[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حب غادة السمان دراسة
التاريخ:  القراءات:(710) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
حب غادة السمان

السيد الهبيان

فى أعماق كل امرأة رغبة فى أن تمارس حبها بالبوح عما فى أعماقها بلا خجل ..كما يفعل الرجل.وكثيرات حاولن أن يجربن ذلك..لكن سرعان ماصدمن بجدران عتيقة موروثة عن الأجداد..تستنكرالفعلة الشاذة التى ليست من حقهن ..وإنما من حق الرجال فقط..ووقفا عليهم من زمن انسحقت فيه المرأة..وباتت مقيدة بالتقاليد..والويل لها لو حاولت أن تفلت منها ..أو حتى تفكر مجرد التفكير فقط فى التمرد عليها.

ولست بحاجة إلى أبداء ماتواجهت به المرأة..مكتفيا بأنها كانت ومازالت..تجد الاستنكار من أقرب الرجال إلى نفسها.والذى من أجله حاولت أن تعلن تمردها..لذلك فقد بقيت صيحة التمرد مخنوقة فى داخلها..ومحكوم عليها بالفشل..من لحظة وجودها الأول.. والقلة التى استطاعت أن تبدو وكأنها حطمت القيود المفروضة عليها..واستطاعت أن تخلص صيحتها من الاختناق..جاءت محاولاتها موصومة بالتهتك الذى وقعت فيه..ويرجع ذلك لأنهن مارسن تلك المحاولات بقصد لفت الأنظار فقط..فكانت النتيجة أن فشلت محاولاتهن ..وبدون مثل شعلة عود ثقاب توهجت للحظة ثم انطفأت.. أقصد بذلك الكاتبات العربيات ..اللآتى باستطاعتهن ممارسة حق التعبير بصدق..وبلا حرج..مادمن قد أردن السير فى طريق الأدب..سواء بالنثر أو الشعر..فقد قرأت الكثير من إبداعات المرأة..والتى تجعلنا نتوهم أن الأدب العربى ليس وقفا على الرجال فقط ..لكننى كنت أحيانا بمجرد أن أنتهى من بعض تلك الإبداعات.. أجد نفسى أطويه بأسف .. ثم أتركه بين الكتب بلا اهتمام..وتعودت بعد ذلك أن أقرأ كل مايكتب باسم المرأة.. لمجرد إلقاء نظرة فقط..خلال ذلك كان يبدو لى من توحى إلى بأنها تبشر بكاتبة عربية .. تجاوزت حدود السرد المقبول منها..لكننى سرعان ما أجدها قد انتهت قبل أن تصل لنهاية الطريق..أو حتى تتعدى خطوات البداية..وكأنها شعلة تنطفىء بسرعة..كما توجهت بسرعة .

وحدها "غادة السمان" انطلقت مع مثيلات قليلات لها.. و استطاعت أن تبقى..وما زالت تعط مؤمنة بالطريق الذى اختارته.. كما يبدو لى عن اقتناع وإيمان بالفن وبحرية الفنان..باعتراف منها.."أومن بحرية الفنان حرية مطلقة.. وأومن بأن مساوىء حرية الفكر هى أقل من مساوىء كبت حرية الفكر..تحت اقدام ألفاظ مشروعة".

كما أعلنت عن هويتها:" ما أكتبه ينبع من داخلى ..ومن إحساسى بموقعى فى قافلة الرافضين أحلم بغد أفضل". لذلك فهى تدين ما حدث ..وما يحدث الآن.." لقد ارتكبت مجازر أدبية وفنية كثيرة باسم "الالتزام".. نقصد بذلك الالتزام بالقضية العربية..والمسؤل الأول عن هذه الفوضى الفنية هو سلطات الإعلام العربية..التى ركزت على ضرورة الالتزام بدون إبداع" وهو يماثل صنع هيكل طائرة بلا محرك.

وقد سبقت ذلك بقولها:" ما أود أن أسجله هو أن الفنان ليس موظفا من الدرجة الثانية فى وزارة الأنباء.. تعطيه موضوعا إنشائيا وطنيا يكتبه". وتوضح مقصدها بما تريده من الفنان:" إننى أصر على حرية الفنان .انطلاقا من إيمانى بأن الحرية لا تتنافى مع الالتزام..بل هى شرط له.. وبدونها يجهض الإبداع فى أى فعل فنى".

