[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الأطرم قصة قصيرة
التاريخ:  القراءات:(1844) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أمل الفاران  
أدرك كم هو صعب أن تصدقوني لكني سأحاول، أنا المواطن ع. ف. م، وثمة مشكلة لازمت سنوات عمري الثلاثين. اليوم فقط وصلت لجذرها؛ لساني تمَّ قطعه في حياة سابقة.

قناعة بلا براهين؟! حقاً ؟! فأنتم مثل أهلي وزملائي ستسخرون دون أن تسمعوا الحكاية؟!

يا سميع يا عليم لماذا خلقتهم من عجل؟!

إنني أكتب إفادتي الآن، لستم أمامي لتحبطني أجسادكم وهي تفضح أكثر منكم عدم رغبتكم في منحي فرصة إثبات ما أدّعي، لذا سأفترض أنها ظنوني لا خبرتي فيكم هي التي تجسّد أمامي عيونكم وهي تدور في محاجرها بحثاً عن حقيقة أخرى تحت ما أقول، وأن ظنوني لا معرفتي بكم هي التي تريني أصابعكم تفرك صيوان آذانكم، تنفض الكلام قبل أن يستقر في أصداغكم عبر الكهوف اللولبية، وأن ظنوني هي التي تريني شفاهكم يمطها قليل من أدب لا أدري كيف أفلح في مرافقتكم كي لا تقولوا لي أن أخرس، أو تتهموا عقيدتي.

موقفنا هذا غريب؛ فأنا وأنتم على حدّين لا نهائيين للمكتوب، لذا سأغتنم كرم الاحتمالات لأحكي أولاً بعض مظاهر مشكلتي: فأنا أصحو كل صباح بما يشبه خدراً مؤلماً في وسط لساني، وأحياناً بطعم دم في فمي، هي شكوى تأخرت لأبوح بها، فهي تلازمني من بواكير الذاكرة حتى كدت أعتبرها عرضاً صباحياً لولا ملاحظة صاعقة من أحد إخوتي.

أمي حين أفهمتها ما يوجعني شدت أذني، ثم أعلنت بثقة أنني ربما كنت بسبب لعبي العنيف مع عيال الحارة أعض لساني وأنا نائم: أنت الله يصلحك ترقد كل ليلة غاضباً.

أمي التي حدها من الشارع خطوتان من باب بيتنا لباب السيارة تظن أنها تعرف الشارع! هي لم تشاهد الوحوش الملتصقة بحيطان الجيران بانتظار خروجي لتعذبني، الكائنات التي لها ارتفاع قامتي ذاته لكن الله أوكل بها إبليس يغريها بامتحان صبري كل يوم، فإن قالت وقفتي الأبدية لأحدها "لئن بسطت يدك إلي لتقتلني ما أنا بباسط يدي" فإن ذلك (وهذه سنة كونية ) لن يزيد الصبي المؤذي إلا تمادياً.

أبي بعد سنوات أخذني لطبيب، بسط الرجل لساني بعصا آيسكريم لها نكهة شجرة السدر الغبراء قرب مدرستي، ثم أخذ قطعة شاش وشد بها لساني حتى وصل ذقني.

الطبيب بعربيته المكسرة سألني مما أشكو؟ فعل ذلك في اللحظة التي كان فيها لساني المنتهك يرتد ذليلاً لبيته الأليف في تجويف فمي، كنت مشغولاً بمسح لعابي الذي سال على خدي بطرف كمي، نهرني والدي: رد.. جاءك الطرم الآن؟

من بين كل ألقاب السوء التي نبزني بها إخوتي كان عليه تلك اللحظة أن يختار هذا، تذكرت كيف كانت حتى شقيقتي الوحيدة إن لاعبتها ومزاجها متكدر اشتكت لأمي بأن "طريمة" أغضبها، حتى البنت تدرك أن الشتيمة -إن تم تأنيثها - ملح في جرح حي.

