنزع ثوبها.. وتتمدد فى راحة وتغمض عينيها إن شاءت.. فهىلاتساعده .. ومتشنجة.. رغم أن الأمور طبيعية.. مستها ارتعاشة وهى تنزع عنها ثوبها.. وشعرت بالخجل من كل شىء " الخجل صار عظيما مثل الخوف" بدأت يده تجس كل مكان على بطنها.. بينما يسألها عن الآلام .. نفت إحساسها بها بصوت متلعثم.. ثم سكتت كخرساء .. فسألها لماذا التشنج الآن .. وهل هى أول مرة بالنسبة لها .. أجابت بلا قصد "لا " أول رجل سيلمسها صار مزعجا"

ازدادت حرارة الخجل وطغت على كل شىء.. بينما أصابعه تتحسس كل مناطق جسمها المرتعش.. وعيناها مغمضتان "أصابعه تتجول فى مناطق مجهولة .. صارت تكره حركاته أكثر " أفهمها أنها لو تساعده ستنسى الآلام ..ثم سألها " ألم تمارسى الجنس أبدا".. وعن عمرها .. لم تجبه على أسئلته ..رغم ضرورياتها بالنسبة له كطبيب.. ثم تساءلت" ألا يعلم بأننى عذراء" لم تمارس الجنس.. وستمارسه مع الإنسان الذى تحبه .. لكن ضرورة الفحص تلزمه بأن يعرف .. تتسرب يداه إلى نصف بطنها.. لمست أصابعه حلمة ثديها الأيسر.. فكرت أنها ليست عفوية .. لكنها شعرت بأنها "مثل عصفورة باغتتها حية"راحة يده على بطنها .. نزل بها إلى الأسفل.. انتظرت أن ينتهى الكشف وتصلبت اكثر..وعندما تحركت قليلا "أحست بطرف ساقها أن شيئا ما ينتصب ولم تدر ..هل هىالتى أثارت ذلك بطرف أ صابعها بحركة عفوية " ابتعد عنها فتحت عينيها بسرعة .. أخبرها بما أنها عذراء لايستطيع لمسها ليتبين مابها.. وطلب منها ان تسترخى ولا تتصلب لتساعده على الكشف .. غرقت فى العرق وأرادت أن تصرخ فيه ليفهم تجاوزه معها..لكن أصابعه تفتح فخذيها برفق اشمأزت منه .. وأحست بشىء "يرتخى فى جسمها بدا منها أنين خافت مكتوم.. وأحست بانحباس صوتها.. تلمس موضع ألمها برفق.. حيث يتسرب الدم بصعوبة تؤلمها فى كل شهر..عرفت منه أن القنوات ضيقة لكنها سترتاح..وأن تشنجها يجعلها مقفلة تماما.. ولن يستطيع فحصها.. وطلب منها أن ترتاح ثم تناديه إذا انتهت.. وإلا سيتولى ذلك بنفسه..لم تفهم كل شىء"بعد أن رمى جملته على جسدها العارى وخرج.." ثم عاد ليكمل فحصها..فتح فخذيها أكثر ودعاها لتقترب أكثر غلى طرف الطاولة .. امتثلت ثم تصلبت.. امرها بالامتثال اكثر بصوت متلاين .. سمعت حركة فى ثيابه لم تتبينها.. "هكذا .لاتخافى ..اقتربى إننا سنصل الآن غلى القضاء على الألم..تحس ملمسا ناعما وحارا فى مكان ما.. وتسمع فجأة شهقة أو شبه شهقة .. أو تنفسا غريبا أو تأوها به أنين .. أو ماذا.. تنزل هى إلى قرار لاتعرف كنهه.. ابتعد بسرعة واختفى وراء الباب وأقفله.. فتحت عينيها على سكون ثقيل.. وودت أن تكسر كل شىء"

وجدت فيما فعله معها أنه استغل مهنته الاستغلال السىء.. فقررت فى حسم عدم العودة إليه .. لكن الحادثة السخيفة كما تصفها أرقت حياتها.. لم تر أول الأمر ملامح وجهه المخيفة..واحمرارعينيه..وابتسامته الصفراء الخبيثة والدميمة غير المؤدبة.. والتى فيها جوع ودناءة وحقارة ..لأنها كانت تمنحه الثقة.. والمفروض ألا يضعف أمام جسد مريضة تمنحه الثقة.. تستر بقناع زائف.. ووجدت فى نفسها ضحية له.. وعليها أن تكشفه.. فاتفقت مع صديقة لها على خطة إيقاعه فىشرك..بادعاء أن صديقتها تعانى من نفس آلامها..وأتت ترافقها.. ولتدخل معها إلى حجرة الفحص.. لأنها خجولة جدا.. ولعله لايمانع ان تشاهد فحصه لها. لأن من الجبن السكوت على ماحدث لها.. وحال كشفها عن حقيقته .. ستحقق انتقاما منه وترتاح نفسها.. ورغم أن الخطة كانت جادة ومدبرة..إلا نها لم تتم لتخلف صديقتها عن الذهاب..فقد سبقتها فى الوصول وجلست تنتظرها فى قلق شديد..آملة مجيئها حسب الموعد..لكن انتظارها يطول.. وتستعيد خلاله ماحدث معها من ذلك الجبان .. مما جعلها تخرج من العيادة دامعة العينين.. وتفكر بكره الرجل .. وتعانى من كبريائها المداس..وظلت تعتقد أن صديقتها لن تتركها.. وستساعدها على الانتقام .. وكشف هذه الجرائم التى تحدث لغيرها.. وكان يقطع استرسالها ماتشاهدهفى صالون الانتظار.. ومتابعة المترددات على العيادة .. امرأة حامل بابتسامة خجولة .. تبدو فى شهرها الخامس..تتصفح مجلتها وتبتسم لصورها.. وكأنها تحلم بطفلها القادم.. تبدو كأنها تنتظر أحدا .. وهدوء حركتها لافت للنظر..تأتى أمها وتتحدث معها عن ملابس المولود ..امراة وزوجها القلق.. تبدو عصبيته أكثر من زوجته التى أتت للفحص..سيدة أخرى وصديقتها.. كل ذلك وصديقتها الملعونة تتركها تنتظر..حكت بالأمس هى وشقيقتها عن تعرض النساء لمثل ماتعرضتله..ويجب كشف خداغ هذا الطبيب وأمثاله.. وتحمست للخطة التى لن تستطيع تنفيذها بمفردها.. وستسقط إن لم تأت .. كما أن الكثيرات من ضحاياه يسكتن خوفا من الفضيحة..أو فقدان احترام الناس لهن .. بينما هو الطبيب الذى يستند على الفحص لقضاء نزوة عابرة .. تواجهها فى صالة الانتظار لوحة مهملة من زمن.. وجه بلحية تغطيه الذقن .. عينان واسعتان مدورتان تحملقان.. ابتسامة تمكث ببرود على الشفتين كأنها تريد أن تزرع الاطمئنان عنوة .. ترى فيها مايشبه الطبيب.. بينما تنسدل الستائر بلونها الأصفر الفاقع المثير للأعصاب.. والمتعب للعينين..لكنها تتمسك بالبقاء لتتبين حقيقة مايجرى لها .. لكن يخلو الصالون إلا منها وتأتيها السكرتيرة التى أرسلت لها ابتسامة بلا لون عندما استقبلتها..واعتذرت لها عن حضورها فى موعدها المحدد السابق..لتخبرها بأن صديقتها تلفنت لها بأنها لن تحضر.. لتغادر وهى تحس بأنها ستعانى أياما أخرى من العذاب.. ستضاف إلى عذاباتها السابقة..رغم أن الامتحانات على الأبواب..ولا تدرى بأن ذاكرتها ستقدر على تلاقى الدروس.. مادام لا أكل ولا نوم.. وانهيار عصبى..واستقر فى رأسها وجودها الحاضر والمستقبلى.. بدخوله عالم المجتمع القاسى الذى لايرحم..وتساءلت هل ستكتم سرها عن حبيبها.. الذى كان فى مرات عديدة على وشك أن يضمها إلى صدره ويقبلها.. أم أنه وهو يحبها وتحبه ليس مثل الرجال الآخرين.

كما يبدو ثمة معاناة للبطلة من حدث كما سمته.. جعلها تعيش فى حيرة من أمره.. فبين ماتمثلته من سوء نية .. وبين اقتناعها أنها لم تبد رضائها لتصرفاته..تؤكد لنفسها وكأنها تريد نفى مسئوليتها عنها " لم يكن صوته طبيعيا أنا كنت فى جوع دائم طيلة الفحص المزعوم".. ومن ثم كان سعيها للانتقام حسب خطة اعتمدت فىتنفيذهاعلى صديقتها التىخذلتها..لم يكن من أجل نفسها فقط..وإنما محاولة كشفه ايضا بالنسبة للآخرين.