وتكشف عن رأيها فى النقاد المرتزقة:" تغيظنى الطريقة التى يتحدث بهاأنصاف النقاد..وبعض الصحافيين عن الالتزام والفن.. بالنسبة إليهم يكفى أن يضم العمل ألفاظا فجة مباشرة..تتحدث عن الثورة والفلسطينيين..كى يصير العمل "فنا ثوريا"..وإذا خلا العمل من هذه الألفاظ حكم عليه فورا بالانفصال عن واقع الشعب..دونما أى اعتبار لروح العمل وقيمته الإبداعية..ومدلوله المباشر..لذلك فلم يكن من الغريب أن تضيف إلى المكتبة العربية كتابها "حب" الذى جمعت فيه بعض خواطرها الذاتية أن صح القول..والتى عبرت من خلالها عما يكمن فى أعماق المرأة.بلا حرج ولا خجل..وقد مارست بذلك حرية الفنان التى تؤمن بها..وكتبت ما رغبت أن تكتبه..ولأنها كما تعودت لم تقدم كتابها "حب" سعيا وراء رغبة فى لفت الأنظار إليها..وهى الواثقة تماما من تقدير الكثير من القراء لها..لا فى مجال القصة القصيرة التى مارستها فى البداية..و فى روايتها الأولى"بيروت 75" ..وإنما فى كتاباتها الأخرى..والتى تبعد كل البعد عن المجال الأدبى..فقد نجا الكتاب من السقوط فى بحيرة التهتك ..أو الدعوة للمثالية المستحيلة بحكم أحاسيس البشر..وكانت إجابتها على سؤال عنه:"بالنسبة لى لم يكن الأمر غير رسم لصورة الحب التى نفتقر إليها..نحن مانزال نقسم علاقاتنا إلى قسمين..شرعية وغير شرعية..علاقة الحب الشرعية لدينا تخلو غالبا من الحب.ولكنها تحتمى بالمثالية..إنها علاقات فارغة من المضمون..مثل هيكل صرصور أكله النمل من الداخل..وفرغ تماما..أما العلاقات غير الشرعية فهى غالبا جذابة وممتعة ..لكنها سوقية بطريقةما..ثم توضح قصدها منه.."أنا لا أبحث عن الحل الوسط ..أنا أبحث عن الحل كما أرادته الطبيعة ..إن ممارسة الحب فى نظرى ليس صلاة..كما أنه ليس خطيئة..إنه ببساطة أمر جميل جميل إذا كان صادقا ومتبادلا..ومصرا على على خلع قفازات العقد النفسية.وما أردته من كتابى "حب" هو القول ببساطة..الحب ليس نقيضا للثورة..وليس نقيضا للحس بالمسؤلية ..وليس نقيضا للجدية فى مواجهة قضايا الحياة ..وأن الدعوة إلى الحب هى جزء من الدعوة إلى تعرى النفس العربية مما علق بها من مفاهيم مغلوطة.تشوه إنسانيتها وتعيق انفجار طاقتها".

وحتى تؤكد صدق قولها . خصت هذا الكتاب بمقدمة رغبت منها فى أن تمهد الطريق أمام القارىء .قبل أن يبدأ فى تقليب صفحاته مبحرا فيها ليقرأ ماسطرته عن الحب..

"يامن تقرأ سطور هذا الكتاب إنك ترحل إلى قلبى..تتجول فى ركن منسى من زواياه ..ومع كل صفحة تطويها تفتح بابا إلى كهف الماضى..وكلما قلبت الصفحات ..كلما أو غلت فى احشاء زمنى الضائع..فلحظات الحب التى تلق القبض عليها سطور هذا الكتاب.ارتأيت أن أرتبها ابتداء من الحاضر ..وعودة تدريجية إلى الماضى..ماض قلبى منذ خفقات المراهقة الأولى".

وهذا يؤكد أنها تكشف فى هذا الكتاب عن جزء من خارطة حياتها لكل من لايعرفها.قدمتها ملفوفة بإهداء منها:"إلى كل الذين كان يمكن أن أحبهم لو عرفتهم..إلى الرجال الرائعين المجهولين".ثم تقدم نفسها من خلال صفحات الكتاب:

"أنا فتاة الأوتو ستوب

جسدى حقيبة سفر

شعرى وسادتى

أصابعى أقلامى وشموعى

شرايينى محبرتى

ونزفى المستمر سطورى."

ثم تلق الضوء على بداية رحلتهاالأدبية:"منذ البدء ..منذ خلق الحزن والسوط..منذ خلق الصقيع والسعال والظلمة..والدموع على أحجار الأزقة الباردة..وصمت الأبواب العالية الموصدة..وأنا أرتدى حقيبة سفر..وأعدو من مدينة إلى أخرى..أركض ملايين الأميال فى شوارع مسكونة بالخوف والرجال والعنف بحثا عن يد دافئة كتهليلة أم ..كبيرة وقوية كسقف بيت ..راسخة كمرساة سفينة عادت للتو من رحيل دام قرونا .لكن يبدو أن الرحلة ستأتى عكس ما أشتهى".."ينبسط درب المصير امامى..مظلما مغرقا فى الوحشية..السماء تذوب نجومها التى انتحرت..لا يؤنس وحشتها سوى طير ضال عبثا يبحث عن غيمةيغازلها..وأسير..داره تلوح من بعيد..أتسلق درجة مغشوشة رطبة ..الطحالب تتمزق تحت قدمى العاريتين..وأحسها ديدانا هرمة انسابت من قبر ما.. وأشعر أننى أنزلق وأترنح وأهوى وادمى وأتسلق..هذا الباب يجب أن أدقه ..وإن كنت واثقة من أن أحدا لن يجيب ..وأظل أتمزق واصعد بنزوة الشباب إلى المجهول..بحنينى المجهول إلى ماوراء الأبواب المغلقة".

من خلال ذلك يتراءى لها أن تذوب بفرديتها بين الجميع."يارفاق..بحثا عن حقيقة نحترمها..نتشرد فى الدروب..كل على طريقته.قد نبحث بحماسة جمرة شاردة..أو ببرود سلحفاة .قد يكون بحثنا عملية واعية مرهفة ..وقد يكون رغبة لاشعورية تطفو فوق تصرفاتنا..ويكون تعبيرنا عنها خاطئا أو غير خاطىء..كلنا يبحث عن حقيقة يسكن إليها..ويرى وجوده من خلالها..حبيبة وفية ..صديق..موقد نار..فكرة..مثل أعلى..كلمة صادقة حتى ولو كانت شتيمة ..أية حقيقة ..وكلنا قد عرف مرارة الخيبة مرات ومرات..حينما تتعرى الأشياء فجأة ستبدو بلا أقنعة ..وبلا أصباغ تسخر من طقوسنا وبخورنا ومراهقتنا".وكما يبدو لم تجد صدى لما تنادى به فتساءلت:

"لمن أرفع شراعى مادامت الرياح قد ماتت..لمن تهرع عيناى وأهدابها خيوط صقيع..لمن أسجد ومثلى مصلوبة فوق ألسنة التافهين"؟.

