[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ليلى العثمان فى وسمية تخرج من البحر دراسة
التاريخ:الخميس 6 مارس 2014  القراءات:(635) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
ليلى العثمان فى

وسمية من البحر

من خلال العادات والتقاليد الموروثة.. قدمت الكاتبة الكويتية" ليلى العثمان" روايتها " وسمية تخرج من البحر".. حيث أبحرت داخل الواقع الاجتماعى.. بكل مافيه من ثوابت لايمكن التخلى عنها.. بعد أن انصهرت فى بوتقته.. وباتت من الأمور الملزمة لكل من يعيش.. فيه نائية عن كل مايستجد من تطور حضارى .. تفرضه المدنية الحديثة.. لتحفظ لنفسها أصالتها وعراقتها.. وذلك رغم ولوجها إلى الموروث التاريخى.. والتحامها به.. دونما تنازل عن أريجها الطالع مع دفق الذكريات.

لقد انتقت مضمونها ..من داخل المجتمع المتمسك بموروثاته العادية بالنسبة له.. لتكشف عن ماهية ذلك المجتمع .. بما يملك من فطرة نشا عليها.. تمثلت فى مجملها خصوصياته الحميمة.. وبساطته التى تبدو من أبرز سيماته .. رغم نسيجه الجامع بين شريحتى الغنى والفقر.. وقدمت هذا المضكون دون دونما تفرد لما عرض له.. إاذ جعلت عماده قصة من قصص الحب التى ليست نادرة الحدوث.. وإن كانت قلما تولد بين بطلين بينهما من الاختلاف.. مابين بطلى الرواية.. بما يمثله من تفاوت فارق.. بين الواقع الاجتماعى لكل منهما.. يجعلهما بين رحى الأعلى والأدنى ..لكنهما يتلاقيان على أرض العاطفة الإنسانية .. وذلك دون النظر لما هو خلاف ذلك .. ودونما استثناء لثوابت المجتمع المتمسكة بالعادات والتقاليد..وانتقت من القرى الساحلية إحداها لتكون مسرحا لها.

فمن الشريحة الأعلى للمجتمع بدا" عبد الله" ــ بطل الرواية ــ الذى ينتمى للشريحة الأدنى..برفقة "وسمية" التى تنتمى للشريحة الأعلى منذ الطفولة .. وتنامت قصة الحب الذى جمع بينهما وهما على أعتاب الشباب ..إلى ان اصطدمت بواقع لامهرب منه.. بوقوف الفارق الاجتماعى كحائط صد بينهما .. إذ كيف لابن "مريوم" " الدلالة" ..أن يقترن بابنة الحسب والنسب .. فثمة فوارق كبيرة بينهما.. هى ابنة الحسب والنسب .. والدها تاجر كبير.. يجول ويصول فى بلدان الله.. ويأتى بالغنائم .. تعيش في البيت الكبير.. ذى الأحواش المتعددة .. وأمها ذات أصل فصل .. أما هو فابن "مريوم الدلالة".. والده رجل لايذكره أحد.. مات وتركه يتيما .. يعيش مع أمه فى غرفة مؤجرة .. وينحشر معها فى فراش واحد خفيف..تحمل بقشتها وتدور بها على البيوت.. وهو يرافقها يحمل بقشة ثانية.. أو طاسة زلابية من التى تصنعها وتبيعها .. لتحصل على مايعينهما على الحياة ..بعد أن أصبجت بالنسبة له هى الأب والأم معا..وإذا ما أبدى استيائه من الفروق التى بينهما تواسيه .. "ياعبد الله هذى سنة الحياة ..خلقها الله عم وخادم.. غنى وفقير.. حاكم ومحكوم.. الدنيا مختلفة ".. ولا يكترث