فى قصة "المرايا" مايشغلالبطلة..هو عدم اقتناع زوجها يجدوى ممارستها للكتابة.. وتخليه عن وعده لها قبل الزواج.. بأن يترك لها حرية تنفيذ مشاريعها الأدبية..مما دعاها إلى استرجاع التحول الذى حدث فى حياتها.. بعد ستة أشهر من الزواج لتكتشف أن خاتم الخطوبة وخاتم الزواج .. والفستان الابيض.. شاركوا فى تلك العملية الجوفاء.. رغم أنها لم تكن رافضة لها.. وتعيش ماقبلها وما بعدها.. بما يشير إلى استقرار حياتها الزوجية.. ولم يكن حلمها أن تتزوج فقط لأنها لاتكره علاقة الزواج .. بل تقدسها وتحب الأطفال والبيت .. وتعيش فى بيت جميل.. تحب زوجها ويحبها.. وأنها لاتريد الاقتصار على ذلك..لكنها اكتشفت أنها تعيش الحال غير ماكانت تتوقعه .. فبعد امتهانها للصحافة الأدبية وتقديم الترجمات..اقتصرت حياتها على واجبات الأكل والنوم والشرب .. وخلت من الكتابة ..وانشغلت بترتيب أحاديث الأدب والفن البيت والتزين للزوج..الذىلايهتم بكتابتها ولا يحدثها فيما تفعله.. وكلما ألمحت له بما تريد .. أسكتها بحديث شىء آخر تراه يقف حاجزا أمامها .. وتريد أن تقنعه برفع رقابته عنها حتى تكتب.. لكنه ضد ذلك.. فكرت بأن تكتب فى خفية عنه.. وتتصل بمن يساعدها على النشر..مثلما فعلت فى أول شهور زواجهما.. تواجهت مع جو الرتابة المحموم الذى تعيشه .. ومع ذلك تؤكد لنفسها "أنا لا أريد أن أعيش أحلامى.. وإنما أريد أن أتحرك .. أن أكتب..ولا أستطيع ذلك فى جو مسموم بنوع من الحقد على ما أفعل..أو بذلك النفاق الذى يفضحه تصرف زوجى.. أريد أن أكتب شيئا نابضا بالحياة.. بواقع يتحرك نافضا عنه غبار الرومانسية والخيال الدافىء".. ثم تصر على الدفاع عن نفسها وعن حقها فى أن تمارس الكتابة التى يريد أن يبعدها عنها.. تارة بوعده لها بسفر ليبتعد عن الموضوع.. وتارة بتصريحه أمام الضيوف. بأن النساء يكتبن للتبرج.. وتصوير نواقصهن فى الجنس .. او استعباد الرجل.. وليلفتن الأنظارإليهن وليس كتاباتهن .. ودليله صورهن فى الجرائد والمجلات.. فالمرأة تحاول التوفيق بين عملها وبيتها .. لكنها تحتاج إلى مساعدة الزوج الذى يتعب كامل اليوم.. ويكون فى حاجة إلى امراة تستقبله بعد عناء .. صفعها بحديثه وكشفه لديكتاتوريته المقنعة بالحب والاستقرار..وكشف عنها بعد شهر العسل.. فكيف لها أن تمارس الجنس معه.. بعد ان تصدعت القيم وانهارت بينهما فى صمت .. رأته قبيحا فىانانيته .. نفرت منه ولم تتحمل لمس اصابعه إذا ماداعبها .. بعد أن كانت تسرى فى جسدها لذة حارة وعميقة.. تجذبها إلى جسمه .. بدت أصابعه شوكا يخنق رقبتها.. ويقبض عليها.. ويبعد أنفاسها.. مما جعلها تتساءل.. هل أحبته حقا .. أم أحبت أفكاره القديمة التى استبدلها بأخرى .. وكان أن توصلت إلى قرار تركه.. حتى لاتظل تجتر همومها طوال حياتها.. من قبل أكد لها" إما أن تكتبى او تتزوجى".. فالبحث عن السعادة فى الزواج وإنتاج الأدب والأفكار أمران لايلتقيان .. أخذت تجمع ثيابها فى الحقيبة .. فالنقاش معه لاجدوى منه .. ولن يكون ذهابها مفاجئة قاتلة له .. سينعتها بالجنون .. أو يقبلها ليسكت خوفها. لكنها لن تستكين ولن تنخدع أكثر..ولن تكون دميته..حمل لها التليفون اعتذاره عن الغداء فى البيت بسبب الشغل الطارىء .. وكان عليها أن تنتظر إلى المساء.. أحست بأنفاسها تختنق وتصدع فى رأسها.. فتحت البلكون طلبا للراحة.. بدت عليها علامات الحمل .. لتبدو وكأنها استمرت فى حياتها الروتينية مع زوج..غاب فيها ماكان أيام الحب..وتغيرت إلى روتين ممل معه..ما أن يفرغ من لحظات الالتقاء الجسدى الذى تعانى خلاله .. حتى يتركها ويطلب منها أن توقظه فى الصباح .. ليحضر اجتماع عمل مهم .. وتستدير عنه هى الأخرى وتغمض عينيها على صورة رجل آخر تملأ به فراغ ليلتها.

وفى قصة " المدينة التى تحلم" ثمة كاتبة أيضا وصلت إلى سن الثلاثين .. وكانت تنتظر فى هذا السن أن تصبح امرأة مكتملة ناضجة وجميلة وطموحة .. وتكون حققت الكثير من آمالها فى نشر كتبها .. " لكن الواقع يقول فيها أن الأدب ليس وظيفة.. وأن السن لاعلاقة لها بذلك".. لكنها اختارت الطريق الصعب..لم تستطع الكتابة فى بلدها.. ففرت منها..لتحقق رغبتها فى أن تكون كاتبة .. لكن الغربة خلال ثمان سنوات لم تقدم لها سوى الأوهام وطعم الوحدة ..حتى وهى فى أسعد لحظاتها .. وقتلت علاقتها بالعالم الحقيقىالصادق..الذىلايوجد سوى فى بلدها.. وتعذبت فيها وتحملت كثيرا من كلمات البشر..وتعبت تعبا حقيقيا..فدفعها ذلك إلى الإقدام على محاولات الانتحار.. كما منعها أن تعيش بعد أن أقفر العالم من الناس..كان لها طموح ومشاعر عميقة فى الحياة.. وإحساس بالحب العميق .. لكنها تعيش الوحدة المؤلمة .. فما معنى أن تعيشها ..من ثم لم تصل إلى قرار الانتحار صدفة .. كانت هناك محاولات أولى وثانية وأخيرة.. تلك التى أقدمت عليها وتعيش تبعاتها.. لم تكن ترى فى الانتحار تعبير عن كره الحياة .. وإنما هو عنوان الحب فيها..الذى تباغته الصدمة لعدم استقامتها كما تطمح أن تكون .. فأرادت أن تموت لترتاح.. لكنها وجدت أنها ستنتهى غريبة فى بلد غريب .. ولن يحفل أحد بموتها .. بعد أن تركت بلدها الحبيب.. لترمى بنفسها بين أشواك المدن الاوربية .. كانت قوية ولم ترفض مايعجز أمامه الرجال .. وتحدت الصعاب.. لكنها أذعنت للحظة طائشة مجنونة .. أنهت كل شىء بحماقة لاتغتفر.. رغم أنها كانت قادرة على الانتقال من اليأس إلى الأمل .. ومن الكفر بالحياة ..إلى الإيمان بها..وبالإنسان وبنفسها.. لكنها اكتشفت أنها أقدمت على عملية حمقاء اسمها الانتحار.. لجأت إليها لترتاح من عذاباتها .. لكن مامعنى أن ترتاح بعد أن تموت وهى التى تحب الحياة..وتريد أن تثبت وجودها فيها.. فلماذا لاتعيش مثل أغلبية البشر.. وتداخلت أمامها صور الماضى.. وداع العائلة فى المطار ووعدها لهم بالنجاح .. والتساؤل عن الرجوع النهائى..لكن الغربة والسفر صار قدرها .. واتسعت دائرتهما.. وصنعا منها إنسانة قلقة.. وجعلاها تذعن للحظة طائشة مجنونة ..فاختصرت حياتها فى حماقة لتنه سنوات عذابها.. ثم أرادت أن تتراجع وهى على بوابة الموت للحياة التى ترى فيها جمالا.. ولو رجعت ستتغير مقايسهافى الحكم على الأشياء .. وسنكون أكثر واقعية لتقبلها.. لكن شعلة النور خبت قبل أن تضىء وكان الموت جوابا سريعا..

ثلاث قصص جمعت بينها الهموم الذالتيةلبطلاتها..وضح فيها صوت الأنثى التى تعيش معاناتها تحت ضغط قهر.. فرض عليها مواجهته .. رغم اختلاف أشكاله ودوافعه.. حيث بدت الأولى أسيرة قهر الطبيب لإرادتها فى رفض مابدر منها حال غضبها..والثانية قهر الزوج الذى حال بينها وبين تحقيق ذاتها.. من خلال الكتابة.. وقهر الغربة للثالثة التى فشلت فى تحقيق حلمها .. لكن القلق ربط بين عوالمها كقاسم مشترك بينها..لازم الاولى.. واعتادته الثانية.. وتخلصت منه الثالثة بالموت.. بينما بقى هاجس الكتابة لبطلتى "المرايا"و"المدينة الحلم" كمضمون جمع بينهما..فى البداية.. واختلفتا فى النهاية.

وتبدو قصة"عيون البحر" بتماثل مع قصة "المدينة الحلم" فى مضمون الغربة والرحيل عن الوطن.. بقصد البحث عن عمل يحقق من خلاله مايساعده على تغيير ظروفه المعيشية.. فالبطل فى " عيون البحر" لم تساعده الظروف على إتمام دراسته .. وما تعلمه فى المدرسة لايؤمن له شغلا .. ساعده فقط على ألا يكون أميا .. ولم يؤمن له العيش.. فاتفق هو وصديقاه على السفرإلى فرنسا .. وكان هوالأخير الذى غادر تونس حاملا ذكرياتها معه.. بسبب رغبة أمه فى خطبة ابنة الجيران له قبل السغر..حتىلايرجع لها بشقراء بعيون باردة .. لكنه عاش جحيم الغربة التى زادت فى علقمة عذاباته .. فقد حاصرته الديون .. وأصبح كل أمله الحصول على مبلغ من المال يخلصه منها .. ثم يموت دون أن يخدش سمعته أحد.. فكر فى السرقة أو القمار .. لكنه رجع عن تفكيره وغرق فى الشراب .. ثم عاد إلى شقته ليعيش وحدته مع الكآبة والحزن.. لكن ضحكة طفل فى الصباح قبل ذهابه إلى العمل. جعلته يأمل فى صفاء الحياة وتبرئته من الهموم .