لا شك أن ذلك يبدى تطلعاتها للآتى الذى كانت تريده أن يجىء..بكل ماتحلم به من مثالية أرادتها أن تكون فى الحب أيضا..مع أول تجربة لها:

"للحب مفهومه الخاص عندى. إنه اكتمال وتمام لايتحقق إلا بوجود اثنين..جسدين.. رضيا تقبل زوجين..أما اللهفة والرغبة واللوعة من جانب واحد..فأنا لاأدعوها حبا.. لأننى لا أؤمن إلا بالاكمتفاء الذ1اتى فى الغرام.".

وكأنما أرادت بذلك أن تنفى أنها ليست مراهقة لتقول "أحبك" لأول رجل عرفته..كما يبدو بالرغم من أنها أغرقته بسيل من كلمات المراهقة القلقة بدأته:" بوحشية سنونوأضاع ربيعه أكتب عنك ياسيدى..ولا أملك سوى جمرة القلم ألهبها بشوقى..وأذيبهاعلى الورق بحنينى..حرقة مشبوبة هى أيامى من دونك..أكره أن أرى الليل يظلم وسيول القمر تغمر من بعيد وأنت بعيد.

وأيضا:" أحن إلى أن أحس أنك تتحرك حولى..أسمع الناس يتحدثون عنك وعن مغامراتك..أسمع حسادك ينتقدونك..أرى الفتيات يتهافتن عليك وأنا أرقبك بلذة وفرح لأنك موجود..لأننى عرفتك وأنست بك..وأحسست بالطمأنينة فى وجودك:..

ثم تتساءل:

" لعلك ستقول بعد أن تلقانى كما قلت دائما ..يالها من طفلة لاتهتم بغيابى ولا تحس بوجودى..سأنتظر حتى تكبر..فالصدق فى نظرك طفولة.. والعفوية سذاجة..والكتمان نقص فغى الإحساس والهدوء وصوت الشعور

لكن بعد ذلك تجيب:

"طفلة بريئة أنا أمامك..ككل امرأة تنتمى بإحساس صادق..وامرأة محنكة أنا أمامهم..أمام عشرات العيون الشرهة التى تتمسح بى بشهوة..عشرات الشبان الذين يربضون أمام قدمى بأفواه مفتوحة..تترقب لحمى الأسمر لنهشه".

ثم تؤكد التصاقها وتمسكها به ..وتعترض على معاملته لها كطفلة..

"أمنيتى أن تكون بجانبى ..فأنا أتوق للحريق بين الشفتين..أن ترعانى وتبتسم لى.. أن أقول لعينيك بكل جرأة دون أن أخشى فقدانك .لست طفلة كما تعتقد .اقترب منى أكثر ..فما زال فى المرأة نيران لم تجربها..لم تكتشفها نظراتك الخبيرة.. اقترب لأعلمك أنا الطفلة كيف تكون المرأة الحقيقية حينما تحب بصدق".

وتكمل ماتريده منه كاشفة عن رغبتها فى التحرر من خلال إحساس داخلى أحتلت قمته للحظات.

"ياصديقى كل ما أجرؤ على أن أحلم به ..هو مجرد لحظات عابرة مع عينيك..فنحن مخلوقات مشوهة ..بلا غد..بلا إرادة..بلا حرية.. ألعوبة للآلهة الثملة..كل مانزرعه ونحن نحلم بحصده..تذروه رياح القدر حينما تلهو ..ولكننا نكتشف هذا كله بعد فوات الأوان..لقد علمونا منذ الطفولة أن الزواج يجب أن يتوج بالحب..لماذا..لأن الزواج بنظرهم يعنى الاستمرار والضمانة.. وأننا إذا أردنا لحبنا الخلود فعلينا الزواج..أما أنا ياصديقى فلن يدور الاستمرار بخلدى بعد الآن..لن أشوه لحظاتنا الحائرة بالتفكير العقيم فى المستقبل ..الذى أعرف جيدا أننى أتفه من أن أحرك بيدى الواهية ..صخرة من صخوره..الاستمرار مفقود فى عالمنا الشرى..أنه وهم المراهقة".

تتبع ذلك بمثال تحدده بالقسم علىالوفاء بعهد ثم يحدث ما يسبب الحنث بهذا القسم..وتفتت الإرادة بسبب عجز التصدى لما بدا من أحداث..فينتج عن ذلك قطع الاستمرار لذلك فهى تمضى قائلة:

"إلهية تلك الساعة التى تؤمن فيها معى..بأنه قد لايكون لنا غد..فنعطى ونجزل فى العطاء..وتمنحنى من نفسك وروحك وكيانك وتعطى أكثر مما تستطيع..أنا أحبك بضعفى وحيرتى وعجزى وضياعى..أود أن أهبك فى اللحظة التى تكون فيها كل طاقتى للحب ..أما إذا جاء الغد وقد لايجىء وجدتنى أمنحك من جديد كل ما لدى.. فالإنسان لا ينفد..وأنا لا أعرف العطاء فى الحب بالتقسيط..ولا أريد ثمن حبى عقد زواج.