بما تقوله "وسمية "عنه.. وتحاول ان تثنيه عن حبه لها .." هؤلاء رغم طيبتهم لايحبون ان يتطاول اولاد الفقراء على اولادهم "وتزيد له .." حقيقة الحب لا يعرف غنيا ولا فقيرا.. كل الناس تحب لكن الغنى للغنية والفقيرة للفقير.. هذا حال الدنيا .. ولأنه فقير.. يحلم احلاما كبيرة .. اكبر منه ..ولا يكفى أن يكون غنيا ليتزوجها.. لأن الغنى ليس بكاف للموافقة على الزواج منها ..مثلما تؤكد أمه له "يريدون أصلا وفصلا وحسبا ونسبا .. وأنت ابن" مريوم الدلالة".. مهما صرت واستويت .. من ثم فحبها له.. والذى تأكد منه.. ليس بكاف ليتخطى الفوارق التى بينهما .. فيتاكد أنه مهما فعل.. فلن تكون له يوما .. إلا إذا حدثت معجزة ..وهو لايعيش في زمن المعجزات .

لوحة كبيرة وجدا نفسيهما فيها.. لكن رغم كبرها.. لها معالمهما حدودها.. التى يستحيل عليهما تخطيها .. فلم يكن أمامهما سوى الاستسلام لقدرهما .. وقد كان قدرها ان تموت .. ويكون قدره ان يتزوج امراة تنغص عليه حياته.

هذا الحب المحكوم عليه بالنكران الشديد ..وسط المجتمع الذى نما فيه.. ترافق مع حب "عبد الله" ــ بطل الروايةــ للبحر.. يهرع إليه ينزف ..عذابه بين يديه .. هذا الساحر االذى يعشقه.. وتذوب عيناه حيث تلامسان زرقته.. يسير إليه كالمنوم .. حين تاتى الزفرة إلى أنفاسه .. تعود إليه الحياة.. وحين يلقى بجسده التعب فى أحضان موجه.. يحاوطه الزبد ..عرائس نشوانه تغزل كيانه ورمله.. وسادة تغنيه عن نعومة كل الوسائد .. ذلك الرمل يحدثه .. يهمس له .. يدغدغ اذنيه وحصاه وقواقعه.. كل واحدة تحكى له عن مشروعها لليوم التالى عندما تسحبها الموجة إلى قلب البحر .. لكن ذلك بدا من خلال معاناة "عبد الله" مع زوجته ..التى تكره البحر.. كأنه ضرة أو حبيبة أو عاشقة .. لتجتمع أحداث الرواية ..على مسار الشىء وضده .. وفق معزوفة جميلة ..تخللت لحن شاذ طارد لسامعيه.

فالدخول إلى عالم الرواية.. بدا دونما إشارة إلى قصة الحب التى جمعت بين بطليها .. إذ بدا فصلها الأول بمعاناة "عبد الله" تجت سقف الوحدة .. وملل الانتظار على سطح البحر .. يعيش وحدته فى الطراد.. تلفه وحشة ..ويحس بكآبة لزجة ..تتمدد داخل روحه ..وحدةكبيرة تفرش نفسها داخل روحه.. ثم تتشعب إلى الخارج .. تتسع تتسع ..يحسها تصير كالهالة حوله .. تحيطه.. تحصره كأذرع الساحرات .. وكان عليه أن يتحمل الانتظار الذى لم يعتده .. إلى أن يجود عليه البحر بالخير الذىسعى اليه .. كان غالبا مايترك الشبكة بعد أن يلقيها وحيدا.. ثم يأتى في الصباح مع مجموعة من الأصحاب .. يسحبون الخير منها .. ومع تذكر هؤلاء الأصحاب.. تموج أمامه صورتهم كما عهدها منهم .. وجوههم المبتسمة دائما رغم عذابات الالم ..ومواجع الليالى .. ينسون كل هذا ما أن يتحلقوا فى الديوانية الصغيرة .. حيث يتناقلون الاخبار .. يعلقون ويتسامرون .. يلعبون الدامة والكوت.. ويتبادلون نكاتا عذرية يخففون بها عن أنفسهم .. ويثيرون فى دواخلهم رغبات ملونة.. ويقطع تماوج الصورة .. وجه زوجته الذى فاجأه .. وتأخذه الصور والكآبة اللزجة لاتفارقه .. فيحاول التغلب عليها بالغناء .. رغم أن نفسه عافت الغناء منذ مات "عوض الدوخى "الذى كان يحب صوته .. ويحزن إذا غنى بعد أن مات .. ويتصور أنه سيأتى في أحلامه ويعاتبه .. التقاه مرة في بيته وأخبره بأن صوتيهما متشابهان ..ففرح كثيرا.. كما أكد له الأصحاب ذلك وهو يغنى لهم في الديوانية .. لإلا أنه بعد موت "عوض الدوخى" لم يستطع الغناء.. لكنه في سبيل أن يبدد الوحشة حوله .. قرر ان يصب وجعه في غنائه .. ربما تشتاق الأسماك إلى تلك الألحان البعيدة ..التى سكنت قلوب الاجداد .. والتى لايعرفها هذا الجيل .. ولا يبحث عنها .. وتأتى الأسماك لتؤنس وحدته.. لكن أغانيه الحزينة.. لم تخرج سمكة واحدة للرفص كما كان ينتظر.. فيتوقف .. لكنه سرعان ماطرد اليأس عنه ..وتبع أغنيته المنسابة .. ليكمل أغنية "عوض الدوخى" التى يعشقها:

