[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قبل أن يصل الأسير ( رواية )6 الجزء الأول ... من أعلى نقطة فى سماء العراق
التاريخ:  القراءات:(862) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد خضرى عرابى  
الفصل السادس

ندوة ريم / وداعا زياد

حتى لو ظللت أكتب عشرين عاما ـ مقدار تغريبتك وحلك وارتحالك وسؤالك يا زياد ـ لكانت الحكايات تخلص فى حكاية واحدة ترتبط كلها بسلسال وحيد وراويها من يعلم سر من فيها الا أنه أعمل نظرية التباديل والتوافيق مع حياة الشخوص .. ولو أن لى الحكم لكنت حكمت على المشاركين فيها بالحبس تغريبا واحصارا مقدار عشرين عاما .. عمرا كان فيه صدرك محصرا عن القتال يا زياد .. لكن كان الحكم لله أولا وأخيرا .. ولم أعلم بجل الأمر الا أخيرا بعد عام من الآن حين أخبرتنى ريم .. لماذا يا ريم ؟ .. ألم يتثن لك أن تكونى أكثر قوة لتحملى وحدك ذلك الارث ؟ .. وماذا سأفعل أنا ذاك الرجل العجوز وحدى ؟

وهل الكتابة تعد انتقاما شافيا لمن كان يعرف ؟ .. ومن سيصدق كلامى وان صدقت الناس ما الذى ستستفيده أنت يا زياد بعد الرحيل ؟

يا ريم أترى حين رأيت بعينيك الدمعة حال دخولنا للندوة كانت دمعة شوق أم ذكرى أم شجن أم حزن أم هى دمعة المعرفة ؟!

لمحت دمعتك بطرف عينى وأقسم على ذلك وسط أطنان من الضحكات والكفوف المعدة للتسليم والقبلات والأحتضان المتكرر ولكنى أعتقدت أنها دمعة غضب حين رأيتها تأتى بكل هدوء من آخر الرواق مبتسمة فى صمت وشارعة يدها بالسلام .. وأى سلام يا نوران بعد جفاف ماء القلب بعد أن صار زياد أكثر تجريدا فى كل معنى صار عنده الحب والوطن والايمان والحياة وكل شئ لا يتجسد فى الأشخاص أو الرموز صار رقراقا كماء النهر صافيا كطفل صغير سماويا كزرقة عينيك المحدقتين صار أكبر من كل خداع كطفل رضيع يقبع فى المهد من يمكن له أن يتجنى علي طفل فى مهد فيحمل اثمه ليوم الدين .. كنت أسميك الغي والداء يا نوران وكان يحبك .. هل تعلمين أنه ظل يبحث سنينا ويسأل نفسه لماذا أحبك ؟.. لم يعشق ذاك الوجه الذى قد من العسل فى أول الأمر .. لقد أحب صوتك يا صغيرة .. صوتك فقط .. لم يك قد رآك من قبل وكنت تتحدثين مع جليساتك .. فأخذ يبحث عن صاحبة الصوت .. كان صوتا يعرفه حنونا ويحمل الشجن ويأتى من علو رغم أنه كان يأتى من الماضى .. كنت صوتا وشكلا كعمته حين كانت فى العشرين .. أحبك لأنه أحس بالألفة والمعرفة ولم يلاحظ الشبه بينك وبين عمته لسنين .. ثم كنت أنت آتية قبل أن يخطو اليك .. غريب أن يكون أول كلامك سخرية ولم يفهم هو مغزاها .. كأنك من قدتيه الى مكانك ليقع فى الحب .. وكيف تصيرين آثمة وهو من أحبك .. كيف لشخص أن يتجرأ على قول مثل هذا ألأمر .. ككل من عرفهم زياد فى حياته ديوك رومية تمشى فى حظيرة الدنيا ساكنة تدعو اليها من تبغى وحين يأتى ليطلب منها عدلا أو صرفا تطلق صياحها المشهور فيبتعد هربا من أن تقتله بمناقيرها الحادة كساحرات صغيرات لا يعطون لمن يصلهم الا الذل ثم يغشون أعين الناس ويسحروها فيصبح المظلوم ظالما والمقتول قاتل والجريح جارح وبالعكس والا لماذا فقد زياد الجميع وصار كما صار فى العشرين سنة الفائتة رغم أنه ترفع على الشكوى .. كنت أراكى وكثير من الناس قتلة وجلادين فى صورة ملائكة ومرسلين .. أنت ومن على شاكلتك كالسارق الذى يسرق الظلم والقهر والعذاب ممن ابتلوا به لكى يرتدوه حذاء صالحا لقطع المسافات الطويلة خوفا على بشرة أرجلهم الناعمة من التشقق ..ثم بكل فجاجة يقولون نحن من ظلم ونحن أولى بالألم والحزن منك فارحل أو تول عن هذه الديار وعليك غضب المعذبين منا والسرقة للأبد .. هكذا كنت أراك دائما ولا أعتذر عن ذلك.

