[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ازدواج الواقع فى عين سمكة دراسة
التاريخ:الثلاثاء 8 يوليو 2014  القراءات:(548) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
ازدواج الواقع فى عين سمكة

رواية محمود عوض عبد العال

السيد الهبيان

معظم الكتاب والروائيين العرب عادة مايطرحون تجاربهم الروائية بأشكال متقاربة .. ومضامين متشابهة .. إلى حد أنها تبدو محتلفة تماما وكأنها ملتزمة بقالب معين ..وإن كان ثمة اختلاف فى ذلك القالب ..فهو فى تقديمه بأوجه محتلفة ..ومن ثم يصعب التمييز بين كاتب وآخرلافتقاد الروائيين التقليديين الفرق فيما بينهم.. حتى أضحى اختلاف الأعمار فى التجربة الروائية بين الكتاب ..يكاد يكون لا أثر له فى عملية اإابداع.

لااختلاف فى ذلك كما يبدو لكون انسبب يكمن فى اختيار الروائى الشكل الأسهل فى اعتقاده ويقدم تجربته من خلاله.. وعادة ما يكون هذا الشكل فى الإطار التقليدى الذى بدا منذ نشاة الرواية .. فيبدو الروائى وكأنه يكرر ما قبله ومن ثم تأتى تجربته دونما اختلاف عن غيرها من التجارب التى سبقتها.. ويجعل من الصعب تمييز كتابات الجيل المعاصر عن كتابات الأجيال السابقة وخاصة جيل الرواد.

ولكن ثمة البعض وإن كان قليلا يحاول جاهدا مواكبة التطور فى الشكل الروائى .. فيحاول جاهدا مواكبة التطور الروائى والتجديد فيه لتبدو تجربته الاإداعية ذات سمة محددة خاصة به .. تضعه بين المجددين الذين يسعون إلى الابتكار.. ويتخطون الأشكال الجاهزة المعنونة بالتقليدية .

من ذلك البعض القليل الروائى السكندرى" محمود عوض عبد العال" الذى يحاول أن تكون تجربته اإابداعية ذات سمة معينة خاصة به .. تضعها ضمن التجارب الروائية الجديدة المعاصرة .

بدأ تلك التجربة فى روايته "سكر مر ".. وأكدها فى روايته " عين سمكة ".. والتى عمد فيها على أن تكون باختلاف عن تجارب الاخرين الذين سبقوه .. وأيضا من هم فى نفس جيله.

فتجربته الروائية كما بدت فى روايتيه" سكر مر" و"عين سمكة" قدمها وفق نهج مايسمى بالرواية الجديدة .. التى لاتنال استحسانا من القارىء العادى.. الذى يبدو أسير الروايات التقليدية..وتتطلب جهدا من القارىء الجيد ..الذى يعنى فى الأساس بتفهم العمل الروائى ومضمونه .. متجاوزا الأطر التقليدية.. وينسحب إلى مشاركة فعالة وخلاقة .. و معايشة تيار الوعى المستخدم فى الرواية الجديدة .. الذى يغوص فى أعماق الشخصية بتداع يعتمد على الإيحاء .. دون الالتزام بترتيب زمنى .. يتوافق مع تسلسل الأحداث.. ومن ثم يمكن القول أنه يتحتم عليه أن يقف على ماهية العمل الروائى ..الذى يضعه فى موقف المتأمل ..الذى يحيد به عن القراءة العابرة...وهو ماتمت الإشارة إليه على الغلاف الأخير لرواية "عين سمكة"..بأنها " رؤية تحتاج إلى جهد و معاناة فى القراءة".. وليس ذلك بجديد على عاى تجربة "محمود عوض عبد العال" فى الرواية.. وأيضا فى القصة القصيرة ..كما بدا فى مجموعته القصصية القصيرة " الذى مر على مدينة".. اذ يتحتم على القارىء ان يبذل كثيرا من الجهد حال معايشته العمل الإبداعى .. رواية كان أو قصة قصيرة.. والذى يرتقى به من مستوى السرد التقليدى ..إلى سرد غير مألوف فيه.. يكون قد تعوده بفعل التصوير السهل للأحداث ..الذى يتماثله حال استرخاء مريح قبل الاستسلام للنوم.

فالقارىء لرواية "عين سمكة "سيفتقد السرد التقليدى السائد فى الكثير من الأعمال الروائية..فضلا عن أنه سيتعايش مع شخصيات منغلقة على داخلها.. وعليه أن يتعامل مع مفاتيحها ..ليتعرف على ماهيتها ..وما تمثله فى منطومة الحياة التى تعيشها.

"رشا ادريس"... الابنة الهاربة من الأب ,,إحدى نساء الليل.. فى الخامسة والعشرين من عمرها .. قد تبدو مثل أية امراة ساقطة عادية انضمت الى عالم البغى .. وقد تكون الظروف التى دفعتها إلى ذلك العالم لها ما يشابهها وإن اختلفت فى التفاصيل .. فهى قبل أن تكون بغيا كانت طالبة جامعية "بيت الطالبات ضمنى معقمة بالثانوية العامة أدبى" ..كان شعرها طويلا مضفورا ولم تكن تستعمل المساحيق .. رغم العالم الرومانسى الذى تعيشه زميلاتها الطالبات حولها .. كانت تبدو حزينة كتمثال .. لفتت انتباه المشرفة الاجتماعية .. لكنها لم تبح لها بسر حزنها.. ذلك السر الذىتخجل أن تقوله لها رغم أنها كشفت عنه لزميلاتها فى المدرسة .. "رأيت أبى يضاجع طفل ابن عمى"..ضربتها إحداهن .. فكان عليها من يومها أن تكتمه فى داخلها ..لكن الصورة الشاذة ظلت محفورة فى ذهنها وتطفوا من آن لاخر.."كان يضاجع طفل ابن عمى . الجسد الصغير ينتفض من الضغط . لم اأكن أستطيع وأنا فى هذه الحالة اأن اضع عينا على أمنى.. وعينا على الماضى . معلقة على جدران حجرتى خمسة ايام".. بعدها قررت الهروب ليلا ..أأملا فى أن تجد الخلاص فى عالم الاختفاء..فقد بدا لها الخروج من البيت هو المنقذ من صراعات الداخل حول ذلك الفعل الشاذ..لكنه كان بداية الطريق إلى عالم نساء الليل..حيث عليها فى ذلك العالم أن تعرض نفسها كسلعة لتؤمن إمكانية الحصول على المأوى والمأكل.

