[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
محمد اليحيائى  خرزة المشى
التاريخ:  القراءات:(711) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
محمد اليحيائى في خرزة المشى

السيد الهبيان

لاشك أن التجريب فى القصة القصيرة .. أخرجها من أسر الأطر التقليدية.. التى واكبتها طيلة عقود من الزمن ..وجعلت منها صورا متماثلة فى الشكل ..وبمضامين تتشابه فى بعضها.. إذ جعلها التجريب مجالا خصبا لمحاولات عدة ..لا تقف عند حد..ولا تتسم بإطار معين.. فمضت القصة القصيرة تسبح فى فضاءات الحداثة ..شأنها فى ذلك شأن الإبداعات الأخرى..ولم تعد أسيرة ثلاثيتها التقليدية المؤطرة على البداية والوسط والنهاية التى واكبتها قبل الجنوح إلى التجديد.. وحاصرتها بمعايير فرضت نفسها على فعل القص..وحددت أسس تقييمها من خلالها .. مما أحاطها بسياج أبداها سجينة الفعل السردى المبنى على الحكى .. لمضامين واقعية تنتهى عادة بما يسمى لحظة التنوير ..تكون فى العادة تأكيدا على الالتزام بالقيم والمبادىء..والدعوة إلى الخير وحتمية انتصار الخير على الشر.

ومن ثم تأتى تجربة القاص العمانى "محمد اليحيائى" فى القصة القصيرة.. التى قدمها من خلال مجموعته "خرزة المشى"..الصادرة عن دار شرقيات بالقاهرة.. تثير هذا الطرح المتعلق بالتجديد والتجريب ..إذ بدا كقاص يحاول أن يقدم تجربته القصصية بملمح خاص .. يبعد به كل البعد عن النهج التقليدى ..ويحمل رؤاه لواقع ملموس زاخر بالهواجس والهموم.. نسج منه عوالم لنماذجه الإنسانية التى انتقاها منه ..وجمع بينها من خلال الظروف الحياتية القدرية التى تواجد فيها ..وتنامت هواجسه الذاتية لتفرش مظلتها على فضاءات عامة لهمومهم ..ومعاناتهم من حال يفتقدون فيه مايشير إلى إمكانية الخلاص منه.

فنماذجه الإنسانىة التى أبداها فى قصصه ..تنوء من حمل هموم لاطاقة لها بها..ومن معاناة قد تبدو آتية فى شكلها ..لكنها تنسحب على كل من يطاله ظلها ..دونما استثناء.

فقد انتقاها من واقع تواجدت فيه بقدرية بحتة.. تعيش فيه حلمها المشروع..وتنتظر أن تتحقق دون أن تسعى إليه..واعتمد فى ذلك على حالات الموت ..ارتأها الأكثر ملاءمة للمسار القدرى الذى جمع بينها ..ومن ثم بدا الموت كحدث أساسى فى معظم القصص .. رغم اختلاف صوره ..واختلاف من عاشوا سكراته.

فبفعل طلقة من بندقية صيد بدا فى قصة "ذهب بعيدا" وبسبب حادث سيارة فى قصة " عينان بعد فوات الأوان" وكتحقيق لرغبة ذاتية فى قصة "الرئيس والعصفورات" ..بينما بدا فى قصة "المواطن الصالح" كحدث حتمى..وفى قصة "الدار" كفرض لحزن عام..وحدوثه على هذا النحو بمثابة نهايات قدرية .. قد تجمع بينها الواقعة المفاجئة..وتتمخض عنها المآسى.. لكنها تظل نهايات من عاديات الحياة ..تتكرر وتتماثل فى ديمومة ابدية ..ولا تخرج عن كونها أحداث تتفاوت حدتها حال وقوعها..رغم أنها لا تخرج عن كونها خاتمة لحياة.

يبدو الموت صاخب عنيف فى قصة "ذهب بعيدا".. محق الرأس بعد أن تناثر نتفا صغيرة..بفعل طلقة غير متوقعة..وضعت حدا لحياة رجل من وسط قاس مهزوم ومأزوم.. ينظر إلى الناجحين بوصفهم جواسيس ومخبرين ..عاش وسط المخنثين حسب وصفه..ويرى الناس ثمارا مضروبة.. ثم وجد أن البقاء طويلا سوف يفسد روحه..ويسقطها فى مستنقع الريبة والأوهام.. وبدت حياته خاسرة إلى أبعد حد ..وجملة من الهزائم والإحباطات والانكسارت المتتابعة توالت عليه عنيفة وصاخبة ..وما حوله وجوها شبحية بائسة ويائسة.. تحاول الانقضاض عليه رغم أنه صرف حلو حياته فى ما ينفعها ..فقرر فجأة هجر حياة المدينة بناسها وألوانها وتبدلاتها.. واستسلم لغواية الريف..إلى أن منى بقدره المحتوم بعد ثلاث سنوات.

فكلمح البصر بدا فى قصة " عينان بعد فوات الأوان"..انقضت سيارة على رجل وسحقت عظامه ..وأنهت تردده على الوزارة برفقة كلبه نهاية كل شهر..ليقبض مبلغ المعونة الاجتماعية ..كان يأتى إليها من قرية أعلى الجبل الأخضر صحبة كلب يقوده عبر دهاليز الوزارة.. ثم يهبط الدرجات الرخامية باتجاه الشارع منتظرا خروج صاحبه..إلا أنه ذهب أبعد ما اعتاد فى خدر وغفوة لذيذة ..أبطأ بسببها على صاحبه الذى ظل يبحث عنه ولم يره إلا بعد فوات الأوان .