متهمة وغيرك بالفرح والحياة ولا طهارة فى هذه الأرض الا طهارة الموت .. تمدين يدك لتسلمى عليه وأنت مبتسمة هل أكتم ابتسامتى أم غضبى من فجاجة السخرية

ـ ازيك .. رجعت امتى

مد زياد يده فى هدوء بدون أى تعبير على الوجه وقال :

ــ بخير .. رجعت منذ يومين

لماذا لم تغضب يا زياد ؟ ... لو أنك حتى لم تسلم عليها وتركت يدها ممدودة للفراغ .. هل كنت هادئا وصامتا لتحمى رجولة المكان .. ستقول هى امرأة .. وريم بجانبك تزرف دمعة أخرى وتشيح بوجهها لليسار .. ندان يشتركان فى نفس الرجل أو هذا ما كنت أعتقد فى ذلك اليوم .. لكنهما شريكتين متضامنتين قد اقتسمتا حياة الرجل أو هذا ما قالته لى

ريم بعد عام من هذا الوقت .. وهذا كل ما أستطيع قوله عن الأمر فى ذلك الوقت .

عقب فاصل من الدهشة والسخرية والصمت وتبادل االسلامات والسؤال عن الأحوال بين الجميع توجه الجميع الى القاعة حيث بدأ حسام فياض الندوة وعرف الجميع بالمشاركين المبدعين ورحب ترحيبا خاصا بالضيفين العائدين بعد غيبة (ريم وزياد ) وتمنياته لهما بالاستقرار داخل أرض مصر الحبيبة بدأ فى تقديم الضيوف وكما هى العادة لم يكن هناك جديدا تحت الشمس لم يك هناك مبدعا متفردا بصورة استثنائية أو حتى قصيدة استثنائية كلها صور معادة ومستهلكة ومضامين قد طرحت من قبل وان كان هناك ثمة قصائد ارتفعت فيها الدفقات الشعورية عن الأخرى فى أحايين قليلة وجاء دور زياد والذى رحب بالجميع وأبدى سعادته برؤية الوجوه القديمة المتجددة التى كان يفتقدها فى الغربة ثم ألقى قصيدتين صغيرتين من قصائده القديمة مهديا اياى قصيدة بعنوان

( مجاز ) معتذرا للجميع لأن الندوة كانت مفاجئة له وخاصة أن سنى الاغتراب قد اختزلت الكتابة فى مساحات وأوقات ضيقة فى حياته وتركت له الرسالة الصحفية فى حمل الحقيقة للناس وأنه كان منشغلا فى تدوين مذكراته عن تلك الفترات آملا أن يحويها كتابا فى صورة رواية فى يوم من الأيام وجلس بجانبى واعطانى الاوراق المكتوب عليها القصدة وقد كتب عليها بعض الكلمات كاهداء وتذكرة بامر نعرفه وحدنا .

لم يبق من الندوة بعد ذلك سوى ريم التى قدمها حسام بصورة جيدة بل أكبر من الشكل الذى كان يتوقعه الحضور وعزينا جميعا الأمر لأنها أنثى ومن خارج الوطن بالاضافة الى أنها زوجة زياد وعقب التصفيق قامت ريم وتوجهت للمنصة مخاطبة الحضور :

ــ سلام عليكم

ــ أنا ريم حنا بطرس .. الكثير منكم لم يسمع منى شعرا من قبل والبعض لم يرانى أو يعرفنى شخصيا .. أنا زوجة زياد علام بالطبع

ــ وأشكركم على الحفاوة البالغة والتى قد لا أستحقها .. سألقى عليكم قصيدة واحدة لكن طويلة وأعتذر لكم ان لم تحظ برضاكم

تكلم الحضور فى صوت واحد بعبارات من قبيل (ازاى .. كفايه طلتك البهية .. أكيد ترضينى ....)

