[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قبل أن يصل الأسير (رواية)4 الجزء الأول ... من أعلى نقطة فى سماء العراق
التاريخ:  القراءات:(792) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
                الفصل الرابع

               

    ندوة ريم

أنطلقنا أنا وزياد بسيارتى تجاه مطار القاهرة .. كانت السماء قد أمرت أن تغسل شوارع القاهرة بشئ من الرزاز الخفيف .. كدموع الأمهات الأرامل حين يودعن أبنائهن المتجهين للحرب .. مطر حار وهادئ وحنون .. ترى هل الأرض ستغتسل من رجسها يا زياد ؟ هل سيغسل لنا الله ما علق فى قلوبنا ــ بفعل السنين ــ من أدران الحياة ؟ أرانا كبرنا ولم نعد قادرين على جرأة الأطفال بالجرى تحت المطر .. فرحنا صار يرتدى ثوبا من الوقار والقشابة فخفنا أن نلهو قليلا  تحت قطرات من الماء حتى لا يبتل ذلك الثوب فى أعين الناس ..

قلت لزياد مستفهما ومتأملا :

ــ هل كبرنا يا زياد .. هل نضبت المياه ف مشاعرنا مع الوقت فصرنا أخشابا جافة لا تصلح الا لتدفئة النساء فى ليال الشتاء الباردة ؟

أجابنى كأنما كان يقرأ أفكارى قائلا :

ــ أوقف السيارة يا محمد .. أشتاق لأن أمشى قليلا تحت المطر .

رغم فرحتى الكبيرة حاولت أن أضفى شيئا من الوقار والرزانة على كلامى فقلت :

ــ الا ترى أننا كبرنا بعض الشئ على ذلك يا زياد .. ثم أننا قد نتأخر على موعد الطائرة .

أجاب مداعبا :

ــ أنت وحدك من كبر يا رجل .. ومازال الوقت مبكرا على موعد الطائرة

قلت وأنا أضحك :

ــ حسنا أنت من طلب ذلك

ركنت السيارة على جانب الطريق ونزلنا منها وكنت أحس بنوع من ألاحراج اذ أن المارة فى الشارع يستترون من المطر ونحن نمشى مبتسمين دون الخوف على ملابسنا

قال زياد :

أحس الآن أننى عدت طفلا صغيرا وأمه تحاول أن تمنعه من الابتلال بماء المطر وهو يحاول التملص منها

ثم فجأة ترك زياد يدى وبسطهما كمن يحضن الهواء وهو يصرخ بأعلى الصوت :