أما بطل قصة " شهادة فى ملف التحقيق المؤجل" .. فهو يعيش على هامش الحياة..ابتداء من لحظة مولده بتحمله وزر إثم لم يرتكبه.. وتهمة أنه بلا أب شرعى.. فقد ولدته أمه على أبواب بيت ثرى لم يعترف به خوفا من الفضيحة..لأنها لم تكن زوجة فى العلن.. فأخذته سيدة عجوز ربته إلى سن التاسعة ثم ماتت.. فانتقل ليعيش مع خاله وأسرته.. وعاش بينها موضع الشبهات والتهم.. تتهمه الزوجة بسرقة الطعام.. ويعيره خاله بأمه التىلايعرف عنها شيئا.. وهل هى حية أم ميتة.. وبسبب مشكلاته كأخرس لايستمرفى العمل.. سكنه الخوف .. ولم يكره من مارسوا عليه هواية التهم.. وإنما احتقرهم .. بينما يمارس هوايته فى البحث فىالخطا والتهمة .. عرف أن أمه أرسلته مع خاله إلى فرنسا للتداوى من خرسه.. وأنها تبعث إليه بمبلغ شهرى نظير إنفاقه عليه.. اكتشف الأمر صدفة وهو يمر بغرفة خاله .. بحث عن رسالة أمه فى حقيبة خاله .. وعندما قرأها لم يبك وضحك بسخرية ومرارة .. لكنهم يتهمونه بسرقة الحقيبة بعد أن اختفت.. وألقوا به فى مركز الشرطة وعجز عن الدفاع عن نفسه بسبب خرسه..وساورته الشكوك حول زوجة خاله .. لكنه تراجع عن اتهامها رغم تعرضه للاعتداء عليه أثناء التحقيق.. لكون لسانه عاطل عن العمل.. مثل العربى المتهم دائما بحب الجنس وممارسة الإرهاب .. ولا يستطيع أن يتكلم .. ويقول شيبئا.. ثم يكتب شيئا آخر.. ولديه من المشاريع التىلاتنجز.. كما أن العرب لايتفقون ولا يساعدون بعضهم.. بينما الأعداء وكل أمم الدنيا تناصر بعضها البعض.. ولهذا يرقص رقصة الموت والجنون على قلوبنا .." ويتوسع الجرح الفلسطينى ".

أخبار تتكرر قرر عدم إعادة قراءتها وهو فىسجنه..لكنه اضطر إلى اجترارها بسبب وصول الجريدة التى طلبها .. يتساءل حول استمراره تأجيل الدفاع عن نفسه .. ووجوب مداواته من خرسه ليستطيع أن يتكلم..وفى يومه الأخير فى سجنه الصغير يأتيه حارس جديد لايرتاح لوجهه الكريه.. والذى يوحى له بأنه لن يستطيع أن يطلب منه ورقة يكتب عليها .. أو يتعامل معه.. كان ينتظر نقله إلى سجن كبير يليق بجريمته.. أو يخرج إلى الشارع حرا طليقا.. وحال وجدت الحقيقة المختفية سيتغير الحال.. وينسف بحثه العقيم عن الظلم .. كان يعتقد فى براءته ويجب ألا تطمس بالأيدى القذرة.. يفاجأ بالحارس يلقى له بورقة بعد أن عجز عن فهم إشاراته ..يقرأها ويعرف أن خاله سيأخذ مكانه فى غرفته.. يرى أنه يمتلك لسانا ولن يتهموه خطأ.. كما أنه لم يأت لزيارته .. لكنه بعد مراسم الخروج سار فى الشارع وهو يشتم رائحة جريمة .. حاصرته الشكوك واللامبالاة .. لم يكن أحد فى انتظاره ولم يتعجب .. جلس فى مقهى وهو يتمنى ألا يلتقى بإنسان يعرفه .. لأنه سيسأله ولن يجيب.. ولن يفهم شيئا من كل شىء.." ثم عاد إلى الزحام تحت المطر.. وبينما كانت قدماه تقرعان الطريق .. بدا "الصخب ولا صوت الزحام ..ولا وجه.. الوجوه بلا خيال .. الوجوه بلا وجوه..و.."

ويطل قصة "عصر الحنين" رئيس قسم يرى أنه مسئولا عن سكرتيرته الجديدة.. بعد أن أوصاه زوجها بذلك لأنها خجولة.. وكأنه أوكل إليه حراستها.. لكنه يكتشف أن لها عشيق رغم أنها متزوجة من رجل مخلص.. فى ثالث يوم من دخولها الدائرة رآها تلتقيه عند خروجها.. بعد أن ينتظرها فى سيارته.. ويحاولان ألا يلحظ أحد ركوبها معه.. "لم تكن جميلة صوتها لم يكن أنثويا .. وكان مطبوعا بالبحة المكروهة التى تتكلم بها النساء.. اللواتى يدخن كثيرا ومثيرة للاشمئزاز".. لكنه كان يتلصص عليها وهى تتهيأ للقاء عشيقها قبل مغادرتها المكتب.. رغم ذلك قرر ألا يشى بها..لأن الأمر صار موضة ..ولم يتوقف على موظفات إدارته.. حاول أن يبقى فى المكتب بعد مواعيد العمل.. مستغلا سفر زوجته لحضور مؤتمر عن التلوث.. للإعداد لإنهاء صفقة لو تمت سينال ترقيته ويتخلص من فرع الدائرة الصغير.. ومن المنظر الذى تطل عليه نافذة مكتبه لكونه جامد لايتغير.. افتقد سكرتيرته التى تعرف مكان الملفات ولا يستطيع التحرك بدونها .. يغير سكرتيرته دائما لإرضاء زوجته .. وطرد السابقة رغم أنها مؤدبة وشابة لطيفة لأنها تنسى مواعيد زوجته .. داهمه تساؤل " هل هو مشتاق لزوجته فى ثالث مرة يفترقان فيها بعد الزواج"..وتناول موضوع أخلاقى بعد مشاهدته مايحدث من العمال بعد مواعيد العمل.. يحب الأغانى الكلاسيكية .. عبد الوهاب. ام كلثوم . عبد الحليم . ويرى أن الأغانى الحديثة.. ازدادت سوءا .. قرر الذهاب إلى السينما بعد تناول طعامه.. فخرج إلى الشارع المكتظ بالناس والسيارات.. رخص السواقة تستخرج بالرشاوى..والرجاللايحبون أن تعاقبهن شرطيات المرور.. يرى فى الزواج لعنة لأن زوجته تحاسبه على كل شىء وكأنه فى مدرسة داخلية.. أو ثكنةعسكرية.. لايدرى إذا كان مشتاقا إليها بعد أن انتهى زمن الحب .. لم تتلفن له كعادتها كل ليلة .. يعود مما انشغل به إلى الشارع الذى تغير.. لم تعد اخلاق .. النادل يتملق السياح العرب ويعامل التونسى بوقاحة.. حدث الانحدار والانحطاط بسبب التقليد.. بعيش عصر الحنين للقديم فى كل شىء .. دون وعى منه وجد نفسه فى آخر شارع الحرية ..أحس بالتعب لتعوده الانتقال بسيارته .. يصير فى شارع باريس .. نظيف وحيادى ولا تبعية لأمريكا أو فرنسا.. شارع بورقيبة يحمل أصالة حقيقيبة .. لأن اسمه تونسى مائة بالمائة وله تاريخ مرتبط بتونس .. دخل مطعما بعد أن نال الجوع منه .. اشتاق لزوجته لأنه لايريد أكل المطاعم.. لكنها لم تكلمه بالتليفون.. ويتساءل.." هل الخط الدولى مشغول و دائما بالليل".

وبجانب هذه القصص التى تباينت مساحاتها من حيث الطول .. تضمنت المجموعة عددا من القصص القصيرة جدا..قصة "قطار الساعة الواحدة" التى يبدو فيها البطل مرتبطا بحبيبته رغم أنهما مازالا فى مرحلة الدراسة .. رسب سنة من أحلها حتى لايسافر وحده لاستكمال تعليمه .. وطلبت منه أن ينتظرها بعد أسبوع لأنها لن تنتحر مثلما كانت تقول له.."التدريس او الانتحار" وستسافر معه إلى أوربا لكنه يعرف من أخته التى قبلته مهنئة بنجاحه.. أن حبيبته لم تنجح وسترجع فى القطار التالى .. يجرى إلى المحطة لكنه يصلها بعد مغادرة القطار.. يسأل ماسح أحذية عنها.. بعد أن يصفها له يعرف أنها انتحرت لكونها لم تنجح فى الامحان

قصة "بدون تعليق" شاب وشابة يتناولان الطعام وهو يشكو لها من مشقة عمله .. ينصت إليهما البطل دون وعى منه..وهو ينظر إليها نظرة تعجب خالها نظرة اشمئزاز.. طلب الشاب شطيرة بينما هى تأكل كثيرا.. قال لها أن ذلك دليل الصحة.. تعمل فى مكتب حار.. طلب منها الإسراع فى الأكل حتى لايفوتهما المترو.. عرضت عليه أن يكملا أكلهما فى الشارع ورفعت شطيرتها الثالثة ..استطاب الفكرة .. رفع أشياؤه.. ووضغت معطفها على يدها والشطيرة فى يد أخرى ..ثم تبعته وهى تمتص بقايا الزيت العالق بإصبعها .. تابعهما بطل القصة بنظرات بلهاء إلى الباب ..ثم رمى غليونه وبقايا الأكل فى سلة المهملات . وخرج إلى الشارع مع الخارجين.

قصة "الزمن والألوان" قرر البطل فيها تغيير عادته وترتيب مكانه .. غير المكان جميعه عن ماكان عليه .. ونقل لوحة مجهولة يحبها منذ سنين من مكانها.. لتكون فى مواجهة النافذة التى تسمح بتسرب الضوء إليها ثم تأملها..لاحظ شدة زرقة السماء المتحكمة فىالبحر..رغم عدم إضافة سحب السماء إليها ليصدق فيها زمن الخريف.. كما أن وضع الشجرة غلط .. فأرجعها إلى مكانها الأول فى الظل .. بعد أن اكتشف حقيقة ألوانها المتناقضة.. والتى يمكن أن تكون مزيفة.

قصة "الصوت" . تفاجأ.مطربة جميلة بعد أن ظلت تغنى فى سهرة طويلة .. بطبيبها يخبرها فى الصباح بتقطع أوتارها الصوتية .. لكنها تصر على إجادة الغناء لتستمتع بطعم النجاح على حساب صوتها.. "بدا عزف بلا أوتار.. أوتار بلا عزف.. الصوت .الأغنية . أشياء حكى عنها الطبيب".