ثم تضيف:

"الحب العابر هو الشىء الوحيد الذى يملكه الإنسان وبالتالى يستطيع أن يمنحه وكل مايقوله من بعد سراب.الفضيلة هى الاعتراف بالحقيقة التى صنعها القدر..وفرضها علينا ..ومهما كانت هذه الحقيقة شوهاء ..فإنها بنظرى خير من الأوهام المثالية..والخدع التى نتبجح بها ونحن نعرف اننا كاذبون..ونحن نعرف أن انسانيتنا الضعيفة عاجزة عن منح الاستمرار وبالتالى الخلود.أنا قادرة على أن أرسم الخلود فى دربنا القصير..فينضج جبين الفراغ الميت ويتأوه السكون ويتلوى..وتصرخ ياصديقى بملء فمك "أنا موجود..أنا أحيا أحس أن الأرض صلبة تحتى..وأرى أن فى السسماء نجوما حية ترتعش وتغمز لى"..وهذا الإحساس ليس بقليل .فأنا ماشعرت قط أن الأرض صلبة تحت قدمى..لكنى معلقة فى فضاء متوتر مشدود..أخشى السقوط كل لحظة..أو أننى فى سقوط مستمر دون أن أدرى..لأننى أصطدم بشىء ..لا شىء حولنا ياصديقى..نحن ذرتان ضائعان فى الفضاء كملايين الشهب المتناثرة المحترقة ..كرماد سيجارة شيطانية يتلذذ بتدخينها قمرنا المربع".

وهذا ما جعلها تحكى عن الخوف فى حياتها القلقة..لكنها أشركت صديقها فى تبعية تواجد هذا الخوف .

"ياصديقى إكليل الخوف جدلناه من اشواك الرياء والتخاذل والضعف..وحملناه جواز سفر إلى سوق الغرور ورفعناه..مسحناه بالكحل بالمطر..برشة رياء زيناه ..فى متاحف الوجوه الشمعية عرضناه..عند أحذية مصقولة عفرناه..ليضحوا..ليقولوا:أنا مهذبون..ليقولوا أنا عاقلون..ليمنحونا بركة حفلات الكوكتيل بركة التبغ والكافيار..إكليل الخوف جدلناه من ضعفى وضعفك".

ثم تعود وتبدى رفضها للاستسلام المفروض عليها:" رغم كل الأشياء قل لقدرك أتحداك بضعفى..ابتسم فالسعادة المقطرة التى طالما حلمنا بها لن تطول..سعادتنا فى أن ننتصر مهما مزقنا نصرنا..وأن نعرف حقيقة وجودنا البائس ونحبه رغم كل شىء..حكايتنا واحدة أنا وأنت..نحن الباحثون عن فرحة بكر لاتموت فى عالم تموت فيه مثلنا وعهودنا وضحكات الذين كانوا أصدقائنا..الممزقون شرانقنا من أجل رحلة..عمرنا سلسلة رحلات عجيبة للبحث عن سنديانة السعادة الهرمة فى جزيرتنا الاستوائية..كلنا سندباد وليس فى افقنا نجمة..وكل رحلة خيبة وتقلص جديد إلى أضيق أبعاد وجودنا ..وأظلم ركن فى شرنقتنا".

لكنها بعد أن تمضى فى التجربة تجدها تفقد دوام الاستمرار وتنتهى:"إذن انتهت أسطورتنا أيها القرصان الّذى مر ببحارى الآمنة..فاستباح اسرار جزرى.. وغرس رايته فوق شمسى.ثم مضى بعد أن مزق أفقى بسيفه ..وخلف فى كل مكان رائحة الهشيم والدمع والرماد.إذن انتهت أسطورتنا .دمرها زلزال شكوكك ودفنها طوفان صمتى".

ثم تتساءل بعد ما تلقى الضوء أكثر على ما خلق النهاية:"ماذا كنت تتوقع؟..ماذا سوى أن أهرب لأنبش الوجود من جديد بحثا عن رجل عيناه نجمتان تشعان حنانا أخضر كعينيك..ماذا سوى أن أعود إلى عشرات الدمى التى أمتلكها..أدنيها وأقصيها..أحنوا عليها ثم أدمرها كأى طفلة ملول".

لكنها تعثر على شريك لتجربة جديدة..فتحكى له عن الأيام التى عاشتها قبل أن تلتقى به:"قبل أن نلتقى..قبل أن تقف أمامى كرمح لا ينثنى..قبل أن تحدثنى عن أحزان العمالقة ووحشة الرجل الإنسان فى حياة ألف ليلة وليلة..حيث النساء يغطين وجهه وذراعيه وكتفيه وصدره كالعلق ..قبل أن نلتقى ياغريب .كانت الأيام شاعرا جوالا يغمر النوافذ كلها بالأغانى والنجوم إلا نافذتى..نافذتى كانت دائما مغلقة..وكان الآخرون ينزلقون على صفحة عمرى دون أن يتركوا خدشا..بصمة إصبع ..تماما كما تنزلق المياه على الجدار الزجاجى لبائع الزهور..وكنت جدارا زجاجيا حقا ..وباردا..وزهوره لاتصلح لباقة فرح للإكليل فقط".

لكن هذه التجربة لاتدوم طويلا ..فتستسلم لنهايتها:"إذن انتهت أسطورتنا ياصديقى.. وذلك اللقاء الرائع كان آخر لقاء..وحبنا الذى بدا فى الذروة قد انتهى فى الذروة نفسها..دون انحدار..إنه مازال جميلا ودافئا كطفل مات من ثوان فقط".

