[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خليل السواحرى فى مقهى الباشورة دراسة
التاريخ:الأحد 6 ابريل 2014  القراءات:(670) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
خليل السواحرى فى

مقهى الباشورة

السيد الهبيان

لم يبق شىء دون أن يخضع للتغيير بصورة ما ..الصور القديمة للأشياء ضاعت معالمها..الحياة فوق الأراضى الفلسطينية المحتلة لم تعد مثل الحياة التى كانت ..أصبحت لاتطاق بوضعها المفروض..الواقع الفعلى صار يؤكد إحساس الغربة والمذلة.. الأمور تسىء من سىء إلى أسوا..العتمة تزداد قتامة..انتهاك آدمية الإنسان من الأشياء العادية ..يحدث على مرأى من العيون ..من يحاول أن يبدى تذمره أو يعترض..يتعرض لأفعال لاطاقة له على تحملها ..لافرق بين أحد وآخر فى نيل الرغبة فى الاعتراض عليه ..غير مأمونة العواقب ..لاشفاعة لأحد..فتحت خيمة الاحتلال الكل سواء ..حرية الجميع مسلوبة الإرادة ومقيدة ..ولا شىء يجب أن يسود غير الخضوع والاستسلام للمحتل..

المأساة بدأت ولم تبد لها نهاية بعد..يعيشها الإنسان الفلسطينى منذ احتلال أرضه..وبات التشرد والضياع كم عاديات حياته.. لأن السيطرة على أرضه للغاصب لها.. ويخضع هو لحكم ذلك الغاصب ويستسلم له مرغما ..فى ذات الوقت ينتظر الغد بأمل الخلاص من معاناته الماساوية والماضية فى الاستمرار..يتمنى تحرير أرضه من قبضة الغاصب المحتل لها..لكن الغد يأتيه بما يزيد من تشرده وضياعه..وما يبقى أرضه تحت خيمة الاحتلال..وليس أمامه غير طريق المقاومة المفروضة عليه..يمضى فيه بكل مايحقق استمرارها وتصاعدها..هدفه المحدد أن تعود له أرضه.. وأن يستطيع ممارسة حريته عليها ..لكن السير فى طريق المقاومة ..لم يخل من ضعاف النفوس رغم الأمان المفقود للجميع ..الذين يمارسون التقرب للحاكم الذى فرضه العدو المحتل ..ويعاونوه على فرض سيطرته التى تضمن له بعض الامتيازات التى تمنح له جزاء القيام بتعاونه مع جنود الاحتلال..بينما ثمة مواطنين لايقاومون ولايتقربون ..يعيشون حياتهم كما تتاح لهم ..ورغم ذلك يتعرضون لبطش العدو,, ومن ثم بدا لهم إحجامهم عن الاشتراك فى أعمال المقاومة ,,يتساوى مع الانخراط قيها ,,قتحولوا من السلب إلى الإيجاب.. وما دام المردود واحدا فالمقاومة أفضل.

هذا مايطرحه القاص الأردنى"خليل السواحرى"فى مجموعته القصصية"مقهى الباشورة"..والتى عرض فيها لنماذج مختلفة للإنسان الفلسطينى الذى يعيش على أرضه..تحت خيمة الاحتلال الاسرائيلى .. انتقاهم من إحدى القرى الفلسطينية ومدينة القدس .. جعلهما مسرح الأحداث التى أبدى من خلاله مدى التغيير الذى تم بفعل الإدارة الإسرائيلية ..وأثرها على نفوس الفلسطينيين الذى يعيشون على الأرض المحتلة وذلك من خلال منظور واقعى ..لشخوص تعيش القضية الواحدة..لكنها تختلف فى مواقفها تجاهها ..بين رافض ومستسلم مثل"عطا أبو جلدة"الذى يرفض الهوية الإسرائيلية..ولم يفعل مثلما فعل معظم رجال القرية الذين تسلموها لتتاح لهم فرص العمل..ويتيسر لهم الانتقال الى مدن الأرض المحتلة ..كان يعتقد بأن هيئة الأمم سوف تجبر اسرائيل على الانسحاب خلال شهر أو شهرين..لكنه تمسك بموقفه رغم استمرار الاحتلال..وعندما تعرض للإهانة بعد أن اضطر للعمل قبل حصوله على الهوية لم يشعر بالندم .."كل شىء غدا يهون وحين أخرج من هذه الزريبة اللعينة فسأبصق عليهم وعلى كل الهوايات".. بينما "الخباص"و"أبو وضحة"و"المختار" قبلو تلك الهوية ثم أخذوا يدعون رجال القرية للذهاب إلى القدس لاستلامها دون الاهتمام بموقف "ابو جلدة" الذى يصفونه بأنه" من طراز قديم..ومخه ناشف وعنيد كالبغل "..ودأبوا على التندر منه حتى أمام زوجته ..أما هو فقد كان غير مقتنع تماما بهذا الهراء رغم أنه من العامة البسطاء .."صحيح أننى عامل ومسكين ولكن لو كان مخى ناشفا كما يقولون ..لما كان بالإمكان أن يصير ولدى أستاذا يملأ العين..ثم اننى لو كنت تعلمت الحرف لكنت أعظم من مختار" ..وذلك الإنسان البسيط لم يرفض فقط استسلام الهوية الإسرائيلية التى ليس بالإمكان الاستغناء عنهافقط ..بل لم يفكر فى النزوح إلى الضفة الشرقيةأيضا.. كل من يذهب لأخذ الهوية الإسرائيلية انتهازى وخائن و"النزوح إلى الضفة الشرقية عار ومهانة وبهدلة"..قصة "أول يوم".