"يالايمى في الهوى ذات العتاب

ماتدرى ان الهوى ليله عتاب

وأشواق فيها انطوى عمر الغياب واسرار قلبى "

أحس بسباق الأسماك إلى االشبكة تتدافع افواجا .. وأخذ يمنى نفسه بالخير الكثير .. لكنه تساءل عما سوف يكون إذا وجدها فارغة .. إلا من بعض القباب والحجارة والأعشاب .. لحظتها سترتد أفراحه ..وتنهار أحلامه .. لكنه عاد وتشبث بأمل أن البحر الكبير الجبار حنون معطاء .. ولأنه لم يفقد الأمل يوما منذ طفولته .. أراد أن يزيح عن نفسه أردية اليأس والخذلان .. إلا أن استرساله في ماضيه ..الحامل بين طياته حبه وأحلامه.. يصل به إلى حاضره .. بداية من طفولته وما عاناه فيها من قسوة وحرمان ..إلى حاضره ..والذى يتواجه فيه مع زوجته الصارخة أبدا.. ليتراجع عن حبه للبحر .. وهو لا يأبه بإلحاحها عليه.. والتى يشعر أن وجودها إلى جانبه .. كمطرقة تزعق فوق السندان ..تذكره بالزمن الذى ارتحل .. لكن صراخها فيه لا بجعله يتراجع عن حبه للبحر.. وما ان يتذكرها.. حتى يدرك أن الوقت يمضى بسرعة ..وأنها ستنفلت عليه كالشرارة.. فيترك شباكه وحيدة ككل ليلة.. إلىاان يعود إليها في الصباح مع ابتسامات الرفاق .. ويعود إلى البيت الذى كلما اقترب منه تعوذ من الشيطان ..ويدلف إليه بهدوء.. فيراها كالشيطان الذى تعوذ منه .. ويجدها وحدها متكومة على أريكة مهروسة تحت ثقل جدسدها .. وهى تحارب النعاس لحين عودته ..لتنهال عليه بصراخها وشكواها وأوامرها بأن يذهب إلى الحمام .. وينزع عنه جلده لو استطاع ..وإذا ما استعطفها في أن تستقبله بابتسامة ..وتهنئه على سلامته .. تحتد عليه بأنه لم يكن في سفر وتتناسى أن رحلة الصيد سفر ..وأن البحر رغم حنان الأم الذى فيه غدار.. ومخادع ..شره كشراهتها .. تنسى كم التهم من غواصين ..وغيب من نواخذه .. وحطم من سفن.. وسلب من بضائع ..ونكب من تجار.. تصرخ فيه إذا ما اقترب منها .." ابتعد.. إياك أن تجلس ".. يجنى خيبته ..ويفكر بالثورة عليها بالصراخ في وجهها.. وصفعه تشل لسانها وتخرسه إلى الأبد ".. ويجد انه لو فعل ذلك سيرتاح ويكسب المعركة ..ويغريه شيطانه بأن يفعل .. لكنه يتدارك نفسه ويتعوذ منه.. راضيا بتمسكه بعمله.. وبتحديه لها بحبه للبحر.. وانغماسه في عمله .. ولتذهب هى إلى الجحيم ..وعندما يحاول أن يندس بجوارها في الفراش بعد استحمامه ..وتأكده بأنه صار نظيفا .. تأففت منه عندما اقترب منها ..وهاجت فهى ترى أنه يريد إزعاجها .. ولم تأبه بتوسلاته إليها.. ولامته على ترك الوظيفة ليتفرغ للبحر.. ورفضته.. لكنه حاول التودد إليها ثانية .. ودخل قلبه مرارة يود أن يزيلها بأى شىء.. وينساها بأىشكل ..حتى ولو كان الثمن التصاقه بجسد زوجة تكره رائحته .. وتكره بحره الذى يحبه .. لكنها ترفضه مرة أخرى ..وتطلب منه أن يرتاح ..وثارت عليه لأنه يتصور نفسه شابا.. " تنسى انك كبرت وشبت ".. وإزاء ما بدا منها عافت نفسه الاقتاب منها.. وترك الفراش الذى اشتهى أن يحضن جسده بعد التعب .. وغادرها إلى البحر وهو يتساءل .. كيف لهذه اللعينة أن تفهم بسؤالها المتكرر عن حبه للبحر .. إنما تهز شجرة الماضى البعيد.. فتتساقط الذكريات متسابقة ..توقظ كل شىء نام .. وتوقظ في قلبها وجهها .. ويشرق كل شىء فيها حتى إسمها.