قالت ريم :

ــ أشكركم

ثم بدأت فى القاء القصيدة وقالت :

القصيدة اهداء لزوجى زياد وهى بعنوان ( وطن بديل )

والقصيدة تقول

.

. وَكُنْتَ تَعْرِفُ أَنَنِىْ حُلْمٌ خُرَاْفِىٌ

وأنى للذين يصارعون الموج

فى أسفارهم

بوابة المنفى وبارجة بميناء قديم

قد تجمع فوقها العشاق يفترشون

ما قد مر من ذكرى ...

وأنى مثلما خط الفضوليون فى

كتب الرواة حدائق للتيه

باب المغرضين وبائعى الأثمال

ها قد مرت الأعوام يا وجع

تفتح فى خريف العمر

كنا مثلما قال الرواة وظلنا

مازال يتبع خطونا فى التيه

مرت الأعوام والمدن التى

ماتت لتحيا لاتزال تراود الذكرى

عن الماضى وتفتح قلبها للعابثين

وكنت تحلم

كنت تحلم أن تعيش بملء قلبك عابدا

وموحدا ومرددا ذاك النشيد :

(يا أرض كونى ضحكة عفوية

وزهور نرجس للصغار المتعبين

ورددى للناس وردك حينما يزداد حملك

ربنا رفقاً بنا وأنت خير الراحمين)

أمر قربك يشتهى جسدى حصارك

تشتهى روحى معانقة البدايات التى

ما غربت فى القلب

كنا والزمان حكاية الأمس المكرر

فى كتاب الأرض كنا

والمكان حكاية الوطن العنيد وكلنا كنا

وكنا مثلما قال الرواة

ومثلما خُطت تواريخ البلاد

لتعرف الأطفال ماض لم يكن

كنا وكان النهر أقرب ما يكون إلى عيونك

من مصب النهر

كان النهر أبعد ما يكون إلى شفاهىَ

عند ظمأ الروح

كان وكنت نهرك عندما مرت جيوش

بإثرها مرت جيوش

بإثرها مرت جيوش

وكنت وحدى من أزال غبار أقدام الجنود عن الضفاف

وكنت وحدك من أزال عكارة النهر البعيد عن الشفاة

فأشتهى فمك المعطر قبلة وقبيلة فى التيه

عل قبيلة إلاىَ تعرف ما يقول الله للإنسان

أسأل التوراة والإنجيل عن قلبى

وأقرأ حزقيال...

يا ربنا ..

ما سر حكمتك الخبيئة

هل لنا قدر لنتبعه ونؤمن بالنهاية

فى طريق المذنبين

وهل طريق واحد يكفى لإكمل رحلتى

نحو النهايات السعيدة

ربما ضل الذئاب عن القطيع

وربما حاد الرعاة عن الطريق

وربما كنت التى تحمى الشياة من الذئاب

وربما كنت الفريسة بين أنياب الذئاب

وربما كنت التى غرست أظافرها بأعناق الشياة

وقلبها فى الغار يصرخ يا أبى

لا خطو أبطأ من خطاى

ويا أبى

لا قلب يحمل ما يفيض من النشيد الى دماى

أنا أريد ولا أريد وظلنا مازال يتبع خطونا

فى وادى الظلمات

كنا حينما كان الزمان بكارة القلب المؤهل

لاحتمال السير...

