[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عبد الله الناصر يواجه اشباح السراب دراسة
التاريخ:  القراءات:(507) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  

عبد الله الناصر يواجه أشباح السراب

السيد الهبيان

كثيرة تلك المحاولات التى تملأ فضاءات القصة القصيرة..وكثيرة أيضا تنويعاتها المختلفة التى تنم عن تجارب لها خصوصيتها المميزة لها عن الأخرى ..فتحتل مكانها المناسب وسط المشهد القصصى ,,

من بين هذه المحاولات بدت محاولة الكاتب السعودى "عبد الله محمد الناصر" فى مجموعته القصصية"أشباح السراب" .. التى قدم لها الكاتب السودانى "الطيب صالح" بقوله أنه "دخل عالما متخيلا لكاتب متمرس واثق من نفسه..متين الأسلوب ..غزير الشاعرية ..عميق الإحساس بالبيئة التى يصورها"..والتى أهداها إلى والده معلمه الأول ..ووالدته التى كانت مدرسته الأولى.. وأطل بها على الساحة القصصية ..بشكل يستدعى التأن فى استيعاب ما ضمنه نصوصه القصصية ..التى لا قد تكون القراءة العابرة لها ..غير كافية للوقوف على مايحمله من خلالها.. وتبديه دونما اختلاف عن النصوص العادية ..التى تتشابه فى أجوائها.

ينسحب ذلك على قصص المجموعة ككل ..وذلك بالرغم من إمكانية تقسيمها وفصلها عن بعضها ..لكون الإطلالة على مضامينها تبدى على أنها لم تبد وفق نهج معين ..وهذا إذا ما بدا الإحساس النفسى كستثناء باعتباره مكمن البوح فى رسم الفعل الإبداعى.

فما بين الفضاءات المحلية والأجنبية والسياسية ,, من فوارق فى التناول ..يبدى عدم تماس النصوص مع بعضها ..ويؤكد تنوعها فى مضامينها المتباينة..التى تشكلت منها قصص المجموعة .

ففى قصة "الإيغال فى ارتياد الأمكنة" أولى قصص المجموعة..تبدو لحظة تأمل فى الغربة ..باعثها الحنين إلى الوطن ..كأرض وزمان ومكان.. داخل فندق صغير فى مدينة غربية تحمل حيطان بهوه كل الأحقاب ..أبرزها ما يشير إلى الهنود الحمر ,,ولوحة لسهوب تتعارك فيها ثيران البغلو ..وبندقية عتيقة تثير ذكرى بندقية الجد ,,المعلقة فى البيت الطينى القديم..وما حكاية الأب عن الجد ذئب الرجال..وأسطورة الطفولة العارف بالصحراء وصاحب الهيبة بين قطاع الطرق ومحترف الصيد .. والقادر الوحيد فى القرية على القراءة والكتابة..ويتراْ فى الأحلام كما يتخيل فى اليقظة.

غرفة الفندق تبديها مجتوياتها التقليدية كفرقة ضابط فى ثكنة عسكرية ..ومديرة الفندق بوجه صلب المقاطع كمارش عسكرى..وتصحر العواطف لا يحتمل ..والأحاسيس عابسة متجمدة..وإيقاع الحياة إتقان وانضباط وتجهم وانطفاء روحى..فيقطع الوجد فى الذات ..وتبدو فى الذاكرة صورة الطفولة الجميلة ..ومشاهد الحال فى الغربة ..تنبت فى الذهن المتروك فى الوطن ..وتبعث المقارنة بين التضاريس الخرسانية الصلدة ..والوجوه المغمورة بالدفء والحب..فتنتفض يقظة الحنين فى الداخل المهيأ لها..كانت الرغبة هى الدافع إلى السفر لا الإذعان..والانخراط فى المغامرة كانت تجربة تساوى فيها المكسب والخسارة ..لكنه ظل كتحقيق للرغبة.. لكن نوبات الحنين إلى الوطن ..كانت لها الغلبة على الرحيل إليه.