قصة "الضحك المشروع" ..بطلاها ركبا سيارة كانت تجرى معتدلة فى شوارع المدينة .. اعترضتها الطرق المسدودة فتغير مسارها .. شعرا بحرارة الجو .. واكنشفا أن المكيف لايشتغل.. قررا تغيير بطارية التكييف.. ارتفع الغبار وانسكب دخانه .. خنق الجو وخنق الرحلة .. سلته وهى تتنفس الغبار.. هل البحر تقصد النهر مازال بعيدا.. نهر النيل يخترق المدينة تتذكر أفلام الكارتون التى ستشاهدها معه فى المساء ليضحكا.. لكن سحابة الغبار ودوامة الريح.. فعلت بهما مثلما يفعلون فى أفلام الكارتون.. صار ضحكهما مشروعا .. قبل أن يصنعا بحرا ليستحما فيه من الغبار الذى غرقا فيه.

يتلاحظ من خلال قصص المجموعة مثلما بدا من العرض لها بإيجاز قدر المستطاع .. أن ثمة تفاوت بينها من حيث المساحة والإفاضة فى تناول الحدث.. فبينما الاسترسال فى الإفاضة بالنسبة للست قصص الأولى .."الكشف عن القناع. المرايا. المدينة التى تحلم . عيون البحر. شهادة فى ملف التحقيق . عصر الحنين" والتى اهتمت فيها الكاتبة بتأكيد التركيز على الحدث .. حال وصفها لمعاناة الشحصيات .. يبدو على العكس منها الخمس قصص الأخيرة .. " قطار الساعة الواحدة . بدون تعليق . الزمن والألوان. الصوت . الضحك المشروع ".. إذ نحت الكاتبة فيها إلى تقديمها فى شكل القصة القصيرة جدا وبالإضافة إلى الاستطالة فى السرد والاقتصار الشديد .. والذى تمثل فى التفاوت فى المساحة مابين عدد الصفحات وعدد السطور .. نجد الكاتبة تعتمد فى كتابة المجموعة الطويلة على الحوار الداخلى .. بينما اعتمدت فى المجموعة الثانية القصيرة جدا.. على دور الراوية .. إلا أن الحوار الداخلى كان له أكبر الأثر.. بسبب معايشة الشخصية للحدث وارتباطها به.. بينما الراوية تعرض لرؤيتها للحدث من الخارج .. وكأن ثمة انفصال بينها وبينه..لكنها تقدم الحدث كلوحة تثير التأمل لدى من يشاهدها.. فيتغير وقعها بالنسبة لها من مشهد عابر متكرر فى الحياة .. إلى محاولة لفهم دلالته لكونها رمزا لحال استلزم التعبير عنه .. البعد عن المباشرة .. والالتجاء إلى الإسقاط الرمزى الذى قد تتعدد تفسيراته وما يرمى إليه.

على العكس من ذلك تبدو شخصيات القصص التى قدمتها الكاتبة من خلال الحوار الداخلى .. الذى اعتمدت عليه كخط أساس لها .. كتكثيف للإحساس بالعالم الذاتى.. واستغراقها فى عالمها الخاص .. مما يبديها وكأن ثمة انفصال بينها وبين عالمها الخارجى .. فهى تعيش الحدث من الداخل وليست كشاهدة عليه .. من خلال رؤيتها له باعتبارها الشخصية الرئيسية فى القصة.. تهتم بذكر ما هى مرتبطة به . بينما تأت على ذكر الشخصيات الأخرى.. التى بدت فى النص من خلال إشارات عابرة متداخلة فيه .. سواء بتواجد فرضى فى المكان .. كالمترددات على عيادة الطبيب وحوارهن الكاشف عن مايشغلهن .. والزوج المتعصب الذى رافق زوجتنه .. والممرضة التى كشفت عن معرفة سابقة بها .. وتأكيدها لها أن ماتعانيه ليس بقاصر عليها وإنما .." نحن النساء لنا مشاكل كثيرة من هذه الناحية " قصة "الكشف عن القناع " وأيضا حوارات الزوج فى قصة " المرايا " اللتين لايبدو فيهما القاسم المشترك مع البطلة فى النص.. مثلما يبدو فى نسيج المضمون .. فالصديقة هى الحاضرة الغائبة بالنسبة لبطلة قصة "الكشف عن القناع " والزوج هو الغائب الحاضر فى قصة " المرايا" والحبيبة فى قصة" قطار الساعة الواحدة ".

ورغم اعتماد الكاتبة على الحوار الداخلىفى قصص المجموعة الأولى الغير قصيرة جدا.. إلا أنها تقطعه أحيانا وتكمل نصها من خلال صوت الراوية.. وبشكل يبدى النهاية وكأنها لاترتبط بالنص ..مثلما حدث فى قصة "المرايا" التى توقف فيها الحوار الداخلى ليبدو بعده "رجل بدين يجثم على زوجته فوق السرير.. بفمه رائحة الويسكى الكريهة .. ويجثم ببطنه على بطنها . تتحرك تحته كأنها تريد الانفلات . لكنها لاتقوى. تتنفس بصعوبة وتبتلع رائحة الويسكى . ويشخر .هو فاتحا عينيه باحثا عن شىء تحته . يريد امتلاكها فقط مثل كل المرات . لايحدثها أبدا .. تتذكر هى نفسها حيث كانت امرأة رشيقة .. وكانت نظراته تلتهمها دائما ..ولم تكن لها بطن كبيرة .. بعد قليل يفرغ كل شىء ويتركها جانبا .. ويطلب منها بعد أن يدير ظهره لها أن توقظه فى الصباح ليحضر اجتماع مهم لمجلس الادارة .. فتستدير هى الأخرى محاولة ألا تلمس ظهره وتغمض عينيها على صورة رجل آخر.. تملا به فراغ ليلتها".. هذه السطور القليلة .. والتى قد تصلح كقصة منفصلة وقائمة بذاتها ..يسبقها الحوار الداخلى الذى انتهى بمعاناة البطلة من إرهاصات الحمل الأول .. تحمل ماوصلت إليها حياة البطلة التى كانت محبة لزوجها.. ولا تنكر حبه لها فى البداية .. إلا أنها عندما اكتشفت أنه يقف حائلا بينها وبين امتهانها للكتابة .. شعرت بالانفصال بينها وبينه .. وعندما بدا حملها منه بعد قرارها بالانفصال عنه .. استسلمت لما فرضه عليها .. وانتهى بها الحال إلى الحياة الرتيبة المملة والكارهة لها.. رغم انفصالها الروحى عنه.

يلفت الانتباه أيضا إلى الدفع بالحدث كواقع حال فى بدايات القصص .. يسبق بداية تطوره ..فهو يبدو محدد الزمن والمكان .. ثم يتبدل الحال من ماض وحال وآت .. إلى حال وماض وآت .. الأمر الذى يتحتم معه الربط بين تطوراته ..ابتداء من الرجوع إلى البدايات ليكتمل كعنصر فاعل فى المضمون.. من خلال الشكل الغير المتزامن فى الترتيب.

ذلك من ناحية الشكل الذى اختارته الكاتبة لنصوصها ..بينما المضامين وإن عرضت لمعاناة ذاتية وشخصية ..تأت مضامينها من خلال تجسيد الإحساس بالرغبة.. التى تلق بظلالها كواقع تعيشه الشخصيات كهم أساسىفى حياتها .. سواء فرضت عليها أم سعت إليها .. وتجدر الإشارة إلى أن قصتى "المرايا و المدينة تحلم " من الممكن أن تكونا تعبيرا عن ذاتية الكاتبة .. فهى قد قامت فعلا بترجمات فى الرواية والشعر وقصص الاطفال .. ولم تقدم من إبداعها القصصى غير هذه المجموعة الوجيدة ..لأنها حتى الآن هى الأولى والاخيرة بالنسبة لها.. قدمت من خلالها كصوت نسائىفى القصة القصيرة له حضوره على الساحة الأدبية ..بإمكانته الأدبية والفنية التى كشفت عنها قصص المجموعة .. إلا أن الحضور الواعد تجمد عند محاولة واحدة فقط بمسماها الذى قدمتها به"عصر الحنين ".