الأب : محارب قديم اشترك فى الحرب العالمية الثانية ولتكاسله وإهماله لم يستمر .. وانضم بعد التحقيق معه إلى جمعية المحاربين القدماء.

فاطمة السوداء: قوادة "فى حجم العالم ..قادمة من خط الشمس ..التجاعيدتحتل وجهها.. جفنيها مسنونة بالاغتصاب..برواز صدرها مجرد تلافيف .غابات فى حالة سيئة .يموت هناك على فخذيها كل مايقوله جرس الكنيسة.

ثلاثة شخصيات.. لثلاثة عوالم..الاختفاء .البحث .الرذيلة. وثمة شخصيات أخرى لكنها تبدو كإشارات سريعة.. تلقى الضوءعلى شىء ما.. يكون إيضاحه لأى من العوالم الثلاثة .. من الاشياء التى تبرز احد مواقفها.. او ارتباطها بعوالم أخرى.

عالم الاختفاء تعيشه الإبنة الهاربة"رشا إدريس" .. وعالم البحث يعيشه الأب ..وعالم الرذيلة تعيشه "فاطمة السوداء"..وتبدو هذه العوالم الثلاثة فى الرواية على مستوى واحدمن الأهمية..أو كخطوة أساسية إلا أنها تكشف من خلالها عن عوالم أخرى متغايرة ومضادة لها..تبدو كإشارات سريعة موحية..وتلقى الضوء على الأشياء الشاذة الكثيرة المتواجدة فى كل هؤلاء العوالم والشخوص ..يبدون فى إطار يجمع بينهم بتمازج حتمى .. فثمة ارتباط واحد هو الذى يتواصل بينها.. يتمثل فى الشخصية الرئيسية "رشا إدريس" .. التى يفرز واقعاها الداخلى والخارجى.. كل المواقف والأحداث التى تبدو فى عالمى الاختفاء والبحث .. اللذين يبدوان فى تضاد بطبيعتهما.. متلاحقا أحدهما من الآخر ..فهما يتقاربان إلى حد التلاقى..ثم يتباعدان..لكن يظل الالتقاء النهائى المنتظر تعترضه علامة استفهام .. ذلك لأن عالم الاختفاء يظل دونما نهاية متداخلا فى عالم الرذيلة .. الذى يمكن القول عنه أنه تحول لعالم الاختفاء .. فالعالمان قد يكونا شيئا واحدا بالنسبة للشخصية الرئيسية "رشا إدريس" .. لكونها تعيشه مختفية فى عالم البغى ..ومن ثم فمصير البحث الجارى من الأب يظل معلقا لعدم عثوره على ابنته.

كل ذلك يبدو من خلال واقع"رشا إدريس" الذى عاشته وقدمه "محمود عوض عبد العال" من خلال حاضرها .. فبدا الواقع بازدواج خارجى وداخلى .. متداخل .. ولا يغير من ذلك تحديد الفاصل بين الحاضر والماضى .. كواقع خارجى تعيشه..وواقع داخلى عاشته.. فهى تبدو من خلال الحاضر فى الموقف الخارجى .. مختبئة فى ركن منزو بانتظار توقف سقوط المطر .."تسعل.تكح.ترتجف.بلا ارتباط مع أحد"..ثم يبدو الماضى فى الواقع الداخلى يتدفق بكثافة ..بتداع يبدأ من لحظة الحاضر بوصف الحال..ثم يتقهقر إلى الوراء دفعة واحدة ..ليبدأ مع الخطوات الأولى فى عالم الاختفاء..عندما أخذت "رشا إدريس"تعيشه.. وبدأت تسير فيه "من شارع إلى شارع.من محطة إلى محطة..مكسورة الخاطر" لم تكن تدر أنها تخطو جهة السقوط .. ظانة أن الحياة بعيدة عن مسرح الواقعة الشاذة.. والأب الذى ارتكبها..هو الخلاص الوحيد من إثارة التقزز فى نفسها..وسوف تستطيع بالعمل تأمين احتياجاتها..لكنها اكتشفت بعد ذلك أنها ألقت بنفسها فى طريق الضياع.. المرصوف بالموت والحزن والأخطار المحدقة.

فى البداية تواجهت مباشرة بمطاردة لاحقتها فى محاولة لجذبها للسقوط .. لكنها قاومت ونجت ..فبدا لها أن التخلص من أية محاولة أخرى معها ستكون من الأمور السهلة.. وتستطيع الحفاظ على طهارتها ..لكنها استسلمت مع أول محاولة فى موطن الملاذ الذى لجأت إليه ..عندما "نامت عند صديقاتها عاملات التريكو.أتبول فى مرحاضهن الملىء بالصراصير.يرسمون على الحائط أعضاء تناسلية. لاتملأ المياه فىالمواسير إلا ليلا.أأتجول فى الصباح.أقضى حاجتى فى مرحاض عام..كان لون البق ضاربا إلى الحمرة..أحس بالألم ..قالت سيدة شديدة البياض أنت خائفة ..راحتى صارت ألما..كيف أخلع ملابسى بين جدران لاتعرفنى .تحاصرتنى صديقتى مثل معبود .مشروع خراب لزج. أريد أمى.سريرى.أختى. غرفتى.مرآتى..منشفتى. وسادتى .دبابيس شعرى .حذائى الأبيض.ليلا قامت صديقتى تعانقنى .ضوء شاحب رأيته يلسعنى مطبوعا على الحائط .نامت معى مثل رجل. تضاعفت مشقتى عندما غابت فى المصنع.حقائبك معك.الشارع أعمى ومستسلم لكل الغايات.القطط تدور فى الحارات بخوف"..لكن خوفها تبدد وسرعان ماتعودت على عرض جسدها للرجال تحت ضغط الحاجة.