لم تبد "وسمية "من خلال ذلك الذى خلا من أية إشارة إليها.. أو إلى قصة حبها معها .. وانما بدا الامر وكأن ثمة كشف عن معاناة البطل مع زوجته النكدية ..التى ترفضه وتقلل من شأنه.. لكن تتوارى هذه الزوجة مع نهاية الفصل الأول من الرواية .. ولا تبدو إلا من خلال إشارات تشير فقط إلى تواجدها في حياة "عبد الله" كحاضر لا يستسيغه .. ويتماشى معه رغم أنه يرفضه .. كما أنها عندما رفضته.. رفضت أيضا تركه لها واستوقفته بصراخها لتسأله متى سيعود.. فيتحداها بأنــــــــــه

لايدرى .. وربما لايعود ..وعليها ألا تنتظره .. هكذا هى دائما تقرر ألا تنتظره .. لكنها تفعل ..وهو يكره أن يراها مستيقظة حين يعود..لأنها ستعيده لواقعه ولحياته المزعجة معها.. منذ اضطر لزواجها بعد الحبيبة التى تركته .. كان يريد أن يبقى عازبا.. لكن مرور السنوات الطويلة التى كبرت أمه خلالها ..وشابت كما المدينة التى كانت تكبر وتغير طابعها القديم.. واضطر إلى ترك الحى القديم الذى يعيش ذكرياته ..وصار له بيت حكومى بعد التحاقه بالوظيفة ..وتركت أمه كارها القديم .ز وركنت في البيت .. لكنها لم تنس البيوت التى دخلتها.. وكانت وفية للناس ..تزورهم وتسأل عنهم وتقوم بالواجب نحوهم .. كما صار بيت "وسمية "بعيدا.. يمتلىء بأطفال شقيقها.. لكنها لم تره بعد ان غاب عنه وجهها الحبيب ..وكره بعدها كل وجوه النساء.. ولم ير فيهن مايشجعه على الزواج ..لكن إلحاح أمه وتوسلها إليه ليتزوج كى ترى عياله .. دفعه إلى أن يكافئها على تعبها من أجله .. ويريح شيخوختها .. فترك لها حرية اختيار زوجته ..التى تريد ان تفصله عن زمنه الحافظ فيه لذكرياته.. وبما أن زمنها ليس زمنه فلا يحبه .. بينما ظلت هى تكره حبه للبحر ورائحة زفره .. وصيده وخيره.. وتنتظره في البيت لتفرغ سمها في وجهه .. فاضطر في النهاية أن يقرر عدم العودة إليه.