ــ آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ وأخذ يجرى فى الشارع حاولت اللحاق به ولكنى اكتشفت اثر الزمن حين يرسم الحدود لجسدى العجوز فوقفت مكانى حتى انتهى زياد من نوبة الصراخ والجرى وعاد الى ... ثم عدنا للسيارة لا نكاد نلتقط أنفاسنا من كثرة الضحك لم أستطع القيادة بهذا الشكل فتركت المقود لزياد حتى اقتربنا من مدخل المطار فأخذت مكانه ثم دخلنا الى صالة الهبوط .. كانت الطائرة على وشك الهبوط يتبقى لها ربع الساعة .. كان زياد واقفا بجانبى وأنا جالس ينظر من خلال الزجاج كطفل صغير ينتظر أمه التى تأخرت عليه .. وقتها أحسست أن لى ولدا لم يغيب عنى .. كان فى مثل سن ولدى وكنت أعتبره كولدى .. آآآآيه يا زياد .. ترى هل كل هذا الشوق الذى كان مخبئا كان لريم أم لشادى ..؟ ترى هل كنت بالفعل تحب ريم ؟ .. أم أن الظروف هى التى حكمت عليك بهذا الزواج ..؟ أنت مسلم وهى مسيحية كاثوليكيه كيف استطعتما أن تعيشا فى بداية الأمر .. أنا أعرف أنها كانت تحبك .. رجل فى مثل ظروفك فى ذلك الوقت ما كانت ترضى به امرأة عاقلة .. وفى خضم حرب شعواء تقدم لك صحكا للنجاة وتقف وحيدة ضد الجميع قائلة أنا من سيتصدى لمن يؤذيك .. وفى بلد غريب عنكما .. أينعم .. ليس للحرب قواعد ولكنها خلقت قاعدة تقول بكل وضوح .. نعم تزوجته ويا قومى أذا أصاب زوجى أى مكروه فسوف تكسبون عدوا جديدا أشرس ما يكون .. سأسبكم وألعنكم ما حييت وبكل ما أوتيت من قوة .. هى امرأة استثنائية يا زياد بفعلها قلبت الأمور من مراسل مصور مهدد بالقتل ومن معه الى رجل تفتح له كل الأبواب المغلقة من الجميع .. لو أنها كانت كاذبة لكنت الآن فى عداد الأموات أنت ومن كان معك .. هى أمرأة استثنائية يا زياد مثقفة وجميلة وصحفية وأديبة وذات ود مع الجميع .. لكنها لم تسلم .. لبيروت أن تفخر .. ولجبال الأرز أن تطلق زغرودة يسمعها القتلة والسفاحين ووائدى الحلم فى أعين البسطاء .. كان حبا ولد تحت صوت القصف  ووسط دوى القنابل .. فأزال شيئا ــ حتى لو كان قليلا ــ من ظلم الانسان لأخيه ... كنتما تقولا فى وسط القتل نحن بشر وكلانا لاينتمى لمعسكر القتلة والجلادين .. لا دين يرضى بهذا القتل .. لا دين يرضى .. فتحت الأبواب فقط خوفا من قوة الحب وقوة الايمان .. فخاف الجلادين من احتضان ايديكما عند وصولكما لمواقع الجلد فكانوا يخفون سياطهم ويحاولون أن يكونوا أكثر انسانية .. خوفا من ايمانكما بالعدل والرحمة والاخاء الذى ربطكما برباط مقدس مكلل بالحب .

ــ هبطت الطائرة يا محمد

هتف بها زياد بفرح أدى الى أن جعل كل من فى القاعة ينظر الينا فأجبته بهدوء:

ــ اهدأ يا زياد الناس تنظر الينا .

وسط فرحته وشوقه لم يعر لعبارتى الأخيرة أى اهتمام فجلست مكانى أنظر من خلال الزجاج هبوط الطائرة وربطها بسلم الهبوط .. كان المسافرون يهبطون على السلم وكنا ننظر اليهم كمن ينتظرون أن يعلن أسمائهم للفوز بجائزة نوبل أو بوليترز أو البابطين ..ثم ظهرت ريم .. أمرأة ثلاثينية الجسد .. خمسينية الفكر .. عشرينية المشاعر .. ذات الخمس سنوات كبراءة شادى ابنها .. أقول .. هى سيدة كل وقت .. وأى وقت .. تعرف كيف تكون (هى ألانثى ) التى يرغبها الرجال ولا ينالوها الا اذا ابتغت هى ذلك .. هى امرأة .. هى امرأة تعرف كيف تحتوى رجلها كما هو يحتويها .. امرأة ــ ان أرادت ــ تكون لك كما تحب أنت أن تراها .. فتارة تجدها احدى سيدات البلاط الفرنسى بأناقتهن المعروفة قبل عهد الثورة الفرنسية .. وأخرى كفتاة فى عصر الحداثة الأمريكية بتحررها وزيها الجينز وايقاع موسيقاها المتسارع .. أو اذا تحتم الأمر تجدها كجندى حليق الرأس بملابس رجولية كاملة حال ذهابه لمهمة انتحارية فى أرض العدو لكنى تنقذك من براثنه .. فى كثير من الأحيان يخيل الى أن ورائها كتيبة من الجنود تدبر لها أحوالها وملبسها وحتى طريقة حديثها .. لم أر امرأة متجددة على هذا النحو من قبل .. أستطيع أن أقول هى أنثى استثنائية على جميع المستويات . كانت تهبط من الطائرة ترتدى بالطو بنى طويل لا يظهر ما تحته ووضعت فوق رأسها قبعة كاكية اللون .. وكان شادى ممسكا بيدها اليسرى وفى يدها اليمنى مظلة سوداء تحميها من هطول المطر الذى أشتدت قوته مع وصولنا للمطار .. انتظرنا بنفاذ صبر وصولها لقاعة الوصول عقب انهاء الأوراق .. ثم وصلت القاعة وكانت تنظر حولها مدققه فى الناس بحثا عن زياد ..

