[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ليل ونهار سلوى بكر دراسة
التاريخ:  القراءات:(488) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
لليل ونهار سلوى بكر

السيد الهبيان

الليل والنهار ثنائية كونية ..تميزت بخاصية التتابع المستمر ..بحسبان أنها تبدو من خلال دورتين يوميتين ..تقاسمتا معا التقديم والتأخير فى مناصفة أزلية عادلة....حالت دون التقائهما فى آن واحد..لكونهما فى تضاد دائم ..يتعذر من خلاله تلاقى العتمة مع الضوء..ويجعلهما يتشابهان مع وجهى العملة المتمثلين فى الصورة والكتابة..فكما لايمكن تحديد أى منهما يقع خلف الثانى..يستحيل الجزم بأن الليل قبل النهار أو العكس.. ..وذلك بسبب تعاقبهما دون وجود فاصل بينهما..من خلال منظومة كونية تتكرر دونما تغيير ..رغم طول أحدهما عن الآخر وفق تتابع فصول السنة الأربعة..بنفس المنظومة الدائرية ..التى تتغير كما الليل والنهار ..فى تتابع الربيع والصيف والخريف والشتاء..تتوه بدايتها فى جوف التاريخ الكونى ..وتغيب نهايتها فى آت غير معلوم الأجل.

بهذه الثنائية الأزلية والمستمرة قدمت الكاتبة المصرية "سلوى بكر" عملها الروائى الرابع"ليل ونهار" ..بعد أن قدمت قبله "مقام عطية"و"العربة الذهبية تصعد إلى السماء"و"وصف البلبل"..عرضت من خلالها لفترات زمنية تتالت عقب ثورة 1919..مرورا بفترتى حكم الرئيسين"جمال عبد الناصر"وأنور السادات" وانتهاءا لما قد يكون بعد انتهاء القرن العشرين ..وكأن ماصار سيظل واقعا معاشا.. إذا لم يبد مايشير إلى الخلاص منه...ولا يعنى ذلك إضفاء صفة التاريخية على هذه الأعمال..لأنها حسب قول الكالتبة "تناول لواقع معاش فى حدود مفهوم الأدب"..ووفق هذا النظر فإنها لاتخرج عن كونها أعمالا بنيت مضامينها على أساس خلفيات تاريخية ..لعرض رؤى تعبر عن عن وقع الأحداث التى مرت على من يعيشها ..أو من يعايشها.