وكان هادئا فى قصة "موت المواطن الصالح " ..لاطف الرجل قلبه ساعة ونام ثم مات..فى الصباح مشى مشيته المعتادة ..ثم استقل الباص الذى يصل فى موعده ..وينقله مع زملائه من الموظفين إلى مكان عملهم فى الوزارة التى يعمل فيها .. "لاحظ السائق أن موظفا كسولا للغاية محدودب على كرسيه ..ذهب ليوقظه فلما هزه وجد الرجل ميتا".."حملوه ومددوه فى بهو الوزارة.. وغسلوه وطيبوه وكفنوه وصلوا عليه ..ومشوا خلف نعشه وقبروه ..وعادوا أدراجهم إلى الوظيفة.

وكحدث جلل فى قصة "الدار" ..لكنه استحال إلى كونه من فرط الضحك .. عادت الأمور إلى طبيعتها ..وكأن شيئا لم يكن..لم يخرج الناس إلى الشوارع ..ولم يفارق الجنود معسكراتهم..والأعلام لم تنكس ..والقرآن لم يقرأ ولم يسمع.. والوجوه الشاحبة بدت على قنوات التليفزيون لم تحزن.. فالدار مازالت ..ذهب بواب ممتلىء وجاء بواب جائع ".. والحادث الذى كان من عشرة أيام بدا كأنه كان فى الماضى البعيد ..فالرجال الثقاة يكبرون فوق الأزمات.. ويقتحمونها إلى أزمات أكبر .ورجال الدار كلهم ثقاة ".

وكفعل مفصود بدا فى قصة "الرئيس والعصفورات".. برمية واحدة أسقط الرئيس العصفورات صرعى بعد أن أخرجها من جيبه واحدة بعد الأخرى ..وضعها حرف النافذة وتركها تطير قبل أن يصرفها ..وعندما بدا منها دمها على زجاج النافذة أخذ يشعل سيجارته وينفثها .. وبعد أن يسعل يعلق دشداشته على المشجب ويغلق النافذة وينام ..ثم يحاول أن يمضى فى حياته مثلما كانت قبل عشرين سنة ..حيث كانت حياته لاتختلف عن حياة العصافير الجريحة ..وظل يخفى عن أصدقائه التخمينات الجديدة التى طرأت عليهم..حتى لايستيقظ من عليائه إذا مابدا مايكشف عن أسبابها .. فالرقم البنكى الذى أضيف إلى حسابه ..ومنحه قدرا من الطمأنينة ..لم يحقق له الأمان النفسى..ولم يغير من كونه صار حشرة صغيرة فى خيوط العنكبوت.

بينما فى قصة "خطوات تصعد على الدرج" بدا الموت نفسيا..حيث يرى الزوج أن حياته مع زوجته بلغت نهايتها الحتمية.. ويقرر أن يذهب إلى بيت أهلها فى الصباح ليرمى عليها يمين الطلاق..وكل حى يمضى فى سبيله..فقد خرجت من بيته مثلما دخلته مغلفا ومختوما بشمعه الأحمر..وأن زيت شمعتها كامل غير منقوص".. وكان عندها حق ..فقد صبرت عليه خمس سنوات ..تحملت فيها إلى أن نفد صبرها واعتل مزاجها..لم يشفع له ماوفره لها من احتياجاتها مادام لاماء فى عظامه ..رغم أنه لاذنب له قى ذلك.. والأمر لو كان بيده لحرثها كما يحرث الثور الحقل..لكنه غير عارف بحالته .." ومن أين له أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى سحب ماء الحياة من عظامه..هو الذى لم يجرب امرأة من قبل"..لكنه لايثق تماما فى أنها لم تبخ زيت شمعتها طوال سنواتها معه.. لكنه يفيق من نومه ويتنفس بعمق عندما يطمئن على رجولته.