كنت أسير بالسيارة الحمقاء فى بيروت

قرب الموت

تخرج زفرة الملهوف من صدرى

ومن صدر المخيم والخليل

تحوم أروح

وتكتب الأوطان فى كراسة الإملاء للأطفال

اسم بلادهم بالملح كى لا ينثروه على الجراح

تقول لى :

يا ريم مل الناس صوت القائد المغوار

كيف لمثله أن يكسر الرقم القياسى

المسجل سابقاً للموت

يأتى كلما ماتوا يعاند موتهم

من شاشة التلفاز

ألف هوية للقائد المغوار

حين يطل بالسمت الصبوح

معاتبا من مات فى الوقت المناسب

دونما ينهى حديثاً عابراً

مع غضبة الوطن المعاند

مَنْ سَيَمْنَحُنَاْ اْلْسَكِيْنَةَ بَعْدَ ذَاكَ اَلْمَوْتُ اِلا قائد مغوار

موتنا يا ريم بين قنابل الأعداء

حكمة قائد وكناية عن خدعة عرجاء

والسجع المرادف لإختلاط النعى

بالدم والضحايا والشظايا

امتعاض عابر

فسيوفنا خشب مموه بالطلاء وسره

( من لم يمت بالسيف مات بغيره )

وبعزفه تتداخل الأضاد :

فالموت السكينة والحياة الصخب

والأرض ازدواج للسماء

وزهرنا البرى كل رصاصة فى القلب

ظلى ظلهم ودمائهم فى الأرض خطو ظلالهم

من فتحة الشباك يرسل ضوءه قمر وحيد فى سماء الله

ياريم احضرى الأوراق والأقلام كيما تكتبى شعرا

غنائيا لاوطان الارامل واليتامى والعبيد وزغردى

زمارنا وقح ويغمض عينه كى لا يرى ضوءا

ويخبئ نايه كى لانحس بغضبة الوطن المعاند

طيبة الرب الإلاه

الله يا الله يا الله

أقدارنا .. أعمارنا .. ارزاقنا خطت

وما من حربة طعنت الا وخابت نفس طاعنها

وأهدت للذى طعنته مغفرة الإلاه

الله يا الله يا الله

نفسى تلوك الذنب بالدمع المعاند

عل رصاصة ستفجر القلب الذى قد قد من عسل

وتفجر الانهار من عين الطغاة

الله يا الله يا الله

...

كنت أعض قلبى عندما تبكىَ لأعرفَ

أن لىَ شعر سيتبعك ارتحالاً للبعيد

أحب صوتك فى مساءات الصراع

لأنه مثل البنفسج هادئ

متفرد فى الموت والحزن الدفين

كواحد

كذبوا لكى لا ييذكروه

والقموه حجارة الصمت المبجل

حينما مر الرعاة الطيبون على صراط الله

مثل الذئب والاغنام

فكن بربك واحدا

وكن صغيرا حينما يأتى الطغاة الطيبين

بارك تهاويمى

وعمدنى بماء براءة العذراء

حين تمر فوق خطيئتى

كن كالهواء الرطب

يشعل شهوة الاشواق فى جسدى

ويملئونى ارتحالا للبعيد

انا اعيد كتابة التاريخ

فاصمت ريثما ينهى زمانى

ما تبقى من ستار الغيب

فالذكرى كميثم زهرة

والعابرون

وماضى الغرباء ... والشعراء

والاوطان والاغنام وذئاب الصراط

كنحلة تحثو من الذكرى لتنسج من ستار الغيب

فكن صغيرا أو كبيرا هادئا

ولتستعر وطنا بديلا ( دفء جسدى )

فى مساءات الصراع

ــ شكرا لكم

امتلئت القاعة بالتثفيق بعد قصيدة ريم .. لم يكن لأحد أن يتوقع منها مثل ذلك المستوى وأنا كذلك كنت أعتقد أن أقصى مداها قصيدة النثر الهشة أو على الأكثر القصائد المستهلكة ولكن للحق جائت بما لم نتوقعه منها على مستوى ابتكار الصورة او الحالة الشعورية التى ملئت الجميع بالشجن والاستمتاع والاسى المترف رغم السقطات فى الوزن والتفعيلات الواضحة .