* * *
* * *
* * *
*


رشيدة التركى
فى عصر الحنين
السيد الهبيان


كثيرة هى تلك الأصوات النسائية فى القصة القصيرة .. مثلما الأمر أيضا بالنسبة للرواية .. وجل هذه الأصوات بمختلف رؤاها على الصعيد الأدبى .. قد تبدو مغلفة بالذات الأنثوية..مهما تنوعت تجاربها الإبداعية..سواء كان ذلك فى أشكالها أومضامينها .. إذ دائما ثمة إحساس بالتصور الخاص المنتج للميل الذكورى إلى الولوج فى عالم خصوصية المراة.. من ذلك العالم الذى يستحيل على غيرها تقديمه.. بنفس مصداقيتها فى التعبير.. وهو مايجعل فرضية تفردها بالقدرة على التعبير عن عالمها الخاص بها . أمرا لاختلاف عليه .. وسواء كان ذلك من علاقاتها بذاتها ..أو غيرها .. لكونها تصب فى محور التعامل مع الخصوصية.
وهذا مايتجلى بوضوح فى تجربة الكاتبة التونسية "رشيدة التركى" .. والتى قدمتها فى مجموعتها القصصبة "عصر الحنين" .. فهىلاتشذ بداية عن مفتتح هذا التناول .. وتيدوبتماش معه.. خاصة وقد تمثلت مضامينها فى تقديم المراة من خلال عالمها الخاص.. وبمنظور أنثوى ذاتى مغلف بصدق الإحساس فى التعبير.. يتحقق الشعور به حال التماهى مع السرد القصصى ومدلولاته .. وإيقاعه البعيد عن التخيل .. المبنى على الحوار الداخلىفى الأساس.. ويمثل الخروج عنه التذكير بالزمن والمكان.. من خلال تدخل الحال..كقطع لما تسترسل فيه الذاكرة المحفور فيها الحدث بكل تفصيلاته .. والمثقلة بالهموم الجسدية والحياتية.. ومعاناتها التى تبدو حبيسة الداخل..وفاقدة إمكانية الخروج إلى العلن..والبوح بها..لايكون إلا حالة استثنائية..لاتخرج عن مجال الخصوصية المثلية.. مثلما يبدو فى أولى قصص المجموعة "الكشف عن القناع".. التى تعرض فى مضمونها لحالة نسائية عامة .. تصفها بطلتها بأنها "بلية تصاب بها النساء"..تتعبها وتتعب من حولها..خاصة حين لايريدون فهمها"..إذ"تصاب أعصابها بالتوتر الشديد والمفاجىءفى كل مرة".. ومن ثم كان من الطبيعى أن تكون السبب فيما حدث لها..وتجعل منها ــ كما تظن ــ ضحية أوقعها قدرها فى يد طبيبها الذى يستغل تخصصه فى الأمراض النسائية..لإشباع رغبته المشبوهة من وراء قناع أصرت أن تكشف عنه.. رغم أنها اختارته لشهرته .. وعملا بنصائح صديقاتها .. التى حملت أراء متضاربة أخافتها.
عندما انتابتها المخاوف من معاناتها الشهرية.. لم تقدر أن تحكى لأمها عنها.. بينما ترى أن آلامها لابد أن تتوقف .. فاختارت الذهاب إلى الطبيب آملة فيه الإنسان الذى يمكن أن تحكى أمامه كل شىء بدون فقد لما يوحى به تخصصه الذى يؤكد انهاء أزمتها.. وأنها "ستخرج عقدها وستعلم أشياء كثيرة.. منعها عن معرفتها مجتمع من البيت إلى المدرسة.."كان اليوم حارا دعاها إلى غرفة الكشف بنورها البرتقالى الخافت وطلب منها أن تخلع ملابسها وتتمدد على الطاولة فتمددت عليها مستوية عارية وسط سكون مخيف.. بعد أن كانت مقرفصة .. ضامة صدرها خلف ذراعيها.. كأنها تصد نارا بردا و ""لم تفكر كيف نزعت ثيابها بسرعة لأول مرة فى غرفة غريبة عنها .. فى وجود رجل ينتظرها " طبيب مسموح له" بدت عارية إلا من خوفها عندما يراها الرجل وهى عارية رغم قوله بأن سيأتى حالا وعندما اقتربت خطواته لفت صدرها بقميصها.. وزررته بيدين مرتعشتين .. ثم رمت نفسها إلى الوراء ..وأغمضت عينيها حتى لاتلتقى بعينيه .. حين يدخل .. كان خوفها منه لأسباب تراكمت منذ القدم .. تلمس بطنها بأصابعه .. بدا الوضع المحرج يسبب لها عصبية جعلتها تود لو تصرخ " تساءلت عن الخجل والخوف من الطبيب رغم "أنه ليس الرجل الذى ستنام معه لأول مرة" أخبرته عن موضع الألم وهى لاتدرى ماذا يفعل.. وأى مكان يلمس..طلب منها ألاتخاف..وأن تنزع ثوبها.. وتتمدد فى راحة وتغمض عينيها إن شاءت.. فهىلاتساعده .. ومتشنجة.. رغم أن الأمور طبيعية.. مستها ارتعاشة وهى تنزع عنها ثوبها.. وشعرت بالخجل من كل شىء " الخجل صار عظيما مثل الخوف" بدأت يده تجس كل مكان على بطنها.. بينما يسألها عن الآلام .. نفت إحساسها بها بصوت متلعثم.. ثم سكتت كخرساء .. فسألها لماذا التشنج الآن .. وهل هى أول مرة بالنسبة لها .. أجابت بلا قصد "لا " أول رجل سيلمسها صار مزعجا"
ازدادت حرارة الخجل وطغت على كل شىء.. بينما أصابعه تتحسس كل مناطق جسمها المرتعش.. وعيناها مغمضتان "أصابعه تتجول فى مناطق مجهولة .. صارت تكره حركاته أكثر " أفهمها أنها لو تساعده ستنسى الآلام ..ثم سألها " ألم تمارسى الجنس أبدا".. وعن عمرها .. لم تجبه على أسئلته ..رغم ضرورياتها بالنسبة له كطبيب.. ثم تساءلت" ألا يعلم بأننى عذراء" لم تمارس الجنس.. وستمارسه مع الإنسان الذى تحبه .. لكن ضرورة الفحص تلزمه بأن يعرف .. تتسرب يداه إلى نصف بطنها.. لمست أصابعه حلمة ثديها الأيسر.. فكرت أنها ليست عفوية .. لكنها شعرت بأنها "مثل عصفورة باغتتها حية"راحة يده على بطنها .. نزل بها إلى الأسفل.. انتظرت أن ينتهى الكشف وتصلبت اكثر..وعندما تحركت قليلا "أحست بطرف ساقها أن شيئا ما ينتصب ولم تدر ..هل هىالتى أثارت ذلك بطرف أ صابعها بحركة عفوية " ابتعد عنها فتحت عينيها بسرعة .. أخبرها بما أنها عذراء لايستطيع لمسها ليتبين مابها.. وطلب منها ان تسترخى ولا تتصلب لتساعده على الكشف .. غرقت فى العرق وأرادت أن تصرخ فيه ليفهم تجاوزه معها..لكن أصابعه تفتح فخذيها برفق اشمأزت منه .. وأحست بشىء "يرتخى فى جسمها بدا منها أنين خافت مكتوم.. وأحست بانحباس صوتها.. تلمس موضع ألمها برفق.. حيث يتسرب الدم بصعوبة تؤلمها فى كل شهر..عرفت منه أن القنوات ضيقة لكنها سترتاح..وأن تشنجها يجعلها مقفلة تماما.. ولن يستطيع فحصها.. وطلب منها أن ترتاح ثم تناديه إذا انتهت.. وإلا سيتولى ذلك بنفسه..لم تفهم كل شىء"بعد أن رمى جملته على جسدها العارى وخرج.." ثم عاد ليكمل فحصها..فتح فخذيها أكثر ودعاها لتقترب أكثر غلى طرف الطاولة .. امتثلت ثم تصلبت.. امرها بالامتثال اكثر بصوت متلاين .. سمعت حركة فى ثيابه لم تتبينها.. "هكذا .لاتخافى ..اقتربى إننا سنصل الآن غلى القضاء على الألم..تحس ملمسا ناعما وحارا فى مكان ما.. وتسمع فجأة شهقة أو شبه شهقة .. أو تنفسا غريبا أو تأوها به أنين .. أو ماذا.. تنزل هى إلى قرار لاتعرف كنهه.. ابتعد بسرعة واختفى وراء الباب وأقفله.. فتحت عينيها على سكون ثقيل.. وودت أن تكسر كل شىء"
وجدت فيما فعله معها أنه استغل مهنته الاستغلال السىء.. فقررت فى حسم عدم العودة إليه .. لكن الحادثة السخيفة كما تصفها أرقت حياتها.. لم تر أول الأمر ملامح وجهه المخيفة..واحمرارعينيه..وابتسامته الصفراء الخبيثة والدميمة غير المؤدبة.. والتى فيها جوع ودناءة وحقارة ..لأنها كانت تمنحه الثقة.. والمفروض ألا يضعف أمام جسد مريضة تمنحه الثقة.. تستر بقناع زائف.. ووجدت فى نفسها ضحية له.. وعليها أن تكشفه.. فاتفقت مع صديقة لها على خطة إيقاعه فىشرك..بادعاء أن صديقتها تعانى من نفس آلامها..وأتت ترافقها.. ولتدخل معها إلى حجرة الفحص.. لأنها خجولة جدا.. ولعله لايمانع ان تشاهد فحصه لها. لأن من الجبن السكوت على ماحدث لها.. وحال كشفها عن حقيقته .. ستحقق انتقاما منه وترتاح نفسها.. ورغم أن الخطة كانت جادة ومدبرة..إلا نها لم تتم لتخلف صديقتها عن الذهاب..فقد سبقتها فى الوصول وجلست تنتظرها فى قلق شديد..آملة مجيئها حسب الموعد..لكن انتظارها يطول.. وتستعيد خلاله ماحدث معها من ذلك الجبان .. مما جعلها تخرج من العيادة دامعة العينين.. وتفكر بكره الرجل .. وتعانى من كبريائها المداس..وظلت تعتقد أن صديقتها لن تتركها.. وستساعدها على الانتقام .. وكشف هذه الجرائم التى تحدث لغيرها.. وكان يقطع استرسالها ماتشاهدهفى صالون الانتظار.. ومتابعة المترددات على العيادة .. امرأة حامل بابتسامة خجولة .. تبدو فى شهرها الخامس..تتصفح مجلتها وتبتسم لصورها.. وكأنها تحلم بطفلها القادم.. تبدو كأنها تنتظر أحدا .. وهدوء حركتها لافت للنظر..تأتى أمها وتتحدث معها عن ملابس المولود ..امراة وزوجها القلق.. تبدو عصبيته أكثر من زوجته التى أتت للفحص..