ويبدو الموت معنويا فى قصة " زلاقة صاحب الفخامة" ..فقد غاب الأمالن عن صاحب الفخامة خشية على ملكه بسبب فوضى الشباب الذين يريدون الدولة لهم.. فينام وإحدى عينيه مفتوحة ..ويعلن مايشغل الأمة حتى لا يأفل نجم مملكته.. موحيا أنه يستجيب لإرادة الله ..إذ يعلن فى يوم الإسراء والمعراج أنه استجاب لرغبة إلهية يقرر استبدال إسمه من صاحب الفخامة صنع الله إلى الفخامة عين الله..لأنه ليس لأحد أن يعصى إرادة الله.. ومضى على فكرته هذه سبعين حولا ..ولم يفكر أحدا فى غموض تحققها..فالشعب لم يساوره الشك فى أن مشيئة ربانية خالصة وراء الفكرة الملكية..وادعى أن رجلا ذا وقار وسمة نبيين هبط عليه ..وبعد أن سلم وجلس خاطبه بصوت تشوبه نبرة حزن :" ياصنع الله أنا شفاعتك يوم القيامة ..وأنى هابط إليك هذه الساعة ببيان موجز.. مقصده تطويق الثورة التى تكاد تعصف بك.. وتقوص أيامك العامرة"..ويؤكد له أنها وشيكة الوقوع ويخشى على الناس من بعده..أن يتولى عليهم من لايرعى حرمة ..ولا يحفظ عهود ..ويجعل الأمور بلا حسيب أو رقيب .. وبما أن الناس خطاؤون مالم يكن عليهم من يخشونه..فينصحه بأن يعلن تنحيه عن العرش ..وأن حكم المملكة بات مشاعا لكل صادق..حسن النوايا ..وسيكون الحكم بين كرسى الحكم وبين الراغب فيه هو الله..فمن كانت نواياه صادقة سيبلغ مقصده ..ومن كانت نواياه لوجه غير ذلك سيمحقه من ساعة وقوفه قدام كرسى المملكة ..وخلال انشغال الناس بالنبأ الهام الذى سيجعل الثوار ينشقون على أنفسهم..يقوم بشق نفق طويل تحت الأرض ..أوله قاعة الملك ..وآخره على عمق سبعين قامة فى البحر.. ويدخل أنبوب نحاسى أول النفق تحت بلاطة على بعد ثلاث خطوات من كرسى الحكم ..وآخره عند نهاية النفق..وصنع ذراعا آليا يزرف البلاعة بواسطة زر يثبت تحت ذراع الكرسى ..ثم جرب الزلاقة على بنائها ,,وبعد ذلك أدع الوزراء وكبار رجال الدولة من مدنيين وعسكريين ليشهدوا تنصيب الحاكم الجديد..وستجدهم ضمن طوابير طلاب الحكم ..أدخلهم واحدا واحدا..وادعه لقراءة الفاتحة ..وبعد قراءتها تدعس الزر " فيمحقه الله لسوء ما أضمره تجاه الشعب ..إلى ان ينتفخ بطن البحر منهم.

هذه القصص المسكونة بالموت حغلت بتفاصيل واقعها من خلال لمحات خاطفة .. تكشف الكثير من حياة نماذجها الإنسانية ..وأبدت همومها وما يؤرق حياتها .

ففى قصة " خرزة المشى" بدا الموت فاصلا بين عهدين ..إذ غاب عن المملكة ملك مجنون ليخلعه ملك مقعد يحلم بالعثور على خرزة"تدرج راكضة باتجاه القدمين اليابستين ويفى من ااالكساح وتقويان على االمشى "..مما دعاه إلى إصدار مرسوم يوجب على كل من فى المملكة تسليمها للديوان..أو إلى اقرب مخفر إذا عثر عليها.." وكل من قدر له ذلك له عند الملك حظا وحظوة رفيعة".. كان الملك قد غفا خائر القوى بعد ركضه فى السارع عاريا وراء خرزته وظنه الناس قد جن ..فتراءى له خط دم يغزل منديلا وقد بدت حوافه موشاة بالحرفين الأولين من إسمه المفدى..وصبية تخفى تحت صرتها خرزة.. وكل منهما ــ الملك والصبية ــ يفكر فى الآخر الذى لم يره ..والذى يراه بوضوح تام ..وفى حوض صابونه تنفس مكروبا..وغامت رأسه فاختلطت حدود المملكة بحواف الخرزة التى نطت من ثقبه إلى شوارع المدينة ..وأعياه الركض وراءها ..لكنه اكتشف بعد الإغماءة وجودها بين فخذيه ..فأصدر فى الصباح مرسوما بالبحث عنها ..فتعطل العمل فى المملكة وازدحم الخلق فى الشوارع يبحثون عن الخرزة..وعندما يئسوا عادوا إلى دورهم وقد خلفوا وراءهم المملكة نظيفة تلمع مثل عين الصقر.

من خلال هذا الإيجاز تبدو مضامين السابق من القصص السابقة ..تحمل بينها هاجس الموت كقدر محتوم..سواء كان ذلك جسديا أو معنويا.. تعيشه الشخصية كإحساس ..بينما قد لايبدو فى القصص الأخرى كأثر مباشر على شحصياتها رغم أنه يكون قد طالها بصورة أخرى.

ففى قصة "السككيرة" يموت الأمان فى القرية التى بدت لياليهاعقب حوادث غامضة ومريبة.. طويلة ومشتتة ومثيرة للفزع الذى تمكن من قلوب الناس بعد أن استبد بهم الخوف ..وكان آخر حدث هو اختفاء الرجل ذو الرجل المخلوعة والملحوس أيضا..ولم يكن أحد يعرف له أصلا ..عاش بين الناس لائذا بين الخرب والذرائب يقتات ماتجود به فضلات البيوت..وكان ينصت باهتمام إلى أحاديثهم عن الشيخ زهران الراقى..الذى تحدث عن لبن الطير وبيض الماشية "وحل التراب" الذى يخرج من الأرض ..لكن الناس انشغلوا عن كل ذلك الألم الذى استبد بالبقر بسبب إصابتها بالكشوح المدماة .. وظنوا ذلك عوضا عنهم..ولبوا الدعوة إلى المساجدة معتمرين إيمانا ثقيلا.. وبعد أن فاضت الأرض بخيراتها وبرأت الماشية ..بدا ان الرجل قد اعتزل القرية إلى الأهوارالمجاورة متسللا عبر أسطح البيوت فى ليلة شديدة القمرة.