"سالم الزرزور" مختار القرية الذى تسلق على أكتاف هذه المهنة أبا عن جد.. بدا على العكس من "عطا ابو جلدة" بالنسبة لقبول الهوية الإسرائيلية ورفضها ..فقد حصل على الهوية ..وغير ختم المخترة بختم اسرائيلى جديد ..ذلك المختار قبل الاحتلال حدثت معركة حامية بينه وبين "محمد الأزعر"و"على الفار" بسبب الحصول على المخترة وعزله منها ..لكنه استطاع أن يصيب محاولاتهما بالفشل الذريع ..بعد الاحتلال.."ظن كل منهما أن الفرصة قد لاحت لامتطاء جواد المخترة والتربع فوق امتيازاتها العظيمة" ولكن أحدهما ــ"محمد الأزعر"و"على الفار" "لم يفاتح الآخر فى نواياه حول هذا الموضوع..وذهب وحده لمقابلة الحاكم العسكرى ..لكن" سالم الزرزور" لم يفعل مثلهما مباشرة ..بل ذهب إلى القدس وقصد "مقهى الباشورة"..سأل المعلم "أبو بلطة"عن موضوع المخاتير فأخبره بورطتهم .."بعضهم سلم ختمه وأخذ ختما إسرائيليا جديدا وبعضهم رفض "ثم سألوه عما إذا كان قد سلم ختمه هو أيضا فأجاب بالنفى ..وعندما سأل عن الطريقة ..لم يخف عنه"أبو بلطه" مايعرفه فسأله:

"ــ وهل تعتقد أن كثيرين قد سلموا ختمهم يامعلم ؟

ــ لا..ولكن تسليم الختم العربى واستلام الختم الإسرائيلى خيانة واعتراف بالاحتلال.

ــ ياسلام ..وهل تظن أن الاحتلال بحاجة إلى اعتراف أشكالنا يامعلم؟

ــ نعم.

ــ لاتنه عن خلق وتأتى مثله يامعلم ..مادمت وطنيا إلى هذا الحد فلماذا تستقبل الزبائن اليهود كل يوم بالمئات ..أليس هذا اعترافا بهم ؟

ــ هذه مسألة أخرى يامختار ..فأنا أرفض مثلا أن ابيع اى نوع من الكازوز هنا..لأن كل أنواع الكازوز اصبحت من صنعهم..رغم ان كل الزبائن اليهود لايطلبون إلا العسيس."

رغم ذلك ذهب المختار إلى رئيس البلدية لاستبدال الخاتم .. لكنه تورط فى التبليغ عن كل من يحمل سلاحا من أهل القرية ..وحاول أن يبدو بمظهرالذى لايد له فى معرفة من لديه سلاح.. ليحصل على المكافأة التى وضعت مقابل التبليغ .. حتى لا يكشف نفسه أمام اهل القرية..لكنهم يكتشفون نيته ويصفونه بالجبن فى مواجهته..ويقتلونه..قصة "المختار".

"سلمان الهرش" ثالث الذين لهم واقعة مع "المختار"..بعد "عطا أبو جلدة"..والمعلم "ابوبلطه".. فقد ذهب إلى القدس رغم معارضة زوجته .. وتحذيرها له من اليهود .."يامرأة لاتكونى عبيطة إلى هذا الحد" ..أنا أعرف اليهود من زمان.. من قبل الثمانية وأربعين.اليهود مثل الحية لايلدغون إلا من اعتدى عليهم.."..ولكنه تأخر فى العودة إلى بيته مما أثار القلق عليه فى نفس زوجته..فقد قبضوا عليه بتهمة توزيع المنشورات بعد أن تناول ورقة مطبوعة من الأوراق التى ألقاها أحد الناس وملأت الأسواق..ثم اخذها على امل أن يقرأها ممن فى القرية ويعرف مافيها لأنه لايعرف القراءة..فتعرض للضرب والسجن..وعاد بعد ان تغيرت نظرته لليهود..لكن "المختار" و"محمد الأزعر".. و"على الفار" سخروا منه ..فأخذ يلوم المختار على مسايرته لحكم الاحتلال حتى غضب منه وشتمه.

"ــ صرت يامصدىء وطنيا؟

ــ نعم صرت وطنيا ويجب ان أصير ..يارجل ليلة ويوما وأنا تحت الضرب فى السجن بدون ذنب".

ثم يواجه المختار عندما يعود للسخرية منه .."وااله يامختار أن اشكالك حرام أن يعيشوا..يارجل إذهب إلى القدس وانظر إلى السجون المليئة بالناس"..لكن المختار لايبالى ويتحدث عن أيام العز التى راحت ..بينما "على الفارط و"محمد الأزعر".. يفكرون فى اللهجة الجديدة التى يتحدث بها "سلمان الهرش" وتدرك زوجته أن أولاد المدارس ليسوا زعرانا كما يقول "المختار"..قصة"نفس تمباك"

المعلم "أبو بيلطة" صاحب "مقهى الباشورة"..ورثها أبا عن جد..ومرت عليه أيام مثل القطران جعلته يفكر فى بيعها لولا أن زوجته عارضته..بعد حرب عام 1967 ازدهرت الحال من جديد ..لكنه استصعب على نفسه تقديم الطلبات لليهود.."أنا اقدم الطلبات لليهود؟ا" "أبو بلطه" الذى كان يغلق كل حى به يهودا قبل الثمانية والأربعين بعصاه.. ولا يظل يهودى واحد يجرؤ على عبور الشارع .."أنا أبو بلطة الذى كان ينش مائة يهودى بالعصا فى حى "مونشيرم" اقدم الطلبات لليهود؟ا"..لكنه اضطر إلى مسايرة الأحوال التى تغيرت وقدم الطلبات لليهود بعد أن تخلى عن تزمته.. بسبب تحسن أحواله التدريجى..وارتفاع دخله بشكل لم يكن يتوقعه..لكنه يفاجأ بفرض ضريبة عليه أكثر مما كان يتوقع..ظن أن بالأمر خطأ لكنه وصله إشعار آخر..يؤكد ماجاء بالإشعار الأول..أيقن أن كل ما أكله بيضا سوف يخرجه فروجا ..وصدق قوةل "محمد الأزعر" الذى كان من شلة "المختار" التى تتردد على المقهى..وما قاله "الأستاذ سعيد" الذى كان ضمن شلة أخرى تتردد على المقهى للتسلية.. وكان "الشيخ بهلول" ممن يترددون عل المقهى أيضا ..حاول "المعلم أبو بلطه" أخذ رأيه فى مسألة الضريبة..لكنه لم يحصل منه على رأى محدد..ولم يجد أمامه غير أن يشارك فى الإضراب العام الذى كان يؤيده "الأستاذ سعيد"..قصة "مقهى الباشورة".