سيدة أخرى وصديقتها.. كل ذلك وصديقتها الملعونة تتركها تنتظر..حكت بالأمس هى وشقيقتها عن تعرض النساء لمثل ماتعرضتله..ويجب كشف خداغ هذا الطبيب وأمثاله.. وتحمست للخطة التى لن تستطيع تنفيذها بمفردها.. وستسقط إن لم تأت .. كما أن الكثيرات من ضحاياه يسكتن خوفا من الفضيحة..أو فقدان احترام الناس لهن .. بينما هو الطبيب الذى يستند على الفحص لقضاء نزوة عابرة .. تواجهها فى صالة الانتظار لوحة مهملة من زمن.. وجه بلحية تغطيه الذقن .. عينان واسعتان مدورتان تحملقان.. ابتسامة تمكث ببرود على الشفتين كأنها تريد أن تزرع الاطمئنان عنوة .. ترى فيها مايشبه الطبيب.. بينما تنسدل الستائر بلونها الأصفر الفاقع المثير للأعصاب.. والمتعب للعينين..لكنها تتمسك بالبقاء لتتبين حقيقة مايجرى لها .. لكن يخلو الصالون إلا منها وتأتيها السكرتيرة التى أرسلت لها ابتسامة بلا لون عندما استقبلتها..واعتذرت لها عن حضورها فى موعدها المحدد السابق..لتخبرها بأن صديقتها تلفنت لها بأنها لن تحضر.. لتغادر وهى تحس بأنها ستعانى أياما أخرى من العذاب.. ستضاف إلى عذاباتها السابقة..رغم أن الامتحانات على الأبواب..ولا تدرى بأن ذاكرتها ستقدر على تلاقى الدروس.. مادام لا أكل ولا نوم.. وانهيار عصبى..واستقر فى رأسها وجودها الحاضر والمستقبلى.. بدخوله عالم المجتمع القاسى الذى لايرحم..وتساءلت هل ستكتم سرها عن حبيبها.. الذى كان فى مرات عديدة على وشك أن يضمها إلى صدره ويقبلها.. أم أنه وهو يحبها وتحبه ليس مثل الرجال الآخرين.
كما يبدو ثمة معاناة للبطلة من حدث كما سمته.. جعلها تعيش فى حيرة من أمره.. فبين ماتمثلته من سوء نية .. وبين اقتناعها أنها لم تبد رضائها لتصرفاته..تؤكد لنفسها وكأنها تريد نفى مسئوليتها عنها " لم يكن صوته طبيعيا أنا كنت فى جوع دائم طيلة الفحص المزعوم".. ومن ثم كان سعيها للانتقام حسب خطة اعتمدت فىتنفيذهاعلى صديقتها التىخذلتها..لم يكن من أجل نفسها فقط..وإنما محاولة كشفه ايضا بالنسبة للآخرين.
فى قصة "المرايا" مايشغلالبطلة..هو عدم اقتناع زوجها يجدوى ممارستها للكتابة.. وتخليه عن وعده لها قبل الزواج.. بأن يترك لها حرية تنفيذ مشاريعها الأدبية..مما دعاها إلى استرجاع التحول الذى حدث فى حياتها.. بعد ستة أشهر من الزواج لتكتشف أن خاتم الخطوبة وخاتم الزواج .. والفستان الابيض.. شاركوا فى تلك العملية الجوفاء.. رغم أنها لم تكن رافضة لها.. وتعيش ماقبلها وما بعدها.. بما يشير إلى استقرار حياتها الزوجية.. ولم يكن حلمها أن تتزوج فقط لأنها لاتكره علاقة الزواج .. بل تقدسها وتحب الأطفال والبيت .. وتعيش فى بيت جميل.. تحب زوجها ويحبها.. وأنها لاتريد الاقتصار على ذلك..لكنها اكتشفت أنها تعيش الحال غير ماكانت تتوقعه .. فبعد امتهانها للصحافة الأدبية وتقديم الترجمات..اقتصرت حياتها على واجبات الأكل والنوم والشرب .. وخلت من الكتابة ..وانشغلت بترتيب أحاديث الأدب والفن البيت والتزين للزوج..الذىلايهتم بكتابتها ولا يحدثها فيما تفعله.. وكلما ألمحت له بما تريد .. أسكتها بحديث شىء آخر تراه يقف حاجزا أمامها .. وتريد أن تقنعه برفع رقابته عنها حتى تكتب.. لكنه ضد ذلك.. فكرت بأن تكتب فى خفية عنه.. وتتصل بمن يساعدها على النشر..مثلما فعلت فى أول شهور زواجهما.. تواجهت مع جو الرتابة المحموم الذى تعيشه .. ومع ذلك تؤكد لنفسها "أنا لا أريد أن أعيش أحلامى.. وإنما أريد أن أتحرك .. أن أكتب..ولا أستطيع ذلك فى جو مسموم بنوع من الحقد على ما أفعل..أو بذلك النفاق الذى يفضحه تصرف زوجى.. أريد أن أكتب شيئا نابضا بالحياة.. بواقع يتحرك نافضا عنه غبار الرومانسية والخيال الدافىء".. ثم تصر على الدفاع عن نفسها وعن حقها فى أن تمارس الكتابة التى يريد أن يبعدها عنها.. تارة بوعده لها بسفر ليبتعد عن الموضوع.. وتارة بتصريحه أمام الضيوف. بأن النساء يكتبن للتبرج.. وتصوير نواقصهن فى الجنس .. او استعباد الرجل.. وليلفتن الأنظارإليهن وليس كتاباتهن .. ودليله صورهن فى الجرائد والمجلات.. فالمرأة تحاول التوفيق بين عملها وبيتها .. لكنها تحتاج إلى مساعدة الزوج الذى يتعب كامل اليوم.. ويكون فى حاجة إلى امراة تستقبله بعد عناء .. صفعها بحديثه وكشفه لديكتاتوريته المقنعة بالحب والاستقرار..وكشف عنها بعد شهر العسل.. فكيف لها أن تمارس الجنس معه.. بعد ان تصدعت القيم وانهارت بينهما فى صمت .. رأته قبيحا فىانانيته .. نفرت منه ولم تتحمل لمس اصابعه إذا ماداعبها .. بعد أن كانت تسرى فى جسدها لذة حارة وعميقة.. تجذبها إلى جسمه .. بدت أصابعه شوكا يخنق رقبتها.. ويقبض عليها.. ويبعد أنفاسها.. مما جعلها تتساءل.. هل أحبته حقا .. أم أحبت أفكاره القديمة التى استبدلها بأخرى .. وكان أن توصلت إلى قرار تركه.. حتى لاتظل تجتر همومها طوال حياتها.. من قبل أكد لها" إما أن تكتبى او تتزوجى".. فالبحث عن السعادة فى الزواج وإنتاج الأدب والأفكار أمران لايلتقيان .. أخذت تجمع ثيابها فى الحقيبة .. فالنقاش معه لاجدوى منه .. ولن يكون ذهابها مفاجئة قاتلة له .. سينعتها بالجنون .. أو يقبلها ليسكت خوفها. لكنها لن تستكين ولن تنخدع أكثر..ولن تكون دميته..حمل لها التليفون اعتذاره عن الغداء فى البيت بسبب الشغل الطارىء .. وكان عليها أن تنتظر إلى المساء.. أحست بأنفاسها تختنق وتصدع فى رأسها.. فتحت البلكون طلبا للراحة.. بدت عليها علامات الحمل .. لتبدو وكأنها استمرت فى حياتها الروتينية مع زوج..غاب فيها ماكان أيام الحب..وتغيرت إلى روتين ممل معه..ما أن يفرغ من لحظات الالتقاء الجسدى الذى تعانى خلاله .. حتى يتركها ويطلب منها أن توقظه فى الصباح .. ليحضر اجتماع عمل مهم .. وتستدير عنه هى الأخرى وتغمض عينيها على صورة رجل آخر تملأ به فراغ ليلتها.
وفى قصة " المدينة التى تحلم" ثمة كاتبة أيضا وصلت إلى سن الثلاثين .. وكانت تنتظر فى هذا السن أن تصبح امرأة مكتملة ناضجة وجميلة وطموحة .. وتكون حققت الكثير من آمالها فى نشر كتبها .. " لكن الواقع يقول فيها أن الأدب ليس وظيفة.. وأن السن لاعلاقة لها بذلك".. لكنها اختارت الطريق الصعب..لم تستطع الكتابة فى بلدها.. ففرت منها..لتحقق رغبتها فى أن تكون كاتبة .. لكن الغربة خلال ثمان سنوات لم تقدم لها سوى الأوهام وطعم الوحدة ..حتى وهى فى أسعد لحظاتها .. وقتلت علاقتها بالعالم الحقيقىالصادق..الذىلايوجد سوى فى بلدها.. وتعذبت فيها وتحملت كثيرا من كلمات البشر..وتعبت تعبا حقيقيا..فدفعها ذلك إلى الإقدام على محاولات الانتحار.. كما منعها أن تعيش بعد أن أقفر العالم من الناس..كان لها طموح ومشاعر عميقة فى الحياة.. وإحساس بالحب العميق .. لكنها تعيش الوحدة المؤلمة .. فما معنى أن تعيشها ..من ثم لم تصل إلى قرار الانتحار صدفة .. كانت هناك محاولات أولى وثانية وأخيرة.. تلك التى أقدمت عليها وتعيش تبعاتها.. لم تكن ترى فى الانتحار تعبير عن كره الحياة .. وإنما هو عنوان الحب فيها..الذى تباغته الصدمة لعدم استقامتها كما تطمح أن تكون .. فأرادت أن تموت لترتاح.. لكنها وجدت أنها ستنتهى غريبة فى بلد غريب .. ولن يحفل أحد بموتها .. بعد أن تركت بلدها الحبيب.. لترمى بنفسها بين أشواك المدن الاوربية .. كانت قوية ولم ترفض مايعجز أمامه الرجال .. وتحدت الصعاب.. لكنها أذعنت للحظة طائشة مجنونة .. أنهت كل شىء بحماقة لاتغتفر.. رغم أنها كانت قادرة على الانتقال من اليأس إلى الأمل .. ومن الكفر بالحياة ..إلى الإيمان بها..وبالإنسان وبنفسها.. لكنها اكتشفت أنها أقدمت على عملية حمقاء اسمها الانتحار.. لجأت إليها لترتاح من عذاباتها .. لكن مامعنى أن ترتاح بعد أن تموت وهى التى تحب الحياة..وتريد أن تثبت وجودها فيها.. فلماذا لاتعيش مثل أغلبية البشر.. وتداخلت أمامها صور الماضى.. وداع العائلة فى المطار ووعدها لهم بالنجاح .. والتساؤل عن الرجوع النهائى..لكن الغربة والسفر صار قدرها .. واتسعت دائرتهما.. وصنعا منها إنسانة قلقة.. وجعلاها تذعن للحظة طائشة مجنونة ..فاختصرت حياتها فى حماقة لتنه سنوات عذابها.. ثم أرادت أن تتراجع وهى على بوابة الموت للحياة التى ترى فيها جمالا.. ولو رجعت ستتغير مقايسهافى الحكم على الأشياء .. وسنكون أكثر واقعية لتقبلها.. لكن شعلة النور خبت قبل أن تضىء وكان الموت جوابا سريعا..