وفى قصة "بيت العائلة"..أيضا تبدو حياة الغربة..بداية بمغادرة القرية وسط وداع الأهل ..وأبناء القرية الغافية فى الصحراء..ثم السفر إلى البلد الغربى للدراسة العليا.. كانت أولى الغرائب أن معهد اللغة لم يكن آية فى العمارة والتجهيز كما كان الظن.. وبدت ثانوية القرية أجمل منه..ثم الاكتشاف من ان الانتقال من عالم الرحابة إلى عالم الضيق ..لكن كان لابد من تقبل ذلك برحابة صدر مع شيخ جاوز السبعين اغتبط بالحضور..وزوج وزوجة مع طفلتهما وكلب مدلل مترف..الزوجة صارمة فى حياتها ولا تكف عن الثرثرة ..حتى مع كلبها الذى تحبه.. وتعامله برقة لا تستعملها حتى مع أطفالها..وتأخذه للتنزه معها ..وعندما ألمت به وعكة ..طلبت من صديقتها أن تأتى بكلبتها لتسيلته..وعلى النقيض منها بدا زوجها..الذى يقابل استقباله له بالصياح والنباح والشتم واللعن..بصمته وبروده..ويشبههما.. العجوز ببغل وقردة اجتمعا فى مكان واحد ..فقد كان يحب المرح والسخرية ولا يكترث بالأشياء..وتمادى فى سخريته ذات مرة حال كانا يتفرجان على التليفزيون بعد ارتباطهما بعلاقة حميمية..وشاهد قطيع من الثيران الأفريقية تفر أمام لبؤة شرسة.. جعله يستلقى على ظهره من شدة الضحك ..لأن ذلك ذكره بالعرب واسرائيل..ثم أبدى اعتذاره باعتبار أن ما بدا منه نكتة من شيخ خرف..رغم ذلك استمر الاستئناس به فى الغربة..والاستمتاع بما يطلقه من نكات وألفاظ ساخرة.. إلى أن تبدل الحال وبدا الحزن على وجه العجوز رغم مرحه المفتعل..كما بدا مكسورا فى داخله رغم تماسكه الظاهر..فقد أرغم على الرحيل من الفندق ..بعد دراسة وضعه من قبل الزوج والزوجة ..ووجد أنه يتعذر عليهما احتمال بقائه معهما .فكتب للزوج رسالة وقعها باسم ابنه المخلص.

وفى قصة"البحث عنها" بدأت جولة البحث المفصلة عنها فور افتقادها فى مكانها..معالم المنزل القديم وما به من محتويات ..والنداء الذى يتكرر ولا يعود منه إلا صداه ..والتفتيش فى الغرف ..ورؤية الصندوق الحامل للذكريات فى إحداها..وباقى الأشياء التى تعود بالذكريات إلى الزمن الذى كان..الصعود إلى السطح ثم نزول الدرج ..عد الأبواب..فاتح الغرف فتح جروحا أخرى..هبوب الرائحة الذكية ..فتح نوافذ القلب..والصوت الهامس بالنشيج والبكاء والتضرع إلى الله ..تتماثل فو ق سجادة الصلاة التى كانت تصلى عليها..كل ذلك يوحى إلى عدم الاقتناع بأن الأم قد ماتت.