عالم البحث عاشه الأب مع بداية الهروب..عندما اكتشف غياب ابنته "لجأ إلى نافذته المغلقة.حاد ورفيع كان صراخه ممتدا.إبحثوا لى عن ابنتى"..وعندما افتقدالمعاونة من الأهل والجيران اصطحب مناديا وأخذ يجوب معه الشوارع والاحارات وهو يتمنى أن يعثر عليها..لكن البحث لم يسفر عن شىء..وكاد يركن إلى اليأس .لكنه استمر أملا فى الحصول منها على غفرانها "يابنتى لا..بعيدا عنك..ليست ملامحى مثل حجمك..لم يبق لى سوى إشارة مكررة .الغفران..أتجنب نسيج صوتك. ترعد ذنوبى..بحدود البحر الضيق .خمسون يوما أبحث عنك.منكمشا على ناحية .الفضيحة فى ثوب نام".

وعالم البغى تعيشه"فاطمة السوداء "عاهلرة باكوس . . جعلت الجمل يعبر من ثقب الإبرة"..ضمت "رشا إدريس"إليه عندما لجأت إليها .

" ـــ احمينى يافاطمة السوداء

ـــ اقعدى بجوارى

ــ قد تعبت."

كانت قد حاولت أن تؤمن لنفسها المأوى والمأكل ..لكن الأبواب لم تسمح إلا بعبور جسدها أولا..حاولت البحث بعيدا عن دائرة البحث عنها التى ضاقت حولها..لكن شرطى القطار قبض عليها لركوبها بلا نقود..ثم ألقى بها داخل غرفة انتظار التحقيق "..خطت مثل جثة..ارتطمت فى رأس بغى.عضتها من ذراعها"..ثم كشفت لها عن عالمها الذى تجهله بوضوح..طلبت منها أن تنضم إليها ..لكن "فاطمة السوداء"رفضت أن تضمها إليها .. حتى تأكد لها أنها ارتضت بتسليم جسدها.

هذه العوالم الثلاثة التى بدت فى الرواية..ليس الإلمام بها سهلا كما يبدو من هذا الايجاز البسيط..فكلها تبدو متداخلة بمزج كثيف يجعل من الصعب استمرار متابعة أى منها دون التواجه بموقف أو مواقف تعترضه ..ولهذا يجد القارىء صعوبة فى المتابعة ..فيتراءى له أن الرواية غير مفهومة .. وأنها ليست سوى كلمات مرصوصة فى شكل جمل متناثرة..وكذا الحوار أيضا ..الذى يبدو دونما رابط بين جمله أحيانا.

ــ اقتربى منى .احك لى

ـــ ومن أنت

ـــ منك لله

ــ ومن هو الله؟.

ــ بطاقتك.

ــ السير على الأقدام دوخة.

ـــ الطفل الميت ابنك

ـــ لايشبهنى.

ــكيف فكرت فى إغراقه بالحوض الجافز."

وقد يبدو الحوار على شكل مسرحى فى بعض المواقف التى تضمها الرواية ..لكنه أيضا يبدو دونما ترابط:

"امنظر مخبأ.حجرة شبه دائرية.جدرانها وحشية السطح.من حجر يتدلى من السقف مصباح كهربى وحيد.هوايات خارجة من السقف.باب حديدى ذو فتحات ضيقة.إلى اليمين.

المنادى)مندفعا إلى الداخل) أدخل أنت وهى.

الأب: ياساتر.

شاب :)يسقط عند الباب وينهض) النهاية النهاية

طفل(يبكى) بابا ..ماما.

عجوز: (مفزوعا) ..الأمر..لله.

سييدة: (تمد ذراعا فى الخلاء) اتبعنى.اتبعنى يا احمد.تعال.هنا

قروية: يالطيف.يالطيف.يالطيف.

طفلة : ماما (تصرخ) ماما..ايه

حوذى: (يكلم حماره) كن قويا..(يضحك) لاتتحرك..تعال..حاحا..لاتخف (يتوسط المخبأ) عارة .يانهار أسود يابسكو.(يربت على ظهر حماره)..(صوت انفجاروتهدم..برهة صمت..المصباح ينطفىء فجأة

ذلك التصوير للمخبأ والشخوص لو أمعن النظر فيه..لبدا بوضوح مايرمى إليه الكاتب ..وما يريد توصيله إلى القارىء..إذ بمشاركة قد تكون مجهدة إلى حدا ما .. فعالة بين القارىء والكاتب يتحدد المخبأ الحقيقى الذى له باب حديدى ذو فتحات ضيقة .. ومصباح وحيد يتدلى من السقف ..وله هوايات ونوعيات الشخصيات المختلفة التى تواجدت فيه ..وانقطع الاتصال بينها وبين الخارج

أيضا الشخوص التى تجمعت حول الفتاة الراقدة دونما اتفاق بينهما على رأى واحد ..

(يصطف الحاضرون فى طابور أمام الفتاة الراقدة باستثناء الأب والدكتور والأم)

الحوذى: يوجد نبض

الإسكافى: بطىء.

العامل: لانبض.

الطاهى: النبض قوى.

الحانوتى: لا نبض.

(بوق عربة الإسعاف)

الطبيب: لم نتفق.

الإسكافى: ما رأيكم.

الأب: هه أنبض.

الإسكافى: نجرى قرعة.

فذلك الاختلاف حول مصير الفتاة حية أم ميتة يبدو اختلافا بين شخوص تختلف مهنها عن طبيعة الأمر الذى يدلون بدلوهم فيه.. ثم يضاف إليها الشيخ الذى يحتكمون إليه:

الشيخ: ما رأى الدكتور؟

الطبيب: الدقات سليمة

الإسكافى: رأيك أنت.

الشيخ: ما رأى الدين؟.

الأب : لانبض

الطبيب: رأيك أنت.

الشيخ: أعتقد أنه يوجد نبض..ولا يوجد نبض.

الطبيب: مجنون.

الطاهى: محال ..لقد قال كل منا رأيا واحدا.

الشيخ: وهل قال أحد مثلما قلت؟ا. ص "

رأى الشيخ المحتكم إليه يبدو دونما فائدة ..رغم أن الكل كان على استعداد لتقبل رأيه ايا كان ذلك الرأى ..خاصة من العامة ..وكمابدا لم يبق غير الطبيب هو الذى سفه الرأى..وكلاهما الشيخ والطبيب له مكانته فى نفس العامة..ولذافاختيارهما له دلالة فى ذلك المشهد.. مثلهما مثل الشخصيات الآخرى.. وإن كانا يتساويان فى الأهمية ..مع الأب والأم اللذين انتهى إليهما الرأى أخير.. وطلب الأب من الأم تحديد كون البنت حية أم ميتة.

