[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
محمد الراوى فى عبر الليل نحو النهار السيد الهبي دراسة
التاريخ:الثلاثاء 17 يونيو 2014  القراءات:(526) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  
محمد الراوى فى عبر الليل نحو النهار

السيد الهبيان

تحت سقف الحرب يستحيل الإحساس بالأمان إلى عدم..مثله كمثل الحياة التى تكون ..لافرق..قد يتلمسه الإنسان بالولوج إلى داخل الشقوق ..أو تحت الأدوار اأرضية للبيوت..لكن نذير اأصوات الدالة على الانفجارات التى تتالى بعشوائية فى كل مكان..ودونما تحديد تفقده كلأ أمل فيه.

فأثناء الاشتباكات تهطل القذائف كالمطر ..وبكاثافة تغطى المكان المستهدف ..تخترق أحيانا سطح الأرض وتنفجر داخل المخابىء والبدرومات ..فتصيب من يحتمون فيها وفى لحظات التوقف التى يشوبها صمت قلق متوتر ..قد تكون ثمة حركة تكون قليلة جدا إلى حد ما ..تفرضها الضرورة الملحة ..تبدو وسط أطلال البيوت الخربة كنقط متحركة ..لكنها رغم أنها تشير إلى وجود حياة فيها مازالت تدب على وجه الأرض..إلا أنها تشى بالفناء المرتقب.

هكذا تكون الحياة فى أية مدينة أو قرية يداهمها كابوس الحرب..والتى عرض لها الكاتب السويسى "محمد الراوى" من خلال روايته "عبر الليل نحو النهار" التى كتبها من واقع الحياة المأساوية ..التى عاشتها مدينة "السويس" المصرية ..ونسج أحداثها المقبضة بمآسيها المتتابعة دوما طوال تعرض المدينة لقذائف العدو الإسرائيلى التى كانت تنهال عليها ..خلال الفترة التى سبقت حرب رمضان"اكتوبر.تشرين اللأول"عام 1973وخلالها..وذلك دون أن يبدى أية إشارات إلى المدينة وإلى زمن الحرب..تحدد مسرح شخوص روايته..ليس عفوا او سهوا..وإنما عن عمد قاصدا تعميم الحال فى الحروب ..وفى أى مكان تكون.

من ثم بدا"محمد الراوى" وهو ينسج مآسيه الإنسانية لكل من يتحتم عليه البقاء بصورة ما ..طواعية أو اختيارا..داخل أية مدينة يستهدفها العدو بقذائفه المدمرة..إذ يتهدده دوما سقوط القذائف وانفجارها فى المكان الذى يكون فيه..وعرض لما يعانيه ذلك الإنسان الذى طالته الحرب..ويعيش لحظات قد تكون الأخيرة من عمره..معتمدا فى ذلك على مجموعة شخصيات محدودة إلى حد ما..انتقاهاها من بقيا مجتمع فرقه جحيم الحرب ..وأسند لها مهمة إلقاء الضوء على واقع المآسى ..المشوب دومتا بشبح الفناء الذى قد يطاله.

إذ تعرض رواية "عبر الليل نحو النهار"لقضية من قضايا الإنسانية ..وهى حياة الإنسان حال الحرب ..ومن خلال معاناته أبدى الكاتب تلك الحياة التى تكون.. ومن ثم يتحتم تناولها على ضوء ماتبديه أحداثها المأساوية من خلال عرض عام للحياة فى ظلها ..يجمع بين الأحداث ومن يعايشها..للوصول إلة ماهية مضمونها..وذلك ليس بالشىء الصعب .. ومن الممكن إيجازه فى يسر ..من خلال ذلك الإنسان الذى ابتعد عن المدينة لفترة طويلة أثناء الحرب ..ثم عاد وعاش مثلما كان حياة الحرب..إلى أن تخلصت المدينة من سيطرة العدو بنيرانه عليها ..بيد أن ذلك يجعلها لاتختلف كثيرا عن غيرها من قصص الحرب..ويضيع حينئذ جهد الكاتب ومعاناته فى محاولة تقديم واقع الحرب برؤية تجسد بشاعتها.

لذا وتجاوزا عن ذلك الإيجاز .. بدامن الأفضل تناولها من خلال منظورين..عام وخاص..العام هو ماتعيشه المدينة وما تتعرض له قبل وأثناء وبعد القزف خلال الحرب..ومعاناة الخطر الذى يتهدد أغلب أهلها ومبانيها..والخاص ذلك الإحساس الفردى لإنسان لحظة مداهمة الموت له..وموات فرص النجاة إلى حد الاستسلام للنهاية المتوقعة..لكننا بحال لن نجد ثمة انفصال بين العام والخاص..بحيث يمكن يمكن تناول كل منهما علة حدة ..لارتباطهما بمزج أبدى الرؤية العامة من خلال الرؤية الخاصة ..مما أحدث تداخلا أدى فى النهاية إلى نسج محكم جسد الحياة المأساوية المعاشة خلال الحرب..بصورة ابدتها على حقيقتها البشعة.

وفى محاولة لتقريب ماعرض له "محمد الراوى" إلى ذهن القارىء ..كى يشعر إلى حد ما بالواقع المقبض..تراءى أن من الأفضل تصوير الجو العام كما بدا من خلال راوى القصة أولا..وبتتابع لما يحدث أثناء الاشتباكات وخلاله إلى أن ينتهى.

عادة يأتى التحذير من خلال صفارات الإنذار..فكلما انطلقت الصفارة من جوف الصمت.."يتردد صوتها بقوة فى أرجاء المدينة الصامتة..الخاوية..يتردد الصدى فى أعماق الشوارع الخلفية..والحوارى الضيقة ..يتحرك الناس كما تتحرك الأشباح..فى صمت وبسرعة..وبعد برهة قصيرة يكون كل واحد منهم متخذا أهبته واقفا أمام مبناه..مستعدا أن يدلف إلى جوفه عند سماعه لأول طلقة ..مسرعا بجوار الجدران ..يريد أن يصل إلى هدفه ..قبل أن يحدث الاشتباك ..متطلعا إلى السماء ..نحو الشرق..يرهف سمعه..وعند سماعه للطلقة الأولى يضع يده فوق جيوبه ويركض..تدوى الصفارة فتشد جهازه العصبى ..يتوتر..تشتبك المدافع أولا تشتبك..لاترخ أعصابك إلا بعد صفارة الأمان "ص16 ".

