[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
سعد قصة قصيرة
التاريخ:  القراءات:(2381) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أمل الفاران  
ممهوداً في رمل مسحون له وجه مريض، يتذكر المكان من المرات القليلة التي دخله فيها، يعرف أن الحصى مغروس فوق الرؤوس التي استسلمت، وعيه والحصاة يهشمان باقي أمانيه، وينفلت لسانه: لعنة! المكان حار.. أشد حرارة مما توقعت، بطن الأرض أشد لظى من وجهها.. الملاعين أوصيتهم وصية وأهملوها! وصية وحيدة.. استصعبوها أو فاجأتهم بانتقالي فما أسعفهم الوقت؟! هي غلطتي كان يجب أن أنتبه أنهم لم يأخذوا كلامي بجدية.. هذا طبيعي.. لا شيء من أفكاري أو قراراتي تعاملوا معه بجدية، حتى حين جئتهم بخبر طلاقي حسبوني أمزح.

- إخخخرس!

صوت منخفض جاءه من جهة قدميه فأسكته، استجاب للأمر منتظراً مصدره ليفصح أكثر، وحين لم يضف الصوت كلمة تجرأ هو ليسأله: من أنت؟

انطلق صوت أخف وأعجل نبرة بجواره: لن يرد، لكن لمصلحتك لا تعانده، ثم معه حق يا أخي كلامك كثير.. هل هذه صفة دُفِنت معك أم نبتت لك هنا؟

لا يستطيع أن يلتفت ليراه، لكنه قدّر من صوته أنه أصغر من الأول، فكّر في السؤال؛ رغبة التشكي اجتاحتني مباشرة بعد أن غادرني قرع نعالهم، لكني لن أخبر الغريب بذلك.

عوضاً عن التفسير سأله: أي يوم هذا؟

- ليس الجمعة.

- ماهذا الجواب؟!

- هذا ما عندي، الجمعة اليوم الوحيد الذي نعرفه في هذه الجهة غصباً عنّا، لكننا سنفقد هذه المعرفة ذات جمعة، وقد أذكّرك.

المدفون حديثاً جرّب إعادة فتح حوار لائق، قال لنفسه: سأعطي هذا المخبول فرصة أخرى، تنحنح ثم نطق: اسمي سعد.

خلافاً للرد الذي انتظره قال الصوت الخفيف: ليكن، أتعرف كيف تتخيل؟ نستطيع أن نلعب لعبة مسلية.

- وجع! أعطيتك اسمي، أما علمك أهلك أن تعرّف بنفسك إذا قابلت شخصاً جديداً.

بنبرة مراهقة رد: ههههه .. أولاً أهلي بعيد، ثانياً الاسم الذي أعطوني إياه رددته لهم يوم وضعوني هنا.. ربما هم أخذوه معهم .. لا يهم، وثالثاً أنت لست جديداً.. أنت ميت!

الحقيقة الموجعة تكوي حين تصبح علنية، شعر بأن التصريح يميته من جديد، شيء منه ينزع بعد جملة اليقين البارد التي نفثها في صميمه محدثه، حسرة حامضة تحشرجت كموت مفاجئ في جوف سعد، ظن أنه يبكي حتى فهم أن ما يتذرذر من عينيه رمل، عاد صوت الآخر ينتشله: إن كان لابد أن تسميني فاسمي "جارك الذي عن يمينك" .. تلعب معي أو أكمل لوحدي؟

باستسلام باح سعد: طوال حياتي لم أطلب منهم شيئاً، وقبل أن أموت بسنوات ظللت ألح كلما خطر الموت في حديث بوصيتي، " لن أخرج من هذا البلد حياً فإن مت أخرجوني، أريد شاهدة قبر فيروزية، ادفنوني في أرض خضراء على مجرى ماء أو أمطارها صيفية، واغرسوا عند قبري كرمة عنب" .. ها أنا يا جاري في الرمل الحار ولا أحتاج لتخيل الحصاة المثلّمة فوقي.