الأم: انصرفوا الآن دعونى أحلم لكم بالحل..أحل جميع مشاكلى مع زوجىبهذه الطريقة.

الأب: دائما تحلم بالحلول.

ومن ثم تبدو كل الجمل وكل الحوارات التى تضمنتهاالرواية.. بعيدة كل البعد عن التلقائية والعفوية كما قد يتراءى من خلال القراءة العابرة ..فأى منها سواء جملة أو حوارا ذو دلالة.. تحمل من خلالها إيحاءا معينا ..ولذا تواجد الرمز بكثافة..لكن لن يعجز القارىء إذا مافكر بروية وإمعان فى التوصل إلى مضمون الرواية ..البادية كخليط من الكلمات غير المترابطة ..ومشاهد غير مترابطة

لأن المضمون ليس فقط هو تناول سقوط امرأة فى حياة الليل..لأن السقوط فى الحقيقة ليس غير فكرة نسج حولها الكاتب خيوطا متشابكة ..تتفرع..وتتلاقى.. دونما بداية لها او نهاية..لكنها فى مجموعها تشكل واقعا ملموسا فيه كل الموبقات رغم أنه أساسا يرفضها

ومن خلال ذلك المضمون يمكن التوصل إلى معان ودلالات كثيرة ..رغم أن الكاتب قدمه فى شكل من الأشكال التى يصعب على القارىء فهمها منذ البداية ..خاصة إذا كان يتعامل معها لأول مرة ..لكن ذلك الشكل هو المستخدم فى الرواية الجديدة.. التى تعتمد أساسا على تيار الوعى المسترسل بتداع غير منظم من خلال عقل الشخحصية الذى تمتزج فيه الحقائق بالخيال..فى لحظة الحال التى ينساب إليها خلالها ماهو موجود بالذاكرة دونما مباشرة ..لكن ذلك التداعى يتغير دوما وداخله يتناقض مع الزمن إذ ليس فيه مايشير إلى أن حدثا ما ..أو موقف ما..يسبق غيره ..ومن ثم يتغير التكنيك فى الرواية بصفة مستمرة ..وقد يشبه أحيانا فى القطع والمزج ما يستخدم فى التكنيك السينمائى .

فالحبكة مفقودة تماما إذ ليس بعد البداية مايبدو متكاملا ..الحدث والموقف يتداحلان وبتتابع المزج والقطع دونما ترتيب وقد يتغير أى منهما إلى مايغايره ..لكن ذلك لايعنى أن الرواية الجديدة ليست سوى كلمات مرصوصة تتشكل منها جملا متناثرة كما يعتقد البعض ..فهى رغم شكلها الموحى بالاسترسال فى متاهات عديدة ..تعتمد على خطوط واضحة تغيب على القارىء لافتقاده الحبكة التقليدية .. كما هو واضح فى الرواية ..من خلال عوالمها التى تحددت بداياتها.. وبقيت نهاياتها دونما تحديد.

فعالم الاختفاء انتهى بممارسة البغاء..وعالم البحث انتهى بتعب الأب فقرر انتظار ابنته.."المقهى عام..شد الحكمة من كوب الشاى..خائب فى عيون المارة ..سعل. ظل منسى المكان .جماعة الشحاذين الموسيقيين.الملونين. حين تمر ابنتى سأنهض".

وعالم البغاء انتهى بالنسبة ل"فاطمة السوداء" بدخول السجن .. بينما بقيت "رشا إدريس" تتطلع إلى العودة إلى عالمها الأصلى.. وأحلامها التى كانت.."فى انتظار مجىء واحد.فداء. فوق الأرض مهارته.يغنى.يحب. يكتب لى رسالة فى لون البحر .دفء الدنيا ..يستغرق الوقت فى عناقى. وتقبيلى. يهرش لى ظهرى.وراء أذنى. يرغمنى على الأكل. أقول له أنت..يقول لى أنت..وذلك كله أملا فى الراحة والاطمئنان ..والتخلص من مطاردات الشرطة لها..والتى انتهت داخل سجن الحضرة ..لكنها ظلت فى مفتنرق الطرق "مدت أول خطوة.الثانية تزحلقت.قدماها فى اتجاهين متضادين "ا

فكل هذه النهايات للعوالم الثلاثة لها مابعدها ..لأنها ليست نهايات قطعية تحدد آخر المطاف كما يقال..لما آلت إليه حياة الشخصية.

والزمن ..وان كان يتناقض فى سياق التداعى ..إلا أنه يبدو محددا وفق الفواصل التى بدت فى الشكل ..الواقع الخارجى لم يتعد حدوداللحظات ..والواقع الداخلى ــ الزمن النفسى ــيقارب الخمسة أعوام ..ومن ثم يبدو زمن التداعى رغم طوله قصير جدا ..إذ أن جل التداعى ينساب من ذاكرة "رشا إدريس" وحدها وذلك خلال محاولتها ربط الحذاء ..تلك المحاولة التى تناثرت كمقاطع بطول الرواية.

والجمل منذ البداية تشكل منها الأسلوب معتمدا على الوصف لا التقريرية .."هاكم رقبتى تنكمش عليها السنوات.ربع قرن"الصفحة الأولى ..أى أن "رشا إدريس" عمرها خمسة وعشرين عاما ..هذا على سبيل المثال ..وهو مايبدى الجهد المبذول من الكاتب فى اختيار صيغة التعبير ..وصولا إلى خلق جمل جديدة ولزيادة شحنات المعنى ..لذا يمكن القول أن "محمود عوض عبد العال" قدم روايته "عين سمكة" من خلال تجربة الرواية الجديدة ..فاستطاع أن يكون ضمن البعض القليل الذى يبدو فى تاريخ الرواية العربية كعلامات مضيئة ..وأكد بتجربته الروائية .. أن الخلق الإبداعى له وجوده الحقيقى..ولا يزال يبتكر الجديد أملا فى الارتقاء بمكانة الرواية العربية.

لكن تلك الأعمال تبقى داخل دائرة التجريب رغم مابذله كتابها من جهد ..إلى حين تبدو الرواية العربية الجديدة التى تكون من إبداع خاص ..دونما تأثر بمواكبة التحديث الآتى من الغرب ..فتتحلص حينئذ التجربة الروائية العربية من التبعية..وتسمو إلى منزلة الابتكار.