أما إذا حدث الاشتباك بصورة مفاجئة.."فإن الأرض تهتز ..ترتعش تحت قدميك..أصوات الانفجارات تخترق أذنيك..وأنت لاتدرى ماذا تفعل..أتركض كما يفعل الآخرون..أم تنكمش بجوار الجدران ..وتدخل من أحد الأبواب التى تمر بها ..كان صمت مخادع ..والانفجار المفاجىء يضغط على جسدك..يكسر ضلوعك..يهرس لحمك وعظامك..يتصاعد الغبار فوق البيوت فتراه..وتضم رائحته الثقيلة ..رائحة الغبار والبارود تضغط على أنفاسك..فتريد أن تجلس أو تضع يديك فوق وجهك حتى تمنعها من الدخول الى رئتيك.الرائحة القذرة ..لكنك ستختنق ..وما عليك إلا أن تخطو إلى الوراء والدخول فى ذلك المخبأ."ص7"

هكذا يكون الحال ..الحيرة دوما حول طرق النجاة من الدمار المرتقب لأى شىء..سواء حاق به الدمار من قبل ..أو لايزال لم يطاله بعد..وقد يستحيل الدمار في أية لحظة إلى المكان الذى انتشر الدمار قيه..من ثم تبقى الحيرة حول اختيار الأماكن الآمنة بلا مخرج منها ..ويظل الأمان صعب المنال..فالجمود بوضع ما قد يؤخر الحياة وتكون النهاية.

وأيا كان الأمر فالإحساس بالخوف والقلق في لحظات الخطر ..يشعل الكل ..لكن يندمج في محاولة للوصول إلى المأمن دونما اهتمام لما يحدث"أركض معهم إلى المخبأ . يدفعونى من الخلف بأيديهم وبأجسادهم .فأدفع أنا الذى أمامى ..تتخبط سيقاننا ببعضها أمام المخبأ يسقط أحدنا على الآخر.يسيرون فوقه ..يتدحرج فوقه الجميع وينسد باب المخبأ ويغطينا التراب."ص40".

لكن ليس الوقوع داخل المخبأ هو بداية الإحساس بالأمان..وإنما يتزايد الإحساس بالخطر ..إذ تصبح فرص البقاء وقفا على انتهاء الاشتباك دونما إصابات ..لأن "عند لحظات الانفجار يتوهج الضوء..تتقلص عضلات ذراعى وظهرى ..تتقلص عضلات البطن..أشعر بالدماء وهى تضرب عظام رأسى من تحت الشعر..تضرب عظام الجمجمة..شعرى يقف ..انطفأ الضوء ..يصيب الإعياء الجهاز الهضمى ..فيكف في وقت ما خلال القصف عن العمل". فلا يتقلص أو يتوتر ولا يرتخى..إنما يكف عن أداء وظيفته..فى تلك اللحظات أشعر بالنعاس ..تثقل الجفون..يرتخى الرأس فلا تعود القذائف والانفجارات تهزنى..إنما هى رعدة بسيطة ثم لاشىء بعدها..ولا تعود العينان تهتمان بأن تغمضا بعد كل انفجار..انما هى مرتخية سادرة في نصف نعاس..وأكون كالمخدر الذى يدرك كل شىء..لكنه لايملك رد الفعل."ص 16".

يظل ذلك الحال إلى أن ينتهى الاشتباك..." وإذا ما هدأ القصف نقوم واحدنا وراء الآخرإلى دورات المياه..ينطلق البول بغزارة..سائل اصفر في البداية ثم عاد أبيض..لاتظنه بولا..أبدا تتحلل أجسامنا وأحشاؤنا من الداخل إلى ماء يتدفق إلى الخارج وتمتلىء دورات المياه بالماء والرائحة النافذة التى تختلط برائحة البارود التى تخنقها.. ورائحة السجائر ودخانها الذى يعبق الحجرة ..يعجز بعضنا عن السيطرة على نفسه أثناء البول..فلا يستطيع أن يصوب بوله نحو الفتحة المخصصة لذلك..إنما يندفع الماء متدفقا على الأرض..وفى الفتحة أحيانا ..والظلمة السائدة لاتجعلنا نحدد المكان بالضبط"ص 25"

وإذا مانتهى الاشتياك تبدأ المدينة إلى ماكنت عليه قبله..لكن ثمة "صمت ثقيل كثيف..ذلك الذى يعقب قصف المدينة..وعلى مدى ساعات طويلة تتحرك الحياة ببطء في الشوارع .وداخل البيوت..وتستعيد الطيور القليل من أصواتها..مترددة في بادىء الأمر..ثم منطلقة متنقلة من مكان لآخر..تظل المخابىء محتفظة بسخونة الأنفاس ..وبرائحة البارود والناس..بينما تزداد الحركة قى المستشفيات وتفريغ زجاجات الدم."ص31"

وإذا ماكان مايواجه الإنسان عادة أثناء الاشتباكات المتوقعة والمفاجئة في آن واحد..يحتم عليه تأمين سلامته بطريقة ما..فالبيوت القائمة في أماكنها والثابتة بطبيعتها..تبقى عرضة لأية إصابات توجه إليها ..والتى تحيلها إلى انقاض.. قد تسقط فوق من يتواجد بداخلها فيدفن تحتها.

" اخترقت القذيفة أسفل جدار المبنى الكبير طرف الميدان..نفدت إلى الحجرات الداخلية وانفجرت فيها..ألقت بنوافذ الدور الأرضى في الشارع..حفرت جدران الحجرة..سقط بعضها....كاشفة عن الحجرات الداخلية الأخرى ودورات المياه.. وقد تقطعت أسلاك الكهرباء ومواسير المياه..أحدثت القذيفة حفرة امتلأت بالماء..."ص8"..ويتمخض عن إصابة المبنى على هذا النحو بقذيفة استهدفته أصلا..أو أصابته بعشوائية كما يحدث عادة..أن انتشرت قطع الحجارة والأخشاب والحديد..أجزاء من الأدوات المنزلية ..أكواب زجاجية محطمة..أوعية أولمنيوم..بقايا مقاعد..مرايا مكسورة..أوراق قديمة يعبث بها الهواء..أحذية بالية منتفخة"..وغير ذلك من الأغراض التى تكون فيه.

ذلك مايحدث بصفة عامة للمقيمين داخل المدينة..ومبانيها..ويستمر بطول فترة الحرب..سواء طالت أم قصرت ..فيشكل في مجموعه مأساة عامة..عرض لها"محمد الراوى" من خلال منظور عام..وأبداه من منطلق رؤية خاصة..فاستطاع أن يعمق الإحساس به..ثم عرض لجزئية من المأساة العامة.. في شكل مأساة فردية لأحد شخوص قصته..بداية من بحث صديق له ــ هو الراوى للقصة ــ عنه.. بعد أن عاد من إجازة طويلة ابتعد فيها عن المدينة التى تعانى من ويلات الحرب.