"فرج الهمشرى" من مقهى الباشورة أيضا .. مثله مثل "سلمان الهرش" لايعرف القراءة وقبضوا عليه بتهمة توزيع المنشورات ..لقد وقع فى ورطة عندما تبين له وجودها..راودته فكرة أن يبدأ بجمعها "ولكن أين أذهب بها؟.. هل أتركها؟..وإذا عثرت عليها الشرطة فسوف يسألوننى عمن وزعها..وأين كنت وهم يوزعونها ..يا أللهز.. ماهذه الورطة اللعينة"..لكنه أحس بقدوم الشرطة ..فكر ان يجمعها ويبدو أنه فعل ذلك ..ووجد أنه تساوى بمن يقومون بتوزيع المنشورات .. رغم أنه لم يفعل ذلك .. فقرر "إذا ما أتيح لى أن افلت من بين ايديهم فلن أتوانى لحظة عن توزيع المنشورات"..قصة "فرج الهمشرى"

بجانب هؤلاء الشخوص الذين يجمعهم التواجد فى القرية واللقاء فى "مقهى الباشورة"..ومعهم"الشيخ بهلول" الذى يتستر وراء المظهر الدينى ..ويتهرب من تحديد موقفه داخل الواقع الذ1ى يعيشه..ويبدو متواكلا موحيا ببشرى قدرية ..قدم "خليل السواحرى" مجموعة من الشخوص الأخرى.

"محمد محمود"الشاب الذى ذهب إلى القدس ليعمل.. فاعترته الدهشة من التغيير الذى حدث فيها..وخلال جولته اكتشف وجود بركه من الماء يسبح فيها مجموعة من الشباب والفتيات ..فأراد أن يبدى تفوقه عليهم فى السباحة.."هل البنات اليهوديات أشجع منى؟"..لكن فعلته جعلت الكل يضحك عليه..ونال بسببها علقة ساخنة عاد بعدها وهو يزمع ألا يخبر أحدا بما حدث له ..ويتعلل بأنه لم يجد عملا.. إلا أن ضحكات السابحين وصراخ الشرطى عليه.. ظلت تقرع سامعيه حتى بعد أن وصل إلى القرية ..قصة" فى الطريق إلى القدس".

"على العجار" شاب قبيح الخلقة .. تمنعه والدته من التطلع فى المرآة حتى لايكتشف التشويه الذى به.. لكنه قرر أن يرى وجهه فى المرآة ..واستطاع أخيرا الاختفاء عن عينى والدته .. وزوجها الذى كان يضربه بسبب وبدون سبب .. مما جعل أولاد الحارة يحذون حذوه ..ولكنه حين أمعن التحديق كاد يغمى عليه ..وفكر أن يطلب من زوج أمه الكف عن ضربه .. ثم قرر أن يمنعه من ممارسة هوايته بالقوة .." والله اليد التى ستمتد إلى بعد اليوم سأقطعها وارميها للكلاب "..ويتذكر مافعله زوج أمه به..ويرى " أن أمه نسيت فى غمرة انشغالها أن لها ابناقد سطا راشداعلى كل حقوقه وإرثه.. وحتى مجرد أمومتها له ..ويحاول ان يضرب زوج أمه وهو نائم معها ..إلا أنه يعجز عندما يراه يحتضنها..فصة" التحديق فى المرآة".

"أم أحمد" المرأة التى أثارت حولها الشبهات "الجميع يقولون أنها من بنات الحلال .وأن بعض الرجال يترددون عليها بعد العاشرة مساء "ذلك مايثير اهتمام جار جديد لها ويصر على مراقبتها..لكنه يكتشف فى النهاية أنها عكس ماكان يعتقد.. إذ يراها تشترك فى مظاهرات نسائية قامت بمسيرة إلى قبور الشهداء ..ثم يعلم انها لاقت حتفها أثناء تعرض جنود الاحتلال للمسيرة ..قصة" المتفرجون ".

"عزيز الهشلمون" الذين كان ينتقل من قرية إلى قرية ..حتى احترقت أصداغه من مواقد الأفران..ذات ليلة يمر عليه ثلاثة رجال لم يشعر أنهم غرباء ..وظن أنهم يقصدون "النبى صمويل" قدم لهم الشاى وأعطاهم الخبز وبدل لهم العملة الأردنية بعملة إسرائيلية ..وقالوا له قبل ان يتركوه "أنت رجل طيب.إذا سألك أحد عما حدث فلا تقل شيئا" .ولكنه فوجىء بحضور الشرطة واقتيد إلى السجن..قبل خمسة وعشرين عاما قضى ستة أشهر مسجونا بعد أن وقعت بينه وبين اثنين من اليهود طوشة دامية ..فى ذلك الوقت كان بلا زوجة وبلا أولاد..وعند خروجه هنأه الرجال على جدعنته.. ورقصت له نساء الحى..أما هذه المرة فله زوجة وأولاد ولو ظل محبوسا فسوف يطرده صاحب المخبز من عمله ..كان فى حيرة لغياب من وشى به عن ذهنه .. إذ كان من المستحيل أن يفعل الرجال الثلاثة ذلك.. وتحمل الضرب والإهانة دون أن يعترف برؤيته لهم حتى لايسجن ..وتتعرض زوجته وأولاده للطرد من البيت "سوف اتحمل.كلها يوم أو يومين وينتهى التعذيب وتتأكد الشرطة أننى برىء" .. لكن استمر تعرضه للضرب حتى فقد الأمل فى الخروج..ثم تبين له أن صاحب الفرن الذى كان يعمل به هو الذى وشى به.. فيبصق على الأرض عندما يتأكد من ذلك.. لكن "كل شىء من حوله تغير.. بدأت تغزوه البرودة والبهوت" واحس بألم التعذيب أكثر من وقت تعرضه له ..وحين أطبقت البرودة الصفراء جفنتيه لآخر مرة.. كانت وجوه الرجال الثلاثة الذين مروا عليه فى تلك الليلة تشرق باسسمة أمام عينيه"..قصة " الذين مروا من هنا".