بكيت؟! بالتأكيد بكيت، لو كنتم مكاني لفعلتم؛ كنت صبياً في الحادية عشرة وكان هذا أول مشوار أركب فيه مع أبي سيارته وحدنا، لندخل المركز الصحي الذي زرته حسب ما أذكر خمس مرات موجعة من قبل: أربع منها لتطعيمات والخاتمة لخلع سن لبني رفض أن يسقط وزاحم الدائم البديل، اضطره لئن يطل في فكي الأعلى كباب حجرة موارب، وحينها خلعوا الأصلي!

كل ما فهمته من موجز ما قاله أبي لأمي حين رجعنا أن الطبيب علق على أن "تغذية الولد سيئة"

أتذكر المنحى الغريب لذاك الحوار، لقد انصرف عني في ثوان، واليوم فقط أفهمه؛ فإشارة أبي لسوء التغذية فهمته أمي اتهاماً لزوجها بقلة إنفاقه على بيته، وهي تهمة يجب أن تدرأها كأي زوجة صالحة، قالت: والله إن الخير كثير، ما به قصور.. يا رب لك الحمد.

هز أبي رأسه وشد نفساً عميقاً، ثم استرخت يمينه على معدته واندس إبهامه في الفراغ بين آخر زرين في ثوبه، ساعتها تنبهت أمي أن ملاحظة أبي لها وجه مراوغ، بل ربما لم تكن نقلاً أميناً لما جرى في المركز، وربما اقتبسها ليتهمها بتقصير ليس في الوقت الآن متسع لإدراك حده. أخذ جسدها وضعيته المتأهبة متكئاً بثقله على رجلها اليمنى التي تقدمت خطوة للأمام، قالت: يا وجه الله! ولدك ما عليه قلة أكل، جاراتي الواحدة منهن تتبعها بدل الخادمة اثنتين وأنا لحالي بين خمسة عيال، وأنا أحسن من يطبخ في الحي، ولدك ذا ما أصابه إلا ما جاء أعمامه، ذا عِرقكم الله..

الآن دعوا عنكم تتمة دعاء أمي الذي بلعت آخره حين لفحها غضب أبي؛ تتمته معروفة، كانت ستدعو - كما تدعو في غيابه بصوت خافت - أن يقطع الله دابرهم(أهل أبي) لكن هل انتبهتم أن كلاهما تبرأ مني بكلمة؛ أمي قالت ولدك لتنسبني بعيبي له لا لها؟! أنا الذي تشكلت في بطنها، أنا الذي لو كان من شك في نسبي فسيلحق الشك أبي لا هي التي شهد ذات المركز الصحي صياحها وهي تطردني أول مرة من أحشائها!

لا بأس! فلنواصل، أنتبهتم بلا شك أن أبي سماني"الولد"؟! جزّ صِلاتي من الجهتين، هذه العلة بلساني لا يد للاثنين فيها كما يبدو، وهذا أحرجني ساعتها لكني أتفق معهما اليوم فيه إلى حد كبير.

بعد أربع سنوات، وفي أواخر المرحلة المتوسطة افتتح فصل صعوبات تعلم ملحقاً بمدرستي الابتدائية سابقاً، عرفت أمي ذلك من شقيقي الأصغر وجربت أن تلمح لأبي بأن يأخذني للرجل الذي يفهم من مشاكل العيال أكثر من غيره من المعلمين ليحل مشكلة لساني، وبعد مشادة قصيرة نامت معطية إياه ظهرها، بالطبع لم أرها ! يالتفكيركم المنحرف، أنا سمعتها بعد يومين تقوله لرفيقة لها وتهمس بأنها اتصلت بالمدرسة دون أن تفصح عن هويتها وطلبت المدرس، وشرحت للرفيقة كم كان مرهقاً إقناع المدير بأن يستدعي المعلم دون أن يشفي فضوله من المكالمة. أمّنت الأخرى على كلام أمي بضحكة أستطيع اليوم مرتاحاً بأن أصف فرقعتها بأنها داعرة، وقالت كلمتين في حق المدير جعلته يتقزم في ذاكرتي، علّقت بعدها بما معناه بأن المسكين محروم، وأن الصوت الأنثوي هبط برداً وسلاماً على قلبه الظامئ في يوم قائظ، فكيف يفلته بسهولة؟!