لم يكن صديق راوى القصة معه حينما تعرضت المدينة للقصف آخر مرة قبل أن يغادرها..فسأل عليه بعد انتهاء القصف..لكنه لم يستطع أن يعرف أين كان أثناء القصف..فذهب إلى بيته ووجده قد اصيب في منتصقه وتناثرت أمامه الحجارة ..وعرف أن سكان البيت غادروا المدينة ولم يكن بالبيت سواه..أسرع بالذهاب إلى المستشفى ليبحث عنه بين المصابين.. وجد ثمة من ذهبوا مثله يبحثون عن من افتقدوهم.."وكانت الجثث مطروحة على الأرض بجوار الحائط غارقة في دمائها التى مازالت دافئة على ملابسهم..مشوهة ناقصة ..ضائعة الملامح..كريهة الرائحة ..فقد كان الجو حارا ..كان بعضهم يحرك فوقها سعف النخل حتى يطرد الذباب الذى تجمع فوق الجثة التى يبحث عنها..يحملونها إلى المشرحة تمهيدا لدفنها"..ثم عاد دون أن يعثر عليه"بين الجثث ولا بين المصابين التى اختفت أجسادهم ووجوههم خلف الأربطة البيضاء الملوثة بالدماء.. يتأوهون"..لكنه لم يتوقف عن التساؤل عن مكانه وقت القصف..وبعد أن يئس من معرفة ذلك المكان كف عن البحث عنه.. وسافر "عن المدينة في إجازة طويلة ..وقد اختلطت صورته بأوضاع الجثث المطروحة على أرضية المستشفى ..والجرحى الذين اختفت وجوههم خلف أقنعة من الأربطة والشاش الأبيض..فلم ير" سوى عيونهم الواسعة مليئة بالألم..بالصمت والفزع"..فظن أنه ربما كان بينهم ولم ينتبه إليه.. غير أنه تذكر فجأة بعد عودته من إجازته إلى المدينة.. وخطر له أن يبحث عنه في بيته..فذهب يخالجه إحساس بانه سوف يعثر عليه بين الأنقاض.

لم يكن ثمة اختلاف بين بيت صديقه والبيوت الأخرى التى أصابها القذف.."عند الباب الحديدى المغلق..فى المدخل الممتد حتى سلالم البيت تراءت أكوام العظام تملأ المدخل..تتكوم الأحجار والأشياء بعضها فوق بعض..تخفى درجات السلم..ظهرت بهض درجات السلالم العلوية بعد أن سقطت وارتمت في الدور الأرضى عند المدخل..قاطعة الاتصال بين الأدوار السفلية والعلوية..بقيت حجراتها بأكملها سليمة..فى الأدوار العلوية بكل محتوياتها مغلقة على نفسها.. برائحتها الثقيلة القديمة المحبوسة..بسقوفها وأرضيتها المائلة ..وقد اتسعت الفجوات بين الزوايا للجدران القائمة..واتسعت الثغرات بين العروق والألواح الخشبية ..نصبت العناكب خيوطها في الأرطان والزوايا.. في فجوات الحديد والحفر"..بينما "كل المحتويات داخل المبنى تشبعت بالتراب والغبار الذى تعلق بها..برائحة البارود والدخان..فتحولت الخيوط إلى نسيج رمادى من الخيوط العنكبوتية والحشرات الصغيرة الميتة.

رغم تحذيره من احتمال سقوط بقايا البيت المنهار فوقه..تخطى كل الأنقاض الموجودة في طريقه..حتى وصل إلى حجرة صديقه التى كثيرا ماتردد عليها..بدت له صورة مصغرة من الخراب الذى شمل البيوت ..تفحص الأشياء الموجودة بها وهو يبحث عنه..بدا له كبقايا أطلال قديمة لم تمس منذ زمن بعيد..وهو صديقه أصبح جثة قديمة ..حتى صدره فوق حافة السرير .تدلى بقية جسده على الأرض ..لامست ركبتاه وساقاه أرضية الحجرة..جثة مهترئة تآكل لحمها فالتصقت بالبيجامة ..باللحم القديم المتعفن وقد تحولت رائحة العفن إلى رائحة ثقيلة رائحة شىء مخزون ..والدم المتخثر المتجمد على الجسد والفراش وفوق الأرض ..والسائل الأصفر المنثال من الجثة بعد تحللها تشبعت به سترة البيجامة ..قكون طبقة جافة عليه ..وفقد الوجه ليونته وملامحه.

لم يعرفه من وجهه الذى كان يألفه..رغم كل الأشياء الخاصة به التى كان يعرفها ووجدها بالحجرة..لأنه لم يبق من الرأس سوى الجمجمة والمنافذ والعينين والأنف والفم..لاحت عظام الأصابع مغروسة في حشية السرير مقوسة مغروسة بقوة..معتصرة القطن القديم داخل الحشية..ومن الظهر بدت فتحة ثقب واسع من سترة البيجامة ..ممتد للداخل ..كاشفا عن جوف الهيكل الملقى فوق السرير ..بدت جافة ..الثقب الداخلية السوداء قاتمة.. فتحة يحيطها دم قديم ناشف..للفتحة زوائد وأطراف جلدية وعظمية ممتدة للخارج مع أطراف السترة الممزقة.. برزت مع الشظية المنطلقة من الصدر.من فتحة الظهر"..

كان واضحا أن الجثة مضى عليها وقت طويل دون أن يكتشفها أحد..وعندما وصل إليها وجدها بوضعها الذى بدت عليه ..بخيوط العنكبوت التى نسجت فوقها ..ومن التعفن الذى اصابها..وهذا ماضطره إلى هو ومن ذهبوا معه إلى انتزاعها من مكانها الذى التصقت به.. قبل أن يحملوها إلى المقابر التى أعدت على شكل حفر..ودفنوها في إحداها ..ثم وضعوا عليها شاهدا يشير إلى مكان وجودها..

لكن ذلك لم يكن يعنى أن صديقه الذى استحال إلى جثة مهترئة قد بات في مأمن من القذف..فالقصف العشوائى لم يفرق بين القبور وغيرها..وألحق بها الدمار هى الأخرى.. "أحجارها وأحشائها مبعثرة.. اختلطت قطع الأخشاب والحجارة بالعظام القديمة ..العظام البضاء ..والأكفانالمهترئة المتعفنة التى اصبحت بلون التراب..كانوا يقصفون المقابر ..أحيانا يضربوها بعنف..وكأنهم يحذرون من الموتى".

ذلك التناول للحظات الاستشعار بالخطر أثناء الاشتياك..وللمأساة الفردية للإنسان الذى يلقى حتفه دونما أن يشعر به أحد..فيظل إلى أن تتعفن جثته..بتجسيد قدمه "محمد الراوى" من خلال رؤية واقعية ..ليس ثمة شك أو اختلاف على أنه أعطى الانطباع المقبض لتلك الحياة الموقوتة بانفجار قذيفة تتناثر شظاياها في مكان ما.. بإحساس حقيقى عبر من خلاله عن الخوف والقلق في لحظات الخطر.

أيضا الإحساس بالوحدة وسط ذلك المناخ القاتم ..ودونما أنيس يأمن إليه ويسرى عنه..لم يجد راوى القصة ما يبدده عنه.. ويجد فيه أنيسه وجليسه ..غير تلك المرأة الوحيدة في المدينة ..بالرغم من معرفته لعلاقة كانت تربط بينها وبين صديقه الذى لقى حتفه..عندما عاد إلى حجرته بعد أن دفنه..وأخذ يفتش في محتويات حجرته وأشيائه الخاصة..ثم احتفظ منها بدفتر مذكراته ومنديل يخص تلك المرأة ..فيتابعها إلى أن ينفرد بها ويخبرها بموته وما عرفه عنهما..فتحاول أن تنكر ما كان بينهما .." لم أكن احبه..كان يشعر بالوحدة ..طان يجلس ساعات في الكافيتريا لايحدث أحدا .كلمته..وعندما طلب منى منديلى أعطيته له".. لكنه يلح عليها لتذهب معه إلى قبره ..فتذهب وتضع منديلها الأخضر على القبر..وبين المقابر يحاول أن يشعرها بإحساسه نحوها لكنها تتركه وتذهب..رغم ذلك ينتظرها غير عابىء بفتاة أخرى اهتمت به أثناء مرضه.