تأتى هذه النهاية مع رحيلها عن "دمشق" مدينتها التى تقدسها دائما فتبكيها بعد أن تتركها:"إذن انتهت أسطورتنا يامدينتى..حلت على لعنة الغجر منذ تلك الليلة الواسعة .ليلة رحيلى .ليلة تحولت أبنيتك إلى إشارات استفهام سود مشدودة إلى قعر الشوارع".

تتساءل بأسى:"إلى أين؟..إلى أين؟..يازوجة الرياح وحكاياك وطفولتك..وجذورك هنا".

إن نبل الفارس الذى أخذ بيدى ..لم يحجب عن عينى قسوة الدرب التى تنتظرنى..لم ينج لسانى عن التساؤل.ترى أية أصابع شريرة كانت ترسم لمصيرى هذا؟..أية قبضة عابثة؟..إذن انتهت أسطورتنا يا دمشق..حلت على لعنة الغجر ..وعلى ان أبدأ من جديد..خيمتى الرياح..ووسادتى غيمة ذكريات ..وحبيبى الصامت ودينى الكبرياء والوفاء..وأنت أبدا مبكاى ومصلاى إنى توجهت وحيدة إلا من طموحى..أحمل طموحى ..وأحمل معه عشرات النبال المسنونة المغروسة فى ظهرى وأسير..وأسير بحثا عن أفق ..عن شمس عن إله عن المفتاح..خيط الدم الذى أخلفه ورائى كلمات من جمر تحكى مأساة المرأة الطموح فى بلادى".

ثم تحكى عن حياتها فى" بيروت" وما واجهها فيها:" ولكنى هنا ..هنا فى شوارع بيروت..متشردة يغسلها المطر كأية شجرة عارية من شجيرات جنازة الدرب..و فيك يا "دمشق" خلفت نفسى وطفولتى وزمنى وبراءتى..هنا ياحبيبتى الواقع بكثافته كلها..يعرينى عن أشيائى التى أحببتها.. يعرينى إلا من البرد والغربة والذكرى".

وبين الذكريات تطل ذكرى رفيق التجربة الذى ابتعدت عنه حاملة لوعة الفراق:"المقهى دار المشردين..أجلس نقطة صمت فى شبكة الضوضاءحولى..فى فم المذياع أغنية حب زرقاء..البحر فى القمر المعتم يرسم ملله موجات رتيبة متشابهة..هدأ المطر قليلا.. والقمر منهك ضائع بين أحضان الغيوم..أنا هنا وحيدة شهقة متعبة فى سيمفونية ليل المشردين..ووجهك ياغريب يلاحقنى كلعنة محببة..عتابه حار كتوسله ككقلقه كشوقه..صدرك ياغريب ..ياقارة الضياع ..كم كان حارا..كرمال صحراء دمشق فى ليالى الصيف..يوم كان المطر حلما فى السماء ..وأنت .للذكرى طعم النحيب فى حلقى..طعم الرماد الباقى بالدمع ..هل كانت حكايتنا الابتسامة الأخيرة التى تضىء وجها محتضرا "..

وتمضى مع رحلة الحب المتجددة دوما ..والتى تطالعنا كلماتها مثل خطوط لوحة ابدعها رسام ماهر..تستوقف نظرك..وتحرك أحاسيسنا لكننا نجدها دوما ملفوفة بالغربة.

"لماذا أيها الشقى.. فى شوارع مفروشة بالعتمة والثلوج والرجال الجياع..والمجهول أمضى وحيدة..فى حلقى الكلمات العتيقة التى لم تقل..تتكاثر كالصبار..وأجلدها كأجساد السجناء..يقطننى شيطان مدهوش وكلما تساءلت لماذا؟..تستحيل عيناى نافذتين مفتوحتين على مقربة صخرية..أيها الغريب لاتسألنى غاضبا كل يوم حين نلتقى أين كنت؟..فأنا لا أكون حينما أكون بعيدة عنك..حينما لاتوجد ..فى نظراتك كما يعيد الشعاع خلق الملامح على شريط التصوير الخام ..يغتال بعدك حضورى..أستحيل ساعة صدئة ميتة العقارب .. مرمية فى صندوق عتيق .. بين ثياب طفل وحيد مات..استحيل كوكبا مظلما منسيا فى ركن السماء انتزعته يد شريرةعن مداره..وقذفت به ليتخبط عشوائى الخطى فى فراغ العدم الرمادى..كأرنب أصيب برصاصة فى عينيه ..ولم تقتله بعد.لاتسلنى بمن التقيت..فكل وجه يطالعنى يعذبنى لأنه ليس وجهك..وجهك الذى أحمله فوق صفحة عينى كالخطيئة .يعذبنى وأعجز عن محوه.."

وتعرج بنا خطوط اللوحة عن مسارها قليلا..لكن كلماتها تبدو كديكور متمم لها:عزيزى صديق حبيبى.وتسألنى عن صديقك وأقول ..لم تحتكره امرأة مرة كما احتكرته أنت..تقصدنى أنا ..ولم يخلص لأننى كما هو مخلص لك .أى لى أنا..وتسألنى بالوكالة عن من؟..عن الدهشة؟.عن حبيبى؟..عن حزننا الآتى؟..مالفرق؟..للدهشة ولحبيبى ..وللريح المزروعة على أعتاب حزننا الآتى..ولأنياب العيون الفضولية المشرعة كالعلق لامتصاص أخبارنا..لكتمان وسادتى الأبيض..ولثرثرة حروف المطابع لهم كلهم..لكم..ل..للصمت ..أصرخ بحقيقة واحدة..أقولها بملء حنجرة مسامى..بمحبرة رئتى..فأنا أرفض أن أزيف حقيقتى..إذ أننى امرأة أنانية إلى حد رفض ان اكذب..وليس فى الوجود مايستحق أن أخون ذاتى لأجله وأكذب..ولذا أعترف..صديقك لم أحتكره..كان يرضى غرور أى أنثى أن تبتسم لكلماتك فى تواضع مفتعل..وبصمت أنثوى لئيم مدع تقر التهمة احتكاره..لا لم أحتكره..لم يحتكرنى..ليس الاحتكار المتبادل عملة بورصة علاقتنا ..بل هو الرفض المشترك لعلاقات عمادها "الاحتكار".ومرحها بورصة وأدائها عمل’..لم أحتكره..لم يحتكرنى..ولذا فلقاؤنا يحتكرنا منذ التقينا.. نرجسيتنا المشتركة هى التى احتكرتنا..جوع كل منا إلى ذاته إلى حقيقته..هو الذى يلم شملنا كل مساء.إلى وليمة فرح واحدة".