قالت أمي أن الأستاذ شرح لها مطولاً اختصاصه، ثم نصحها إن استمر قلقها بأن تبحث عن اختصاصي نطق ليجد سبب مشكلتي.

كانت لقطة فنية جديرة بالتخليد لو وافاها بعض الحظ؛ امرأتان أربعينيتان متقابلتان يد كل منهما على فمها تصمت ثرثراته لتفتش عن درب لهذا الاختصاصي المبتغى ومحل إقامته. بعد خمس دقائق خاوية ضربت الأخرى فخذ أمي: "ما به إلا في الرياض"

كانت الرياض في عين أمي وصاحبتها أم الدنيا؛ فلا علة تعجز الرياض عن مداواتها.

آه نسيت أن أقول لكم أني بعدها بسنوات زرت الرياض، الأخصائي الذي حلمت أمي بلمسته الشافية أخذتني له في المرحلة الثانوية، شقيقي الذي"لسانه أطول منه" كما تردد هي ويشكو أبي حمل ملفه متجهاً لجامعة سعود، شجعته أمي بسرد حلم فسرته بأن العاصمة ستعطي بكرها تعليماً ووظيفة أحسن دخلاً، ورشاه أبي بسيارة جديدة.

حين ذهب لينسخ شهادته وبطاقة هويته نسخاً احتياطية عديدة بكت أمي، فكنس أبي صورة شقيقي بيده: يرووووح، هناك يندرج في سلك الرجال، فإن زل لسانه دقوا فكه(وأكد الصورة بقبضته المطبقة يهزها قرب فم أمي ، هي رددت بعد دمعتين بيت شعر يتنبأ بأن الليالي وحدها قادرة على تنبيه الغافل.

في السيارة الجديدة ركبنا نحن الثلاثة متجهين للرياض، وفي العيادة تولت أمي بسط المعضلة بحسب ما تراه، وهكذا كنت على موعد مع عصا الأيسكريم ذاتها، لكنها هذه المرة عبثت في فمي فترة أطول، كان اغتصاباً كاملاً لي بحضور أمي وأمام مرآة تضاعف عيوننا الست، والأخصائي يداري لذته بتعليمات أبوية منافقة.

إمعاناً في إحراجي فقد لساني تحت الفحص لا أبجديته فقط بل حتى استيعابه للأوامر، كان أخرقاً يتدلى على شفتي السفلى إن طلب الإخصاصي أن أركنه في قعر فمي، ويربض محله ككلب باسط ذراعيه بالوصيد إن طلب مني أن أحركه يميناً وشمالاً، بعد أن غسل الرجل يديه أخفاهما في جيوب بنطلونه الجينز، نظر في ساعة الحائط ولا إرادياً وجدتني وأمي ننظر بذات الاتجاه، كانت هي قد دفعت مقدماً أجر ساعة معه ولم يكن قد مضى أكثر من نصفها، كان هذا مأزقه الأخلاقي لهذا اليوم، بإظفر أصفر من التدخين حكّ الرجل مؤخرة عنقه، ثم قرر أنه سيختبر مخارج الحروف معي صوتاً صوتاً؛ وتفلسف قليلاً في بيان الفرق بين الحرف والصوت فارداً صدره وقدمه اليسرى منفرجة قليلاً ليغمر قطاعها الزاوي ظل أمي، واجتاحني كره مفاجئ له وعيني تحرق منفرجه ترصداً لأي حركة تشي ببوادر انتصاب، تخيلت نفسي أهديه لكمة "ميلسيا مكارثي" في فيلم "آيدنتتي ثيف"

لن يشل الألم فكه ولسانه بل سيسحق قصبته الهوائية تماماً، ساعتها لن يستطيع النطق، وسيكف عن اشتهاء جسد والدتي تحت نظري.