لم عرض "محمد الراوى" أحداث قصته بتتابع بترتيب زمنى يربط خيوطها ببعضها..وإنما عرضها بمزج بين الحال والماضى..من خلال الحياة المألوفة والعادية التى تكون في زمن الحرب..عامدا إلى إبداء التفصيلات الدقيقة للمكان الذى يطاله القصف..ليبدى آثار الخراب والدمار كما هى بطبيعتها..ودونما تقليل بأهميتها أو مبالغة فيها.

كما أنه لم يلق بالأحداث والشخوص بمواجهة فورية ومباشرة أمام القارىء..واضعا كلاهما الشخوص والقارىء في لحظة بداية ..حيث تكون المتابعة بعد ذلك للأحداث ميسورة.. وتستمر مع تطوراتها حتى النهاية ..وإنما صور بداية الجو العام لطبيعة الحياة التى يعيشها هؤلاء الشخوص ..دونما تحديد لأى منها ..ولأى إنسان آخر قد يعيش مثلها فى حياته ..ويعانى مثل معاناتها.

ذلك الإحساس بما يحدث أثناء تعرض المدينة للقصف ..يتراءى أن "محمد الراوى" عمد ايضا إلى إبدائه بذلك التجسيد.ومحاولا خلق تفاعل بين القارىء..وبين ماقد يكون غريبا عنه..إذا لم يكن قد عاشه.. وعانى من ويلات الخطر المحدق دوما بالإنسان حال تواجده عرضة للإصابة.. ويكون الموت أقرب الأشياء إلى الحدوث..بينما النجاة من الموت قد تتوقف على صدفة ما.. تحيل بينه وبين وصول القذيفة أو أية شظية من شظاياه إليه.

ويلاحظ أيضا أن ثمة اختلافا كبيرا إلى حد ما بين قصة"عبر الليل نحو النهار" ومثيلاتها من من القصص التى استهدف مضمونها التعرض لمآسى الحرب..إذ تبدو دونما تغيير لبطولات مبالغ فيها كثيرا إلى حد ما.. تدعو لحماس زائد لامكان له في الحقيقة.. ولم يهتم "محمد الراوى" بإبداء مثل تلك البطولات المرسومة..وإنما تجاهلها تماما..وقصر في قصته على شخوصها العاديين ..الذين يعانون ويلات الحرب..ويبذلون محاولاتهم في سبيل النجاة من القصف العشوائى .. وثمة غيرهم يدافعون عن المدينة من خلال واجبهم ..هم هؤلاء الجنود الذين بدت الإشارة إليهم دون تفصيل لعملياتهم.. "تبدو أشباحهم مغبرة..بلا ملامح في الظلام..تشم رائحة عرقهم ..عرق قديم..ورمال ملتصقة بالعرق ..صامتون لايتكلمون..إنما ينظرون ويواصلون المسير مثل عرباتهم ..تذوب وجوههم في ساحات المدينة ..يوغلون في الليل".

أيضا بدت إشارةسريعة إلى بداية تحقيق النصر ..سماع مكبرات الصوت ..ودوى المدافع لحظة اتجاه القذائف نحو الشرق.

وإذا كان عدم الاعتماد على تصوير البطولات المفتعلة في القصة من الأشياء التى أبعدتها عن الهوجة الدعائية..التى تعتمد على عبارات ممجوجة ومملة .. فثمة مايلاحظ أيضا على اهتمام "محمد الراوى" بإبداء قصته"عبر الليل نحو النهار" كعمل أدبى بعيدا عن المباشرة والتعبيرات الصحفية ..ودونما تزيين للواقع أو تزييفه..فاللغة استحالت إلى إحساس معبر.. جسد الرؤية المقبضة لمآسى الحرب.. مزج فيها بين المخاطب والأنا والراوى.. بإيقاع متداخل أضاف إليه الحركة أحيانا.."اشتعل الضوء..قلت:ألم تعرفى؟.رفعت رأسها قليلا..ملأت صدرها بالهواء.انطفأ الضوء ..سمعتها وهى تطلق الهواء من أنفها ..اشتعل الضوء ..سقط الضوء الشاحب على عينيها .وقالت ماذا تقصد؟ انطفأ الضوء..قلت:وجدته ميتا تحت الأنقاض. سمعت حركتها في العتمة ..وعندما اشتعل الضوء وجدتها تحاول الوقوف ورأسها يكاد يرتطم بالسقف".

تلك التنويعات التى امتزجت ببعضها ..وتكررت في موقفين مختلفين..أضفت الكثير لإمكانية التجسيد الحقيقى للواقع..وإن كانت تقطع انسياب الحوار..ذلك عكس المخاطبة الوجدانية التى بدت وكأنها حوار لطرف واحد.."لقد اقتربنا.وعدى معى إلى ذلك الصف .قبر.اثنان. هل ترين القبر الثالث ..إنه منخفض قليلا.. إنه القبر الذى يليه..الرابع ..عندما كنت هنا منذ أيام كان قبره هو الأخير ،،انظرى الآن.. لقد امتد الصف بعده لمسافة طويلة".

وإبداء القصة رغم طولها في شكل متداخل ..جعلها ككتلة واحدة لانفصام فيها..ولا تقاسيم..أو وقفات تعطى الفرصة ولو للحظات بين متابعة الأحداث ..أضاف إليها انقباض أكثر اتفق والمضمون الذى ظل وقفا على حياة الإنسان وما يعانيه إذا تحتم عليه البقاء داخل أتون معركة ..وكيف تستحيل حياته لتصبح دونما قيمة..وتتساوى بحياة حشرة ضارة يتحتم القضاء عليها..ومن ثم فالقبور دوما تتكاثر وترتفع فوقها شواهدها ..وتحت الشاهد قد تكون ثمة جثة ..أوهياكل لجث لايمكن إحصائها فقد يكون تحتها هياكل أخرى..والموت حين يجىء لايفرق بين إنسان وآخر ..الرجل.المرأة. الشاب.العجوز. العروس.الطفل..الكل يتساوى في فرص الموت..والرقاد تحت التراب.. ليس ثمة فرق أبدا ..جميعهم يشكل المأساة المحزنة التى تتمخض عن الحرب..وليس ثم مقارنة بين الهزيمة والنصر ..فقط ضحايا ونكبات..رصد"محمد الراوى" لذلك الواقع المقبض ..وبذلك التجسيد للإحساس الحقيقى للمعاناة والمأساة بأية صورة كانت..والذى لايمكن احتسابه غير أنه وصمة في جبين الإنسانية.