وعموما انتهينا من الندوة وتبادلنا بعض الحديث الودى القصير مع الحضور ثم خرجنا وحسام ومجموعة من الأدباء الى أحد الكازينوهات على البحر لتناول العشاء حيث أن حسام كان قد اتفق معنا على استكمال اليوم هناك قبل أن نتجه لمحطة القطار للحاق بقطار العاشرة الى القاهرة .. كان زياد وريم يحرصان على عدم التواجد مع نوران فى مكان واحد خوفا من فتح أبواب كانت مغلقة ولحساسية موقف زياد تجاهها .. ما بين فترة وأخرى كان زياد أو ريم يرمقاننى بنظرات من النوع الذى يقول ..لماذا يا محمد؟ أنت من يصدر منك ذلك الفعل .. لماذا لم تخبرنا ؟!

وكنت كلما تقابلت أعيننا أهمس لهما بشفتاى أن (والله لا أعلم بشئ) وكنت فى واقع الأمر أنظر الى حسام وأكاد أشتعل من الغيظ .. ثم أنظر لمن يعرفنا جيدا من الحضور نظرة المعاتب القائل ( لماذا لم تهاتفنى وتخبرنى ) وكل واحد منهم يهمس ولسان حاله أيضا ( والله لا أعلم بشئ ) ثم يبتعد عنا .. كانت نوران قد تركت الندوة قبل نهايتها بدقائق لأنها أدركت كم احراج الجميع .. وحساسية الموقف الذى وضعت الجميع فيه .. ما كان لها فى الأصل أن تأتى فى أول لقاء مع زياد وفى حضور زوجته وأمام الجميع بهذا الشكل المفاجئ .. ولقد استراح الجميع من انسحابها خشية التورط فى عزومة العشاء أيضا .

خرجنا جميعا من باب المكتبة .. حسام وأنا وريم وزياد وأربع أدباء آخرين تجمعهم بريم وزياد معرفة قديمة .. كانت الخامسة والنصف .. الشمس تزحف تجاه الغروب تاركة لنا بعض الحزن والذكرى .. كما قالت ريم الذكرى كميثم زهرة .. وكان الجميع كالنحل الذى يحثو منها شرابا ولم يكن زياد ليتحمل ذلك .. الشمس تقبل نحو الغروب تاركة لنا شاهدة قبر وزهور ذابلة من البنفسج وحلم قديم مهترء .. الشمس تقبل نحو المغيب تاركة لنا رصاصة فى القلب ..أتذكر نثر نوران فى الندوة فأقول تركت لنا يا نوران أكثر من رصاصة فى القلب .. أحاول استعادة ثباتها الأحمق ونظرة عينيها المحدقتين وكلمات نثرها الصادم لنا وذاكرتى تجاهد كى لا تسعفنى فأتذكر القليل حين تقول:

الرصاص

سلعة رخيصة

حين نجد الصدور المناسبة لفوهات المسدسات...

لذلك .....

سأجعل اصبعى السبابة مسدسا

وصوتى رصاص...

وستصبحين أنت اليوم الضحية..

لذا أرجوك فلترتدى الأصفر..

فقد سمئت الدوائر التى تلتف حول رأسى

قبل أن أسقط على الأرض مغشيا على ..

وكمغشيا عليها...

لن أبصرالدوائر التى يصنعها ذوى البذات الفاقع لونها

وتسر الناظرين ..

طاخ.. لأنى أحبك ..هكذا كشفاء وتشفى

وطاخ ...لأنى أكرهك أيضا كعظة للمقهورين..

مقطوعة الصدق ..

حمراء ..

كأرض مروية لتوها بدماء أبنائها وجلاديها ..

تشربين ..

وتشربين ...

وتشربين ....

حتى تجف العروق وتصفر الوجوه

وتصبح أشباحا وتماثيل لاروح فيها ..

وأنت لاترتوين أبدا..

طاخ..

ثمان رصاصات لا تكفى حتما لأتعلم دقة التصويب ..

فأرجو ألا ترتدى لى فستانك الأصفرالقصير

فقد ابيضت عيناى منذ زمن بعيد من الحزن ..

لاتضعى مساحيق تجميل..

كونى عارية كصدق مطلق

فأنت أقبح بدون رتوش ..

قلت لك سابقا ( قبل أن أسقط مغشيا على) :

الدوائر التى يصنعها ذوى البزات الفاقع لونها

وتسر الناظرين

لا تأتينا بفطرتها الأولى ..

ولابشخوص صانعيها ..