ثلاث قصص جمعت بينها الهموم الذالتيةلبطلاتها..وضح فيها صوت الأنثى التى تعيش معاناتها تحت ضغط قهر.. فرض عليها مواجهته .. رغم اختلاف أشكاله ودوافعه.. حيث بدت الأولى أسيرة قهر الطبيب لإرادتها فى رفض مابدر منها حال غضبها..والثانية قهر الزوج الذى حال بينها وبين تحقيق ذاتها.. من خلال الكتابة.. وقهر الغربة للثالثة التى فشلت فى تحقيق حلمها .. لكن القلق ربط بين عوالمها كقاسم مشترك بينها..لازم الاولى.. واعتادته الثانية.. وتخلصت منه الثالثة بالموت.. بينما بقى هاجس الكتابة لبطلتى "المرايا"و"المدينة الحلم" كمضمون جمع بينهما..فى البداية.. واختلفتا فى النهاية.
وتبدو قصة"عيون البحر" بتماثل مع قصة "المدينة الحلم" فى مضمون الغربة والرحيل عن الوطن.. بقصد البحث عن عمل يحقق من خلاله مايساعده على تغيير ظروفه المعيشية.. فالبطل فى " عيون البحر" لم تساعده الظروف على إتمام دراسته .. وما تعلمه فى المدرسة لايؤمن له شغلا .. ساعده فقط على ألا يكون أميا .. ولم يؤمن له العيش.. فاتفق هو وصديقاه على السفرإلى فرنسا .. وكان هوالأخير الذى غادر تونس حاملا ذكرياتها معه.. بسبب رغبة أمه فى خطبة ابنة الجيران له قبل السغر..حتىلايرجع لها بشقراء بعيون باردة .. لكنه عاش جحيم الغربة التى زادت فى علقمة عذاباته .. فقد حاصرته الديون .. وأصبح كل أمله الحصول على مبلغ من المال يخلصه منها .. ثم يموت دون أن يخدش سمعته أحد.. فكر فى السرقة أو القمار .. لكنه رجع عن تفكيره وغرق فى الشراب .. ثم عاد إلى شقته ليعيش وحدته مع الكآبة والحزن.. لكن ضحكة طفل فى الصباح قبل ذهابه إلى العمل. جعلته يأمل فى صفاء الحياة وتبرئته من الهموم .
أما بطل قصة " شهادة فى ملف التحقيق المؤجل" .. فهو يعيش على هامش الحياة..ابتداء من لحظة مولده بتحمله وزر إثم لم يرتكبه.. وتهمة أنه بلا أب شرعى.. فقد ولدته أمه على أبواب بيت ثرى لم يعترف به خوفا من الفضيحة..لأنها لم تكن زوجة فى العلن.. فأخذته سيدة عجوز ربته إلى سن التاسعة ثم ماتت.. فانتقل ليعيش مع خاله وأسرته.. وعاش بينها موضع الشبهات والتهم.. تتهمه الزوجة بسرقة الطعام.. ويعيره خاله بأمه التىلايعرف عنها شيئا.. وهل هى حية أم ميتة.. وبسبب مشكلاته كأخرس لايستمرفى العمل.. سكنه الخوف .. ولم يكره من مارسوا عليه هواية التهم.. وإنما احتقرهم .. بينما يمارس هوايته فى البحث فىالخطا والتهمة .. عرف أن أمه أرسلته مع خاله إلى فرنسا للتداوى من خرسه.. وأنها تبعث إليه بمبلغ شهرى نظير إنفاقه عليه.. اكتشف الأمر صدفة وهو يمر بغرفة خاله .. بحث عن رسالة أمه فى حقيبة خاله .. وعندما قرأها لم يبك وضحك بسخرية ومرارة .. لكنهم يتهمونه بسرقة الحقيبة بعد أن اختفت.. وألقوا به فى مركز الشرطة وعجز عن الدفاع عن نفسه بسبب خرسه..وساورته الشكوك حول زوجة خاله .. لكنه تراجع عن اتهامها رغم تعرضه للاعتداء عليه أثناء التحقيق.. لكون لسانه عاطل عن العمل.. مثل العربى المتهم دائما بحب الجنس وممارسة الإرهاب .. ولا يستطيع أن يتكلم .. ويقول شيبئا.. ثم يكتب شيئا آخر.. ولديه من المشاريع التىلاتنجز.. كما أن العرب لايتفقون ولا يساعدون بعضهم.. بينما الأعداء وكل أمم الدنيا تناصر بعضها البعض.. ولهذا يرقص رقصة الموت والجنون على قلوبنا .." ويتوسع الجرح الفلسطينى ".
أخبار تتكرر قرر عدم إعادة قراءتها وهو فىسجنه..لكنه اضطر إلى اجترارها بسبب وصول الجريدة التى طلبها .. يتساءل حول استمراره تأجيل الدفاع عن نفسه .. ووجوب مداواته من خرسه ليستطيع أن يتكلم..وفى يومه الأخير فى سجنه الصغير يأتيه حارس جديد لايرتاح لوجهه الكريه.. والذى يوحى له بأنه لن يستطيع أن يطلب منه ورقة يكتب عليها .. أو يتعامل معه.. كان ينتظر نقله إلى سجن كبير يليق بجريمته.. أو يخرج إلى الشارع حرا طليقا.. وحال وجدت الحقيقة المختفية سيتغير الحال.. وينسف بحثه العقيم عن الظلم .. كان يعتقد فى براءته ويجب ألا تطمس بالأيدى القذرة.. يفاجأ بالحارس يلقى له بورقة بعد أن عجز عن فهم إشاراته ..يقرأها ويعرف أن خاله سيأخذ مكانه فى غرفته.. يرى أنه يمتلك لسانا ولن يتهموه خطأ.. كما أنه لم يأت لزيارته .. لكنه بعد مراسم الخروج سار فى الشارع وهو يشتم رائحة جريمة .. حاصرته الشكوك واللامبالاة .. لم يكن أحد فى انتظاره ولم يتعجب .. جلس فى مقهى وهو يتمنى ألا يلتقى بإنسان يعرفه .. لأنه سيسأله ولن يجيب.. ولن يفهم شيئا من كل شىء.." ثم عاد إلى الزحام تحت المطر.. وبينما كانت قدماه تقرعان الطريق .. بدا "الصخب ولا صوت الزحام ..ولا وجه.. الوجوه بلا خيال .. الوجوه بلا وجوه..و.."
ويطل قصة "عصر الحنين" رئيس قسم يرى أنه مسئولا عن سكرتيرته الجديدة.. بعد أن أوصاه زوجها بذلك لأنها خجولة.. وكأنه أوكل إليه حراستها.. لكنه يكتشف أن لها عشيق رغم أنها متزوجة من رجل مخلص.. فى ثالث يوم من دخولها الدائرة رآها تلتقيه عند خروجها.. بعد أن ينتظرها فى سيارته.. ويحاولان ألا يلحظ أحد ركوبها معه.. "لم تكن جميلة صوتها لم يكن أنثويا .. وكان مطبوعا بالبحة المكروهة التى تتكلم بها النساء.. اللواتى يدخن كثيرا ومثيرة للاشمئزاز".. لكنه كان يتلصص عليها وهى تتهيأ للقاء عشيقها قبل مغادرتها المكتب.. رغم ذلك قرر ألا يشى بها..لأن الأمر صار موضة ..ولم يتوقف على موظفات إدارته.. حاول أن يبقى فى المكتب بعد مواعيد العمل.. مستغلا سفر زوجته لحضور مؤتمر عن التلوث.. للإعداد لإنهاء صفقة لو تمت سينال ترقيته ويتخلص من فرع الدائرة الصغير.. ومن المنظر الذى تطل عليه نافذة مكتبه لكونه جامد لايتغير.. افتقد سكرتيرته التى تعرف مكان الملفات ولا يستطيع التحرك بدونها .. يغير سكرتيرته دائما لإرضاء زوجته .. وطرد السابقة رغم أنها مؤدبة وشابة لطيفة لأنها تنسى مواعيد زوجته .. داهمه تساؤل " هل هو مشتاق لزوجته فى ثالث مرة يفترقان فيها بعد الزواج"..وتناول موضوع أخلاقى بعد مشاهدته مايحدث من العمال بعد مواعيد العمل.. يحب الأغانى الكلاسيكية .. عبد الوهاب. ام كلثوم . عبد الحليم . ويرى أن الأغانى الحديثة.. ازدادت سوءا .. قرر الذهاب إلى السينما بعد تناول طعامه.. فخرج إلى الشارع المكتظ بالناس والسيارات.. رخص السواقة تستخرج بالرشاوى..والرجاللايحبون أن تعاقبهن شرطيات المرور.. يرى فى الزواج لعنة لأن زوجته تحاسبه على كل شىء وكأنه فى مدرسة داخلية.. أو ثكنةعسكرية.. لايدرى إذا كان مشتاقا إليها بعد أن انتهى زمن الحب .. لم تتلفن له كعادتها كل ليلة .. يعود مما انشغل به إلى الشارع الذى تغير.. لم تعد اخلاق .. النادل يتملق السياح العرب ويعامل التونسى بوقاحة.. حدث الانحدار والانحطاط بسبب التقليد.. بعيش عصر الحنين للقديم فى كل شىء .. دون وعى منه وجد نفسه فى آخر شارع الحرية ..أحس بالتعب لتعوده الانتقال بسيارته .. يصير فى شارع باريس .. نظيف وحيادى ولا تبعية لأمريكا أو فرنسا.. شارع بورقيبة يحمل أصالة حقيقيبة .. لأن اسمه تونسى مائة بالمائة وله تاريخ مرتبط بتونس .. دخل مطعما بعد أن نال الجوع منه .. اشتاق لزوجته لأنه لايريد أكل المطاعم.. لكنها لم تكلمه بالتليفون.. ويتساءل.." هل الخط الدولى مشغول و دائما بالليل".
وبجانب هذه القصص التى تباينت مساحاتها من حيث الطول .. تضمنت المجموعة عددا من القصص القصيرة جدا..قصة "قطار الساعة الواحدة" التى يبدو فيها البطل مرتبطا بحبيبته رغم أنهما مازالا فى مرحلة الدراسة .. رسب سنة من أحلها حتى لايسافر وحده لاستكمال تعليمه .. وطلبت منه أن ينتظرها بعد أسبوع لأنها لن تنتحر مثلما كانت تقول له.."التدريس او الانتحار" وستسافر معه إلى أوربا لكنه يعرف من أخته التى قبلته مهنئة بنجاحه.. أن حبيبته لم تنجح وسترجع فى القطار التالى .. يجرى إلى المحطة لكنه يصلها بعد مغادرة القطار.. يسأل ماسح أحذية عنها.. بعد أن يصفها له يعرف أنها انتحرت لكونها لم تنجح فى الامحان