محمد الراوى فى عبر الليل نحو النهار
السيد الهبيان

تحت سقف الحرب يستحيل الإحساس بالأمان إلى عدم..مثله كمثل الحياة التى تكون ..لافرق..قد يتلمسه الإنسان بالولوج إلى داخل الشقوق ..أو تحت الأدوار اأرضية للبيوت..لكن نذير اأصوات الدالة على الانفجارات التى تتالى بعشوائية فى كل مكان..ودونما تحديد تفقده كلأ أمل فيه.
فأثناء الاشتباكات تهطل القذائف كالمطر ..وبكاثافة تغطى المكان المستهدف ..تخترق أحيانا سطح الأرض وتنفجر داخل المخابىء والبدرومات ..فتصيب من يحتمون فيها وفى لحظات التوقف التى يشوبها صمت قلق متوتر ..قد تكون ثمة حركة تكون قليلة جدا إلى حد ما ..تفرضها الضرورة الملحة ..تبدو وسط أطلال البيوت الخربة كنقط متحركة ..لكنها رغم أنها تشير إلى وجود حياة فيها مازالت تدب على وجه الأرض..إلا أنها تشى بالفناء المرتقب.
هكذا تكون الحياة فى أية مدينة أو قرية يداهمها كابوس الحرب..والتى عرض لها الكاتب السويسى "محمد الراوى" من خلال روايته "عبر الليل نحو النهار" التى كتبها من واقع الحياة المأساوية ..التى عاشتها مدينة "السويس" المصرية ..ونسج أحداثها المقبضة بمآسيها المتتابعة دوما طوال تعرض المدينة لقذائف العدو الإسرائيلى التى كانت تنهال عليها ..خلال الفترة التى سبقت حرب رمضان"اكتوبر.تشرين اللأول"عام 1973وخلالها..وذلك دون أن يبدى أية إشارات إلى المدينة وإلى زمن الحرب..تحدد مسرح شخوص روايته..ليس عفوا او سهوا..وإنما عن عمد قاصدا تعميم الحال فى الحروب ..وفى أى مكان تكون.
من ثم بدا"محمد الراوى" وهو ينسج مآسيه الإنسانية لكل من يتحتم عليه البقاء بصورة ما ..طواعية أو اختيارا..داخل أية مدينة يستهدفها العدو بقذائفه المدمرة..إذ يتهدده دوما سقوط القذائف وانفجارها فى المكان الذى يكون فيه..وعرض لما يعانيه ذلك الإنسان الذى طالته الحرب..ويعيش لحظات قد تكون الأخيرة من عمره..معتمدا فى ذلك على مجموعة شخصيات محدودة إلى حد ما..انتقاهاها من بقيا مجتمع فرقه جحيم الحرب ..وأسند لها مهمة إلقاء الضوء على واقع المآسى ..المشوب دومتا بشبح الفناء الذى قد يطاله.