فتارة يعمى عيوننا تموه زيها الرسمى

وكاكية المفاجئة ... ...

وأخرى

تستعير نجوم السماء لتضعها فوق أكتاف القائمين بالتنفيذ

حتى لايدنس الاثم لون بذاتها

ذات الماركات الايطالية البراقة

جورج آرمانى

لورينزو

.........

(ملاحظة : أنا أرتدى فساتين لماركات ايطالية براقة..

ولا أنتمى أوأتعامل مع تلك الدوائر .)

للجميع حرية الاختيار ..

وليس ثمة اجبار فى القدر

طاخ ..

طاخ ..

طلقتان لأنك ترتدين فستانا لفرساتشى

طلقة لك ...

وأخرى لفرساتشى ..

من ذلك الغبى الذى قال أن الرصاص سلعة رخيصة ؟!

طا..طا.. طا..طاخ

أتردد قليلا ..

هل نبتت لكى لحيه ؟

لأنه قليلا ..قليلا.. ماينبت لتلك الصدور لحى

فى أماكن حساسه لدى الشعوب ....

فترهب قلبا مريضا _كقلبى_

يوارى الكلمات عن أعين المتلصصين

أصحاب الاتهامات المعدة باتقان ..

ووفقا للقانون ..

ولأن شاعر قديم قال:

" القانون جريمة معدة باتقان"

فطاخ .... فى صدر القانون ..

وطاخ..... فى صدر أصحاب الاتهامات المعدة باتقان

(اكراما لشاعر قديم )

ولأنى أكرمت شاعرا قديما .

سأطالب برصاصة فى قلبى ..

تك.... تك .....تك....

نفذت الرصاصات ...

رغم أنى أرتدى واقيا ضد الرصاص

من ذلك الكلب الذى قال أن الرصاص سلعة رخيصة ؟

ها أنا قد حرمت شرف رصاصة وهمية

وأنا أرتدى واقيا من الرصاص....

لذا...

أنا الآن مضطرة لانكار سردا

يخفى مأساتى الشخصية....

واخفاء مأساتى الشخصية

فى ثوب سردى ......

كل من يقرأه متهم .. ومجنى عليه ..

سواء أدرك المغزى أو لم يدركه

ومطالب بالموت ..

أو المثول فورا

أمام الدوائر التى يصنعها ذوى البزات الفاقع لونها

والتى حتما.... لن تسر الناظرين

يبدو أن هذه كلماتها على ما أذكر .. ترى ما سبب سخافتها التى جعلتها تأتى لكى تقول مثل هذا الكلام .. كانت ريم ترتدى فستانا أصفر اللون .. هؤلاء النساء لا تستطيع أن تدرك كيفية تفكيرهن .. أولست أنت من تركتيه يا نوران .. لماذا تلعبين دورا حقيرا لهذه الدرجة ..انى أكرهك بالفعل ولكن حضورك بهذا الشكل السخيف وكلماتك السخيفة جعلتك سمجة ونزقة فى أعين الناس .. ومرة أخرى يظهر زياد بصورة المخطئ الذى لن يغفر له طوال حياته طالما أنت موجوده .. ماذا تريدين ؟ تأخذى ما تبقى من حياته أيضا هل هذا ما يريحك ؟!

قطع زياد تأملى وهو ينظر الى مبتسما كأنه هو من يهون على وكأن المصاب مصابى قائلا :

ــ فيما تسرح يا رجل .. فى الأكل أم فى الندوة

قلت متأسفا خجلا :

ــ والله يا زياد ما كنت أعرف بحضورها وبهدؤك وابتسامتك هذه تجعلنى أتخيلنا كأننا فى لوحة العشاء الأخير وأنت المسيح بيننا سامحنى يا زياد فوالله يا

قاطعنى زياد قائلا :

ــ لا تحلف يا محمد أنا أعرف أنه لا دخل لأحد بذلك وهذا موضوعقديم وقد تناسيته وأنت تعلم مقدار حبى للجميع أنتم أهلى واخوتى والله أنا أحبك يا محم

دوى صوت رصاصة فى المكان وانحشر الحرف الأخير الدال فى فم زياد وهو ينظر الى ولا تفارق الابتسامة شفتيه وسقط على الأرض ورأسه مغطى بالدماء التى تسيل من فتحة تركتها الرصاصة التى اخترقت رأسه من الخلف واستقرت كسلعة رخيصة وجدت المشترى المناسب تاركة رزازا لطخ بذتى الزرقاء ووجهى للأبد فى حين كان الجميع واقفا فى ذهول وصوت ريم يتردد فى صراخ هستيري ملأ المكان وهى بين تقطعه فى ثوان لتردد بين دموعها المنهمرة :

لا..لا..لا..