ففى "مقام عطية" تقوم بطلتها"عزة يوسف" بعمل تحقيق صحفى خاص لمجلة "الصباح التى تعمل بها..ومن خلاله تعرض لشهادات من واقع الحال المعاش ..أدت إلى إثارة قضايا فكرية وتاريخية..كانت سببا فى أن ترفض المجلة نشره.. وفى "وصف البلبل" تبدو توجهات ثورة يوليو 1952..والحياة فى زمن الرئيس "جمال عبد الناصر".. ومقارنته بزمن الانفتاح فى فترة حكم الرئيس"أنور السادات"..وتكمل "سوسن أبو الفضل" الصحفية فى مجلة "ليل ونهار" ..مايحدث فى عصر صحف المخدرات المغيبة لكل عقل..والتى تمارس الدعارة الإعلامية المقنعة..لتكون شهادتها على زمنها الذى تعيشه فى "ظل شجرة يأس مورقة"..وأرغمها على العمل بهذه المجلة لتضمن راتبا يعينها على توفير مايساعدها هى وأمها على الحياة.. ..إذا ما أضيف إلى معاش الأب الضئيل ..الذى حصلت عليه أمها بعد وفاته.. كما أنها كانت تحب العمل فى الصحافة..والذى تفوقت فيه فى البداية من خلال مشاركتها فى الصحافة المدرسية.. ثم تخصصت فى الصحافة أثناء دراسته فى الجامعة..لكنها خلال فترة تدريبها العملى .."اكتشفت مدى تشوه عالم هذه المهنة النبيلة الجميلة التى طالما تاقت إليها".. رغم ذلك فقدت حمدت الله على تعيينها والعمل فيها ..لأن ثمة زملاء لها قى الدراسة لم يحصلوا على مثل فرصتها..رغم تفوقهم ومهارتهم الصحفية..بسبب نشاطهم السياسى خلال دراستهم الجامعية.. ثم وجدت بعد تعيينها فى "مجلة النهار" أنها تتشابه مع العشرات غيرها .."طباعة فاخرة على ورق مصقول .إخراج جذاب مبهر..ومادة رخيصة تافهة..تعتمد على أخبار نجوم السينما والمجتمع ..وتلهث وراء تفاصيل الحياة الشخصية واليومية..بكل ما فيها من خفايا وأسرار..وتروج لكل ماهو بذىء ورخيص..فى حدوث مايسمح به القانون"..ورغم ذلك فمعدل توزيعها بسيط بسبب خيبة القائمين عليها صحفيا..فرئيس التحرير علاقته بالصحافة لا تتعدى كونها "وسيلة لأكل العيش"..من خلال وظيفة حكومية متواضعة..فهو "شخص غير موهوب فى شىء سوى الرياء والنفاق والمداهنة والمسكنة لكل من له منفعة أو مصلحة معه ..نموذج جيد لشعار "الرجل المناسب فى المكان المناسب"..سلك كل الأبواب الخلفية للعمل فى الصحافة بعد أن اكتشف مميزاتها ..وهو يعمل بالمؤسسة الحكومية التابعة لها المجلة..ثم تسلل شيئا فشيئا بكتابته موضوعات خفيفة..تتضمن تمجيدا وإطراءا لبعض الشخصيات المتنفذة والمرموقة ..ومقابلات مع ممثلات الدرجة الثالثة .. وقبل صدور قانون الصحافة نجح فى الانتقال من العمل الإدارى إلى العمل الصحفى..وبعد انقلاب مايو استطاع أن يكون نائبا لرئيس التحرير..ثم خلفه بعد وفلته فجأة فى حادث طريق..ورئيس قسم الاجتماعيات "حسن عبد الفتاح" جاء من عالم البوليس بقرار أمنى ..وقت تسلط مراكز القوى ..ليتجسس على من معه.. وتقمص دوره وكأنه ولد ليحيا ويعيش فيه..دائما يسعى لتشمم نواقص من يصادفه ..دون أن يعرف أحد من يلعب دوره المزمن لحسابه..وعاشت "سوسن عبد الفتاح" تجربة طويلة ومريرة معه من خلال عملها تحت رئاسته ..وعرفت أنه شخص "غلس" و"متعب" ..يتعامل مع الناس من زاوية تحقيق مصالحه..ويحرص على أن يكون الكل فى الكل..يبخس الناس أشياءهم ..ويستفزه العمل الجيد والمتقن.. ويخشى على موقعه الوظيفى دائما..ولذلك فهو يرى فى نجاح الآخرين خسارة له..يحتقر المرأة ويختصها بالعمل الدونى..ويتحرش بها جنسيا..ينظر إلى صدرها ..ويتفحص جسدها عندما يتحدث معها ..ولا يخجل من الهرش بين فخذيه أمامها..وهوايته تأويل الكلام جنسيا ..عمد إلى توريط "سوسن عبد الفتاح" فى الأعمال الصعبة..ودأب على التشهير بها..بعد أن استثاره تفوقها..يتلمس لها الخطأ فى عملها حتى ولو كان قليلا..واختصها ببريد القراء الذى ترى فيه أنه من الأعمال السخيفة..لأنه يرد على كم هائل من السخافات ..التى يكتبها تافهون لاقيمة للوقت لديهم..وكلما طلبت منه اعفائها من هذا العمل يرفض..ويتذرع بأنه يحتاج إلى قدرة صحفية..وموهبة كبيرة..ولذلك خصها هى به ..أما من يستطيع أن ينجح فى العمل معه..فلا بد أن يكون من أمثال زميلتها"سنية فراج" ..والتى تعدها من فصيلة "عالمة شخلع".. فمنذ تعرفت عليه واشتغلت معه..لاترى فيه غير التجسيد الحى لمرحلة الانحطاط المعاشة ..ورأيها فيه أنه تافه كالطبل الأجوف..لايجرى إلا وراء الجلجلة والفرقعة والطنطنة والهيصة.. وصنفته على أنه من فصيلة "انفتاحى معشوأ" ..كما صنفت رئيس التحرير ضمن فصيلة "شايل ومشيل".. ومسمياتها لتلك الفصائل التى نسبت إليها من يعملون معها فى المجلة..توصلت إليها من خلال وقوفها على حقيقة سلوكياتهم فى عملهم.. وأوضحت لكل مسمى معناه الذى ارتأت أنه يتناسب معه.