إذ تعرض رواية "عبر الليل نحو النهار"لقضية من قضايا الإنسانية ..وهى حياة الإنسان حال الحرب ..ومن خلال معاناته أبدى الكاتب تلك الحياة التى تكون.. ومن ثم يتحتم تناولها على ضوء ماتبديه أحداثها المأساوية من خلال عرض عام للحياة فى ظلها ..يجمع بين الأحداث ومن يعايشها..للوصول إلة ماهية مضمونها..وذلك ليس بالشىء الصعب .. ومن الممكن إيجازه فى يسر ..من خلال ذلك الإنسان الذى ابتعد عن المدينة لفترة طويلة أثناء الحرب ..ثم عاد وعاش مثلما كان حياة الحرب..إلى أن تخلصت المدينة من سيطرة العدو بنيرانه عليها ..بيد أن ذلك يجعلها لاتختلف كثيرا عن غيرها من قصص الحرب..ويضيع حينئذ جهد الكاتب ومعاناته فى محاولة تقديم واقع الحرب برؤية تجسد بشاعتها.
لذا وتجاوزا عن ذلك الإيجاز .. بدامن الأفضل تناولها من خلال منظورين..عام وخاص..العام هو ماتعيشه المدينة وما تتعرض له قبل وأثناء وبعد القزف خلال الحرب..ومعاناة الخطر الذى يتهدد أغلب أهلها ومبانيها..والخاص ذلك الإحساس الفردى لإنسان لحظة مداهمة الموت له..وموات فرص النجاة إلى حد الاستسلام للنهاية المتوقعة..لكننا بحال لن نجد ثمة انفصال بين العام والخاص..بحيث يمكن يمكن تناول كل منهما علة حدة ..لارتباطهما بمزج أبدى الرؤية العامة من خلال الرؤية الخاصة ..مما أحدث تداخلا أدى فى النهاية إلى نسج محكم جسد الحياة المأساوية المعاشة خلال الحرب..بصورة ابدتها على حقيقتها البشعة.
وفى محاولة لتقريب ماعرض له "محمد الراوى" إلى ذهن القارىء ..كى يشعر إلى حد ما بالواقع المقبض..تراءى أن من الأفضل تصوير الجو العام كما بدا من خلال راوى القصة أولا..وبتتابع لما يحدث أثناء الاشتباكات وخلاله إلى أن ينتهى.
عادة يأتى التحذير من خلال صفارات الإنذار..فكلما انطلقت الصفارة من جوف الصمت.."يتردد صوتها بقوة فى أرجاء المدينة الصامتة..الخاوية..يتردد الصدى فى أعماق الشوارع الخلفية..والحوارى الضيقة ..يتحرك الناس كما تتحرك الأشباح..فى صمت وبسرعة..وبعد برهة قصيرة يكون كل واحد منهم متخذا أهبته واقفا أمام مبناه..مستعدا أن يدلف إلى جوفه عند سماعه لأول طلقة ..مسرعا بجوار الجدران ..يريد أن يصل إلى هدفه ..قبل أن يحدث الاشتباك ..متطلعا إلى السماء ..نحو الشرق..يرهف سمعه..وعند سماعه للطلقة الأولى يضع يده فوق جيوبه ويركض..تدوى الصفارة فتشد جهازه العصبى ..يتوتر..تشتبك المدافع أولا تشتبك..لاترخ أعصابك إلا بعد صفارة الأمان "ص16 ".
أما إذا حدث الاشتباك بصورة مفاجئة.."فإن الأرض تهتز ..ترتعش تحت قدميك..أصوات الانفجارات تخترق أذنيك..وأنت لاتدرى ماذا تفعل..أتركض كما يفعل الآخرون..أم تنكمش بجوار الجدران ..وتدخل من أحد الأبواب التى تمر بها ..كان صمت مخادع ..والانفجار المفاجىء يضغط على جسدك..يكسر ضلوعك..يهرس لحمك وعظامك..يتصاعد الغبار فوق البيوت فتراه..وتضم رائحته الثقيلة ..رائحة الغبار والبارود تضغط على أنفاسك..فتريد أن تجلس أو تضع يديك فوق وجهك حتى تمنعها من الدخول الى رئتيك.الرائحة القذرة ..لكنك ستختنق ..وما عليك إلا أن تخطو إلى الوراء والدخول فى ذلك المخبأ."ص7"
هكذا يكون الحال ..الحيرة دوما حول طرق النجاة من الدمار المرتقب لأى شىء..سواء حاق به الدمار من قبل ..أو لايزال لم يطاله بعد..وقد يستحيل الدمار في أية لحظة إلى المكان الذى انتشر الدمار قيه..من ثم تبقى الحيرة حول اختيار الأماكن الآمنة بلا مخرج منها ..ويظل الأمان صعب المنال..فالجمود بوضع ما قد يؤخر الحياة وتكون النهاية.
وأيا كان الأمر فالإحساس بالخوف والقلق في لحظات الخطر ..يشعل الكل ..لكن يندمج في محاولة للوصول إلى المأمن دونما اهتمام لما يحدث"أركض معهم إلى المخبأ . يدفعونى من الخلف بأيديهم وبأجسادهم .فأدفع أنا الذى أمامى ..تتخبط سيقاننا ببعضها أمام المخبأ يسقط أحدنا على الآخر.يسيرون فوقه ..يتدحرج فوقه الجميع وينسد باب المخبأ ويغطينا التراب."ص40".
لكن ليس الوقوع داخل المخبأ هو بداية الإحساس بالأمان..وإنما يتزايد الإحساس بالخطر ..إذ تصبح فرص البقاء وقفا على انتهاء الاشتباك دونما إصابات ..لأن "عند لحظات الانفجار يتوهج الضوء..تتقلص عضلات ذراعى وظهرى ..تتقلص عضلات البطن..أشعر بالدماء وهى تضرب عظام رأسى من تحت الشعر..تضرب عظام الجمجمة..شعرى يقف ..انطفأ الضوء ..يصيب الإعياء الجهاز الهضمى ..فيكف في وقت ما خلال القصف عن العمل". فلا يتقلص أو يتوتر ولا يرتخى..إنما يكف عن أداء وظيفته..فى تلك اللحظات أشعر بالنعاس ..تثقل الجفون..يرتخى الرأس فلا تعود القذائف والانفجارات تهزنى..إنما هى رعدة بسيطة ثم لاشىء بعدها..ولا تعود العينان تهتمان بأن تغمضا بعد كل انفجار..انما هى مرتخية سادرة في نصف نعاس..وأكون كالمخدر الذى يدرك كل شىء..لكنه لايملك رد الفعل."ص 16".
يظل ذلك الحال إلى أن ينتهى الاشتباك..." وإذا ما هدأ القصف نقوم واحدنا وراء الآخرإلى دورات المياه..ينطلق البول بغزارة..سائل اصفر في البداية ثم عاد أبيض..لاتظنه بولا..أبدا تتحلل أجسامنا وأحشاؤنا من الداخل إلى ماء يتدفق إلى الخارج وتمتلىء دورات المياه بالماء والرائحة النافذة التى تختلط برائحة البارود التى تخنقها.. ورائحة السجائر ودخانها الذى يعبق الحجرة ..يعجز بعضنا عن السيطرة على نفسه أثناء البول..فلا يستطيع أن يصوب بوله نحو الفتحة المخصصة لذلك..إنما يندفع الماء متدفقا على الأرض..وفى الفتحة أحيانا ..والظلمة السائدة لاتجعلنا نحدد المكان بالضبط"ص 25"
وإذا مانتهى الاشتياك تبدأ المدينة إلى ماكنت عليه قبله..لكن ثمة "صمت ثقيل كثيف..ذلك الذى يعقب قصف المدينة..وعلى مدى ساعات طويلة تتحرك الحياة ببطء في الشوارع .وداخل البيوت..وتستعيد الطيور القليل من أصواتها..مترددة في بادىء الأمر..ثم منطلقة متنقلة من مكان لآخر..تظل المخابىء محتفظة بسخونة الأنفاس ..وبرائحة البارود والناس..بينما تزداد الحركة قى المستشفيات وتفريغ زجاجات الدم."ص31"
وإذا ماكان مايواجه الإنسان عادة أثناء الاشتباكات المتوقعة والمفاجئة في آن واحد..يحتم عليه تأمين سلامته بطريقة ما..فالبيوت القائمة في أماكنها والثابتة بطبيعتها..تبقى عرضة لأية إصابات توجه إليها ..والتى تحيلها إلى انقاض.. قد تسقط فوق من يتواجد بداخلها فيدفن تحتها.