وفى قصة "سم الوردة" يبدو"مرزوق فايل سليمان" قد نسى حاله بعد اعتقاله فى غرفة صغيرة مسكونة بالحشرات ..وذلك بسبب التحريات التى أفادت أنه ينوى توزيع أوراقا بالغة الأهمية كانت بحوزته.. وبعد أن تمسك بصمته ورفض يدافع عن نفسه ظنوه مختل العقل..فمضى شبه عار يقضى حياته فى الشوارع..لكن جاء تقرير يفيد بتردد الناس عليه ونور داره يظل حتى الصباح.

وفى قصة "مسامير".. الرجال متعبون والنساء متعبات ..وفراغ المدينة يشغله الهنود..وعندما يسعى رجل إلى وظيفة يسبقه إليها خبيرا سودانيا..ويتم تأهيلها حسب ماهو جار ..والشرطة التى تبدو دونما اختلاف فى الأزمنة المختلفة ..بينما يشتبك اليمين باليسار بالوسط فى غفلة منها ..ورجل فقد صوابه بسبب المسامير التى أعطبت إطار سيارته..وبسبب محاولته تغيير الإطار يلقى حتفه .

وفى قصة "استدراج" تستسلم امرأة لرجل وعندما تسأله أن يتزوجها لم يجب ..فتظن سكوته علامة..؟

يبدو هذا فى قصص المجموعة من خلال نماذجها الحية وظروفها الآنية ..وقد بدت دونما تحديد للزمان أو المكان ..وباختلاف وتنوع بشرى باد فى مجملها ..يجعلها وكأنما لم تخرج فى أى منها عن فضاءات ذاتية ..ووفق سرد مباشر يكفل معايشة حية لما تعرض له.. تحت ظل المناح النفسى ..وبتصوير الظروف التى أطاحت بها .

بدا كل ذلك في النصوص بوضوح متعمد تخطى المباشرة ..إلى السباحة فى فضاءات الإيحاءات والدلالات.. ليكشف عن الإسقاط الذاتى من خلال عذابات وقلق ومعاناة.. و تم بتصوير بسيط .. و بتمازج بين الحال والواقع المأزوم..وما يؤدى إلى السقوط فى هوة اليأس.

فالذات تنعكس على ماحولها.. و أبعاد الموت بدت تختلط وتتنوع ..والحدث يتمحور من خلاله النص..والواقع معادل للحال ..ومن ثم توافرت المفردات التى رسمت فى مجموعها أجواء من الاستسلام افتقدت حدة الصراع الذى لو توافرت له إمكانية التآلف لبددها.

فالوحدة كانت مآلا سعى إليه بطل قصة "ذهب بعيدا"..بعد جملة من الهزائم والإحباطات..وتوالت عليه الانكسارت فسقط سقوطا مروعا بعد فشله فى ترميم التصدعات والشروخ.. جعله يذهب وحيدا لاولد ولا تلد بعد أن صارينتمى إلى العجزة والمسنين.

و قصة"موت المواطن الصالح".. عرضت لحياة عادية..بدا الموت فى نهاياتها تأكيدا للاستسلام... رغم اختلاف مكان وقوعه ..و فى قصة "ذهب بعيدا" .. الرجل تتناثر رأسه نتفا صغيرة فى أرجاء الغرفة الوحيدة .. المبنية على نحو عشوائى من مخلفات البناء..وفى قصة" عينان بعد فوات الأوان" انقضت السيارة فى لمح البصر وسحقت عظام الرجل الذى زلت قدماه ومات..وفى قصة "موت المواطن الصالح" عندما وقف الباص قدام الوزارة وهبط الموظفون ..ذهب السائق ليوقظ رجلا ظنه نائما لكنه اكتشف أنه مات وكلها حالات للموت سادهاالاستسلام..وأوجدت القلق خشية سقوط الرئيس فى قصة" الرئيس والعصفورات" لأنه سوف يكون سقوطا مدويا ..بسبب التواطؤ المهين الذى حسن من أوضاعه المالية ..مما جعله يشعر وكأنه حشرة صغيرة فى خيوط العنكبوت..وفى قصة "خرزة المشى" بدت حدود المملكة تذوى وتذوب رغم القبضة الحاكمة على مقاليد الحكم..وهو مايبدو أيضا فى قصة"خطوات تصعد الدرج"..التى بدا العمق اللاميرر يتهدد الحياة فيها..والجنون فى قصة "سم الوردة" وإن بدا كحال مصطنع ..إلا أنه استحال إلى هروب من حياة القهر التى يسودها الشك والريبة ..والموت وإن بدا كحدث فى قصة "الدار "إلا أنه كان سببا لفرض الحزن بوجه عام ..والاستسلام بدا فى قصة"استدراج" كواقع لامفر منه .

ومن ثم يبدو المشهد السردى رغم تغليفه بالمباشرة ..يستحيل إلى أزمات مستفحلة اجتماعيا وسياسيا..ويحمل الكثير من الإسقاطات بفعل دلالتها التى تبد مايحمله النص عبر نيته الظاهرة ..طرحها الكاتب من خلال نماذجه الإنسانية التى اعتمد عليها فى تقديم رؤاه لواقع استكان على حال ارتضى معاناته..رغم مايملكه من قدرة على عدم الرضوخ له.. من خلال متخيل مفهوم ..وبمعمارية فنية تواءمت مع بناء نصوصه ..وأبدتها كعمل متناسق فى مجمله.