+++++++++++++++

السيد الهبيان


ازدواج الواقع فى عين سمكة
رواية محمود عوض عبد العال
السيد الهبيان

معظم الكتاب والروائيين العرب عادة مايطرحون تجاربهم الروائية بأشكال متقاربة .. ومضامين متشابهة .. إلى حد أنها تبدو محتلفة تماما وكأنها ملتزمة بقالب معين ..وإن كان ثمة اختلاف فى ذلك القالب ..فهو فى تقديمه بأوجه محتلفة ..ومن ثم يصعب التمييز بين كاتب وآخرلافتقاد الروائيين التقليديين الفرق فيما بينهم.. حتى أضحى اختلاف الأعمار فى التجربة الروائية بين الكتاب ..يكاد يكون لا أثر له فى عملية اإابداع.
لااختلاف فى ذلك كما يبدو لكون انسبب يكمن فى اختيار الروائى الشكل الأسهل فى اعتقاده ويقدم تجربته من خلاله.. وعادة ما يكون هذا الشكل فى الإطار التقليدى الذى بدا منذ نشاة الرواية .. فيبدو الروائى وكأنه يكرر ما قبله ومن ثم تأتى تجربته دونما اختلاف عن غيرها من التجارب التى سبقتها.. ويجعل من الصعب تمييز كتابات الجيل المعاصر عن كتابات الأجيال السابقة وخاصة جيل الرواد.
ولكن ثمة البعض وإن كان قليلا يحاول جاهدا مواكبة التطور فى الشكل الروائى .. فيحاول جاهدا مواكبة التطور الروائى والتجديد فيه لتبدو تجربته الاإداعية ذات سمة محددة خاصة به .. تضعه بين المجددين الذين يسعون إلى الابتكار.. ويتخطون الأشكال الجاهزة المعنونة بالتقليدية .
من ذلك البعض القليل الروائى السكندرى" محمود عوض عبد العال" الذى يحاول أن تكون تجربته اإابداعية ذات سمة معينة خاصة به .. تضعها ضمن التجارب الروائية الجديدة المعاصرة .
بدأ تلك التجربة فى روايته "سكر مر ".. وأكدها فى روايته " عين سمكة ".. والتى عمد فيها على أن تكون باختلاف عن تجارب الاخرين الذين سبقوه .. وأيضا من هم فى نفس جيله.
فتجربته الروائية كما بدت فى روايتيه" سكر مر" و"عين سمكة" قدمها وفق نهج مايسمى بالرواية الجديدة .. التى لاتنال استحسانا من القارىء العادى.. الذى يبدو أسير الروايات التقليدية..وتتطلب جهدا من القارىء الجيد ..الذى يعنى فى الأساس بتفهم العمل الروائى ومضمونه .. متجاوزا الأطر التقليدية.. وينسحب إلى مشاركة فعالة وخلاقة .. و معايشة تيار الوعى المستخدم فى الرواية الجديدة .. الذى يغوص فى أعماق الشخصية بتداع يعتمد على الإيحاء .. دون الالتزام بترتيب زمنى .. يتوافق مع تسلسل الأحداث.. ومن ثم يمكن القول أنه يتحتم عليه أن يقف على ماهية العمل الروائى ..الذى يضعه فى موقف المتأمل ..الذى يحيد به عن القراءة العابرة...وهو ماتمت الإشارة إليه على الغلاف الأخير لرواية "عين سمكة"..بأنها " رؤية تحتاج إلى جهد و معاناة فى القراءة".. وليس ذلك بجديد على عاى تجربة "محمود عوض عبد العال" فى الرواية.. وأيضا فى القصة القصيرة ..كما بدا فى مجموعته القصصية القصيرة " الذى مر على مدينة".. اذ يتحتم على القارىء ان يبذل كثيرا من الجهد حال معايشته العمل الإبداعى .. رواية كان أو قصة قصيرة.. والذى يرتقى به من مستوى السرد التقليدى ..إلى سرد غير مألوف فيه.. يكون قد تعوده بفعل التصوير السهل للأحداث ..الذى يتماثله حال استرخاء مريح قبل الاستسلام للنوم.
فالقارىء لرواية "عين سمكة "سيفتقد السرد التقليدى السائد فى الكثير من الأعمال الروائية..فضلا عن أنه سيتعايش مع شخصيات منغلقة على داخلها.. وعليه أن يتعامل مع مفاتيحها ..ليتعرف على ماهيتها ..وما تمثله فى منطومة الحياة التى تعيشها.
"رشا ادريس"... الابنة الهاربة من الأب ,,إحدى نساء الليل.. فى الخامسة والعشرين من عمرها .. قد تبدو مثل أية امراة ساقطة عادية انضمت الى عالم البغى .. وقد تكون الظروف التى دفعتها إلى ذلك العالم لها ما يشابهها وإن اختلفت فى التفاصيل .. فهى قبل أن تكون بغيا كانت طالبة جامعية "بيت الطالبات ضمنى معقمة بالثانوية العامة أدبى" ..كان شعرها طويلا مضفورا ولم تكن تستعمل المساحيق .. رغم العالم الرومانسى الذى تعيشه زميلاتها الطالبات حولها .. كانت تبدو حزينة كتمثال .. لفتت انتباه المشرفة الاجتماعية .. لكنها لم تبح لها بسر حزنها.. ذلك السر الذىتخجل أن تقوله لها رغم أنها كشفت عنه لزميلاتها فى المدرسة .. "رأيت أبى يضاجع طفل ابن عمى"..ضربتها إحداهن .. فكان عليها من يومها أن تكتمه فى داخلها ..لكن الصورة الشاذة ظلت محفورة فى ذهنها وتطفوا من آن لاخر.."كان يضاجع طفل ابن عمى . الجسد الصغير ينتفض من الضغط . لم اأكن أستطيع وأنا فى هذه الحالة اأن اضع عينا على أمنى.. وعينا على الماضى . معلقة على جدران حجرتى خمسة ايام".. بعدها قررت الهروب ليلا ..أأملا فى أن تجد الخلاص فى عالم الاختفاء..فقد بدا لها الخروج من البيت هو المنقذ من صراعات الداخل حول ذلك الفعل الشاذ..لكنه كان بداية الطريق إلى عالم نساء الليل..حيث عليها فى ذلك العالم أن تعرض نفسها كسلعة لتؤمن إمكانية الحصول على المأوى والمأكل.
الأب : محارب قديم اشترك فى الحرب العالمية الثانية ولتكاسله وإهماله لم يستمر .. وانضم بعد التحقيق معه إلى جمعية المحاربين القدماء.
فاطمة السوداء: قوادة "فى حجم العالم ..قادمة من خط الشمس ..التجاعيدتحتل وجهها.. جفنيها مسنونة بالاغتصاب..برواز صدرها مجرد تلافيف .غابات فى حالة سيئة .يموت هناك على فخذيها كل مايقوله جرس الكنيسة.
ثلاثة شخصيات.. لثلاثة عوالم..الاختفاء .البحث .الرذيلة. وثمة شخصيات أخرى لكنها تبدو كإشارات سريعة.. تلقى الضوءعلى شىء ما.. يكون إيضاحه لأى من العوالم الثلاثة .. من الاشياء التى تبرز احد مواقفها.. او ارتباطها بعوالم أخرى.