وفى قصة "الذيب" ..تبدو محاولات اقتناص الذيب مفترس الغنم ..بينما يصعب اصطياده أو قتله.. لكن كان لابد من القضاء عليه ..حتى لايفترس المزيد من الغنم.. رغم أن الفرصة لاتسنح إلا فى غياب القمر..مضت ستة أشهر من الترصد ..والتتبع للأثر فى الأودية والشعاب.. والترقب على الطرق والدروب..ونصب الفخاخ ..ووضع السم والزرنيخ فى التمر.. لكن كل ذلك لم يأت بفائدة فى الإيقاع بالذئب الغدار.. إلى أن اتى من يعلن أنه أبصر به عند غروب الشمس..بما ينبىء أنه قادم فى الليل ليشبع جوعه ..فيبدو العزم على أن يراه الأب فى الصباح معلقا على باب الخدر..فيتم إعداد البندقية والتأكد من صلاحيتها.. لكن حال انتظار غياب القمر يحمل المذياع نبأ عملية فدائية ضد جنود الاحتلال..فتتنامى فى النفس أمنية الجهاد فى سبيل تحرير الوطنمن الذئاب البشرية .التى افترست كرامة الوطن..وبحلول حلكة الليل بدت الفرصة المتاحة للتنفيذ ..لكن دب اليأس من الانتظار..وثار الشك فى حامل النبأ لاصطناعه الأحداث..ثم تراءى إلى السمع مايوقظ التحفز للحظة الاصطياد ..ويشير الصوت إلى المكان الذى تواجد فيه.. بدا الهمس بفرح ونشوة فى رؤيته بعد تأن ..خشية الخطأ فى التوجيه حتى سقط الذئب الغادر.. وتدافع الجميع لرؤيته..وكان أسرع الواصلين إليه طفل صغير صرخ ضاحكا" رميت حمار الراعى يابوى".

أما فى قصة" عصفور الغضب" ..يبدو النظر من النافذة أول مرة لمراقبة طائر صغير..وهو يصارع الريح العاتية..ثم يستقر فى وضعه بعد هدوئها ..بدلا من أن ينطلق بجناحيه بعد انتصاره عليها..ثم يبدوأنه كان ينتظر جولة أخرى معها..تكون أشد عنفا..قبل أن يعود إليها مرة أخرى.. لكن العودة كانت لمتابعة ما يعرضه التليفزيون ..لمشاهد إعصار نتج عنها فيضان غاضب ..حصد الأرواح.. وأتلف الممتلكات..وصراع الأحياء للنجاة منه.. بينما طائرات الهليكوبتر تبحث عنهم.. وهربا من الحزن الذى تسرب إلى النفس ..كان همز زر "الريوت اتغيير المشهد..فظهرت أسراب الطائرات تلفظ الحمم واشوظة اللهب..مصحوبة ببريق مرعب إلى الأرض فتهتز وتحترق..ويبدو مزجا بين سيول البشر والبهائم والسيارات ..تهرول متلمسة النجاة مطلقة أصوات الاستغاثة.. لكنها تموت بين دوى القصف وألسنة اللهب.. ثم يعقب الهروب من هذا المشهد المهول ..مشهد لطاولة مفاوضات جمعت بين وجوه شرسة كوجوه الذئاب.. ووجود مشهد لها مترهلة..يتبادلون ابتسامات خاوية ..ويتصافحون فى وجوم وبينهم وثيقة للتوقيع..فكان الهرب من عفونة الرائحة التى تسربت إلى الوجدان ..لمراقبة الطائر الصغير الذى لم يغير موقعه ..ولم يتزعزع من ثباته ..ويواجه محاولة اقتلاعه من مكانه ..فكان الضحك من جبروت هذا الصغير ..والسخرية من المفاوضين الأذلاء..فاستحق رفع اليد له تحية تعظيم".

ومن خلال قصة "درس التعبير" ..يظهر بطل القصة بعد السقوط فى مادته..وهو يفسح المجال للمجادلة حول سقوط الشيوعية وانتهائها..بين المتأثر بهوس العشق الغربى..والمناصر للشيوعية..الذى لايزال مقتنعا بوجودها ..رغم سقوط الاتحاد السوفيتى ..فكريا وعسكريا.. وسقط معه"كارل ماركس" ..ومليار شيوعى آمن بفكره وبفلسفته.. وسقوط بهذه الحدة ..كيف لايؤثر فى الأب الذى أقام الدنيا ولم يقعدها ..بسبب سقوط ابنه فى مادة التعبير ..بعد أن هيأ له كل السبل ..وإنفاق الأموال الطائلة على الأستاذة "الخصوصيين".