وقبل أن تعود بنا إلى إضافة خطوط جديدة للوحة الحب التى ترسمها بخدها تقول:"لقد بدأنا نحتضن جرثومة ذاك المرض الذى لاشفاء له حتى ولا بالنسيان"..لكن الخطوط تعود لتكمل اللوحة:" ايها الشقى..قبلك كنت أبدا منفية خارج الأشياء..منفية خارج دائرة الحزن..خارج دائرة الفرح..خارج عالم الانتظار..قبلك .مالفرق؟..مادمت بعد أن عرفتك ظللت وحيدة كطير يتخبط فى دمائه. إنى احبك..أية فجيعة ..كدست لك اقنعتى على جانبى الطريق .كيف أضعت وجهى وما عريته إلا لك؟..ونمت فى شبكتك بأمن وطمأنينة طفلة لم تنم منذ ولادتها..تشدنى إليك هامسا:حبيبتى..وأصلى بجزع..أيتها السعادة التى نعيشها الآن ياحزننا الآتى..ويبحر بنا الليل فى عوالم صفاء سعيدة فأغمض عينى خوفا من الطوفان الذى لامفر من أن يجىء..حبيبى ترعبنى هيتك لإدانتى.. تطل من عينيك بقسوة قضاء محاكم التفتيش.وبرود غدائرهم الاصطناعية؟؟لا ..فى المرة القادمة لا تعد.. فعودتك بشكوكك تعذبنى أكثر من رصاصتك..أيام وأيام..وأنا أرفضك بقدر ما أشتاقك..أخافك بقدر اطمئنانى لك.. أستسلم لققد قدرتى فى يدكم بقدر ما أحتج عليه.. ياغريب.. وأنت تنفض الغبار عن أرقام الهواتف والعناوين العتيقة فى مفكرتك..وأنت تمضى عنى بحماس وفرح صبى جميل .ذاهب ليتابع لعبه فى الغابة..وبيده شبكة صيد الفراشات..أحاول أن اصرخ لمرة وبأعلى صوتى.. لقد أحببتك وأود لو أشيعك بها قبل أن يغيبك المنعطف تماما.. ولكنك ياحبيبى غرست مسمارا حتى فى حنجرتى..لكن أيها الغريب..عندما يعود بعد جفاء ..تستقبله باللهفة المكتومة..ناسية كمل ما كان طيلة الأيام التى تبارت فيها معه بكل ما يجعل العودة مستحيلة.."رغم أظافر التحدى الشرس التى شرعها كل منا فى وجه صاحبه ..حتى استحالت اصابع كفك من خمس شموع إلى خمسة حناجر..وأصابعى من خمسة أوتار إلى خمسة سياط"..

وبعد أن تذكر كل ما كان ..الذى يؤكد لهما أن العودة المستحيلة ..تغرق فى وصفه لحظات العودة بعد ما تخلصت من استحالتها.

"حينما أرتطم صوان عينى بصوان عينيك ..كان لامفر من الشرز من أن يعود للتفجر.حينما انشق قحط الأيام عن وجهك البرىء براء المنجل ..الرقيق كحد شفرة,,وجهك المحفور فوق عظامى كأساطير الجدات عادت دماء أيامى النازفة إلى شريانك .موطنى. وعدنا نتابع إبحارنا العجيب إلى شواطىء الجمر والزجاج المكسر..وتسألنى بينما ذراعاك تسمرانى إلى تل صدرك ..منجم الأفيون والحشيش.

ــ لماذا؟.. لماذا ذهبت عنى ؟.كيف استطعت أن تقول وداعا..هل تحبيننى..وهل..وهل..وكيف..ولماذا؟..

وأصمت .. من كان يصدق أننا سنعود من جديد طفلين بريئين ..يتابعان سيرة العبث إلى حقول صيد اللهاث والجنون والنشوة..من كان يصدق أننى لو استطعت أن أنسى أننا افترقنا لأيام ..لو..لو..لو يسمرنى سؤالك؟.

لكن العودة لاتدوم ..فتأسف على الافتراق..

"لقد انطلقنا بحبنا ذات يوم ..صاروخ ملذات وبهجة وأفيونا..ونشوة ..ليكون ملجأ لنا ومهربا من قسوة الضجر والقيود والناس والروتين..وإذا بصاروخ حبنا يصاب بعارض لم نألفه ولم نتوقعه..

لذا فهى تقول له:

" أن نفترق هذا كل ماتبقى لنا..فراقنا هو التوأم الملتصق بصدقنا..لا يمكن لأحدهما أن يحيا بدون الآخر..فلا تقل لى..أنك تضحى بأى شىء وبكل شىء من أجلى..أتوسل إليك لا تقلها..فالحب الصادق حين يكون محرما ..يصبح كفراش فقراء الهنود..كله مسامير واشواك."