عالم الاختفاء تعيشه الإبنة الهاربة"رشا إدريس" .. وعالم البحث يعيشه الأب ..وعالم الرذيلة تعيشه "فاطمة السوداء"..وتبدو هذه العوالم الثلاثة فى الرواية على مستوى واحدمن الأهمية..أو كخطوة أساسية إلا أنها تكشف من خلالها عن عوالم أخرى متغايرة ومضادة لها..تبدو كإشارات سريعة موحية..وتلقى الضوء على الأشياء الشاذة الكثيرة المتواجدة فى كل هؤلاء العوالم والشخوص ..يبدون فى إطار يجمع بينهم بتمازج حتمى .. فثمة ارتباط واحد هو الذى يتواصل بينها.. يتمثل فى الشخصية الرئيسية "رشا إدريس" .. التى يفرز واقعاها الداخلى والخارجى.. كل المواقف والأحداث التى تبدو فى عالمى الاختفاء والبحث .. اللذين يبدوان فى تضاد بطبيعتهما.. متلاحقا أحدهما من الآخر ..فهما يتقاربان إلى حد التلاقى..ثم يتباعدان..لكن يظل الالتقاء النهائى المنتظر تعترضه علامة استفهام .. ذلك لأن عالم الاختفاء يظل دونما نهاية متداخلا فى عالم الرذيلة .. الذى يمكن القول عنه أنه تحول لعالم الاختفاء .. فالعالمان قد يكونا شيئا واحدا بالنسبة للشخصية الرئيسية "رشا إدريس" .. لكونها تعيشه مختفية فى عالم البغى ..ومن ثم فمصير البحث الجارى من الأب يظل معلقا لعدم عثوره على ابنته.
كل ذلك يبدو من خلال واقع"رشا إدريس" الذى عاشته وقدمه "محمود عوض عبد العال" من خلال حاضرها .. فبدا الواقع بازدواج خارجى وداخلى .. متداخل .. ولا يغير من ذلك تحديد الفاصل بين الحاضر والماضى .. كواقع خارجى تعيشه..وواقع داخلى عاشته.. فهى تبدو من خلال الحاضر فى الموقف الخارجى .. مختبئة فى ركن منزو بانتظار توقف سقوط المطر .."تسعل.تكح.ترتجف.بلا ارتباط مع أحد"..ثم يبدو الماضى فى الواقع الداخلى يتدفق بكثافة ..بتداع يبدأ من لحظة الحاضر بوصف الحال..ثم يتقهقر إلى الوراء دفعة واحدة ..ليبدأ مع الخطوات الأولى فى عالم الاختفاء..عندما أخذت "رشا إدريس"تعيشه.. وبدأت تسير فيه "من شارع إلى شارع.من محطة إلى محطة..مكسورة الخاطر" لم تكن تدر أنها تخطو جهة السقوط .. ظانة أن الحياة بعيدة عن مسرح الواقعة الشاذة.. والأب الذى ارتكبها..هو الخلاص الوحيد من إثارة التقزز فى نفسها..وسوف تستطيع بالعمل تأمين احتياجاتها..لكنها اكتشفت بعد ذلك أنها ألقت بنفسها فى طريق الضياع.. المرصوف بالموت والحزن والأخطار المحدقة.
فى البداية تواجهت مباشرة بمطاردة لاحقتها فى محاولة لجذبها للسقوط .. لكنها قاومت ونجت ..فبدا لها أن التخلص من أية محاولة أخرى معها ستكون من الأمور السهلة.. وتستطيع الحفاظ على طهارتها ..لكنها استسلمت مع أول محاولة فى موطن الملاذ الذى لجأت إليه ..عندما "نامت عند صديقاتها عاملات التريكو.أتبول فى مرحاضهن الملىء بالصراصير.يرسمون على الحائط أعضاء تناسلية. لاتملأ المياه فىالمواسير إلا ليلا.أأتجول فى الصباح.أقضى حاجتى فى مرحاض عام..كان لون البق ضاربا إلى الحمرة..أحس بالألم ..قالت سيدة شديدة البياض أنت خائفة ..راحتى صارت ألما..كيف أخلع ملابسى بين جدران لاتعرفنى .تحاصرتنى صديقتى مثل معبود .مشروع خراب لزج. أريد أمى.سريرى.أختى. غرفتى.مرآتى..منشفتى. وسادتى .دبابيس شعرى .حذائى الأبيض.ليلا قامت صديقتى تعانقنى .ضوء شاحب رأيته يلسعنى مطبوعا على الحائط .نامت معى مثل رجل. تضاعفت مشقتى عندما غابت فى المصنع.حقائبك معك.الشارع أعمى ومستسلم لكل الغايات.القطط تدور فى الحارات بخوف"..لكن خوفها تبدد وسرعان ماتعودت على عرض جسدها للرجال تحت ضغط الحاجة.
عالم البحث عاشه الأب مع بداية الهروب..عندما اكتشف غياب ابنته "لجأ إلى نافذته المغلقة.حاد ورفيع كان صراخه ممتدا.إبحثوا لى عن ابنتى"..وعندما افتقدالمعاونة من الأهل والجيران اصطحب مناديا وأخذ يجوب معه الشوارع والاحارات وهو يتمنى أن يعثر عليها..لكن البحث لم يسفر عن شىء..وكاد يركن إلى اليأس .لكنه استمر أملا فى الحصول منها على غفرانها "يابنتى لا..بعيدا عنك..ليست ملامحى مثل حجمك..لم يبق لى سوى إشارة مكررة .الغفران..أتجنب نسيج صوتك. ترعد ذنوبى..بحدود البحر الضيق .خمسون يوما أبحث عنك.منكمشا على ناحية .الفضيحة فى ثوب نام".
وعالم البغى تعيشه"فاطمة السوداء "عاهلرة باكوس . . جعلت الجمل يعبر من ثقب الإبرة"..ضمت "رشا إدريس"إليه عندما لجأت إليها .
" ـــ احمينى يافاطمة السوداء
ـــ اقعدى بجوارى
ــ قد تعبت."
كانت قد حاولت أن تؤمن لنفسها المأوى والمأكل ..لكن الأبواب لم تسمح إلا بعبور جسدها أولا..حاولت البحث بعيدا عن دائرة البحث عنها التى ضاقت حولها..لكن شرطى القطار قبض عليها لركوبها بلا نقود..ثم ألقى بها داخل غرفة انتظار التحقيق "..خطت مثل جثة..ارتطمت فى رأس بغى.عضتها من ذراعها"..ثم كشفت لها عن عالمها الذى تجهله بوضوح..طلبت منها أن تنضم إليها ..لكن "فاطمة السوداء"رفضت أن تضمها إليها .. حتى تأكد لها أنها ارتضت بتسليم جسدها.
هذه العوالم الثلاثة التى بدت فى الرواية..ليس الإلمام بها سهلا كما يبدو من هذا الايجاز البسيط..فكلها تبدو متداخلة بمزج كثيف يجعل من الصعب استمرار متابعة أى منها دون التواجه بموقف أو مواقف تعترضه ..ولهذا يجد القارىء صعوبة فى المتابعة ..فيتراءى له أن الرواية غير مفهومة .. وأنها ليست سوى كلمات مرصوصة فى شكل جمل متناثرة..وكذا الحوار أيضا ..الذى يبدو دونما رابط بين جمله أحيانا.
ــ اقتربى منى .احك لى
ـــ ومن أنت
ـــ منك لله
ــ ومن هو الله؟.
ــ بطاقتك.
ــ السير على الأقدام دوخة.
ـــ الطفل الميت ابنك
ـــ لايشبهنى.
ــكيف فكرت فى إغراقه بالحوض الجافز."