ذلك الاطار الخارجى للمضمون والمتمثل في الزوجة التى تعكس حاضر عبد الله بطل الرواية بكل ماتمثله من علاقة غير مستقيمة وغير مستقرة على حال تبدى حياتهما من خلال معاناة نتغيرة يتجاذبهما الرفض الصريح من قبلها رغم انها لاتريد ان تخبره ورغم انها بالرغم من انه لايستريح اليها على الاقل نفسيا كشىءيرغبه على مضض يبدو هذا الاطار كشىء رئيسى في الاساس لكنه سرعان مايستحيل الى شىء ثانوى بالنسبة لمجريات الرواية وما تعرض له ويتلاشى مع انتهاء العلاقة الزوجية قبل النهاية بعد اقراره بينه وبين نفسه بانه لن يعود اليها والاستسلام لتماثل المرئيات التى تبدى الحبيبة وسط دائرة الوهم الذى يستريح اليه

من ثم فمدخل الرواية وان كان قد بدا بالحال الذى يعيشه "عبد الله" كواقع ملموس .. إلا أنه يعكس في داخله ماضيه الذى يتشبث به .. بدت من خلاله "وسمية" بوجهها الأسمر.. النابض بلون الصحراء .. نجمة الليالى المتلأ لئة بالسهر .. حبه الأول الذى كان .. لكنه لم يعش في حبه القديم الذى تم نسفه باسم الحضارة .. واغتالت المبانى الكبيرة طفولته وأفراحه.. كل شىء أزالوه.. لم يبق من بيت "وسمية" سوى شجرة .. سحقت الآليات الجدران .. والصور والأعمدة..وأبقت على الشجرة .. كأنها تعمدت أن تترك له شيئا حبيبا إلى نفسه.. يستظل تحتها يستعيد الزمن ..فتفوح عطور سنوات الطفولة والصبا ..ووجه "وسمية".. التى صارت بالنسبة الغائبة الحاضرة .. إذ تتراءى له منذ الطفولة التى ترافقا فيها.. وعائا براءتها معا.. رغم الفوارق الشاسعة التى تفصل بينهما .. يخرجان حفاة إلى الشارع .. ويشتريان الباجلاء.. ويتقاسمان الخبز الذى يتخاطفونه من على رؤس الأصحاب .. غير مبالين بعاقبة فعلتهم.. سواء كانت دعك أفواههم بالفلفل الأحمر .. أو قرص مابين سيقانهم .. ويلتصقان وهما يقيسان طولهما لمعرفة من أطول من الآخر .. وياكلان من طعام واحد .. وتنامى حبهما بينهما كعاطفة طيبة .. أحساها .. واعترفا بها بتلقائية قبل أن يكبرا وينفصلان في اللعب.. كل مع جنسه ..حينها غطت رأسها بالحجاب والبوشية ولم تعد صغيرة..ثم صارت تختفى خلف جدران البيت ..بعد أن كان يقضى معها أوقاتا جميلة..عندما تساعد أمها أمها في أعمال البيت..وصار يتحين الفرص لرؤيتها بعد أن خضعا للتقاليد والأصول ..ووقوف " فهد" أخيها لهما بالمرصاد .. ومنعه من الحضور إلى بيتهم "إياك أن تأتى ثانية هنا.. لقد صرت رجلا.. فقد كبرا.. ولا يريد أن يتكلم عنهم الناس ..ولم يبق أمامه غير رؤيتها كلما خرجت بصحبة أمها .. أو إذا رافق "فهد" أباه في السفر .. لكنهما رغم ذلك استمر تنامى الحب بينهما .. إلى أن تصارحا به كحقيقة واقعة لايمكن تجاهلها .. واستطاعا رغم الخوف والمحاذير أن يتواعدا على اللقاء ..ويتسلــلا