وكان طبيعيا أن يهتف زياد بأعلى صوته وهو متجها اليها والى شادى جريا :

ــ ريم .. شادى .

كان شادى هو من أجاب النداء هاتفا :

بابا ...

ثم أسرع جريا اليه تبادلنا جميعا القبلات والأحضان الدافئة التى استمرت وقتا غير قصير وبعد ذلك أخذت شادى وأحد العمال فى المطار لاحضار الحقائب وتركت زياد وريم وحدهما ذلك الوقت القصير .. مع توقف المطر عن الهطول .. وبعد أن اغتسلت قلوب الجميع وصارت أرواحنا تحلق مع شادى وعالمه الخالى من الهموم .. استقللنا السيارة نحن الأربعة ونحن نغنى أغنية ( أنا وشادى ) للسيدة فيروز ..مداعبة لشادى .. حاولت مرارا أن اثنى زياد وريم عن فكرة الاقامة بالفندق والاقامة بمنزلى الأيام القادمة لكن ريم كانت مصرة أن تبقى وزياد وشادى فى الفندق قائلة لى بحب وحزن خفى :

ــ يجب أن أشبع منه فى الأيام القادمة .. لو ذهبنا عندك فسوف تتحدثان معا وتتركانى أحدث الحيطان وحدى .. لن أتركه لك ولو بكنوز الأرض يا محمد فلتنسى هذا الأمر نهائيا .

استسلمت أخيرا تحت اصرار ريم للأمر على امتعاض من حرمانى حقى فى زياد وشادى وأوصلتهما للفندق منبها عليهما أنى سأمر عليهما غدا عند الظهيرة ونتناول وجبة الغداء معا ثم ذهبت لمنزلى .

فى المساء هاتفت حسام فياض بصفته مسئولا عن الندوة القادمة التى ستقام فى مكتبة الاسكندرية بعد غد طالبا منه أن يرى هل من الممكن اضافة اسمى (ريم حنا بطرس و زياد علام ) للمدعوين المحاضرين بصورة رسمية , فأجابنى بأنه سيسأل عن الأمر ويرد على فى صباح الغد .

لم أكن أتوقع أن يأتى حسام بموافقة على مشاركتهما كمحاضرين بالندوة فى هذا الوقت القصير لكنى فضلت استغلال أى فرصة متاحة لى فى هذا الأمر خاصة وأنى كنت فى اشتياق لسماعهما يلقيان الشعر ويحاضران أمام الجمهور منذ زمن بعيد , مرتديا حلة مريحة من صفاء النية والحب ذهبت الى السرير كى أنام بهدوء وراحة كطفل صغير ظهرت نتيجة امتحانه فى نهاية العام وكتب له التفوق على أقرانه منتظرا غدا جديدا من الحب والشوق والمرح مع ريم وشادى وزياد .

فى الصباح استيقظت عند دقات العاشرة وصليت وانطلقت الى الفندق الذى يقيم فيه زياد ..

هاتفنى حسام فى طريقى الى هناك وأخبرنى أنه حصل على موافقة على أن يكون زياد وريم من المحاضرين فى الندوة اندهشت من الأمر واعتقدت شيئا من أمرين أما أن يكون حسام قد صار من القلائل الذين تفتح لهم الأبواب المغلقة حال طلبهم ذلك أو أن زياد وريم أصبحا من غير المغضوب عليهم داخل الوطن ..

لكنى لم أدقق فى الأمر كثيرا لطغيان فرحتى على أى أمر آخر .