لكنها لاتنس أن توصيه بمن يسألنه عنها "قل لهن.أحبتنى ببساطة تماما كما تتنفس..ولذا كانت تمنح دون أن تدرى..كما تستسلم أدغال الأعماق لصيادى اللؤلؤ..والمرجان،".

ثم تقول:

"لا..قل لهن باختصار ومن يلتففن حولنا ليرجمننا ..كانت امرأة ربما ككل النساء..وكنت رجلا ككل الرجال..لكننا أحببنا حقا ..وهذا هو الفارق الوحيد ..إنه الخيط الرفيع كالشعرة الذى يفصل بين ملكوت العمالقة ومستنقع الأقزام.. بين أن نكون أحياء أو موميات متحركة بفعل نوابض "زنبركات" اسمها المجتمع"

لكنها تفاجأ بأنه قد ذهب بلا عودة..فتتساءل بغرابة ودهشة:

"كيف استطعت تحقيق معجزة كهذه؟..كيف هكذا فجأة انقطع الوتر المشدود الذى كانته أيامى معك. . ولم تعد ضرباتك توقع عليه غير لحن الصمت اللا مبالى؟..

ثم تقول:

" ها أنت تخلعنى عنك كما يخلع المالك الجشع عن داره مستأجرا .. لاتعد..فحبى ليس مقعدا فى حديقة عامة تمضى منه متى شئت وترجع عليه فى أى وقت..لا تعتذر ..فالرصاصة التنى تطلق لاتسترد."

ثم تبدأ فى رسم الخطوط الأخيرة للوحة الحب..

ها أنت عبثا ترحل عن لحم ذاكرتى..مثل نصل سكين يغادر جرحه ترحل..تغطس فى ظلام النسيان..أنطفىء فى حياتك كشمعة حاصرتها الرياح".. كالعباءة لممتك حول جسدى ..كالكفن رضيتك للقليل الذى تبقى لى..ماذا أقول لك غير أن قلبى يحصده الحزن بمنجل فراقنا..الحزن يزحف إلى كهوفه غير المنظورة..أسقط تحت سنابله..أسقط..أسقط..غيابك ..الحضور مقصلتى.. اسقط نازفة الجرح السرى"

"إن رحلة الزحف فوق الزجاج المطحون انتهت ..والوجع بك يحتضر ويلفط آخر أنفاسه..خالد وجعى بك ..طويل احتضارى كما النار التى التقطت طرف غابة لا متناهية".

أحبك ..أى نصر وأى هوان حين تكون بعيدا هكذا..وتحتل أيامى بصلف كهذا..وأبحث عنك فى الشوارع وأنا أعرف أننى لن أجدك.. وأبحث عنك بين الوجوه.. ويدهشنى لماذا أحب وجهك..من بين مائة ألف وجه طالعنى هذا الصباح..لماذا أنت.. أنت بالذات.."

"غيابك هو الوجع ..حضورك كحضور الأعجوبة.. ما تكاد تأتى حتى تختفى.

أيها الشقى ..لو لم تحبنى لاستطعت أن أمسح صورتك فى عينى.كما أمسح الغبار عن زجاج نافذة ذاكرتى".

دونك أنا قناع..حقيقتى ترحل معك..دونك أنا جثة سرية الموت..وحياتى تخفق ..سجينة ذكراك كأجنحة الفراشة تحت كوب زجاجى"

لذلك فقد ختمت اللوحة بوعد منها..سأظل أكتب لك.. لأجل أن لاتنسى.. لأجل أننى أحببتك..لأجل أننى أحببت"

لكنها تركت الحكاية بلا تتمة..مع إعطائها صفة الاستمرار..لم تضع لها نهاية لتكون خاتمة لها.. شأنها فى ذلك شأن أية قصة حب تكتب أو تروى..مع ملاحظة أنها قد حذفت بعض صفحاتها فلم تعرف مثلا أن فى هذا العاللم الهرم بالحروب وحكايا القتل فى هذه الكرة الأرضية السابحة فى بحر من الدماء والخيبات..والأطفال محروقى الخدود..ماذا تبقى لنا غير الحب.

فى هذه المدينة الصحراوية العطاء..حيث تتساقط كلمات أصدقائنا المرائية ..وجسورهم الممدودة إلينا فى فضاء وحدتنا مثل ريش طيور ميتة..وفى زحام الشكوك والعتب واقنعتهم وزيفهم وأمنياتنا المنطفئة..نشعر بعرى القلب الذى لاتدفئه قفازات المجاملات.. وحين نرفضهم جميعا..ونرفض تاريخنا معهم ..ماذا يتبقى لنا غير الحب.

وتكرر تساؤلها:

"لماذا يدهشك أننى لم اقل لك قط أحبك..ولماذا لايدهشك أننى لم أقل لك ولو مرة أنا أتنفس.. حبى لك صار شيئا مألوفا وأساسيا ومستمرا.صار من بعض بديهات وجودى.. أمارسه كل ثانية دون أن ألحظه أو أرصده كالتنفس.

ومن قبل اعترفت:

ادرك اننى اضعف من ان احب واجبن من ان اثق واننى راضية بضعفى بوحدتى ووحشتى اهذى موهنة ارقص ممزقة مشتتة لكننى راضية بلوعتى ولهفتى راضية بانامل الصمت تدغدغ جرحى.