* * *
* * *
* * *
* * *
*

السيد الهبيان

محمد اليحيائى في خرزة المشى السيد الهبيان لاشك أن التجريب فى


محمد اليحيائى في خرزة المشى
السيد الهبيان


لاشك أن التجريب فى القصة القصيرة .. أخرجها من أسر الأطر التقليدية.. التى واكبتها طيلة عقود من الزمن ..وجعلت منها صورا متماثلة فى الشكل ..وبمضامين تتشابه فى بعضها.. إذ جعلها التجريب مجالا خصبا لمحاولات عدة ..لا تقف عند حد..ولا تتسم بإطار معين.. فمضت القصة القصيرة تسبح فى فضاءات الحداثة ..شأنها فى ذلك شأن الإبداعات الأخرى..ولم تعد أسيرة ثلاثيتها التقليدية المؤطرة على البداية والوسط والنهاية التى واكبتها قبل الجنوح إلى التجديد.. وحاصرتها بمعايير فرضت نفسها على فعل القص..وحددت أسس تقييمها من خلالها .. مما أحاطها بسياج أبداها سجينة الفعل السردى المبنى على الحكى .. لمضامين واقعية تنتهى عادة بما يسمى لحظة التنوير ..تكون فى العادة تأكيدا على الالتزام بالقيم والمبادىء..والدعوة إلى الخير وحتمية انتصار الخير على الشر.
ومن ثم تأتى تجربة القاص العمانى "محمد اليحيائى" فى القصة القصيرة.. التى قدمها من خلال مجموعته "خرزة المشى"..الصادرة عن دار شرقيات بالقاهرة.. تثير هذا الطرح المتعلق بالتجديد والتجريب ..إذ بدا كقاص يحاول أن يقدم تجربته القصصية بملمح خاص .. يبعد به كل البعد عن النهج التقليدى ..ويحمل رؤاه لواقع ملموس زاخر بالهواجس والهموم.. نسج منه عوالم لنماذجه الإنسانية التى انتقاها منه ..وجمع بينها من خلال الظروف الحياتية القدرية التى تواجد فيها ..وتنامت هواجسه الذاتية لتفرش مظلتها على فضاءات عامة لهمومهم ..ومعاناتهم من حال يفتقدون فيه مايشير إلى إمكانية الخلاص منه.
فنماذجه الإنسانىة التى أبداها فى قصصه ..تنوء من حمل هموم لاطاقة لها بها..ومن معاناة قد تبدو آتية فى شكلها ..لكنها تنسحب على كل من يطاله ظلها ..دونما استثناء.

فقد انتقاها من واقع تواجدت فيه بقدرية بحتة.. تعيش فيه حلمها المشروع..وتنتظر أن تتحقق دون أن تسعى إليه..واعتمد فى ذلك على حالات الموت ..ارتأها الأكثر ملاءمة للمسار القدرى الذى جمع بينها ..ومن ثم بدا الموت كحدث أساسى فى معظم القصص .. رغم اختلاف صوره ..واختلاف من عاشوا سكراته.

فبفعل طلقة من بندقية صيد بدا فى قصة "ذهب بعيدا" وبسبب حادث سيارة فى قصة " عينان بعد فوات الأوان" وكتحقيق لرغبة ذاتية فى قصة "الرئيس والعصفورات" ..بينما بدا فى قصة "المواطن الصالح" كحدث حتمى..وفى قصة "الدار" كفرض لحزن عام..وحدوثه على هذا النحو بمثابة نهايات قدرية .. قد تجمع بينها الواقعة المفاجئة..وتتمخض عنها المآسى.. لكنها تظل نهايات من عاديات الحياة ..تتكرر وتتماثل فى ديمومة ابدية ..ولا تخرج عن كونها أحداث تتفاوت حدتها حال وقوعها..رغم أنها لا تخرج عن كونها خاتمة لحياة.

يبدو الموت صاخب عنيف فى قصة "ذهب بعيدا".. محق الرأس بعد أن تناثر نتفا صغيرة..بفعل طلقة غير متوقعة..وضعت حدا لحياة رجل من وسط قاس مهزوم ومأزوم.. ينظر إلى الناجحين بوصفهم جواسيس ومخبرين ..عاش وسط المخنثين حسب وصفه..ويرى الناس ثمارا مضروبة.. ثم وجد أن البقاء طويلا سوف يفسد روحه..ويسقطها فى مستنقع الريبة والأوهام.. وبدت حياته خاسرة إلى أبعد حد ..وجملة من الهزائم والإحباطات والانكسارت المتتابعة توالت عليه عنيفة وصاخبة ..وما حوله وجوها شبحية بائسة ويائسة.. تحاول الانقضاض عليه رغم أنه صرف حلو حياته فى ما ينفعها ..فقرر فجأة هجر حياة المدينة بناسها وألوانها وتبدلاتها.. واستسلم لغواية الريف..إلى أن منى بقدره المحتوم بعد ثلاث سنوات.

فكلمح البصر بدا فى قصة " عينان بعد فوات الأوان"..انقضت سيارة على رجل وسحقت عظامه ..وأنهت تردده على الوزارة برفقة كلبه نهاية كل شهر..ليقبض مبلغ المعونة الاجتماعية ..كان يأتى إليها من قرية أعلى الجبل الأخضر صحبة كلب يقوده عبر دهاليز الوزارة.. ثم يهبط الدرجات الرخامية باتجاه الشارع منتظرا خروج صاحبه..إلا أنه ذهب أبعد ما اعتاد فى خدر وغفوة لذيذة ..أبطأ بسببها على صاحبه الذى ظل يبحث عنه ولم يره إلا بعد فوات الأوان .