كان يملي عليّ الأصوات وأسمعها وأنا أكررها "مُسلّمةً لاشية فيها" حين وصلنا "لا" كانت أوردة عنقه قد تورمت قليلاً، وقطرات العرق على جبينه تهددني بان تسقط على ثيابي في أي لحظة، انطبقت شفتاي بعنف، كرر هو الصوت"لا..لا" وأمي تمسد كتفي وأحس بدفء أصابعها رغم قفازاتها السود، وانتبه أني لم أنطق الكلمة مرة في ما أذكر من حياتي.

بعد أن ملّ الرجل محاولاته زفر راشقاً الساعة بنظرة أخرى. انتبه أن ربع الزمن ينتظره ليملأه بما لا يخيب آمال الملتفة بالسواد قلقة الإيماءات خلفي.

كتب لي تمارين لعضلة اللسان، وتمارين تنفسية، ووعدني دون أن أطلب عهده بأني إن التزمت بها ستخفي حبسة لساني متى فرضت حضورها.

على درجات عتبات العيادة المتربة هبت موجة الغبار الاعتيادية، ورغمها انطلق لسان أمي بدعوات لي وللدكتور، كانت طرحتها تنقي الهواء قليلاً قبل أن يدخل مجرى تنفسها أما أنا فكنت أتنفس تراباً لا شبهة فيه، لففت غترتي حول وجهي، كان ينقصها كثير من الزرقة لتكون لثام طارقيّ اختارت صحراؤه الغربية اعتبار صمته حكمة، لا عيباً يجرجر بسببه في المشافي.

ما علينا! الرجل الذي تدعو له أمي لم يعالج الخدر الذي أصحو به كل صباح ولا الألم في منتصف الكتلة اللحمية الرابضة في فمي. غني عن القول أني دفنت هذا الاختصاصي مع آخرين في واحدة من حجرات ذاكرتي الموصدة، ولم ير النور إلا هذه اللحظة كشخصية مساندة في حبكة حكاية لساني.

أمس في العمل اقتحم السكرتير مكاتبنا معلناً أن اجتماعاً طارئاً سيعقده المدير بعد صلاة الظهر، زميلي في الحجرة المتقشفة غمز لي: أتعرف سبب الاجتماع؟ ثم ضحك وأنا أهز رأسي ببطء علامة نفي ولا مبالاة، قفز من محله وقعد على حافة مكتبي الذي يغريه كما يبدو بالثرثرة، قال: مديرنا فاحت رائحته.. زلاته كثُرت.. ستأتي لجنة للتحقيق بعد ثلاثة أيام، لذا عليه أن يلملم ما يمكن قبل أن يُقبض عليه بالجرم المشهود.

أنا الذي أكره هذه النمائم التي لا طائل منها فرحت، ربما بانت فرحتي في وجهي فكبتها زميلي: ما يقهرني حقيقةً هو أني أعرف أن اللجنة التي ستحقق معه أشد فساداً منه وستأتي لا لتحاسبه على فساده بل على إهماله في جعل هذا الفساد مكشوفاً تتناوله الألسن، بالنسبة لهم هذه هي الخطيئة التي لا تغتفر، لكنهم لن ينكّلوا به إلا قليلاً.

هذا التنكيل القليل وزنته سبابة زميلي وإبهامه وقرّبته تحت ناظري حتى اضطررت للتراجع للخلف. التصقت بالجدار وانفرشت تشخيصة الكوبرا التي أحافظ عليها من مراهقتي، فبدت غترتي كجناحي طائر اصطدم بعنف بزجاج نافذة شفاف لم ينتبه في تحليقه الغافل له.

شماتة زميلي بالمدير أو يقينه بعبثية الوضع عموماً أو ردة فعلي (لست واثقاً أيها السبب) زادت مزاجه إشراقاً فقهقه، ثم اندفع يتخيل اجتماعنا البائس وما سيقال فيه، بوقاحته المعهودة قلّد مديرنا مفتتحاً الاجتماع بالحث على تقوى الله، ثم أثنى على النائب الذي له ميزة يتيمة تجبُّ كل عيوبه هي ولاؤه لسيده، وبدأ صاحبي كالمدير يوزع مهام يومين عصيبين على موظفيه.