ثم صارت تردد:

من لايحب لايعرف القراءة ولا الكتابة ولا الفرح ولا العطاء ولا المدنية ولا حتى اشعال النار ولا حتى اول مبادىء العصر الحجرى الانسانية حضارة ام وجود .

وتعترف بان الحب حين ياتتى كالزلزال لايطلب جواز سفر ولا تاشيرة دخول ولا يطلب يد الارض من سلطاتها الرئيسية.

وانه يتدفق كالسيل لايتوقف امام اضواء المرور الحمر ولا يسمع صفارات الحرس ولا يبالى باشارات السير..فهو كالعاصفة لاتميز حين تجتاح بيتا بين الدخول من الباب او النافذة ..ولا تعرف ان قرع الجرس لاقتلاع السقف هو وسيلة الدخول.

ولذا فهى تقول لحبيبها بلا خجل ولا حرج:

حدثهن ياحبيبى عن مملكة الحب .. ذلك الفارس الاسطورى المصاب بفقدان الذاكرة .. حدثه عن بحاره الدافئة اللزجة الملونة .. تضمنى اليك واضمك الى.. ونستسلم للسقوط بلا خوف من القاع .. نتسلق القاع بلا وجل من دوار العمق..نسقط معا نمسك بحشائش البحر.. ارقص عارية مع عشرات السماك الهائلة التى تتلوى معى.. تلتف حولى .. تنزلق فوق جلدى وتزرع الجمر بين عظامى ولحمى .

وأخيرا تعترففى أسى :

ها انا امرأة ضجرة تنام فوق فراش محشو برسائل الحب التى كتبها العشرات لها.

وحتى يعود غريبها الحبيب يبدو لها الرحيل وارد فى الاتى .. الملتف بقناع يخفى ملامحه..ورغم انه لم يكن يدرى كم وكم كان حبيبها فقد قالت له:

كف عن دفع الايجار.لامفر من ان ارحل الى لامكان .. انى مشتتة ضائعة كدخان لفافاتك التى ترحل من دفء شفتيك الى المجهول.

ومعها انتظر المجهول .. بماذا سياتى لنا وباى ملامح وجه سيكون .. ربما بقيت كما هى الان .. وربما عادت الى موطنها الشرعى الذى لم يغب لحظة عن فكرها.

دمشق يابعيدة ياحكاية التعاويذ والتقاليد ياسكينا مغروسة فى اعماقى .. لااملك الا ان احنو عليها .. دمشق ياطفلة الخريف الوديعة انى اراك الان خلال حبال المطر .. الان وانا اتسكع فى شوارع بيروت المقفرة .. اراك كما كنت ابدا وديعة كئيبة.. ومحافظة كزوجة مازالت لاتجرؤ على ان تقبل زوجها ..اراك وارى نفسى فيك.

كما انها تحمل لها فى نفسها ماتحمله لحبيبها ةتضعهما فى منزلةواحدة ..أسطورتان شاحبتان..أنت ومدينتى..أحملكما فى صدرى منارتين نائينيتن..أحملكما فى أعماقى جرحين مقدسين.. فى دروب طموحى لسعنى سوط تزيدان وحشية اندفاعى..فى سجل عمرى أسطورتى وفاء وتماسك وكبرياء..كنت ياصديقى مدينة أفراحى كما كانت مدينتى..ترى هل أعود إليكما؟.

هكذا بدت "غادة السمان" فى كتابها "حب" ..سيلا من الكلمات المكتوبة بلا افتعال..وبلا إثارة مبتذلة أزاحت عنها ما يضغط عليها..ثم همست بها ببساطة..بادئة الدعوة إلى الحب الخالى من السوقية.. وكاشفة عن الكامن فى أعماق المرأة..التى تفتقد القدرة على التحرر من الكبت الذى فرض عليها..لكنها رغم ذلك ترى أنها أخفقت..ولم تستطع أن تعبر عن أحاسيسها كما كانت تريد..بدا ذلك وهى تصف اللحظات التى كتبت فيها بعد عودتها من لقاء مع غريبها..

"منذ ساعات ياغريب وأنا أكتب وأمزق..كتبت عنك..عن نفسى ..كتبت حكايتنا مع الآلهة..مع الآخرين..مع أنفسنا.

كتبت كل شىء..وعدت اقرأ ما كتبت..فتملكنى اشمئزاز حقيقى مفجع.. لو أنك ترى كيف ياغريب كيف مسخت الحروف أشياءنا..لو أنك تحس معى عجزها عن تسجيل ما قلناه..وما فهمناه دون أن نقوله ..لو أنك تعرف معنى الخيبة ..معنى القرف المدمر..أرايت قصتنا كيف استحالت بعد أن كتبتها..ورميت بالقلم جانبا ورفعت يدى خيل إلى أنهما يدا مجرم ملطختان بالدم..

لقد اغتلت تجربتنا..لقد خنتها حين صببتها فى مثل هذا القالب الممسوخ..ياغريب ..إن الكلمات مهما كانت صادقة تحتفظ التجربة الحيبة الصادقة.

وختمت ماقالته له:

"علمنى كيف أبعث العبير بين السطور.. كيف أرشق النقاط نجوما دافئة فى سسماء ليالينا الدافئة..علمنى كيف أردم الهوة المفجعة بين الفكرة فى ذاتى..والفكرة نفسها حين تخرج من ذاتى إلى قالب اللغة..علمنى كيف أخلق التوافق بين أحاسيسى ..وبين هذه الأحاسيس بعد أن أرسمها فى وجود الآخرين بحروفى..

وطالما بقى موحيا لها وظل يحتل وجدانها ستظل"غادجة السمان" تكتب لنا لحظات حب.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*

.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007