وكان هادئا فى قصة "موت المواطن الصالح " ..لاطف الرجل قلبه ساعة ونام ثم مات..فى الصباح مشى مشيته المعتادة ..ثم استقل الباص الذى يصل فى موعده ..وينقله مع زملائه من الموظفين إلى مكان عملهم فى الوزارة التى يعمل فيها .. "لاحظ السائق أن موظفا كسولا للغاية محدودب على كرسيه ..ذهب ليوقظه فلما هزه وجد الرجل ميتا".."حملوه ومددوه فى بهو الوزارة.. وغسلوه وطيبوه وكفنوه وصلوا عليه ..ومشوا خلف نعشه وقبروه ..وعادوا أدراجهم إلى الوظيفة.

وكحدث جلل فى قصة "الدار" ..لكنه استحال إلى كونه من فرط الضحك .. عادت الأمور إلى طبيعتها ..وكأن شيئا لم يكن..لم يخرج الناس إلى الشوارع ..ولم يفارق الجنود معسكراتهم..والأعلام لم تنكس ..والقرآن لم يقرأ ولم يسمع.. والوجوه الشاحبة بدت على قنوات التليفزيون لم تحزن.. فالدار مازالت ..ذهب بواب ممتلىء وجاء بواب جائع ".. والحادث الذى كان من عشرة أيام بدا كأنه كان فى الماضى البعيد ..فالرجال الثقاة يكبرون فوق الأزمات.. ويقتحمونها إلى أزمات أكبر .ورجال الدار كلهم ثقاة ".

وكفعل مفصود بدا فى قصة "الرئيس والعصفورات".. برمية واحدة أسقط الرئيس العصفورات صرعى بعد أن أخرجها من جيبه واحدة بعد الأخرى ..وضعها حرف النافذة وتركها تطير قبل أن يصرفها ..وعندما بدا منها دمها على زجاج النافذة أخذ يشعل سيجارته وينفثها .. وبعد أن يسعل يعلق دشداشته على المشجب ويغلق النافذة وينام ..ثم يحاول أن يمضى فى حياته مثلما كانت قبل عشرين سنة ..حيث كانت حياته لاتختلف عن حياة العصافير الجريحة ..وظل يخفى عن أصدقائه التخمينات الجديدة التى طرأت عليهم..حتى لايستيقظ من عليائه إذا مابدا مايكشف عن أسبابها .. فالرقم البنكى الذى أضيف إلى حسابه ..ومنحه قدرا من الطمأنينة ..لم يحقق له الأمان النفسى..ولم يغير من كونه صار حشرة صغيرة فى خيوط العنكبوت.

بينما فى قصة "خطوات تصعد على الدرج" بدا الموت نفسيا..حيث يرى الزوج أن حياته مع زوجته بلغت نهايتها الحتمية.. ويقرر أن يذهب إلى بيت أهلها فى الصباح ليرمى عليها يمين الطلاق..وكل حى يمضى فى سبيله..فقد خرجت من بيته مثلما دخلته مغلفا ومختوما بشمعه الأحمر..وأن زيت شمعتها كامل غير منقوص".. وكان عندها حق ..فقد صبرت عليه خمس سنوات ..تحملت فيها إلى أن نفد صبرها واعتل مزاجها..لم يشفع له ماوفره لها من احتياجاتها مادام لاماء فى عظامه ..رغم أنه لاذنب له قى ذلك.. والأمر لو كان بيده لحرثها كما يحرث الثور الحقل..لكنه غير عارف بحالته .." ومن أين له أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى سحب ماء الحياة من عظامه..هو الذى لم يجرب امرأة من قبل"..لكنه لايثق تماما فى أنها لم تبخ زيت شمعتها طوال سنواتها معه.. لكنه يفيق من نومه ويتنفس بعمق عندما يطمئن على رجولته.

