[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
هارمونيكا محمد بن ربيع الغامدي
التاريخ:الخميس 27 فبراير 2014  القراءات:(1955) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن ربيع الغامدي  

انحدرت بنا السيارة نحو القاع السحيق في طريق وعر يتخلل شجيرات العرعر المتناثرة على السفوح، ذلك المنحدر استقر بنا في بطن وادي البرق وعلينا أن نقطع عدة كيلو مترات من طريق ترابي يسير في بطن الوادي حتى يتوقف بنا تلقائيا لتفضي بنا أقدامنا المتعبة إلى أجمة متكاثفة الأشجار يتخللها طريق ضيق أشبه ما يكون بطريق يسلكه النمل نحو مساكنه، وعندما خرجنا من بين الأشجار وجدنا أنفسنا في بوحة جرداء وعلى مسافة أمام أبصارنا رأينا رجلا ينثر علفا وحشائش لبضع غنيمات يتراقصن حوله.

في اللحظة ذاتها التي أبصرناه فيها كان هو أيضا قد أبصرنا فصرخ فينا دون أن يتوقف عن نثر العلف أو حتى ينظر نحونا: ماذا تريدون؟ توقفنا وقلت لمرافقي هذا هو سُطيح وواصلنا السير، صرخ فينا وقد بدا وكأنه قاطع طريق قزم: توقفوا، هنا نساء وأطفال، رد عليه مرافقي: نحن نريدك أنت ولا شأن لنا بغيرك وإذا اقتربنا منك أخبرناك بحاجتنا فصمت واستأنف نثر العلف لغنيماته، أدركنا أنه يوافق على قدومنا إليه فاستلمنا تلا صغيرا يحملنا اليه، عندما سلمنا عليه رد السلام بغير اهتمام وكأنه غير مكترث بنا بل تجاهل وجودنا تماما وانصرف ينثر الأعلاف لقطيع الماعز المتحلق حوله مما دفع بمرافقي للاقتراب منه أكثر وبلهجة غلبت عليها نبرة العتاب قال له: انا مريض، ولولا أني مريض لما قطعت هذا المشوار الشاق لأصل اليك فأعطنا شيئا من اهتمامك.

القى بالعلف أرضا واستدار نحونا وكأنما كان يلقي خطابا قال: مريض؟ المريض دواؤه عند الله أو عند الطبيب وانا لست ربا ولست طبيبا كما ترى، هذه الماعز تحتاجني أكثر مما تحتاجني أنت. سكت برهه ثم تقدم نحونا خطوة واحدة وسأل: هل انتما مباحث؟ أم من رجال هيئة الأمر بالمعروف؟ قالوا لكم أن سُطيحا مشعوذ فأتيتم لتقبضوا علي، اذهبا الان من حيث أتيتما فأنا رجل فقير ولو كنت كذلك لكنت الان من كبار الأغنياء، حينها أسقط في أيدينا وكدنا أن نعود أدراجنا لولا أنه اقترب منا وسأل: ماذا تعملان؟ أروني بطاقاتكما. وعندما رأي بطاقاتنا تهلل وجهه وأشار الى مبنى حجري ليس ببعيد وقال: اذهبا هناك وانتظرا حتى آتيكما.

طال انتظارنا له في تلك الغرفة التي لم يكن بها سوى قطعة صغيرة مهترئة من سجاد قديم ومتسخ، وعندما دخل علينا انتحى الجهة المقابلة ثم جلس على سرير متهالك مجرد من كل ستر وأخذ يحدق في أقدامنا ثم انتفض فجأة وبدأ يضرب صدره بقبضة يده إلى أن تبدلت ملامح وجهه ليتوقف عن الضرب ويطلق العنان لصوت تتخلق فيه الفجيعة أمامنا بين عواء كلب وعويل موجوع.

توقف فجأة وأخذ نفسا عميقا ونهض ثم توجه نحو مرافقي لينشل طاقيته من تحت عمامته بخفة عجيبة، جمع شفتي الطاقية حتى بدت مثل نصف رغيف وبدأ يمررها على فمه وكأنها آلة هارمونيكا، كان منتصبا ونحن جلوس ننظر إليه واقفا يمرر الطاقية على فمه ويتمتم، أخذ جسمه يترقرق من رأسه حتى أخمص قدميه كما يترقرق الجيلي في آنيته، نظرت الى مرافقي وقد شحب وجهه وانسدلت وجنتاه وبدأ جسده يترقرق وكأنه كتلة من لحم بلا عظم ثم شرع يعوي عواء كلب في ليلة باردة.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007