وقد يبدو الحوار على شكل مسرحى فى بعض المواقف التى تضمها الرواية ..لكنه أيضا يبدو دونما ترابط:
"امنظر مخبأ.حجرة شبه دائرية.جدرانها وحشية السطح.من حجر يتدلى من السقف مصباح كهربى وحيد.هوايات خارجة من السقف.باب حديدى ذو فتحات ضيقة.إلى اليمين.
المنادى)مندفعا إلى الداخل) أدخل أنت وهى.
الأب: ياساتر.
شاب :)يسقط عند الباب وينهض) النهاية النهاية
طفل(يبكى) بابا ..ماما.
عجوز: (مفزوعا) ..الأمر..لله.
سييدة: (تمد ذراعا فى الخلاء) اتبعنى.اتبعنى يا احمد.تعال.هنا
قروية: يالطيف.يالطيف.يالطيف.
طفلة : ماما (تصرخ) ماما..ايه
حوذى: (يكلم حماره) كن قويا..(يضحك) لاتتحرك..تعال..حاحا..لاتخف (يتوسط المخبأ) عارة .يانهار أسود يابسكو.(يربت على ظهر حماره)..(صوت انفجاروتهدم..برهة صمت..المصباح ينطفىء فجأة
ذلك التصوير للمخبأ والشخوص لو أمعن النظر فيه..لبدا بوضوح مايرمى إليه الكاتب ..وما يريد توصيله إلى القارىء..إذ بمشاركة قد تكون مجهدة إلى حدا ما .. فعالة بين القارىء والكاتب يتحدد المخبأ الحقيقى الذى له باب حديدى ذو فتحات ضيقة .. ومصباح وحيد يتدلى من السقف ..وله هوايات ونوعيات الشخصيات المختلفة التى تواجدت فيه ..وانقطع الاتصال بينها وبين الخارج
أيضا الشخوص التى تجمعت حول الفتاة الراقدة دونما اتفاق بينهما على رأى واحد ..
(يصطف الحاضرون فى طابور أمام الفتاة الراقدة باستثناء الأب والدكتور والأم)
الحوذى: يوجد نبض
الإسكافى: بطىء.
العامل: لانبض.
الطاهى: النبض قوى.
الحانوتى: لا نبض.
(بوق عربة الإسعاف)
الطبيب: لم نتفق.
الإسكافى: ما رأيكم.
الأب: هه أنبض.
الإسكافى: نجرى قرعة.