وقصة "أشباح السراب" التى قدم الكاتب مجموعته باسمها..يبدو مسرحها وسط الصحراء ..وسط الهجير فى ظل الشمس الحارقة ..ومعاناة العطش..بعد أن انغرست السيارة فى الرمال..ولم تنجح محاولات إخراجها.. فبدا حصار السراب من كل الجهات ..حيث لا ظل ولا ظليل..وكانت نتيجة البحث فى أرجاء المكان ..رؤية جثة بعير غطى الرمل نصفها..لكن بدا من بعيد شبح يخترق السراب ..تبين من بعده انه لجمل أسود.. كان هو القشة الوحيدة للنجاة من المحيط الملتهب بالعطش..لكنه اندفع كالمذعور بعد المحاولة الأولى ..ومن ثم بدا الاستسلام للقدر المحتوم ..والشعور بأن الصحراء الكتراميةهى المقبرة..لكن تنامت الرغبة القوية فى التغلب على اليأس ..وكان الإنقاذ قبل الشروع فى السير رغم مجاهل الطريق ..من خلال صدفة يسرت الوثوب على ظهر الجمل ..وتصحوا القرية على إيقاع ركضه..بعد أن تعودت لسنوات على أن تصحوا على ابواق السيارات.

وبدأت قصة "حق الفدا"..بمطلع أغنية المطرب المصرى "محمد عبد الوهاب" .."أخى جاوز الظلمون المدى"..التى أثارت زوبعة من العواطف الدفينة ..لكنها تلاشت من إذاعات العالم العربى ..وكان الإدراك يتحول إلى الأشياء المتحركة إلى صمت قانط.. رغم أن سمعها يثير فى النفس انكسار الأمل ..والإحساس بهاوية السقوط المفجع إلى هاوية الحضيض.. غير أن "بعض المثقفين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن العدو بكل وقاحة..وبلا خجل أو حياء.. وبرهنوا على أن الولاء للمصلحة فوق الولاء للوطن"..لكن محاولة الإفلات من الموقف تداعت خلالها المشاهد المتداخلة فى بعضها ..لصور الذل والخنوع والمهانة ..والشجاعة والفروسية والبطولة ..تبدى الإنسان العظيم الشامخ..والإنسان الضعيف الخائر المستسلم.. ومعارك وشهداء وبطولات ..وهزائم ونكسات ونكبات ..لمخلصين وعمالقة.. وسماسرة بائعى الكرامات..فى ظل وطن ينمو ويكبر..وآخر يتلاشى ويتمزق ويذوب حتى الاختفاء..كل تلك الصور أبدت الروح مبعثرة تتمزق.. لكن الطفل الصغير يرقص على إيقاع الأغنية التى لانعرف عنها شيئا..بدا التفكير فى مستقبلها تتخلله صوره البشعة..وإيقاف الجرح النازف كان بإسكات الأغنية.. لكن إدارة محرك الراديو أتت بصوت مذيع ينطق بفيام إرهابى فلسطينى بتفجير نفسه ..فاستشهد خمسة جنود إسرائليين..كتم الصوت تبعه المغنى يردد"أخى جاوز الظالمون المدى" هزت الصغيرة رأسها ..وبدا السقوط فى غيبوبة عميقة من الذل والحزن الكظيم.