- إن سألتني هي تشبه سناً وحيداً في فم عجوز، نخرها السوس حتى ملّ.

- يتم! الآن صار لها رائحة..

- تدعو علي باليتم؟ وأنا ميت؟! "That's too much" لكن تراسل الحواس عندك مبهر، ستكون رفيق لعب مؤنس.. اسمع وراءنا بصفين (إن جاز الوصف) فتاة مذبوحة، عنقها مفصول عن جسدها، ثم..

- كيف عرفت؟

- جارني فقط ولا تكثر الأسئلة، بعدما ذبحوها ..

- الله يلعن خيالك، ما يكفيك أنها ميتة؟! كان لابد أن تجعلها منحورة؟!

- الآن فهمت لماذا لم يتحمس أقاربك لتنفيذ وصيتك. لسانك يا أخي كارثة، يبعثر الفرص، ويجذب حواراتك جهة الألم، يعقد مقارنات دائمة.. والمقارنات توجع، وتعطي قناعة بأنك لن ترضى، آسف أن تحدثت معك.. Bye

لم يتحرك شيء، لم ينصفق باب، لم يشاهد ظلاً يبتعد، لكنه شعر بوحدة جافة لأول مرة هنا، يريد أن يتوسل للفتى المتخيل ليصل حبل الكلام، أراد أن يناديه، تذكر أنه لم يعطه اسمه، فرح بهذا العذر الذي سيحميه من عودة سريعة مذلّة لمن فضحه أمام نفسه.

تشاغل قدر ما يستطيع قبل أن ينادي القبر عن شماله: سلام! يا أخ .. يا أخت.. يا ابن الناس.. أنا جارك الجديد، أتسمح بكلمة؟

صمته المنتظر ارتطم بجدار كالبلادة، ثم تنفست الريبة في مسامه حين دوّت ضحكة كرصاصة، تحشرج تاليها كنحيب، بعدها غرق مرة أخرى في صمت دامس.

همس جاره الذي عن يمينه موضحاً: لن تطلع منه بحق ولا باطل.

اغتنم سعد مبادرة الجار فاستفهم: يضحك ويبكي دائماً؟!

- يعني، لكن مرات يغني، صوته عذب، عندما يغني نتسابق أنا ورفيقي الذي أمامي في تسمية أغانيه وإكمالها، المسلي في الموضوع أنه shuffling كمنسق مجنون، وذاكرته عظيمة ومرنة.. وواضح إنه يعشق صوت أصالة وطاهر الأحسائي.

امتناناً للتواصل الذي عاد قال: ما أهمك اسمي فما رأيك أن أحكي لك حكايتي؟

دون تفكير رد الشاب الذي له صوت مراهق: لا داعي، الاحتمالات التي سأصنعها ستكون أجمل؛ أوسع، ولو استوثقت أنك لاعب جيد ربما أقدم لك بعض السيناريوهات لتضع معي لمساتك عليها، نرجع للمذبوحة؟

تسفيه الجار لأسلوب سعد في التواصل جرحه، أمسك لسانه وهو على شفا تذمر، وعاد الجار يشجعه: أهلها ذبحوها لأنها عشقت أو أن ثمة إرث ما صبروا حتى تتعب وتتنازل عنه؟

ليعانده رفض سعد تخيل أسباب نحر البنت وسأله عن المغني: يبدو غير متزن.. ما الذي لعب بمخه؟

ببساطة أجاب: كان يعمل في شركة البترول، تعرف براميلهم الكبيرة التي تلمع في الشمس؟ كان عليه الإشراف على تعبئتها وتفريغها، لم تجتهد الشركة في احتياطات السلامةلا له ولا لغيره، هههه الكيماويات - مع الوقت- جعلت مخه مهلبية.

أراد أن يشفق عليه، لكنه لم يكن متأكداً إن كانت الحكاية حقيقة أو متخيلة.

عاد يُصرّح: أتدري توقعت أن الموت أصعب مما هو حقيقة.