قصة "بدون تعليق" شاب وشابة يتناولان الطعام وهو يشكو لها من مشقة عمله .. ينصت إليهما البطل دون وعى منه..وهو ينظر إليها نظرة تعجب خالها نظرة اشمئزاز.. طلب الشاب شطيرة بينما هى تأكل كثيرا.. قال لها أن ذلك دليل الصحة.. تعمل فى مكتب حار.. طلب منها الإسراع فى الأكل حتى لايفوتهما المترو.. عرضت عليه أن يكملا أكلهما فى الشارع ورفعت شطيرتها الثالثة ..استطاب الفكرة .. رفع أشياؤه.. ووضغت معطفها على يدها والشطيرة فى يد أخرى ..ثم تبعته وهى تمتص بقايا الزيت العالق بإصبعها .. تابعهما بطل القصة بنظرات بلهاء إلى الباب ..ثم رمى غليونه وبقايا الأكل فى سلة المهملات . وخرج إلى الشارع مع الخارجين.
قصة "الزمن والألوان" قرر البطل فيها تغيير عادته وترتيب مكانه .. غير المكان جميعه عن ماكان عليه .. ونقل لوحة مجهولة يحبها منذ سنين من مكانها.. لتكون فى مواجهة النافذة التى تسمح بتسرب الضوء إليها ثم تأملها..لاحظ شدة زرقة السماء المتحكمة فىالبحر..رغم عدم إضافة سحب السماء إليها ليصدق فيها زمن الخريف.. كما أن وضع الشجرة غلط .. فأرجعها إلى مكانها الأول فى الظل .. بعد أن اكتشف حقيقة ألوانها المتناقضة.. والتى يمكن أن تكون مزيفة.
قصة "الصوت" . تفاجأ.مطربة جميلة بعد أن ظلت تغنى فى سهرة طويلة .. بطبيبها يخبرها فى الصباح بتقطع أوتارها الصوتية .. لكنها تصر على إجادة الغناء لتستمتع بطعم النجاح على حساب صوتها.. "بدا عزف بلا أوتار.. أوتار بلا عزف.. الصوت .الأغنية . أشياء حكى عنها الطبيب".
قصة "الضحك المشروع" ..بطلاها ركبا سيارة كانت تجرى معتدلة فى شوارع المدينة .. اعترضتها الطرق المسدودة فتغير مسارها .. شعرا بحرارة الجو .. واكنشفا أن المكيف لايشتغل.. قررا تغيير بطارية التكييف.. ارتفع الغبار وانسكب دخانه .. خنق الجو وخنق الرحلة .. سلته وهى تتنفس الغبار.. هل البحر تقصد النهر مازال بعيدا.. نهر النيل يخترق المدينة تتذكر أفلام الكارتون التى ستشاهدها معه فى المساء ليضحكا.. لكن سحابة الغبار ودوامة الريح.. فعلت بهما مثلما يفعلون فى أفلام الكارتون.. صار ضحكهما مشروعا .. قبل أن يصنعا بحرا ليستحما فيه من الغبار الذى غرقا فيه.
يتلاحظ من خلال قصص المجموعة مثلما بدا من العرض لها بإيجاز قدر المستطاع .. أن ثمة تفاوت بينها من حيث المساحة والإفاضة فى تناول الحدث.. فبينما الاسترسال فى الإفاضة بالنسبة للست قصص الأولى .."الكشف عن القناع. المرايا. المدينة التى تحلم . عيون البحر. شهادة فى ملف التحقيق . عصر الحنين" والتى اهتمت فيها الكاتبة بتأكيد التركيز على الحدث .. حال وصفها لمعاناة الشحصيات .. يبدو على العكس منها الخمس قصص الأخيرة .. " قطار الساعة الواحدة . بدون تعليق . الزمن والألوان. الصوت . الضحك المشروع ".. إذ نحت الكاتبة فيها إلى تقديمها فى شكل القصة القصيرة جدا وبالإضافة إلى الاستطالة فى السرد والاقتصار الشديد .. والذى تمثل فى التفاوت فى المساحة مابين عدد الصفحات وعدد السطور .. نجد الكاتبة تعتمد فى كتابة المجموعة الطويلة على الحوار الداخلى .. بينما اعتمدت فى المجموعة الثانية القصيرة جدا.. على دور الراوية .. إلا أن الحوار الداخلى كان له أكبر الأثر.. بسبب معايشة الشخصية للحدث وارتباطها به.. بينما الراوية تعرض لرؤيتها للحدث من الخارج .. وكأن ثمة انفصال بينها وبينه..لكنها تقدم الحدث كلوحة تثير التأمل لدى من يشاهدها.. فيتغير وقعها بالنسبة لها من مشهد عابر متكرر فى الحياة .. إلى محاولة لفهم دلالته لكونها رمزا لحال استلزم التعبير عنه .. البعد عن المباشرة .. والالتجاء إلى الإسقاط الرمزى الذى قد تتعدد تفسيراته وما يرمى إليه.
على العكس من ذلك تبدو شخصيات القصص التى قدمتها الكاتبة من خلال الحوار الداخلى .. الذى اعتمدت عليه كخط أساس لها .. كتكثيف للإحساس بالعالم الذاتى.. واستغراقها فى عالمها الخاص .. مما يبديها وكأن ثمة انفصال بينها وبين عالمها الخارجى .. فهى تعيش الحدث من الداخل وليست كشاهدة عليه .. من خلال رؤيتها له باعتبارها الشخصية الرئيسية فى القصة.. تهتم بذكر ما هى مرتبطة به . بينما تأت على ذكر الشخصيات الأخرى.. التى بدت فى النص من خلال إشارات عابرة متداخلة فيه .. سواء بتواجد فرضى فى المكان .. كالمترددات على عيادة الطبيب وحوارهن الكاشف عن مايشغلهن .. والزوج المتعصب الذى رافق زوجتنه .. والممرضة التى كشفت عن معرفة سابقة بها .. وتأكيدها لها أن ماتعانيه ليس بقاصر عليها وإنما .." نحن النساء لنا مشاكل كثيرة من هذه الناحية " قصة "الكشف عن القناع " وأيضا حوارات الزوج فى قصة " المرايا " اللتين لايبدو فيهما القاسم المشترك مع البطلة فى النص.. مثلما يبدو فى نسيج المضمون .. فالصديقة هى الحاضرة الغائبة بالنسبة لبطلة قصة "الكشف عن القناع " والزوج هو الغائب الحاضر فى قصة " المرايا" والحبيبة فى قصة" قطار الساعة الواحدة ".
ورغم اعتماد الكاتبة على الحوار الداخلىفى قصص المجموعة الأولى الغير قصيرة جدا.. إلا أنها تقطعه أحيانا وتكمل نصها من خلال صوت الراوية.. وبشكل يبدى النهاية وكأنها لاترتبط بالنص ..مثلما حدث فى قصة "المرايا" التى توقف فيها الحوار الداخلى ليبدو بعده "رجل بدين يجثم على زوجته فوق السرير.. بفمه رائحة الويسكى الكريهة .. ويجثم ببطنه على بطنها . تتحرك تحته كأنها تريد الانفلات . لكنها لاتقوى. تتنفس بصعوبة وتبتلع رائحة الويسكى . ويشخر .هو فاتحا عينيه باحثا عن شىء تحته . يريد امتلاكها فقط مثل كل المرات . لايحدثها أبدا .. تتذكر هى نفسها حيث كانت امرأة رشيقة .. وكانت نظراته تلتهمها دائما ..ولم تكن لها بطن كبيرة .. بعد قليل يفرغ كل شىء ويتركها جانبا .. ويطلب منها بعد أن يدير ظهره لها أن توقظه فى الصباح ليحضر اجتماع مهم لمجلس الادارة .. فتستدير هى الأخرى محاولة ألا تلمس ظهره وتغمض عينيها على صورة رجل آخر.. تملا به فراغ ليلتها".. هذه السطور القليلة .. والتى قد تصلح كقصة منفصلة وقائمة بذاتها ..يسبقها الحوار الداخلى الذى انتهى بمعاناة البطلة من إرهاصات الحمل الأول .. تحمل ماوصلت إليها حياة البطلة التى كانت محبة لزوجها.. ولا تنكر حبه لها فى البداية .. إلا أنها عندما اكتشفت أنه يقف حائلا بينها وبين امتهانها للكتابة .. شعرت بالانفصال بينها وبينه .. وعندما بدا حملها منه بعد قرارها بالانفصال عنه .. استسلمت لما فرضه عليها .. وانتهى بها الحال إلى الحياة الرتيبة المملة والكارهة لها.. رغم انفصالها الروحى عنه.
يلفت الانتباه أيضا إلى الدفع بالحدث كواقع حال فى بدايات القصص .. يسبق بداية تطوره ..فهو يبدو محدد الزمن والمكان .. ثم يتبدل الحال من ماض وحال وآت .. إلى حال وماض وآت .. الأمر الذى يتحتم معه الربط بين تطوراته ..ابتداء من الرجوع إلى البدايات ليكتمل كعنصر فاعل فى المضمون.. من خلال الشكل الغير المتزامن فى الترتيب.
ذلك من ناحية الشكل الذى اختارته الكاتبة لنصوصها ..بينما المضامين وإن عرضت لمعاناة ذاتية وشخصية ..تأت مضامينها من خلال تجسيد الإحساس بالرغبة.. التى تلق بظلالها كواقع تعيشه الشخصيات كهم أساسىفى حياتها .. سواء فرضت عليها أم سعت إليها .. وتجدر الإشارة إلى أن قصتى "المرايا و المدينة تحلم " من الممكن أن تكونا تعبيرا عن ذاتية الكاتبة .. فهى قد قامت فعلا بترجمات فى الرواية والشعر وقصص الاطفال .. ولم تقدم من إبداعها القصصى غير هذه المجموعة الوجيدة ..لأنها حتى الآن هى الأولى والاخيرة بالنسبة لها.. قدمت من خلالها كصوت نسائىفى القصة القصيرة له حضوره على الساحة الأدبية ..بإمكانته الأدبية والفنية التى كشفت عنها قصص المجموعة .. إلا أن الحضور الواعد تجمد عند محاولة واحدة فقط بمسماها الذى قدمتها به"عصر الحنين ".
**********




w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007