وقصة "أبو راشد" يبدو بطلها سعيدا فى عمله لسنوات طويلة من عمره.. كان مكتبه بالنسبة له ..خزينة عمره ومستودع ذكرياته الطيبة ..عن المكان والحياة مع العاملين فيه.. لكن برحيل المدير وقدوم آخر مكانه قلب الأحوال لتسير عكس ما كانت.. وكأن شهادته العليا من البلد الغربى ..جعلت من عقله مزيج مشوه.. يميل إلى الغطرسة والفوقية والتعالى واحتقار الآخرين.. فعجز عن خلق الألفة والمحبة فى محيط العمل.. لكن "أبو راشد" لم يتقبل انفلات لسان سعادته فيه بأحط الأوصاف ..لأن كلمات الإهانة بدت كسكاكين انغرست فى ظهره .. وجمعت مواجع السنين فى قلبه.. فانقلب من مسالم وديع ..إلى أسد هصور ..واستحضر شجاعته ليثأر منه.. بصفعه وتهشيم رأسه على زجاج الطاولة ..لكنه اكتفى بدفعه بعنف فى ازدراء واختقار..ثم قدم استقالته..وسار وهو يستمع إلى وقع أقدامه فى الشارع الطويل وكأنه وقع عمره.

و فى قصة "شباس" ..يبدو إسمها ككلمة سمعها التلميذ الصغير ..من شيخ حال تشجيعه لمن يتعاونون فى إخراج سيارة ركست فى الرمل والطين ..وألحت عليه رغبة شديدة فى أن يعرف معناها ..فهم أكثر من مرة لسؤال الشيخ عنها ..لكن جرأته خذلته أمام هيبته.. وشخصيته الغامضة ..لكنه استطاع أن يشيعها بين أقرانه بقوله له "شباس عليك شباس" وشعر بنشوة وسرور وهو يراها تنتشر بشكل مذهل ..لإدخاله كلمة جديدة فى قاموس القرية .. و كان يساوره خوف من أن يسأله أحد عن معناها.. لكن لم يكترث أحدا بذلك.. وحينما أصبح قادرا على طرح السؤال عنها..غاب الشيخ واختفى .."وبقيت الكلمة على الألسن اما هو فام يعد يستعملها " رغم أنها ظلت فى ذهنه مع صورة الشيخ..وصورة أهل القرية الطيبين.

أما قصة "النفق" ..يبدو تاريخه السرى الطويل ..يمتد عبر محاولات حفره لسنين طويلة.. تخلله سقوط حصون..وقلاع ودول وممالك.. وحكايات طويلة ..لايعرفها إلا الراسخون فى تاريخه.. حفره المستمر بدا وصية الآباء للأبناء.. لأنه الطريق إلى الحياة الفاضلة ..والتقدم فيه اقتراب من تحقيق المعحزة.. وبالتالى تحقق الوعد من الرب..لكن الحفر بدا للمصلين فى المسجد المقدس..وساد المرح والهرج واللغط فى "المدينة المقدسة"..ووجد الناس فى الحفر اختراق للكرامة ..ولتجمع الأمة وكلمتها.. لكن تجمعا هجينا لمثقفين يسفر عن قرار بشطب كلمة" نفق" من قاموس اللغة ..ومن قاموس الثقافة.. بينما الحفر فى النفق يستمر إلى ان يصل نهايته.. يتوسط الرجل "المهزلة" الحشود البائسة من الناس.. ويفسر لهم معنى كلمة "نفق" وبروعة بلاغته وفصاحته وبيانه ..أسدل الستار على مسرحية النفق..ليبدأ بعد ذلك الحفر فى أنفاق أخرى ..ذات أبعاد واتجاهات مختلفة.

وقارىء قصة "الرواية" ..يأخذ على الراوى سحبه ليعايش حياة ابطالها بكل مافيها ..ويرى فيه أنه كاذب عظيم..يجيد تلفيق الأكاذيب و خلق الأساطير .. وأنه عبث به عبثا منكرا ..ويفكر فى التخلص من ضعفه وحيرته..بسبب استسلامه فى معايشة شخوص روايته.. والتأثر بما حدث فيها ..ويرى فى تمزيق صفحاتها الانتقام المكناسب..لكنه يقاوم النعاس..ويستمر فى القراءة حتى آخر سطر فيها..ثم يطلق آهة موجعة بسبب هزيمة البطل.