فذلك الاختلاف حول مصير الفتاة حية أم ميتة يبدو اختلافا بين شخوص تختلف مهنها عن طبيعة الأمر الذى يدلون بدلوهم فيه.. ثم يضاف إليها الشيخ الذى يحتكمون إليه:
الشيخ: ما رأى الدكتور؟
الطبيب: الدقات سليمة
الإسكافى: رأيك أنت.
الشيخ: ما رأى الدين؟.
الأب : لانبض
الطبيب: رأيك أنت.
الشيخ: أعتقد أنه يوجد نبض..ولا يوجد نبض.
الطبيب: مجنون.
الطاهى: محال ..لقد قال كل منا رأيا واحدا.
الشيخ: وهل قال أحد مثلما قلت؟ا. ص "
رأى الشيخ المحتكم إليه يبدو دونما فائدة ..رغم أن الكل كان على استعداد لتقبل رأيه ايا كان ذلك الرأى ..خاصة من العامة ..وكمابدا لم يبق غير الطبيب هو الذى سفه الرأى..وكلاهما الشيخ والطبيب له مكانته فى نفس العامة..ولذافاختيارهما له دلالة فى ذلك المشهد.. مثلهما مثل الشخصيات الآخرى.. وإن كانا يتساويان فى الأهمية ..مع الأب والأم اللذين انتهى إليهما الرأى أخير.. وطلب الأب من الأم تحديد كون البنت حية أم ميتة.
الأم: انصرفوا الآن دعونى أحلم لكم بالحل..أحل جميع مشاكلى مع زوجىبهذه الطريقة.
الأب: دائما تحلم بالحلول.
ومن ثم تبدو كل الجمل وكل الحوارات التى تضمنتهاالرواية.. بعيدة كل البعد عن التلقائية والعفوية كما قد يتراءى من خلال القراءة العابرة ..فأى منها سواء جملة أو حوارا ذو دلالة.. تحمل من خلالها إيحاءا معينا ..ولذا تواجد الرمز بكثافة..لكن لن يعجز القارىء إذا مافكر بروية وإمعان فى التوصل إلى مضمون الرواية ..البادية كخليط من الكلمات غير المترابطة ..ومشاهد غير مترابطة
لأن المضمون ليس فقط هو تناول سقوط امرأة فى حياة الليل..لأن السقوط فى الحقيقة ليس غير فكرة نسج حولها الكاتب خيوطا متشابكة ..تتفرع..وتتلاقى.. دونما بداية لها او نهاية..لكنها فى مجموعها تشكل واقعا ملموسا فيه كل الموبقات رغم أنه أساسا يرفضها
ومن خلال ذلك المضمون يمكن التوصل إلى معان ودلالات كثيرة ..رغم أن الكاتب قدمه فى شكل من الأشكال التى يصعب على القارىء فهمها منذ البداية ..خاصة إذا كان يتعامل معها لأول مرة ..لكن ذلك الشكل هو المستخدم فى الرواية الجديدة.. التى تعتمد أساسا على تيار الوعى المسترسل بتداع غير منظم من خلال عقل الشخحصية الذى تمتزج فيه الحقائق بالخيال..فى لحظة الحال التى ينساب إليها خلالها ماهو موجود بالذاكرة دونما مباشرة ..لكن ذلك التداعى يتغير دوما وداخله يتناقض مع الزمن إذ ليس فيه مايشير إلى أن حدثا ما ..أو موقف ما..يسبق غيره ..ومن ثم يتغير التكنيك فى الرواية بصفة مستمرة ..وقد يشبه أحيانا فى القطع والمزج ما يستخدم فى التكنيك السينمائى .
فالحبكة مفقودة تماما إذ ليس بعد البداية مايبدو متكاملا ..الحدث والموقف يتداحلان وبتتابع المزج والقطع دونما ترتيب وقد يتغير أى منهما إلى مايغايره ..لكن ذلك لايعنى أن الرواية الجديدة ليست سوى كلمات مرصوصة تتشكل منها جملا متناثرة كما يعتقد البعض ..فهى رغم شكلها الموحى بالاسترسال فى متاهات عديدة ..تعتمد على خطوط واضحة تغيب على القارىء لافتقاده الحبكة التقليدية .. كما هو واضح فى الرواية ..من خلال عوالمها التى تحددت بداياتها.. وبقيت نهاياتها دونما تحديد.
فعالم الاختفاء انتهى بممارسة البغاء..وعالم البحث انتهى بتعب الأب فقرر انتظار ابنته.."المقهى عام..شد الحكمة من كوب الشاى..خائب فى عيون المارة ..سعل. ظل منسى المكان .جماعة الشحاذين الموسيقيين.الملونين. حين تمر ابنتى سأنهض".
وعالم البغاء انتهى بالنسبة ل"فاطمة السوداء" بدخول السجن .. بينما بقيت "رشا إدريس" تتطلع إلى العودة إلى عالمها الأصلى.. وأحلامها التى كانت.."فى انتظار مجىء واحد.فداء. فوق الأرض مهارته.يغنى.يحب. يكتب لى رسالة فى لون البحر .دفء الدنيا ..يستغرق الوقت فى عناقى. وتقبيلى. يهرش لى ظهرى.وراء أذنى. يرغمنى على الأكل. أقول له أنت..يقول لى أنت..وذلك كله أملا فى الراحة والاطمئنان ..والتخلص من مطاردات الشرطة لها..والتى انتهت داخل سجن الحضرة ..لكنها ظلت فى مفتنرق الطرق "مدت أول خطوة.الثانية تزحلقت.قدماها فى اتجاهين متضادين "ا
فكل هذه النهايات للعوالم الثلاثة لها مابعدها ..لأنها ليست نهايات قطعية تحدد آخر المطاف كما يقال..لما آلت إليه حياة الشخصية.
والزمن ..وان كان يتناقض فى سياق التداعى ..إلا أنه يبدو محددا وفق الفواصل التى بدت فى الشكل ..الواقع الخارجى لم يتعد حدوداللحظات ..والواقع الداخلى ــ الزمن النفسى ــيقارب الخمسة أعوام ..ومن ثم يبدو زمن التداعى رغم طوله قصير جدا ..إذ أن جل التداعى ينساب من ذاكرة "رشا إدريس" وحدها وذلك خلال محاولتها ربط الحذاء ..تلك المحاولة التى تناثرت كمقاطع بطول الرواية.
والجمل منذ البداية تشكل منها الأسلوب معتمدا على الوصف لا التقريرية .."هاكم رقبتى تنكمش عليها السنوات.ربع قرن"الصفحة الأولى ..أى أن "رشا إدريس" عمرها خمسة وعشرين عاما ..هذا على سبيل المثال ..وهو مايبدى الجهد المبذول من الكاتب فى اختيار صيغة التعبير ..وصولا إلى خلق جمل جديدة ولزيادة شحنات المعنى ..لذا يمكن القول أن "محمود عوض عبد العال" قدم روايته "عين سمكة" من خلال تجربة الرواية الجديدة ..فاستطاع أن يكون ضمن البعض القليل الذى يبدو فى تاريخ الرواية العربية كعلامات مضيئة ..وأكد بتجربته الروائية .. أن الخلق الإبداعى له وجوده الحقيقى..ولا يزال يبتكر الجديد أملا فى الارتقاء بمكانة الرواية العربية.
لكن تلك الأعمال تبقى داخل دائرة التجريب رغم مابذله كتابها من جهد ..إلى حين تبدو الرواية العربية الجديدة التى تكون من إبداع خاص ..دونما تأثر بمواكبة التحديث الآتى من الغرب ..فتتحلص حينئذ التجربة الروائية العربية من التبعية..وتسمو إلى منزلة الابتكار.

+++++++++++++++
السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007