بالنظر إلى مضامين هذه القصص.. يبدو أن "خليل السواحرى" انتقاها من نوعية يندر أن توجد فى تلك التى تتناول القضية الفلسطينية ..إذ درج الاعتياد على رسم ملامح ثابتة للإنسان الفلسطينى تبديه فى قالب محدود الإطار ..مقاتل دائما لاشىء يشغله غير هدف تحرير أرضه من قبضة الاحتلال الإسرائسلى ..وتلك صورا بليت من التكرار يختلف عنها الإنسان الفلسطينى الذى قدمه "خليل السواحرى" فى قصص "مقهى الباشورة" ذلك الإنسان الذى عاش ماقبل حرب 1967 وما بعدها .. فشاهد بعينيه كل ماحدث ويحدث فى ظل الاحتلال ..ومازل يعيش غريبا داخل وطنه فمن المحتم عليه أن يتمرد على ماهو مفروض عليه ..ويبحث عن طريق الخلاص منه ..قد يكون ذلك من السهل التفكير به بالنسبة للإنسان الذى يعرف أبعاد الوضع الناتج عن وجود الوطن فى قبضة الغاصب..لكن الإنسان البسيط الذىيعيش حياته بأية صورة تكون..والإنسان الذى يستطيع الأكل على كل الموائد ..جميعها لها وجود أيضا على خارطة الوطن المحتل ..ومن المستحيل تجاهلهما وإبعاددهما عن مسيرة المقاومة التى يتحتم أن يشارك فيها الجميع.

من ذلك المنطلق اهتم "خليل السواحرى" بالقضية الفلسطينية التى يشترك فى معالجتها ..وبدأ بالولوج إلى أحشاء المجتمع الذى عاشه ..وجمع منه شخوص قصصه ..ثم قدمها بطبيعتها الحقيقية..دون تغليفها بما هو خادع ويضلل عن ماهيتها الأصلية..بدا ذلك من خلال تركيزه على النماذج السلبية التى لها خطورتها على القضية ..وكذا على النماذج البسيطة التى فى حاجة ماسة إلى جرعات من الوعى.. تبدى لها مايجب عليها وهى تحت سيطرة العدو المحتل لتشارك فى التخلص منه.

قد يكون الأمل مفقودا بالنسبة للنماذج السلبية ..لكن النماذج البسيطة لديها الاستعداد التام على الانضمام لمسيرة المقاومة.. والتحول السريع من السلب إلى الإيجاب ..من الممكن أن يبدو ذلك عند تحديد رؤية شاملة لشخوص "مقهى الباشورة" .ولكن "خليل السواحرى" أبدى التحول الممكن للجميع ..عدا شخصية المختار الذى يمثل السلطة المحلية ..و"الشيخ بهلول" الذى يمثل الخلفية الدينية التى لها تاثيرها على المجتمع..وتجاوزا يضيف إليهما" "على الخباص" لعدم الإشارة إلى إمكان تحوله ..و"فؤاد افندى" صاحب الفرن ..فأبقى التلاحم بلا وجود بين افراد المجتمع الواحد..الذين يعيشون قضية واحدة يتعلق عليها مصيره...فحدد إدانتهم فى نوعيتهم وتوضيحا لإدانته هذه ما أبداه من إشارات تاريخية بدا منها تفرد "المختار" بواقعه الطبقى الذى يمثل الامتداد التقليدى للاحتفاظ بالمخترة طمعا فى امتيازاتها..بينما الخلفية التاريخية للآخرين ذات ماض لايخلو من المقاومة بصورة ما ..وبخلاف هؤلاء صور العجز اللا إرادى للإنسان الفلسطينى فى شخصية "على الجعار"فرمز به إلى حقيقة الحال كما هو الآن ..وأضاف بشخصية "أم احمد" رمزا آخر بمقاومتها وسط المتفرجين ..وأكد أن ثمة ابطال متروكين لايعرف أحد عنهم شيئا.. لأنهم يتخفون خلف صورة ما .

تلك هى نماذج الإنسان الفلسطينية قدمها "خليل السواحرى" فى صور لاتختلف عن الحقيقة فى شىء .. لكنها لها دلالتهاالتى أوجبت عرضها بمثل تلك الأشكال..وهو بذلك لم يخرج عن خط الأدب المقاوم ..فالمقاومة ليست فقط طلقة تخرج من فوهة بندقية ..فحمل السلاح وشهره فى وجه العدو ليس غير وسيلة من وسائلها ..القصد منها درء الأمان عن حياة الأفراد ..وثمة وسائل أخرى لها نفس أهميتها ..مثل العمل السياسى..وتثقيف المواطنين ..ونشر الوعى القومى بينهم..ويتحتم استخدام كل هذه الوسائل لأهميتها مجتمعة..وبها تصل مسيرة المقاومة إلى مايحقق أهدافها ..وذلك ماحاوله"خليل السواحرى" بموضوعية إلى حد ما ..بغض النظر عن التزامه بالتكثيف الزمنى الذى درجت عليه القصة القصيرة أخيرا..فليس ثمة مايمنع أن تكون القصة القصيرة بالشكل الذى يتوافق مع مضمونها..لأن التقنية المتعارف عليها ليست شيئا مقدسا لايمكن المساس به ..بل هى نتيجة اجتهادات متعددة انتهت فى النهاية إلى شبه تحديد تلخص فى التكثيف الزمنى للأحداث ..وتقديم الكاتب لرؤية الواقع الذىعاشه ..دون النظر لاختلاف الأراء.. لأحقية المبدع فى اختيار المسار الذى يرتئيه مناسبا لما يعرض له.

ممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممم

السيد الهبيان

خليل السواحرى فى مقهى الباشورة السيد الهبيان لم يبق شىء دون أن يخض


خليل السواحرى فى

مقهى الباشورة

السيد الهبيان
لم يبق شىء دون أن يخضع للتغيير بصورة ما ..الصور القديمة للأشياء ضاعت معالمها..الحياة فوق الأراضى الفلسطينية المحتلة لم تعد مثل الحياة التى كانت ..أصبحت لاتطاق بوضعها المفروض..الواقع الفعلى صار يؤكد إحساس الغربة والمذلة.. الأمور تسىء من سىء إلى أسوا..العتمة تزداد قتامة..انتهاك آدمية الإنسان من الأشياء العادية ..يحدث على مرأى من العيون ..من يحاول أن يبدى تذمره أو يعترض..يتعرض لأفعال لاطاقة له على تحملها ..لافرق بين أحد وآخر فى نيل الرغبة فى الاعتراض عليه ..غير مأمونة العواقب ..لاشفاعة لأحد..فتحت خيمة الاحتلال الكل سواء ..حرية الجميع مسلوبة الإرادة ومقيدة ..ولا شىء يجب أن يسود غير الخضوع والاستسلام للمحتل..
المأساة بدأت ولم تبد لها نهاية بعد..يعيشها الإنسان الفلسطينى منذ احتلال أرضه..وبات التشرد والضياع كم عاديات حياته.. لأن السيطرة على أرضه للغاصب لها.. ويخضع هو لحكم ذلك الغاصب ويستسلم له مرغما ..فى ذات الوقت ينتظر الغد بأمل الخلاص من معاناته الماساوية والماضية فى الاستمرار..يتمنى تحرير أرضه من قبضة الغاصب المحتل لها..لكن الغد يأتيه بما يزيد من تشرده وضياعه..وما يبقى أرضه تحت خيمة الاحتلال..وليس أمامه غير طريق المقاومة المفروضة عليه..يمضى فيه بكل مايحقق استمرارها وتصاعدها..هدفه المحدد أن تعود له أرضه.. وأن يستطيع ممارسة حريته عليها ..لكن السير فى طريق المقاومة ..لم يخل من ضعاف النفوس رغم الأمان المفقود للجميع ..الذين يمارسون التقرب للحاكم الذى فرضه العدو المحتل ..ويعاونوه على فرض سيطرته التى تضمن له بعض الامتيازات التى تمنح له جزاء القيام بتعاونه مع جنود الاحتلال..بينما ثمة مواطنين لايقاومون ولايتقربون ..يعيشون حياتهم كما تتاح لهم ..ورغم ذلك يتعرضون لبطش العدو,, ومن ثم بدا لهم إحجامهم عن الاشتراك فى أعمال المقاومة ,,يتساوى مع الانخراط قيها ,,قتحولوا من السلب إلى الإيجاب.. وما دام المردود واحدا فالمقاومة أفضل.
هذا مايطرحه القاص الأردنى"خليل السواحرى"فى مجموعته القصصية"مقهى الباشورة"..والتى عرض فيها لنماذج مختلفة للإنسان الفلسطينى الذى يعيش على أرضه..تحت خيمة الاحتلال الاسرائيلى .. انتقاهم من إحدى القرى الفلسطينية ومدينة القدس .. جعلهما مسرح الأحداث التى أبدى من خلاله مدى التغيير الذى تم بفعل الإدارة الإسرائيلية ..وأثرها على نفوس الفلسطينيين الذى يعيشون على الأرض المحتلة وذلك من خلال منظور واقعى ..لشخوص تعيش القضية الواحدة..لكنها تختلف فى مواقفها تجاهها ..بين رافض ومستسلم مثل"عطا أبو جلدة"الذى يرفض الهوية الإسرائيلية..ولم يفعل مثلما فعل معظم رجال القرية الذين تسلموها لتتاح لهم فرص العمل..ويتيسر لهم الانتقال الى مدن الأرض المحتلة ..كان يعتقد بأن هيئة الأمم سوف تجبر اسرائيل على الانسحاب خلال شهر أو شهرين..لكنه تمسك بموقفه رغم استمرار الاحتلال..وعندما تعرض للإهانة بعد أن اضطر للعمل قبل حصوله على الهوية لم يشعر بالندم .."كل شىء غدا يهون وحين أخرج من هذه الزريبة اللعينة فسأبصق عليهم وعلى كل الهوايات".. بينما "الخباص"و"أبو وضحة"و"المختار" قبلو تلك الهوية ثم أخذوا يدعون رجال القرية للذهاب إلى القدس لاستلامها دون الاهتمام بموقف "ابو جلدة" الذى يصفونه بأنه" من طراز قديم..ومخه ناشف وعنيد كالبغل "..ودأبوا على التندر منه حتى أمام زوجته ..أما هو فقد كان غير مقتنع تماما بهذا الهراء رغم أنه من العامة البسطاء .."صحيح أننى عامل ومسكين ولكن لو كان مخى ناشفا كما يقولون ..لما كان بالإمكان أن يصير ولدى أستاذا يملأ العين..ثم اننى لو كنت تعلمت الحرف لكنت أعظم من مختار" ..وذلك الإنسان البسيط لم يرفض فقط استسلام الهوية الإسرائيلية التى ليس بالإمكان الاستغناء عنهافقط ..بل لم يفكر فى النزوح إلى الضفة الشرقيةأيضا.. كل من يذهب لأخذ الهوية الإسرائيلية انتهازى وخائن و"النزوح إلى الضفة الشرقية عار ومهانة وبهدلة"..قصة "أول يوم".