ويبدو الموت معنويا فى قصة " زلاقة صاحب الفخامة" ..فقد غاب الأمالن عن صاحب الفخامة خشية على ملكه بسبب فوضى الشباب الذين يريدون الدولة لهم.. فينام وإحدى عينيه مفتوحة ..ويعلن مايشغل الأمة حتى لا يأفل نجم مملكته.. موحيا أنه يستجيب لإرادة الله ..إذ يعلن فى يوم الإسراء والمعراج أنه استجاب لرغبة إلهية يقرر استبدال إسمه من صاحب الفخامة صنع الله إلى الفخامة عين الله..لأنه ليس لأحد أن يعصى إرادة الله.. ومضى على فكرته هذه سبعين حولا ..ولم يفكر أحدا فى غموض تحققها..فالشعب لم يساوره الشك فى أن مشيئة ربانية خالصة وراء الفكرة الملكية..وادعى أن رجلا ذا وقار وسمة نبيين هبط عليه ..وبعد أن سلم وجلس خاطبه بصوت تشوبه نبرة حزن :" ياصنع الله أنا شفاعتك يوم القيامة ..وأنى هابط إليك هذه الساعة ببيان موجز.. مقصده تطويق الثورة التى تكاد تعصف بك.. وتقوص أيامك العامرة"..ويؤكد له أنها وشيكة الوقوع ويخشى على الناس من بعده..أن يتولى عليهم من لايرعى حرمة ..ولا يحفظ عهود ..ويجعل الأمور بلا حسيب أو رقيب .. وبما أن الناس خطاؤون مالم يكن عليهم من يخشونه..فينصحه بأن يعلن تنحيه عن العرش ..وأن حكم المملكة بات مشاعا لكل صادق..حسن النوايا ..وسيكون الحكم بين كرسى الحكم وبين الراغب فيه هو الله..فمن كانت نواياه صادقة سيبلغ مقصده ..ومن كانت نواياه لوجه غير ذلك سيمحقه من ساعة وقوفه قدام كرسى المملكة ..وخلال انشغال الناس بالنبأ الهام الذى سيجعل الثوار ينشقون على أنفسهم..يقوم بشق نفق طويل تحت الأرض ..أوله قاعة الملك ..وآخره على عمق سبعين قامة فى البحر.. ويدخل أنبوب نحاسى أول النفق تحت بلاطة على بعد ثلاث خطوات من كرسى الحكم ..وآخره عند نهاية النفق..وصنع ذراعا آليا يزرف البلاعة بواسطة زر يثبت تحت ذراع الكرسى ..ثم جرب الزلاقة على بنائها ,,وبعد ذلك أدع الوزراء وكبار رجال الدولة من مدنيين وعسكريين ليشهدوا تنصيب الحاكم الجديد..وستجدهم ضمن طوابير طلاب الحكم ..أدخلهم واحدا واحدا..وادعه لقراءة الفاتحة ..وبعد قراءتها تدعس الزر " فيمحقه الله لسوء ما أضمره تجاه الشعب ..إلى ان ينتفخ بطن البحر منهم.
هذه القصص المسكونة بالموت حغلت بتفاصيل واقعها من خلال لمحات خاطفة .. تكشف الكثير من حياة نماذجها الإنسانية ..وأبدت همومها وما يؤرق حياتها .
ففى قصة " خرزة المشى" بدا الموت فاصلا بين عهدين ..إذ غاب عن المملكة ملك مجنون ليخلعه ملك مقعد يحلم بالعثور على خرزة"تدرج راكضة باتجاه القدمين اليابستين ويفى من ااالكساح وتقويان على االمشى "..مما دعاه إلى إصدار مرسوم يوجب على كل من فى المملكة تسليمها للديوان..أو إلى اقرب مخفر إذا عثر عليها.." وكل من قدر له ذلك له عند الملك حظا وحظوة رفيعة".. كان الملك قد غفا خائر القوى بعد ركضه فى السارع عاريا وراء خرزته وظنه الناس قد جن ..فتراءى له خط دم يغزل منديلا وقد بدت حوافه موشاة بالحرفين الأولين من إسمه المفدى..وصبية تخفى تحت صرتها خرزة.. وكل منهما ــ الملك والصبية ــ يفكر فى الآخر الذى لم يره ..والذى يراه بوضوح تام ..وفى حوض صابونه تنفس مكروبا..وغامت رأسه فاختلطت حدود المملكة بحواف الخرزة التى نطت من ثقبه إلى شوارع المدينة ..وأعياه الركض وراءها ..لكنه اكتشف بعد الإغماءة وجودها بين فخذيه ..فأصدر فى الصباح مرسوما بالبحث عنها ..فتعطل العمل فى المملكة وازدحم الخلق فى الشوارع يبحثون عن الخرزة..وعندما يئسوا عادوا إلى دورهم وقد خلفوا وراءهم المملكة نظيفة تلمع مثل عين الصقر.

من خلال هذا الإيجاز تبدو مضامين السابق من القصص السابقة ..تحمل بينها هاجس الموت كقدر محتوم..سواء كان ذلك جسديا أو معنويا.. تعيشه الشخصية كإحساس ..بينما قد لايبدو فى القصص الأخرى كأثر مباشر على شحصياتها رغم أنه يكون قد طالها بصورة أخرى.

ففى قصة "السككيرة" يموت الأمان فى القرية التى بدت لياليهاعقب حوادث غامضة ومريبة.. طويلة ومشتتة ومثيرة للفزع الذى تمكن من قلوب الناس بعد أن استبد بهم الخوف ..وكان آخر حدث هو اختفاء الرجل ذو الرجل المخلوعة والملحوس أيضا..ولم يكن أحد يعرف له أصلا ..عاش بين الناس لائذا بين الخرب والذرائب يقتات ماتجود به فضلات البيوت..وكان ينصت باهتمام إلى أحاديثهم عن الشيخ زهران الراقى..الذى تحدث عن لبن الطير وبيض الماشية "وحل التراب" الذى يخرج من الأرض ..لكن الناس انشغلوا عن كل ذلك الألم الذى استبد بالبقر بسبب إصابتها بالكشوح المدماة .. وظنوا ذلك عوضا عنهم..ولبوا الدعوة إلى المساجدة معتمرين إيمانا ثقيلا.. وبعد أن فاضت الأرض بخيراتها وبرأت الماشية ..بدا ان الرجل قد اعتزل القرية إلى الأهوارالمجاورة متسللا عبر أسطح البيوت فى ليلة شديدة القمرة.