ف"الانفتاحى المعشوأ".دابة إنسانية ظهرت وانتشرت انتشارا مريعا منذ بداية الزمن الساداتى..واتباع سياسة الانفتاح الاقتصادى على الغرب..وتتميز هذه الدابة الإنسانية بفجاجة الشكل والسلوك ..وقدرتها العالية على توظيف القيم والعادات والدين والأخلاق السائدة لصالحها..كما تتميز بقدرتها العجيبة على القفز والتسلق الاجتماعى ..وهى قادرة على التحول والتمحور..لتبقى المهمينة والمتسيدة..فتبدو تارة فى عباءات دينية ..وتارة فى ملابس عصرية..وهى مع كل المذاهب السياسية والاقتصادية ..أما من حيث الشكل ..فلها فم مريع قادر على التهام أى شىء..ولها خشم ضخم لمص الدماء..وعقلها أدنى مافيها..مصاب باختلاطات معرفية..وانحطاطات ثقافية..يجعلها لاتعرف إلا السطحى والمباشر..ولا تهتم إلا بالغث والهش..وتنفث حولها نفث الحية للسم..وينتمى إلى هذه الفصيلة "حسن عبد الفتاح" رئيس القسم الذى تعمل فيه.

و"شايل ومشيل":فصيلة بشرية ..تطورت عن نوع قديم ..معروف بقدرته العالية على التلازم والتكيف ..بسبب إمكانيات خاصة هائلة ..فى ألا يصطدم أو يرتطم أو يصارع أو يناطح حتى فى أصعب الظروف ..وشعاره الدائم هو :دع الأخلاق تحت حذائك ..وتجاهل كل مايؤدى إلى خصومة بينك وبين الآخرين..فان قالوا عن الحق باطل..فهو باطل..وإن قالوا عن القتيل قاتل..فقل بل هو اكثر من قاتل ..و"شايل ومشيل" يرؤى الحياة خذ وهات..ومن لايعطينى لايعنينى.. أما من يملأ كرشى فأبوس رجليه ومأمشى..ومن هذه الفصيلة رئيس التحرير.

أما "عالمه شخلع" فهى فصيلة لنوع من الثدييات الأرضية ..تطور خلال الحقبة الأخيرة من جوارى الزمن القديم ومحظياته.. وهو يتميز بوفرة اللحم الأبيض ..والقدرة العالية على الدلع والتقصع.. ويستطيع الحصول على مايريد بسهولة.. إذ أنه لديه وسائل سرية لإضعاف خصومه..وهم من الرجال عادة.. وأسلحته العلنية هى الضحك والابتسام..وحتى يتحقق المرام..وحين تقع الفريسة ..تقوم الواحدة من هذا النوع بالتهامها دون رجوع..ومن هذه الفصيلبة "سنية فراج".

ذلك ماتدور فى فلكه الغالبية من العاملين فى المجلة..أما الأقلية الصامتة من أمثال "سوسن عبد الفتاح"..فتعتبر جنسا غريبا داخل نسيج المكان ..الذى ضم أيضا "سمير عبد الهادى" زميلها فى قسم التحقيقات..بالمجلة..وعاشت معه تجربة عاطفية انتهت قبل الوصول إلى حد الخطوبة والزواج.. لأنها اكتشفت أن "سمير "الواعد كما كانت تسميه يريدها امرأة مفصومة ومشطورة..ذات وجهين ..وجه له ..ووجه للناس.. بمعنى أن تكون كالجارية المشتهاة..والأمة المطيعة.. وأن تكون كالإسفنجة قادرة على امتصاصه دائما.. ومع الناس تكون صارمة كشرة..خشنة مع الرجال.. جذبها إليه مظهره المثقف.. لكن خطته المستقبلية خيبت آمالها.. لرغبته إنجاب ثلاثة أطفال على الأقل ..ليملأون على أمه بيتها الواسع ..لأن أخاه الكبير لا ينجب....ويتوسم دخلا كبيرا من وراء عمله الصحفى.بالمجلات النفطيبة. ويريدها أن تتفرغ لتربية الأطفال بعد الحصول على إجازة بدون مرتب ..فاكتشفت أن ما جذبها إليه ماهو إلا خيال صنعته من أوهامها.