" اخترقت القذيفة أسفل جدار المبنى الكبير طرف الميدان..نفدت إلى الحجرات الداخلية وانفجرت فيها..ألقت بنوافذ الدور الأرضى في الشارع..حفرت جدران الحجرة..سقط بعضها....كاشفة عن الحجرات الداخلية الأخرى ودورات المياه.. وقد تقطعت أسلاك الكهرباء ومواسير المياه..أحدثت القذيفة حفرة امتلأت بالماء..."ص8"..ويتمخض عن إصابة المبنى على هذا النحو بقذيفة استهدفته أصلا..أو أصابته بعشوائية كما يحدث عادة..أن انتشرت قطع الحجارة والأخشاب والحديد..أجزاء من الأدوات المنزلية ..أكواب زجاجية محطمة..أوعية أولمنيوم..بقايا مقاعد..مرايا مكسورة..أوراق قديمة يعبث بها الهواء..أحذية بالية منتفخة"..وغير ذلك من الأغراض التى تكون فيه.
ذلك مايحدث بصفة عامة للمقيمين داخل المدينة..ومبانيها..ويستمر بطول فترة الحرب..سواء طالت أم قصرت ..فيشكل في مجموعه مأساة عامة..عرض لها"محمد الراوى" من خلال منظور عام..وأبداه من منطلق رؤية خاصة..فاستطاع أن يعمق الإحساس به..ثم عرض لجزئية من المأساة العامة.. في شكل مأساة فردية لأحد شخوص قصته..بداية من بحث صديق له ــ هو الراوى للقصة ــ عنه.. بعد أن عاد من إجازة طويلة ابتعد فيها عن المدينة التى تعانى من ويلات الحرب.
لم يكن صديق راوى القصة معه حينما تعرضت المدينة للقصف آخر مرة قبل أن يغادرها..فسأل عليه بعد انتهاء القصف..لكنه لم يستطع أن يعرف أين كان أثناء القصف..فذهب إلى بيته ووجده قد اصيب في منتصقه وتناثرت أمامه الحجارة ..وعرف أن سكان البيت غادروا المدينة ولم يكن بالبيت سواه..أسرع بالذهاب إلى المستشفى ليبحث عنه بين المصابين.. وجد ثمة من ذهبوا مثله يبحثون عن من افتقدوهم.."وكانت الجثث مطروحة على الأرض بجوار الحائط غارقة في دمائها التى مازالت دافئة على ملابسهم..مشوهة ناقصة ..ضائعة الملامح..كريهة الرائحة ..فقد كان الجو حارا ..كان بعضهم يحرك فوقها سعف النخل حتى يطرد الذباب الذى تجمع فوق الجثة التى يبحث عنها..يحملونها إلى المشرحة تمهيدا لدفنها"..ثم عاد دون أن يعثر عليه"بين الجثث ولا بين المصابين التى اختفت أجسادهم ووجوههم خلف الأربطة البيضاء الملوثة بالدماء.. يتأوهون"..لكنه لم يتوقف عن التساؤل عن مكانه وقت القصف..وبعد أن يئس من معرفة ذلك المكان كف عن البحث عنه.. وسافر "عن المدينة في إجازة طويلة ..وقد اختلطت صورته بأوضاع الجثث المطروحة على أرضية المستشفى ..والجرحى الذين اختفت وجوههم خلف أقنعة من الأربطة والشاش الأبيض..فلم ير" سوى عيونهم الواسعة مليئة بالألم..بالصمت والفزع"..فظن أنه ربما كان بينهم ولم ينتبه إليه.. غير أنه تذكر فجأة بعد عودته من إجازته إلى المدينة.. وخطر له أن يبحث عنه في بيته..فذهب يخالجه إحساس بانه سوف يعثر عليه بين الأنقاض.
لم يكن ثمة اختلاف بين بيت صديقه والبيوت الأخرى التى أصابها القذف.."عند الباب الحديدى المغلق..فى المدخل الممتد حتى سلالم البيت تراءت أكوام العظام تملأ المدخل..تتكوم الأحجار والأشياء بعضها فوق بعض..تخفى درجات السلم..ظهرت بهض درجات السلالم العلوية بعد أن سقطت وارتمت في الدور الأرضى عند المدخل..قاطعة الاتصال بين الأدوار السفلية والعلوية..بقيت حجراتها بأكملها سليمة..فى الأدوار العلوية بكل محتوياتها مغلقة على نفسها.. برائحتها الثقيلة القديمة المحبوسة..بسقوفها وأرضيتها المائلة ..وقد اتسعت الفجوات بين الزوايا للجدران القائمة..واتسعت الثغرات بين العروق والألواح الخشبية ..نصبت العناكب خيوطها في الأرطان والزوايا.. في فجوات الحديد والحفر"..بينما "كل المحتويات داخل المبنى تشبعت بالتراب والغبار الذى تعلق بها..برائحة البارود والدخان..فتحولت الخيوط إلى نسيج رمادى من الخيوط العنكبوتية والحشرات الصغيرة الميتة.
رغم تحذيره من احتمال سقوط بقايا البيت المنهار فوقه..تخطى كل الأنقاض الموجودة في طريقه..حتى وصل إلى حجرة صديقه التى كثيرا ماتردد عليها..بدت له صورة مصغرة من الخراب الذى شمل البيوت ..تفحص الأشياء الموجودة بها وهو يبحث عنه..بدا له كبقايا أطلال قديمة لم تمس منذ زمن بعيد..وهو صديقه أصبح جثة قديمة ..حتى صدره فوق حافة السرير .تدلى بقية جسده على الأرض ..لامست ركبتاه وساقاه أرضية الحجرة..جثة مهترئة تآكل لحمها فالتصقت بالبيجامة ..باللحم القديم المتعفن وقد تحولت رائحة العفن إلى رائحة ثقيلة رائحة شىء مخزون ..والدم المتخثر المتجمد على الجسد والفراش وفوق الأرض ..والسائل الأصفر المنثال من الجثة بعد تحللها تشبعت به سترة البيجامة ..قكون طبقة جافة عليه ..وفقد الوجه ليونته وملامحه.
لم يعرفه من وجهه الذى كان يألفه..رغم كل الأشياء الخاصة به التى كان يعرفها ووجدها بالحجرة..لأنه لم يبق من الرأس سوى الجمجمة والمنافذ والعينين والأنف والفم..لاحت عظام الأصابع مغروسة في حشية السرير مقوسة مغروسة بقوة..معتصرة القطن القديم داخل الحشية..ومن الظهر بدت فتحة ثقب واسع من سترة البيجامة ..ممتد للداخل ..كاشفا عن جوف الهيكل الملقى فوق السرير ..بدت جافة ..الثقب الداخلية السوداء قاتمة.. فتحة يحيطها دم قديم ناشف..للفتحة زوائد وأطراف جلدية وعظمية ممتدة للخارج مع أطراف السترة الممزقة.. برزت مع الشظية المنطلقة من الصدر.من فتحة الظهر"..
كان واضحا أن الجثة مضى عليها وقت طويل دون أن يكتشفها أحد..وعندما وصل إليها وجدها بوضعها الذى بدت عليه ..بخيوط العنكبوت التى نسجت فوقها ..ومن التعفن الذى اصابها..وهذا ماضطره إلى هو ومن ذهبوا معه إلى انتزاعها من مكانها الذى التصقت به.. قبل أن يحملوها إلى المقابر التى أعدت على شكل حفر..ودفنوها في إحداها ..ثم وضعوا عليها شاهدا يشير إلى مكان وجودها..
لكن ذلك لم يكن يعنى أن صديقه الذى استحال إلى جثة مهترئة قد بات في مأمن من القذف..فالقصف العشوائى لم يفرق بين القبور وغيرها..وألحق بها الدمار هى الأخرى.. "أحجارها وأحشائها مبعثرة.. اختلطت قطع الأخشاب والحجارة بالعظام القديمة ..العظام البضاء ..والأكفانالمهترئة المتعفنة التى اصبحت بلون التراب..كانوا يقصفون المقابر ..أحيانا يضربوها بعنف..وكأنهم يحذرون من الموتى".