"سالم الزرزور" مختار القرية الذى تسلق على أكتاف هذه المهنة أبا عن جد.. بدا على العكس من "عطا ابو جلدة" بالنسبة لقبول الهوية الإسرائيلية ورفضها ..فقد حصل على الهوية ..وغير ختم المخترة بختم اسرائيلى جديد ..ذلك المختار قبل الاحتلال حدثت معركة حامية بينه وبين "محمد الأزعر"و"على الفار" بسبب الحصول على المخترة وعزله منها ..لكنه استطاع أن يصيب محاولاتهما بالفشل الذريع ..بعد الاحتلال.."ظن كل منهما أن الفرصة قد لاحت لامتطاء جواد المخترة والتربع فوق امتيازاتها العظيمة" ولكن أحدهما ــ"محمد الأزعر"و"على الفار" "لم يفاتح الآخر فى نواياه حول هذا الموضوع..وذهب وحده لمقابلة الحاكم العسكرى ..لكن" سالم الزرزور" لم يفعل مثلهما مباشرة ..بل ذهب إلى القدس وقصد "مقهى الباشورة"..سأل المعلم "أبو بلطة"عن موضوع المخاتير فأخبره بورطتهم .."بعضهم سلم ختمه وأخذ ختما إسرائيليا جديدا وبعضهم رفض "ثم سألوه عما إذا كان قد سلم ختمه هو أيضا فأجاب بالنفى ..وعندما سأل عن الطريقة ..لم يخف عنه"أبو بلطه" مايعرفه فسأله:
"ــ وهل تعتقد أن كثيرين قد سلموا ختمهم يامعلم ؟
ــ لا..ولكن تسليم الختم العربى واستلام الختم الإسرائيلى خيانة واعتراف بالاحتلال.
ــ ياسلام ..وهل تظن أن الاحتلال بحاجة إلى اعتراف أشكالنا يامعلم؟
ــ نعم.
ــ لاتنه عن خلق وتأتى مثله يامعلم ..مادمت وطنيا إلى هذا الحد فلماذا تستقبل الزبائن اليهود كل يوم بالمئات ..أليس هذا اعترافا بهم ؟
ــ هذه مسألة أخرى يامختار ..فأنا أرفض مثلا أن ابيع اى نوع من الكازوز هنا..لأن كل أنواع الكازوز اصبحت من صنعهم..رغم ان كل الزبائن اليهود لايطلبون إلا العسيس."
رغم ذلك ذهب المختار إلى رئيس البلدية لاستبدال الخاتم .. لكنه تورط فى التبليغ عن كل من يحمل سلاحا من أهل القرية ..وحاول أن يبدو بمظهرالذى لايد له فى معرفة من لديه سلاح.. ليحصل على المكافأة التى وضعت مقابل التبليغ .. حتى لا يكشف نفسه أمام اهل القرية..لكنهم يكتشفون نيته ويصفونه بالجبن فى مواجهته..ويقتلونه..قصة "المختار".
"سلمان الهرش" ثالث الذين لهم واقعة مع "المختار"..بعد "عطا أبو جلدة"..والمعلم "ابوبلطه".. فقد ذهب إلى القدس رغم معارضة زوجته .. وتحذيرها له من اليهود .."يامرأة لاتكونى عبيطة إلى هذا الحد" ..أنا أعرف اليهود من زمان.. من قبل الثمانية وأربعين.اليهود مثل الحية لايلدغون إلا من اعتدى عليهم.."..ولكنه تأخر فى العودة إلى بيته مما أثار القلق عليه فى نفس زوجته..فقد قبضوا عليه بتهمة توزيع المنشورات بعد أن تناول ورقة مطبوعة من الأوراق التى ألقاها أحد الناس وملأت الأسواق..ثم اخذها على امل أن يقرأها ممن فى القرية ويعرف مافيها لأنه لايعرف القراءة..فتعرض للضرب والسجن..وعاد بعد ان تغيرت نظرته لليهود..لكن "المختار" و"محمد الأزعر".. و"على الفار" سخروا منه ..فأخذ يلوم المختار على مسايرته لحكم الاحتلال حتى غضب منه وشتمه.
"ــ صرت يامصدىء وطنيا؟
ــ نعم صرت وطنيا ويجب ان أصير ..يارجل ليلة ويوما وأنا تحت الضرب فى السجن بدون ذنب".
ثم يواجه المختار عندما يعود للسخرية منه .."وااله يامختار أن اشكالك حرام أن يعيشوا..يارجل إذهب إلى القدس وانظر إلى السجون المليئة بالناس"..لكن المختار لايبالى ويتحدث عن أيام العز التى راحت ..بينما "على الفارط و"محمد الأزعر".. يفكرون فى اللهجة الجديدة التى يتحدث بها "سلمان الهرش" وتدرك زوجته أن أولاد المدارس ليسوا زعرانا كما يقول "المختار"..قصة"نفس تمباك"
المعلم "أبو بيلطة" صاحب "مقهى الباشورة"..ورثها أبا عن جد..ومرت عليه أيام مثل القطران جعلته يفكر فى بيعها لولا أن زوجته عارضته..بعد حرب عام 1967 ازدهرت الحال من جديد ..لكنه استصعب على نفسه تقديم الطلبات لليهود.."أنا اقدم الطلبات لليهود؟ا" "أبو بلطه" الذى كان يغلق كل حى به يهودا قبل الثمانية والأربعين بعصاه.. ولا يظل يهودى واحد يجرؤ على عبور الشارع .."أنا أبو بلطة الذى كان ينش مائة يهودى بالعصا فى حى "مونشيرم" اقدم الطلبات لليهود؟ا"..لكنه اضطر إلى مسايرة الأحوال التى تغيرت وقدم الطلبات لليهود بعد أن تخلى عن تزمته.. بسبب تحسن أحواله التدريجى..وارتفاع دخله بشكل لم يكن يتوقعه..لكنه يفاجأ بفرض ضريبة عليه أكثر مما كان يتوقع..ظن أن بالأمر خطأ لكنه وصله إشعار آخر..يؤكد ماجاء بالإشعار الأول..أيقن أن كل ما أكله بيضا سوف يخرجه فروجا ..وصدق قوةل "محمد الأزعر" الذى كان من شلة "المختار" التى تتردد على المقهى..وما قاله "الأستاذ سعيد" الذى كان ضمن شلة أخرى تتردد على المقهى للتسلية.. وكان "الشيخ بهلول" ممن يترددون عل المقهى أيضا ..حاول "المعلم أبو بلطه" أخذ رأيه فى مسألة الضريبة..لكنه لم يحصل منه على رأى محدد..ولم يجد أمامه غير أن يشارك فى الإضراب العام الذى كان يؤيده "الأستاذ سعيد"..قصة "مقهى الباشورة".