قبل أن يكتمل شبح ابتسامة على وجهي التفت لي، عرفت أنه سيقلّدني حين انفرد جناحا شماغه حول رأسه، وضم ساقيه ثم دس كفيه في حجره، التصق بزاوية المقعد اليسرى كجنين ووأمال رأسه يميناً وسهم بصره.

بعد الصلاة توجهنا لقاعة الاجتماعات، شعرت بالخدر الصباحي في لساني، عدّلت جلستي عدة مرات، نظرة المدير اللزجة اندلقت علي في وقتها المعتاد، قال بصوته البارد: وأنت عليك أن... ثم سرد مهمتي الجديدة، كانت في القسم المتهم، والذي سيوضع على مشرحة التحقيقات، وهذا تفصيل لابد منه لتتفهموا ما سيحصل لاحقاً.

تلك اللحظة ملّ زميل من المشهد المكرر فعبث بالستارة، رمح الشمس من النافذة المقابلة طعنني في حلقي، مثل غريب كامو"ميرسو" شوشني الضو. وجدتني بعد أن انتقل المدير لنقطة أخرى أقف وأصرخ: لا! لا لعنة، لا.

لم أنتبه للجلطة التي كادت تصيبه، ولا لانتفاضة نائبه الذي لو طالتني يده لمزّقني، ولا للضحكات المكتومة التي سرت عدواها بين الزملاء، ولا ليد رفيقي التي تخبط براحتيها صدري الملتهب لتخرجني، كل هذا سيقال لي في اليوم التالي، وحين أروي الحكاية بعد سنوات ربما أدمجه فيها باعتباره ملاحظاتي الشخصية من الواقعة، لن يكون ذلك بدافع الكذب بل لأن نشوتي وأنا أستعيد الموقف مراراً مع نفسي لن تكتمل إلا بهذه اللقطات التي سأتخيلها في البداية ثم سأصدقها.

كل ما شعرت به هو ألم في عيني من الضوء الذي ضغط على قرنيتيّ، ومهما ضاق بؤبؤاي ظلا يمتصانه ليضرب أوتار أعصابي في قاع جمجمتي.

الكهرباء التي نشطت في دماغي تلك اللحظة أوجدت سببين للغضب: هذا اللعين الفاسد يختار أن يحملني أثقل الأسفار لأني لا أنطق، ويستنتج هو أني لا أفهم، وهو مع تقصّده هذا لا يكلف نفسه حتى تذكّر اسمي.

حمى "راسكولينكوف" التي مهدتني البارحة لم يكن فيها أي شائبة أخلاقية، ولم تجلدني بهلاوس تذكر جريمتي في القاعة ولا عقابها، الصورة التي بدأت بصداع قبل أن تنجلي بوضوح كانت مختلفة، كانت لأيدي بيضاء وأجساد مهولة ورطانة لم أسمعها من قبل، على أرضية حجرية رطبة وباردة تكتفني الأيدي، ثوبي الرمادي الذي لا يشبه لباسهم الموحد مبلول، له فتحة جيب واسعة وبلا أزرار، وقماشه الخشن نتن الرائحة، أحد القابضين علي يشد فكي تلقاء وجهه ويضغط بأصابعه عليه ليفتح فمي، يغتنم آخر الفرصة فيدخل يده ويقبض على لساني ويشده.

في لحظة اجتاحني ألم كصعقة برق، بسكين عريض بتروا لساني، الدم في فمي يغرقني، لا أستطيع بلعه ولا التنفس، والقطعة الباقية منه ترتعش مصطكة بأضراسي برعب باحثة عن بقيتها.

لكم الآن ألا تصدقوني، لكن خدر لساني هذا الصباح خفّ، ليت المرحومة تدري.

لن أشمتكم بي وأقول إن العمل اليوم جحيم مقنن يصبه رجلان على رأسي حتى أقرر بنفسي تركه، فقط سأقول أن عيون زملائي لم تقدر على أن تقع على وجهي بعدم الاكتراث المعهود، أما المدير فقد انزاحت مشاعره انزياحاً منطقياً من الاشمئزاز إلى الكراهية.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007