ليلا إلى البحر .. وتغلبا على خوفهما بالشروع في رسم بيت المستقبل الذى سيضمهما .. ومجىء الأولاد وتسميتهم .. إلا أن الحديث بينهما يتطرق إلى الفارق بينهما ..والمتمثل في غناها وفقره.. فتحاول التخفيف عنه ..وتيسر له أمر زواجهما.. مادام أبواها يحبانه .. "امى تحبك وأبى "ولكنه يبدى لها الواقع..فتأفف لاستبقاء الأمور ..وتطلب منه إلا يفسد عليهما اللحظة التى يعيشانها .. ويتوسمان خلالها تحقيق حلمهما .. لكن ظهور أحد حراس البحر يفاجئهما.. وينتبهان إلى أنهما ألغيا من فكرهما عيون العسس والحراس .. التصقت به كقطة تخشى السكين .. وانتقل ذعرها إليه.. فثمة رائحة لقاء غير منتظر بين شاب وشابة .. وتنتشر الرائحة وتحدث الفضيحة .. وليس في المكان غير صخرة لاتؤمن مخبأها .. فلم يكن أمامها غير البحر لتمضى في مائه.. وتختغى فيه.. بينما يواجه هو الحارس الذى يستنكر عليه وجوده في مثل هذه الساعة ..ويأمره بالعودة إلى البيت.. محذرا إياه من معاودة المجىء في الليل .. فيغافله بعد أن يذهب .. ويهرع إلى البحر.. يفتش عن "وسمية " لكنه يفاجأ بموتها .. ويهرب من مكان الموت وشبح الفضيحة .. يتماثل له حين يعلن النهار عنها ..ويؤكدها الحارس الليلى .. يحمل عباءتها إلى أمه التى تستنكر ما أقدم عليه .. بعد ماحكى لها ما لاتتصوره وما لاتصدقه ..ويخبرها بأنها ماتت ..غرقت في البحر.. فتحتد عليه وتضربه بعنف ..إلى ان غامت الأشياء أمام عينيه .. ثم عملت على إفاقته .. ولامته لأنه سيضيع سمعة الناس ..وتفكر في حل للمصيبة .. فتتوصل إلى فكرة الذهاب إلى أم "وسمية" ومعها عباءتها.. وتتدارك معها الأمر.. بأن تشيع بأن البحر سحبها.. وام عبد الله تغسل لها شعرها .. عندما ذهبوا قبل طلوع الشمس لغسل الثياب .. وغسل شعرها .. أعلنت أمها الكذبة الذكية .. حاكتها أقنعت بها أم "وسمية " بعد أن فجعتها العباءة .. وكان لابد لأم "وسمية "أن ترضى بالكذبة لتحمى سمعة البنت ..وتحمى نفسها من لوم أبيها حين يعود ..وصدقها الناس لأنها لم تكذب أبدا.. وليس هناك من شك ب "وسمية "بنت الحسب والنسب .. البنت المستورة التى لاتراها الطيور الطائرة .. والتى تحافظ عليها أمها.. حتى نها تصحبها في الفجر لتغسل شعرها حتى لايراها أحد ..وظل بعدها يتساءل عن سبب موتها .. أكان هو .. هل كان أخاها .. أم هل كان الخوف ..ذلك الحصار المفروض .وعيون الناس والعسس ..وعيون الناس الطالة من الشقوق التى حفرتها في جدران الطين .. وعيون أهلها.. بينما استحال ماضيه إلى ذكرى تلازم حاضره .. تتوقد في ذهنه من خلال عشقه للبحر.. بعد أن تناسى حقده له عند غرق "وسمية".. وصرخ فيه دون وعى .." يابن الكلب ,,يابن العاهرة ..أنت الموت أكرهك .. لقد أخذت حبيبتى ..أخذتها في اللحظة التى جاءت إليك فيها محبة وعاشقة.. لتسعد.. فقتلت فرحتها ..ووأدت عمرها".. صار دؤبا في سعيه إليه .. يعانقه كل مرة وكأنه يراه للوهلة الأولى .. هذا العشق المتوقد كالجمر.. أبدا لا لن يمحوه الضجر.