وفى قصة "محيمد" يبدو عامل المزرعة الذى يقوم بحرث الأرض ..وسقى الزرع..وعلف البهائم ..وشذب النخل.. ويتحمل فى سبيل ذلك معاناة البعد عن أسؤته.. عندما تعطلت ماكينة الرى جاهد بمحاولات متكررة ليستطيع إصلاحها.. لكنه يلق حتفه بجوارها بعد سقوطه من رأس النخلة..وبينما كان جسده طافيا وهو يدور فى ماء البركة ..كان صوت الماكينة يدق ..ودخانها يتصاعد فى السماء.

وفى قصة "شراكة الأمل" يسخر مديرها فى وجه المفتش ..الذى تم تكليفه بعمل تقرير عن الفرع.. بغية العمل على تطويرها .." إذا أردتم أن تتطور الشركة ..ويرتقى أداؤها .فعليكم البحث عن كفاءات نادرة ومؤهلة".. وغير ذلك فليس فى الإمكان أفضل مما كان.. يؤكد له خطا مايقول..وأن نظرته انخذالية تختلف عن علم الإدارة الحديث.. الذى إذا ماتوافرت شروطه ومعاييره ..انعكس ذلك إيجابيا على النجاخات.. لكن الواقع يشير إلى عدم وجود الكفاءات اللازمة.. وينتقى المفتش عينة عشوائية من العاملين لمناقشتهم حتى يستطيع كتابة تقريره ..لكنه يعجز عن صياغة التقرير ويقع فى حيرة بين المجاملة التى فيها إساءة للشركة..وخيانة للضمير.. وعدم المجاملة يسىء إلى كثير من العاملين ..ومنهم أعضاء فى مجلس الإدارة.. لكنه يعقد العزم على شرح الوضع كاملا.. لكن فى الاجتماع يعدد رئيس الشركة ايجابيات العمل ..وكفاءة العاملين بها..وانتهت الجلسة دون أن يسأله أحد عن التقرير.. وبتصفيقه مع المصفقين.

أما قصة "سبع الليل" ..فما يؤرقه هو أسر الفتاة السلبية..التى ترى فيه فارسها الذى سيفك أسرها..ويخرجها من سجنها لتزف إليه.. فيتحدى الصعاب فى سبيل الوصول إليها ..ويقوم بالهجوم على القلاع الحصينة ..إلى أن ينجح فى القضاء على الفريسة.. فتسرى الأهازيج فى الجزيرة..وتلمع السيوف ..وتقرع الطبول..ويتم زفاف الحسناء إلى سبع الليل.

ذلك ما يطرحه الكاتب فى مجموعته القصصية ..مضامين مبعثرة بين الزمان والمكان ..تبدو من خلال المنظور العادى بشكله البسيط ..دونما اختلاف عن أية محاولات تماثلها فى مجال القصة القصيرة.. ينم عن ذلك أن تلك الشخصيات المتباينة ..البادية من خلال واقعها الحياتى ..المستسلمة له أحيانا.. والمتمردة أحيانا أخرى ..بينما تبدو عوالمها تتخطى الخاص إلى العام ..فالهم الشخصى يرتبط بتلاحم مع الهم العام ..فلا أحادية فى معاناة الغربة.. ولا محيط البيئة المحافظة على عاداتها وتقاليدها القديمة ..فى ظل التطور الحضارى ..وأيضا لا أحادية فى الإحساس الإنسانى بالدمار والهلاك والقهر بمختلف أشكاله.. مثلما لا أحادية فى الارتباط بالوطن.