ليه ..ليــــــه....

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
**

فاصل زمنى غير محدد الزمن

وجه الشيخ كلامه الى الصاحب الأول لصاحب الركب :

ــ وأنت كيف اهتديت الى طريق الله ؟

أجاب الصاحب الأول :

ــ أما أنا فأمرى أعجب من صاحبى

قال الشيخ :

ــ وكيف ذاك ؟!

قال الصاحب الأول :

ــ أمرى ما حكيته لأحد قبلك لأنى أردت نسيانه ولكنى سأقصه عليك , كانت هناك بلدة بها فريقين , أحدهما ظالم والآخر أظلم وأضل سبيلاً , وكنت غلاماً فى كفالة الفريق الأول وقد تعاهدوا على تنشئتى حتى إذا ما بلغت رشدى يهبونىَ لأهل الفريق الثانى حتى أكون فيهم زعيماً لأهل فسق وظلم وطغيان , وقد كان ما تعاهدوا عليه إلا أننى كرهت عيش الفسوق والظُلمة وأردت طريق الصلاح فأبى الجميع إلا أن يتم العهد الى أجله أو يُقُضى أجلىَ بالموت , وكان شَرطَة أن يرثوا المُلك ــ مُلك الفريق الثانى من أهل البلدة ــ أن أقاتل من وُهِبتُ لهم فأُقتَلُ دون أن يعرف العامة بأمر ذاك العهد ولكنى خرجت من البلدة قاصداً باب رب كريم , ودخلت بلدة أخرى فأراد ملكها أن يجعلنى هدية الى ملك البلدة ذات الفريقين فأكرمنى فى العلن حتى يرى أهل البلدتين أنى عزيز عنده ثم قيدنى وأرسلنى فى السر الى ملك البلدة الظالم أهلها هدية له ــ ( وكأنه أمام الناس قد فتح لىَ باب ظاهره الرحمة وباطنه العذاب ) ــ فأعلن الملك أنى وزيراً ونجياً له أمام الناس ثم أودعنى ـ هو الآخر ـ فى السجن سراً .

وقد أعطى كل من عرف السر أو شارك فيه من الفريقين عطية مخبوءة عن أعين الناس مقابل ألا يكشفوا السر للناس ومن أبى منهم عُذب ( ومن عذب قليلاً )

فدعوت الله وأنا فى سجنى بثلاث تقتص من ثلاث إن أراد الله انتقاماً من كل من شاركوا فى العهد أو علموا بالسر وأخذوا العطية :

أولهم : أن يعقبهم نفاقاً فى قلوبهم الى يوم يلقونه ,

وهذه قصاصاً ممن أراد لىَ الظلم والفسوق والنفاق وسعى إليه .

وثانيهم : أن يحصروا فى الأرض ويقتل الملكين أحقر رجال من يرثا ملكيهما

قصاصاً ممن أحصروا صدرى عن قتالهم وأرادوا لى القتل

وثالثهم : ألا يخرجوا لغزو عدو أو نصرة مستجير أبداً

قصاصاً لكونهم زاغوا عن نصرة الحق أول مرة

وبعد بضع سنين قتل الملكين غلامان وأَحصَرَ من وَرِثَا مُلكِهما أعوانهما فى الأرض , وخرجت من سجنى عازماً أن أبتعد عن هذه الأرض قدر ما أستطيع , فقابلت فى طريقىَ صاحب الركب الذى دلنى على علمك فأتيت معه إليك وهذا ما حدث معى

حوقل الشيخ ثم قال :

ــ استجاب الله لك .. وعسى أن يرزقنا وإياك حسن الخواتيم

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007