وفى قصة "سم الوردة" يبدو"مرزوق فايل سليمان" قد نسى حاله بعد اعتقاله فى غرفة صغيرة مسكونة بالحشرات ..وذلك بسبب التحريات التى أفادت أنه ينوى توزيع أوراقا بالغة الأهمية كانت بحوزته.. وبعد أن تمسك بصمته ورفض يدافع عن نفسه ظنوه مختل العقل..فمضى شبه عار يقضى حياته فى الشوارع..لكن جاء تقرير يفيد بتردد الناس عليه ونور داره يظل حتى الصباح.

وفى قصة "مسامير".. الرجال متعبون والنساء متعبات ..وفراغ المدينة يشغله الهنود..وعندما يسعى رجل إلى وظيفة يسبقه إليها خبيرا سودانيا..ويتم تأهيلها حسب ماهو جار ..والشرطة التى تبدو دونما اختلاف فى الأزمنة المختلفة ..بينما يشتبك اليمين باليسار بالوسط فى غفلة منها ..ورجل فقد صوابه بسبب المسامير التى أعطبت إطار سيارته..وبسبب محاولته تغيير الإطار يلقى حتفه .

وفى قصة "استدراج" تستسلم امرأة لرجل وعندما تسأله أن يتزوجها لم يجب ..فتظن سكوته علامة..؟

يبدو هذا فى قصص المجموعة من خلال نماذجها الحية وظروفها الآنية ..وقد بدت دونما تحديد للزمان أو المكان ..وباختلاف وتنوع بشرى باد فى مجملها ..يجعلها وكأنما لم تخرج فى أى منها عن فضاءات ذاتية ..ووفق سرد مباشر يكفل معايشة حية لما تعرض له.. تحت ظل المناح النفسى ..وبتصوير الظروف التى أطاحت بها .

بدا كل ذلك في النصوص بوضوح متعمد تخطى المباشرة ..إلى السباحة فى فضاءات الإيحاءات والدلالات.. ليكشف عن الإسقاط الذاتى من خلال عذابات وقلق ومعاناة.. و تم بتصوير بسيط .. و بتمازج بين الحال والواقع المأزوم..وما يؤدى إلى السقوط فى هوة اليأس.

فالذات تنعكس على ماحولها.. و أبعاد الموت بدت تختلط وتتنوع ..والحدث يتمحور من خلاله النص..والواقع معادل للحال ..ومن ثم توافرت المفردات التى رسمت فى مجموعها أجواء من الاستسلام افتقدت حدة الصراع الذى لو توافرت له إمكانية التآلف لبددها.

فالوحدة كانت مآلا سعى إليه بطل قصة "ذهب بعيدا"..بعد جملة من الهزائم والإحباطات..وتوالت عليه الانكسارت فسقط سقوطا مروعا بعد فشله فى ترميم التصدعات والشروخ.. جعله يذهب وحيدا لاولد ولا تلد بعد أن صارينتمى إلى العجزة والمسنين.

و قصة"موت المواطن الصالح".. عرضت لحياة عادية..بدا الموت فى نهاياتها تأكيدا للاستسلام... رغم اختلاف مكان وقوعه ..و فى قصة "ذهب بعيدا" .. الرجل تتناثر رأسه نتفا صغيرة فى أرجاء الغرفة الوحيدة .. المبنية على نحو عشوائى من مخلفات البناء..وفى قصة" عينان بعد فوات الأوان" انقضت السيارة فى لمح البصر وسحقت عظام الرجل الذى زلت قدماه ومات..وفى قصة "موت المواطن الصالح" عندما وقف الباص قدام الوزارة وهبط الموظفون ..ذهب السائق ليوقظ رجلا ظنه نائما لكنه اكتشف أنه مات وكلها حالات للموت سادهاالاستسلام..وأوجدت القلق خشية سقوط الرئيس فى قصة" الرئيس والعصفورات" لأنه سوف يكون سقوطا مدويا ..بسبب التواطؤ المهين الذى حسن من أوضاعه المالية ..مما جعله يشعر وكأنه حشرة صغيرة فى خيوط العنكبوت..وفى قصة "خرزة المشى" بدت حدود المملكة تذوى وتذوب رغم القبضة الحاكمة على مقاليد الحكم..وهو مايبدو أيضا فى قصة"خطوات تصعد الدرج"..التى بدا العمق اللاميرر يتهدد الحياة فيها..والجنون فى قصة "سم الوردة" وإن بدا كحال مصطنع ..إلا أنه استحال إلى هروب من حياة القهر التى يسودها الشك والريبة ..والموت وإن بدا كحدث فى قصة "الدار "إلا أنه كان سببا لفرض الحزن بوجه عام ..والاستسلام بدا فى قصة"استدراج" كواقع لامفر منه .

ومن ثم يبدو المشهد السردى رغم تغليفه بالمباشرة ..يستحيل إلى أزمات مستفحلة اجتماعيا وسياسيا..ويحمل الكثير من الإسقاطات بفعل دلالتها التى تبد مايحمله النص عبر نيته الظاهرة ..طرحها الكاتب من خلال نماذجه الإنسانية التى اعتمد عليها فى تقديم رؤاه لواقع استكان على حال ارتضى معاناته..رغم مايملكه من قدرة على عدم الرضوخ له.. من خلال متخيل مفهوم ..وبمعمارية فنية تواءمت مع بناء نصوصه ..وأبدتها كعمل متناسق فى مجمله.
*************
السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007