"فرج الهمشرى" من مقهى الباشورة أيضا .. مثله مثل "سلمان الهرش" لايعرف القراءة وقبضوا عليه بتهمة توزيع المنشورات ..لقد وقع فى ورطة عندما تبين له وجودها..راودته فكرة أن يبدأ بجمعها "ولكن أين أذهب بها؟.. هل أتركها؟..وإذا عثرت عليها الشرطة فسوف يسألوننى عمن وزعها..وأين كنت وهم يوزعونها ..يا أللهز.. ماهذه الورطة اللعينة"..لكنه أحس بقدوم الشرطة ..فكر ان يجمعها ويبدو أنه فعل ذلك ..ووجد أنه تساوى بمن يقومون بتوزيع المنشورات .. رغم أنه لم يفعل ذلك .. فقرر "إذا ما أتيح لى أن افلت من بين ايديهم فلن أتوانى لحظة عن توزيع المنشورات"..قصة "فرج الهمشرى"
بجانب هؤلاء الشخوص الذين يجمعهم التواجد فى القرية واللقاء فى "مقهى الباشورة"..ومعهم"الشيخ بهلول" الذى يتستر وراء المظهر الدينى ..ويتهرب من تحديد موقفه داخل الواقع الذ1ى يعيشه..ويبدو متواكلا موحيا ببشرى قدرية ..قدم "خليل السواحرى" مجموعة من الشخوص الأخرى.
"محمد محمود"الشاب الذى ذهب إلى القدس ليعمل.. فاعترته الدهشة من التغيير الذى حدث فيها..وخلال جولته اكتشف وجود بركه من الماء يسبح فيها مجموعة من الشباب والفتيات ..فأراد أن يبدى تفوقه عليهم فى السباحة.."هل البنات اليهوديات أشجع منى؟"..لكن فعلته جعلت الكل يضحك عليه..ونال بسببها علقة ساخنة عاد بعدها وهو يزمع ألا يخبر أحدا بما حدث له ..ويتعلل بأنه لم يجد عملا.. إلا أن ضحكات السابحين وصراخ الشرطى عليه.. ظلت تقرع سامعيه حتى بعد أن وصل إلى القرية ..قصة" فى الطريق إلى القدس".
"على العجار" شاب قبيح الخلقة .. تمنعه والدته من التطلع فى المرآة حتى لايكتشف التشويه الذى به.. لكنه قرر أن يرى وجهه فى المرآة ..واستطاع أخيرا الاختفاء عن عينى والدته .. وزوجها الذى كان يضربه بسبب وبدون سبب .. مما جعل أولاد الحارة يحذون حذوه ..ولكنه حين أمعن التحديق كاد يغمى عليه ..وفكر أن يطلب من زوج أمه الكف عن ضربه .. ثم قرر أن يمنعه من ممارسة هوايته بالقوة .." والله اليد التى ستمتد إلى بعد اليوم سأقطعها وارميها للكلاب "..ويتذكر مافعله زوج أمه به..ويرى " أن أمه نسيت فى غمرة انشغالها أن لها ابناقد سطا راشداعلى كل حقوقه وإرثه.. وحتى مجرد أمومتها له ..ويحاول ان يضرب زوج أمه وهو نائم معها ..إلا أنه يعجز عندما يراه يحتضنها..فصة" التحديق فى المرآة".
"أم أحمد" المرأة التى أثارت حولها الشبهات "الجميع يقولون أنها من بنات الحلال .وأن بعض الرجال يترددون عليها بعد العاشرة مساء "ذلك مايثير اهتمام جار جديد لها ويصر على مراقبتها..لكنه يكتشف فى النهاية أنها عكس ماكان يعتقد.. إذ يراها تشترك فى مظاهرات نسائية قامت بمسيرة إلى قبور الشهداء ..ثم يعلم انها لاقت حتفها أثناء تعرض جنود الاحتلال للمسيرة ..قصة" المتفرجون ".
"عزيز الهشلمون" الذين كان ينتقل من قرية إلى قرية ..حتى احترقت أصداغه من مواقد الأفران..ذات ليلة يمر عليه ثلاثة رجال لم يشعر أنهم غرباء ..وظن أنهم يقصدون "النبى صمويل" قدم لهم الشاى وأعطاهم الخبز وبدل لهم العملة الأردنية بعملة إسرائيلية ..وقالوا له قبل ان يتركوه "أنت رجل طيب.إذا سألك أحد عما حدث فلا تقل شيئا" .ولكنه فوجىء بحضور الشرطة واقتيد إلى السجن..قبل خمسة وعشرين عاما قضى ستة أشهر مسجونا بعد أن وقعت بينه وبين اثنين من اليهود طوشة دامية ..فى ذلك الوقت كان بلا زوجة وبلا أولاد..وعند خروجه هنأه الرجال على جدعنته.. ورقصت له نساء الحى..أما هذه المرة فله زوجة وأولاد ولو ظل محبوسا فسوف يطرده صاحب المخبز من عمله ..كان فى حيرة لغياب من وشى به عن ذهنه .. إذ كان من المستحيل أن يفعل الرجال الثلاثة ذلك.. وتحمل الضرب والإهانة دون أن يعترف برؤيته لهم حتى لايسجن ..وتتعرض زوجته وأولاده للطرد من البيت "سوف اتحمل.كلها يوم أو يومين وينتهى التعذيب وتتأكد الشرطة أننى برىء" .. لكن استمر تعرضه للضرب حتى فقد الأمل فى الخروج..ثم تبين له أن صاحب الفرن الذى كان يعمل به هو الذى وشى به.. فيبصق على الأرض عندما يتأكد من ذلك.. لكن "كل شىء من حوله تغير.. بدأت تغزوه البرودة والبهوت" واحس بألم التعذيب أكثر من وقت تعرضه له ..وحين أطبقت البرودة الصفراء جفنتيه لآخر مرة.. كانت وجوه الرجال الثلاثة الذين مروا عليه فى تلك الليلة تشرق باسسمة أمام عينيه"..قصة " الذين مروا من هنا".