لقد صار البحر قبر الحبيبة .. همسات أمواجه تتلاحق إلى اذنيه .. فيتصور أن صوت "وسمية" العذب .. يأتى مع همس الموج ..ويرسل له الأشواق وحكايات السنين .. التى قضتها في قلب البحر منذ فارقت الحياة ..فيحب الهمس ..ينصت إليه.. يأنس .يحس أنها بهذا تعريه ..وتمسح الألم عن روحه .. وتهدهد الأمل فيه ليبقى ظلا كبيرا ويزهر.. ويتردد السؤال فى أعماقه .. هل تخرج "وسمية " ..ويحلم بيوم تخرج فيه من قبرها البحر إلى الحياة .. وينسى فيه الفوارق التى بينهما.. ويحملها إلى مكان بعيد عن أهلها وعن الناس .. ويعيش معها وحده بعيدا عن العيون والحصار.. ويبتدع معها زمنا ومكانا ..وتقاليد جديدة لاتعقيد فيها ولا قيود .. لكنه يفيق من أحلام اليقظة.. الموت نهاية ..الذى يموت أبدا لايعود.. لكنها تتماثل في له فى لحظة يغلب فيها النعاس الذى يحاربه.. وتتماثل له طالعة من البحر.. يناديها ويدعوها ليقيما عرسا .. وعيدا من أعياد الزمن الجميلة .. تقترب منه.. يدنيها الموج.. فيفتح ذراعيه لتسقط بينهما .. حتى تأتى موجة وتدفعها إلـى

الوراء.. تدنيها منه موجة أخرى .. يستعد للعناق ..يشجعها بأن تقترب منه ..ولا تخاف .. فالليل أمين ..والعيون بعيدة ..والأنوف التى تمس أطرافها في ستائر اللحظات المسروقة ..كلها نائمة لكن الموج يقربها ويبعدها.. تسحبها الموجة إليه لكنها تشدها ثانية .. إلى أن تغيب عنه ..وينتبه إلى كونه مصلوبا في مكانه.. ينتظر قربها الموهوم .. ثم وهو واقف يصرخ باسمها بأن تنتظر ثم.. يسقط جسدها في الماء.

بدا كل هذا وفق نسق درامى اعتمد في بنائه على تفاصيل اللحظة .. بكل ماتحمل من شذرات وخواطر.. وذلك مثلما بدا في مستهل الرواية .. من وصف لحال البطل "عبد الله".. الجالس في الطراد .. تطلع إلى السماء المعتمة .. القمر غائب ..نجمة هناك تبرق كثغر امراة في لحظة النشوة.. غلالات رمادية من الغيوم تتناثر متباعدة متخاصمة .. كل تأبى الالتصاق بالأخرى.. نسمات باردة تهب.. بداية موسم الربيع الزاحف بعد لفحات الحر .. وعواصف الغبار .. البحر أمامه مجهول يمتد ويتراقص كموجة .. ويتطاير بعض زبده .. حين تثور موجة إثر اهتزازات النسمات المشتدة بين حين وآخر.. وتكرر من خلال فصولها بكثافة تشى بأن الكاتبة .. انتهجت في مسار الرواية على المزج بين الخيال والسرد .. في خلق الإحساس باللحظة وما تثيره في النفس..