ذهبت لزياد وريم وجلست معهما تغدينا واسترجعنا الأيام الخوالى والعمر ولعبت مع شادى ثم حان موعد مغادرتى حتى أتركهما ليستريحا وأعود للمنزل وقبل أن أرحل وكديك رومى منفوش أو كطاووس يتباهى بجمال ألوانه التى لا دخل له فيها قلت لهما عن الندوة وأننى سأحزن كثيرا ان تكاسلا عن ذلك الأمر ..

كان زياد مرحبا خاصة وأنه لم ير الاسكندرية منذ زمن ولم ير البحر ولم يتنفس رائحته العتيقة الا أن ريم كانت خائفة بعض الشئ وقالت لى :

ــ أليس بغريب أن نذهب لندوة بهذه السرعة يا محمد .. والحالة العامة فى مصر تخيفنى ..

لماذا لا تؤجلها الى وقت آخر حتى نعد أنفسنا وتعدوا ترتيباتكم وتستقر الأحوال ؟

قلت كمن طعن فى كرامته وبفخر وعزة واباء :

ــ عيب عليكى يا ريم مصر تكرم أبنائها ولن يتعرض أحد لشئ سئ .. ثم الى أين نحن ذاهبين .. انها الاسكندرية .. خطوة للقطار .. ثم باصنا الخاص من المحطة الى المكتبة .. ثم جلسة بسيطة على البحر .. ثم الى المحطة تارة أخرى .. ثم هل تريدون أن تقللوا من شأنى بعد أن اتفقت على الندوة .. أنا لست صغيرا ياريم .. وان كان على سلامتكم ففدائكم ألف ندوة .. أحضر لكم غيرها فى أى وقت .. حالما تأمران .. بالله عليك ياريم لا تخيفنا وتثبطى عزيمتنا .. انها سنوات طوال لم نحضر فيها ندوة ولم ير فيها زياد الأسكندرية ..

الا تريدين أن ترى بحر الأسكندرية ؟!

ردت ريم باستسلام :

ــ بلى أريد أن أراه , أفعلا ما تحبان , ولتكن مشيئة الرب

قلت فرحا :

ــ فتح الله عليكى يا ريم لتكن مشيئة الله ..  

قلت وأنا متجها للباب

سأمر عليكما غدا فى التاسعة لتكونا جاهزان سنذهب لمحطة القطار .. قطار العاشرة والنصف لا تتأخرا .. وناما جيدا .. ألقاكما غدا على خير .

أغلقت الباب ورائى وتركتهما مع شادى متجها لمنزلى وأنا مغتبط ليوم غد .    

                    

    

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*  

               فاصل زمنى غير محدد الزمن

سلم الشيخ عن يمينه وشماله وسلم من وراءه الركب ثم بعد برهة من الزمن قال :

ــ سأسئلكم عن مسألة فأجيبونى بعلم ان كنتم صادقين

قال صاحب الركب :

ــ والله ما كنا بكاتمى عنك جوابا فسل ما تشاء قال الشيخ :

ــ دخلتم مصرا من الأمصار فكان أميره يضع فى أهل كل قبيلة رجل من أعوانه يتسمى باسم سلف من أسلاف تلك القبيلة ويحيى بين أهلها ويحكم فى امورها ويرقبهم فى الحل والارتحال والحال والمآل والولاء والبراء ومئآرب أخرى ثم اتهمتم بجرم سرقة وأنتم فى رحلكم فجئ بكم الى من ولاه أمير المصر تلك القبيلة ليحكم فيكم  .. فحكم فيكم بقطع يد السارق .. فما حالكم من الامتثال للحكم أو رده ؟ وما حكم الله فى ذلك الأمر ؟

قال صاحب الركب :

حكم بما أنزل الله .. ونمتثل لأمره

قال الصاحب الأول :

حكم بأمر الله .. ونمتثل لأمره

قال الصاحب الثانى :

حكم بأمر الله .. ونمتثل لأمره

قال الشيخ وهو يقوم من مقامه داخلا الخباء :

أما ربى فما كان ليرضى بذلك الأمر ..

اخلصوا فى القرب من الله فعسى أن يهديكم الله الى الصواب .. واصبروا

                

     

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*                


ملاحظة شكرا لمراجعة النصوص وتصويب بعض الاخطاء الجوهرية

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007