ذلك التناول للحظات الاستشعار بالخطر أثناء الاشتياك..وللمأساة الفردية للإنسان الذى يلقى حتفه دونما أن يشعر به أحد..فيظل إلى أن تتعفن جثته..بتجسيد قدمه "محمد الراوى" من خلال رؤية واقعية ..ليس ثمة شك أو اختلاف على أنه أعطى الانطباع المقبض لتلك الحياة الموقوتة بانفجار قذيفة تتناثر شظاياها في مكان ما.. بإحساس حقيقى عبر من خلاله عن الخوف والقلق في لحظات الخطر.
أيضا الإحساس بالوحدة وسط ذلك المناخ القاتم ..ودونما أنيس يأمن إليه ويسرى عنه..لم يجد راوى القصة ما يبدده عنه.. ويجد فيه أنيسه وجليسه ..غير تلك المرأة الوحيدة في المدينة ..بالرغم من معرفته لعلاقة كانت تربط بينها وبين صديقه الذى لقى حتفه..عندما عاد إلى حجرته بعد أن دفنه..وأخذ يفتش في محتويات حجرته وأشيائه الخاصة..ثم احتفظ منها بدفتر مذكراته ومنديل يخص تلك المرأة ..فيتابعها إلى أن ينفرد بها ويخبرها بموته وما عرفه عنهما..فتحاول أن تنكر ما كان بينهما .." لم أكن احبه..كان يشعر بالوحدة ..طان يجلس ساعات في الكافيتريا لايحدث أحدا .كلمته..وعندما طلب منى منديلى أعطيته له".. لكنه يلح عليها لتذهب معه إلى قبره ..فتذهب وتضع منديلها الأخضر على القبر..وبين المقابر يحاول أن يشعرها بإحساسه نحوها لكنها تتركه وتذهب..رغم ذلك ينتظرها غير عابىء بفتاة أخرى اهتمت به أثناء مرضه.
لم عرض "محمد الراوى" أحداث قصته بتتابع بترتيب زمنى يربط خيوطها ببعضها..وإنما عرضها بمزج بين الحال والماضى..من خلال الحياة المألوفة والعادية التى تكون في زمن الحرب..عامدا إلى إبداء التفصيلات الدقيقة للمكان الذى يطاله القصف..ليبدى آثار الخراب والدمار كما هى بطبيعتها..ودونما تقليل بأهميتها أو مبالغة فيها.
كما أنه لم يلق بالأحداث والشخوص بمواجهة فورية ومباشرة أمام القارىء..واضعا كلاهما الشخوص والقارىء في لحظة بداية ..حيث تكون المتابعة بعد ذلك للأحداث ميسورة.. وتستمر مع تطوراتها حتى النهاية ..وإنما صور بداية الجو العام لطبيعة الحياة التى يعيشها هؤلاء الشخوص ..دونما تحديد لأى منها ..ولأى إنسان آخر قد يعيش مثلها فى حياته ..ويعانى مثل معاناتها.
ذلك الإحساس بما يحدث أثناء تعرض المدينة للقصف ..يتراءى أن "محمد الراوى" عمد ايضا إلى إبدائه بذلك التجسيد.ومحاولا خلق تفاعل بين القارىء..وبين ماقد يكون غريبا عنه..إذا لم يكن قد عاشه.. وعانى من ويلات الخطر المحدق دوما بالإنسان حال تواجده عرضة للإصابة.. ويكون الموت أقرب الأشياء إلى الحدوث..بينما النجاة من الموت قد تتوقف على صدفة ما.. تحيل بينه وبين وصول القذيفة أو أية شظية من شظاياه إليه.
ويلاحظ أيضا أن ثمة اختلافا كبيرا إلى حد ما بين قصة"عبر الليل نحو النهار" ومثيلاتها من من القصص التى استهدف مضمونها التعرض لمآسى الحرب..إذ تبدو دونما تغيير لبطولات مبالغ فيها كثيرا إلى حد ما.. تدعو لحماس زائد لامكان له في الحقيقة.. ولم يهتم "محمد الراوى" بإبداء مثل تلك البطولات المرسومة..وإنما تجاهلها تماما..وقصر في قصته على شخوصها العاديين ..الذين يعانون ويلات الحرب..ويبذلون محاولاتهم في سبيل النجاة من القصف العشوائى .. وثمة غيرهم يدافعون عن المدينة من خلال واجبهم ..هم هؤلاء الجنود الذين بدت الإشارة إليهم دون تفصيل لعملياتهم.. "تبدو أشباحهم مغبرة..بلا ملامح في الظلام..تشم رائحة عرقهم ..عرق قديم..ورمال ملتصقة بالعرق ..صامتون لايتكلمون..إنما ينظرون ويواصلون المسير مثل عرباتهم ..تذوب وجوههم في ساحات المدينة ..يوغلون في الليل".
أيضا بدت إشارةسريعة إلى بداية تحقيق النصر ..سماع مكبرات الصوت ..ودوى المدافع لحظة اتجاه القذائف نحو الشرق.
وإذا كان عدم الاعتماد على تصوير البطولات المفتعلة في القصة من الأشياء التى أبعدتها عن الهوجة الدعائية..التى تعتمد على عبارات ممجوجة ومملة .. فثمة مايلاحظ أيضا على اهتمام "محمد الراوى" بإبداء قصته"عبر الليل نحو النهار" كعمل أدبى بعيدا عن المباشرة والتعبيرات الصحفية ..ودونما تزيين للواقع أو تزييفه..فاللغة استحالت إلى إحساس معبر.. جسد الرؤية المقبضة لمآسى الحرب.. مزج فيها بين المخاطب والأنا والراوى.. بإيقاع متداخل أضاف إليه الحركة أحيانا.."اشتعل الضوء..قلت:ألم تعرفى؟.رفعت رأسها قليلا..ملأت صدرها بالهواء.انطفأ الضوء ..سمعتها وهى تطلق الهواء من أنفها ..اشتعل الضوء ..سقط الضوء الشاحب على عينيها .وقالت ماذا تقصد؟ انطفأ الضوء..قلت:وجدته ميتا تحت الأنقاض. سمعت حركتها في العتمة ..وعندما اشتعل الضوء وجدتها تحاول الوقوف ورأسها يكاد يرتطم بالسقف".
تلك التنويعات التى امتزجت ببعضها ..وتكررت في موقفين مختلفين..أضفت الكثير لإمكانية التجسيد الحقيقى للواقع..وإن كانت تقطع انسياب الحوار..ذلك عكس المخاطبة الوجدانية التى بدت وكأنها حوار لطرف واحد.."لقد اقتربنا.وعدى معى إلى ذلك الصف .قبر.اثنان. هل ترين القبر الثالث ..إنه منخفض قليلا.. إنه القبر الذى يليه..الرابع ..عندما كنت هنا منذ أيام كان قبره هو الأخير ،،انظرى الآن.. لقد امتد الصف بعده لمسافة طويلة".
وإبداء القصة رغم طولها في شكل متداخل ..جعلها ككتلة واحدة لانفصام فيها..ولا تقاسيم..أو وقفات تعطى الفرصة ولو للحظات بين متابعة الأحداث ..أضاف إليها انقباض أكثر اتفق والمضمون الذى ظل وقفا على حياة الإنسان وما يعانيه إذا تحتم عليه البقاء داخل أتون معركة ..وكيف تستحيل حياته لتصبح دونما قيمة..وتتساوى بحياة حشرة ضارة يتحتم القضاء عليها..ومن ثم فالقبور دوما تتكاثر وترتفع فوقها شواهدها ..وتحت الشاهد قد تكون ثمة جثة ..أوهياكل لجث لايمكن إحصائها فقد يكون تحتها هياكل أخرى..والموت حين يجىء لايفرق بين إنسان وآخر ..الرجل.المرأة. الشاب.العجوز. العروس.الطفل..الكل يتساوى في فرص الموت..والرقاد تحت التراب.. ليس ثمة فرق أبدا ..جميعهم يشكل المأساة المحزنة التى تتمخض عن الحرب..وليس ثم مقارنة بين الهزيمة والنصر ..فقط ضحايا ونكبات..رصد"محمد الراوى" لذلك الواقع المقبض ..وبذلك التجسيد للإحساس الحقيقى للمعاناة والمأساة بأية صورة كانت..والذى لايمكن احتسابه غير أنه وصمة في جبين الإنسانية.




w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007