- انتظر حتى تفقد باقي إحساسك ورغباتك ليصبح أسهل.

- لا أريد أن أتذمر لكن..

- من دون لكن يا أخي.. تعال أحكي لك حكاية ستعجبك، في الصف الذي أمامنا القبر الرابع بعد الجدار، كل جمعة بعد الصلاة يزوره رجل في أواسط عمره ويحكي، يعطي أمه كل تفاصيل حياة الأسرة، من تزوج ومن أنجب ومن مرض، ملخص الأسبوع كاملاً، ثم يبكي، مرات يخبرها عن مزرعته، ومرات يشتكي من إخوانه، مرة سبّ الحكومة، أنا يضايقني إلحاحه على أن يخبر المقبرة كلها أن هذا يوم الجمعة وأنه خرج من الصلاة إليها مباشرة.

- مسكين، ماذا تفعل أمه حين تسمعه؟

- هههههه أمه امرأة متحفظة جداً، أظنها تزوره في الحلم لتنهاه عن بعض الحكي، لكنه لن يفهم على كل حال، لولاه ما عرفنا غير اسمها، برزانة قالت يوم وصلت " أنا بنت فلان" وتوقعت أننا جميعاً نعرف أباها، لكن الصحيفة الناطقة ولدها يأتينا بالأخبار.. المضحك الآخر في حكايتها أنه بعد غيبة قصيرة عاد وغلط في موضعها .. هي وراءنا بثلاث صفوف، والقبر الذي يقف عليه فيه رضيع لم يفطم، في البداية هدهدته الحكايات وقللت بكاءه، لكنها كبّرته بشكل عجيب، نضج يا أخي وهو رضيع.. تخيل!

يحكي وسعد بعيد، جمرة صغيرة في ملتقى ضلوعه تتوقد ببطئ وبإصرار، انتظم أهله في خاطره ألبوم فيديوهات قصيرة جمعها منتج بارع: أخته تضاحكه، أمه تدعي له، أبوه يستند على كتفه لينهض، أخوه يقبّل رأسه بعد أن عاد من سفر، حتى طليقته جاءته في عطرها أيام عرسهما.

ناداه صوت جاره: أعرف هذا الصمت، إياك والاشتياق لأحد وراءك، لو اشتقت ستظل تموت بلا انتهاء.

بحسرة أقر: لكني اشتقت لأهلي.

- أنت متطرف يا أخي، هم ملاعين حين قابلتهم على لسانك أولاً .. والآن ستموت عليهم؟!

سكت المدفونان طويلاً، مرت جمعتان، شهد فيهما حكي الأربعيني لأمه، دموعه في قيظ الزيارة الثانية رشت قبر سعد، ووسط انشغال ستة صفوف بنقل رسائل الولد لأمه نادى جاره : هل أستطيع أن أتخيل شاهدة زرقاء على قبري؟

- لقد وُضِعتْ بالفعل.

- تلعب علي؟!

- أنت مت مقتولاً بلا شك، أشك أن أحداً غير أهلك تحمّلك.. رأسك اليابس ما أظنه نفعك هناك ولن ينفعك هنا، لا تقهم القوانين ولا تلتزم بها، يا أخي هذا عالم قانونه بسيط؛ ما تتخيله هو ما ستحصل عليه.

- تريدني أن أتخيل الشاهدة وأرتاح؟! طيب والرمضاء؟!

- الرمضاء في رأسك يا أخي، تخلص منها، والشاهدة موجودة، ألا تصدقني؟ تحتاج برهاناً؟

صمت قبل أن ينادي جارهما الذي يجب ألا يعانداه: الأخ هذا على قبره شاهدة زرقاء، أليس كذلك؟

انطلق الصوت بذات النبرة ونفاد الصبر: "كل تبن أنت وإياه"

أحس سعد وكأن جاره التفت إليه وهو يقول: أرأيت؟ موجودة.

سكتا، هبّت نسمة باردة، واخضرّت المسافة بين القبرين.

20أغسطس 2013

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007