" خذ ياعبد الله تغد اليوم مع امك من غذائنا وافرح"

"أحضن طاسة الأكل إلى صدرى .. رغم حرارتها لا اشعر بها زز أهرع إلى البيت لآكل مما تأكله "وسمية".. ولا أنسى قبل أن أخرج أن أملأ طاسة التراب لأم "وسمية".. أضعها في البالوعة التى تأخذ زاوية في حوش المطبخ .. انقيه من الحصى حتى لاتخدش يدها وهى تفرك القدور.. تشكرنى وفى كل مرة تردد اننى ذكى وطيب القلب .. من حوش المطبخ تدخل غلى حوش آخر.. هناك كانت متعتنا الكبيرة تنتصب على طول الجبهة الشرقية .. حظيرة مليئة بأنواع الطيور .. بعضها غريب جاء به والد "وسمية" من سفراته إلى الهند.. وإيران ..الوز والبط بألوانه الرمادية.. والخليطة بين اللونين مع الاسود .. ودجاج كثير.. وديكة تتصارع احيانا وتهدا .. وتتنافس في اصواتها لإغراء الدجاجات ببغاوات ملونة زز كم قضمت اطراف أصابعنا ونحن نمدها لها بالسبال .. وديك رومى لا أدرى لماذا كانت "وسمية" تكرهه .. أما الطاووس المغرور .. فقد كان ينفش ريشه الجميل كلما رأنى و"وسمية "نرتاح تحت ظل الحظيرة .. كأنه يريد أن يسرقنا من خلوة الراحة .. بعد أن نجمع البيض لأم "وسمية " وكانت تكافئنى في كل مرة :

"خذ ياعبد الله خل أمك تسلقه"

كل هذه التفاصيل كما بدت .. وضعتها الكاتبة بين مقطعى حوار .. اجتمعا على العطاء من أم الحبيبة.. الذى يقابل بالقبول والإعزاز من البطل .. جمعتها كلها في مكان واحد.. كإطلالة من بعد على زمن الطفولة وبراءتها .. وفق مفردات صيغت بلغة شاعرية ..لم تنل منها المسميات العامية الخاصة بالمكان ..( الباجلاء السبال يخنقها هاوشتينى التور القصمول ).. وغير ذلك من المسميات التى لايفهم دلالتها غير من يتبادلونها بينهم.. كواقع توارثوه ويستعصى فهمها على غيرهم.

ومثلما كان التداخل بين اللحظة الحال ..وما ترتبط به مما كان قبلها ..ووفق مسار الرواية الحاضر الذىيقطعه الماضى .. أيضا أثر التغييرعلى الزمنين اللذين بات يفصلهما الكثير.. بفعل السنوات التى مرت بينهما .. والمتمثل في اندثار عادات الماضى .. أمام مستحدثات الحاضر.. فالماضى عصر ذاكرته ..جالت تسافر بين أبيات القصائد وكلمات الأغانى .. وأيام الفوضى والترحال.. سعيا وراء الرزق والبيوت الصغيرة ..والشوارع الضيقة .. وعصر تفجرت فيه ينابيــــــع

ذهب أسود .. فتفجرت معه ينابيع الجشع والحقد واللهاث إلى مالا نهاية .. تنكر فيه الأخ لأخيه.. والجار فيه لايعرف من هوجاره ..ولا ماذا يعانى ..حتى الأولاد تبعثروا وتاهوا.. تغير الطابع القديم .. اتسعت البيوت والشوارع .. تغيرت الخريطة القديمة ..كل شىء نسفته الأيدى باسم الحضارة .. اختزل كل ذلك بين زوجة متمردة .. رغم كل عطاءات زمنها وقشوره .. تكره كل شىء تتبرا من كل شىء .. وحبيبة ــ" وسمية"ــ كانت تلتصق بزمنها راضية سعيدة .. ومن ثم يمكن التأكيد ببساطة على أن الرواية في مجملها.. يبدو محورها الرئيسى على الأشياء ونقيضها .. من خلال أحداث تم تقديمها على خلفية قصة حب .. ازدهرت على وهج براءة الطفولة .. وتواصلت كذكرى تجتر ماساتها.

&&&&&&&&&

ليلى العثمان فى وسمية من البحر من خلال العادات والتقاليد الموروث

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007