أيضا يبدو المنظور العام للقصص ككل.. بتوافق مع المنظور العادى ..لكن ثمة مايفرق بينهما ..حال استيعاب الدلالات الموحية من خلال المضامين ..فموت الأم فى قصة"البحث عنها" ومحاولات البحث عنها يشير إلى وجودها الحسى..ويحيد بالمضمون إلى موت الأمة كجسد ..أما روحها فباقية.. ز"الذيب" الذى يفترس الغنم هو العدو الذى يجول بقوته ويستولى على الأرض ..وهو ما وضح فى قصة "بيت العائلة" من هروب قطيع الثيران أمام اللبؤءة ..وقول العجوز الأجنبى "هذه اللبؤءة تذكرنى بالعرب وإسرائيل..وفى قصة "عصفور الغضب " يحمل عجز المقاومين الأذلاء لافتقادهم عزيمة الإصرار على المقاومة ..وتتعاطم المأساة لإى قصة "وحق الفدا" يعكس الواقع فى وصف المقاوم الفلسطينى بالإرهابى ..ووصف الإسرائيلى بالشهيد.

أما العبثية فى الهروب من المواجهة..فتكشف عنها"قصة "النفق" ..بداية بإلغاء كلمة النفق من قاموس اللغة..وانتهاءا بتفسيرها بفصاحة وبلاغة تأسر الألباب ..كما تكشف قصة "أشباح السراب" عن مأزق الحاضر الذى يفرض على الجمود الحال.. العودة إلى الخلف مستحيلة.. والسير إلى الأمام أتعب وأصعب.. واليمين واليسار لا يعرف أحدا عنهما شيئا.. وهو ما يعنى الحصار المفروض من كل الجهات.

هذه الدلالات الموحية بالرمز لايمكن إغفالها بحال ..خاصة وقد بدت من خلال نسج المضمون..وملتصقة به.. وليست عرضية أو دخيلة عليه..من ثم فالإشارة إلى اعتماد الكاتب فى الأساس على الإيحاء بلالرمز ..وإن كان من السهل استنباطه ..إلا أنه من الممكن أن يتوافق مع هذا النظر حال مايوجد الإقلال منه. بينما يغطى عليه الاسترسال فى السرد اللغوى والاستغراق فيه.

وما تؤكده القصص بشمولية رموزها الصريحة ..المتمثل فى كون تحرك الشخصيات مرهون برغبة المحرك لها..ووفق أهوائه ..يكمن فى صورة المعنى الرمزى..حال فقد الإرادة الشخصية من قبل الحاكم والمتحكم فيها ..ولعل ما حدث فى قصتا "محيمد" و"شراكة الأمل" ما يقرب من هذا المعنى ..المتمثل فى تفرد السلطة برسم نظام العمل..والتمسك به رغم ما ينجم عنه ضرر الفرد..والمجتمع ككل.. أما فى قصة "شباس" فيبدو الاستسلام لما يمليه الأجنبى دونما تفكير حول ما يعنيه من إملااءاته.. وترديد كلماته الدخيلة على اللغة رغم عدم معرفة معناها.. ورغم ما بدا فى قصة"درس التعبير" من مقارنة بين حياة الإنسان فى ظل النظام الاشتراكى ..والحياة فى ظل النطام الرأسمالى..إلا أن السقوط فى مادة التعبير يبدو هو الأساس فى مضمون القصة ..وهو مايعنى العجز عن استيعاب المعرفة فى ظل الإنفاق الهائل عليها .

ليس ذلك هو اجتزاء للمعاش بحال ..أو اختلاق ماهو ليس بموجود.. وإنما استخلاص ماتهدف إليه المضامين..المغلفة بالشكل الفنى للقصة القصيرة.. وسط سيل من اللغة الشاعرية انتقاها الكاتب لتضفى على مضامينه القصصية المزيد من العمق فى ماهية شخصياته ..وبدت كميزة من ميزاته ..أضافها إلى انتقائه مضامين محملة بهواجس وطنية وإنسانية .. تحتم الإمعان فى قراءتها لفهم دلالتها ..التى تسمو بها إلى أبعد من التعاطى معها من خلال قراءة عابرة..تبديها فى منزلة.. تخطتها بعمق التناول ..الذى حقق لها تميزها عن أغلب السائد فى حقل القصة القصيرة..رغم أن الكاتب قدمها كمحاولات أولى فى تجربته للقصة القصيرة.

&&&&&&&&&&&&&&&

السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007