بالنظر إلى مضامين هذه القصص.. يبدو أن "خليل السواحرى" انتقاها من نوعية يندر أن توجد فى تلك التى تتناول القضية الفلسطينية ..إذ درج الاعتياد على رسم ملامح ثابتة للإنسان الفلسطينى تبديه فى قالب محدود الإطار ..مقاتل دائما لاشىء يشغله غير هدف تحرير أرضه من قبضة الاحتلال الإسرائسلى ..وتلك صورا بليت من التكرار يختلف عنها الإنسان الفلسطينى الذى قدمه "خليل السواحرى" فى قصص "مقهى الباشورة" ذلك الإنسان الذى عاش ماقبل حرب 1967 وما بعدها .. فشاهد بعينيه كل ماحدث ويحدث فى ظل الاحتلال ..ومازل يعيش غريبا داخل وطنه فمن المحتم عليه أن يتمرد على ماهو مفروض عليه ..ويبحث عن طريق الخلاص منه ..قد يكون ذلك من السهل التفكير به بالنسبة للإنسان الذى يعرف أبعاد الوضع الناتج عن وجود الوطن فى قبضة الغاصب..لكن الإنسان البسيط الذىيعيش حياته بأية صورة تكون..والإنسان الذى يستطيع الأكل على كل الموائد ..جميعها لها وجود أيضا على خارطة الوطن المحتل ..ومن المستحيل تجاهلهما وإبعاددهما عن مسيرة المقاومة التى يتحتم أن يشارك فيها الجميع.
من ذلك المنطلق اهتم "خليل السواحرى" بالقضية الفلسطينية التى يشترك فى معالجتها ..وبدأ بالولوج إلى أحشاء المجتمع الذى عاشه ..وجمع منه شخوص قصصه ..ثم قدمها بطبيعتها الحقيقية..دون تغليفها بما هو خادع ويضلل عن ماهيتها الأصلية..بدا ذلك من خلال تركيزه على النماذج السلبية التى لها خطورتها على القضية ..وكذا على النماذج البسيطة التى فى حاجة ماسة إلى جرعات من الوعى.. تبدى لها مايجب عليها وهى تحت سيطرة العدو المحتل لتشارك فى التخلص منه.
قد يكون الأمل مفقودا بالنسبة للنماذج السلبية ..لكن النماذج البسيطة لديها الاستعداد التام على الانضمام لمسيرة المقاومة.. والتحول السريع من السلب إلى الإيجاب ..من الممكن أن يبدو ذلك عند تحديد رؤية شاملة لشخوص "مقهى الباشورة" .ولكن "خليل السواحرى" أبدى التحول الممكن للجميع ..عدا شخصية المختار الذى يمثل السلطة المحلية ..و"الشيخ بهلول" الذى يمثل الخلفية الدينية التى لها تاثيرها على المجتمع..وتجاوزا يضيف إليهما" "على الخباص" لعدم الإشارة إلى إمكان تحوله ..و"فؤاد افندى" صاحب الفرن ..فأبقى التلاحم بلا وجود بين افراد المجتمع الواحد..الذين يعيشون قضية واحدة يتعلق عليها مصيره...فحدد إدانتهم فى نوعيتهم وتوضيحا لإدانته هذه ما أبداه من إشارات تاريخية بدا منها تفرد "المختار" بواقعه الطبقى الذى يمثل الامتداد التقليدى للاحتفاظ بالمخترة طمعا فى امتيازاتها..بينما الخلفية التاريخية للآخرين ذات ماض لايخلو من المقاومة بصورة ما ..وبخلاف هؤلاء صور العجز اللا إرادى للإنسان الفلسطينى فى شخصية "على الجعار"فرمز به إلى حقيقة الحال كما هو الآن ..وأضاف بشخصية "أم احمد" رمزا آخر بمقاومتها وسط المتفرجين ..وأكد أن ثمة ابطال متروكين لايعرف أحد عنهم شيئا.. لأنهم يتخفون خلف صورة ما .
تلك هى نماذج الإنسان الفلسطينية قدمها "خليل السواحرى" فى صور لاتختلف عن الحقيقة فى شىء .. لكنها لها دلالتهاالتى أوجبت عرضها بمثل تلك الأشكال..وهو بذلك لم يخرج عن خط الأدب المقاوم ..فالمقاومة ليست فقط طلقة تخرج من فوهة بندقية ..فحمل السلاح وشهره فى وجه العدو ليس غير وسيلة من وسائلها ..القصد منها درء الأمان عن حياة الأفراد ..وثمة وسائل أخرى لها نفس أهميتها ..مثل العمل السياسى..وتثقيف المواطنين ..ونشر الوعى القومى بينهم..ويتحتم استخدام كل هذه الوسائل لأهميتها مجتمعة..وبها تصل مسيرة المقاومة إلى مايحقق أهدافها ..وذلك ماحاوله"خليل السواحرى" بموضوعية إلى حد ما ..بغض النظر عن التزامه بالتكثيف الزمنى الذى درجت عليه القصة القصيرة أخيرا..فليس ثمة مايمنع أن تكون القصة القصيرة بالشكل الذى يتوافق مع مضمونها..لأن التقنية المتعارف عليها ليست شيئا مقدسا لايمكن المساس به ..بل هى نتيجة اجتهادات متعددة انتهت فى النهاية إلى شبه تحديد تلخص فى التكثيف الزمنى للأحداث ..وتقديم الكاتب لرؤية الواقع الذىعاشه ..دون النظر لاختلاف الأراء.. لأحقية المبدع فى اختيار المسار الذى يرتئيه مناسبا لما يعرض له.


ممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممم
السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007