ومع هؤلاء من خارح المجلة "زاهر كريم" ..رجل أعمال ..طبيعة نشاطه التجارى ..والعمل بالشحن البحرى.. عاش ظروفا خاصة تجعله لايعرف الكثير من المجتمع.. وعاش معظم عمره منذ طفولته المبكرة فى الخارج.. يعتبر نفسه الإبن الوحيد لأبيه بعد موت أخته التى تكبره ..بعد أن عاشت عمرا قصيرا متخلفة عقليا.. تلقى تعليمه فى أفضل المدارس الداخلية فى أوربا..وتزوج امرأة سويسرية كانت زميلته فى الجامعة.. كان يكتشف مدى ضياعه كلما كبر ..فهو ليس سويسريا كزوجته ..أو انجليزيا لتعلمه فى انجلترا.. ولم يعرف كيف يكون مصريا ..فقرر فى لحظة شجاعة العودة إلى مصر بعد وفاة أبيه ..واضطر إلى إدارة أعماله ..حاول الانتماء إلى بلده..لكنه كلما اختلط بالناس زاد جهله بهم.. بدت له وجوههم خلف أقنعة متعددة.. صاحب حشاشين ونصابين وعاهرات ومتسولين وباعة جائلين.. وعاش بين الفلاحين والصيادين دون أن يتوصل إلى حقيقتهم..ثم اكتشف بالصدفة البحتة أن والده ظل متهربا من الضرائب ..وقدر حجم تهربه بما يزيد على المائة مليون جنيه ..فخطط لإنفاق هذا المنبلغ فى مشروع يعبر عن مصلحة المجتمع..وقرر أن يرصد جائزة قدرها مليون جنيه لأفضل فكرة تكون جيدة ..وقابلة للتطبيق.. نظير إبداعه ..ومليون جنيه لتنفيذها ..شرط ألا تكون منافية للدين أوالعادات أو التقاليد..والقيم المتعارف عليها.. وألا تخرج عن القانون أو تمس أمن الدولة ..وألا تسىء إلى الأخلاق العامة ..أو تحض على الرذيلة والفساد..

بدت مجموعة هذه الشحصيات من خلال شخصية واحدة ..هى "سوسن عبد الفتاح"..والتى اعتمدت عليها الكاتبة كراوية لأحداثها التى عاشتها.. وجمعت بينها وبين "زاهر كريم" الذى يرى أن حقيقته مجرد مسخ كائن لم يكتمل .. والده إقطاعيا كبيرا ..كان مدللا وفاشلا فى التعليم .. قضى شبابه فى أحضان نسوة الكباريهات المشهورة فى مصر والراقصات ..مات أبوه فجأة فى بداية الحرب العالمية الأولى ..وورث عنه الكثير ..وتزوج من قريبة له أنجبه منها.. ثم دخل فى دنيا الأعمال دون تخطيط ..بعد أن دفعته أمه إلى إنشاء مصنع نسيج ..كان خميرة ثروة ضخمة ..راح معظمها وقت التأميم..ولم يبق منها غير سفن الشحن التى يعمل بها ..ومثلما جاء إلى الحياة بالصدفة .. أصبح رجل أعمل بالصدفة ..ولم يكن له أى طريق واضح فى الحياة.

و"زاهر كريم" كان من خارج أسرة المجلة ..إلا أنه استطاع أن يهيمن عليهم بفكرته التى قدمها لهم.. والتزم بكافة ما يتطلبه تنفيذها ..بما فى ذلك مكافأة من يقوم بتنظيمها والإعداد لها من العاملين بالمجلة.. وبموجب ذلك الالتزام احتفظ لنفسه بأحقيته فى تحديد الفائز فى المسابقة..وهو مايجعل المجلة بمحرريها مجرد وسيلة وأداة يحقق من خلالها رغبته.. وما يرمى إليه.

أما "سوسن عبد الفتاح" بحكم علمها اليقين بحقيقة من تعمل تحت رئاستهم بالمجلة ..فقد فقدت توازنها عندما اختارها" حسن عبد الفتاح" رئيس القسم الذى تتبعه ..لأنه لايمكن أن يتصرف كإنسان سوى.. ولا يعط الحق لصاحبه ..أو يقول كلاما خيرا.. ولو كانت الحكاية فيها خير ماكان رماها الطير..ومن ثم فلن يقع اختياره عليها إلا إذا كان وراء ذلك مشكلة أو مصيبة.. خاصة وأنه لم يمدها بالمعلومات الكافية عن رجل الأعمال " زاهر كريم" .. صاحب الفكرة وممولها..ولذلك لم تأمل خيرا من هذا الاختيار الذى خصها به.. وجعلها تفترض الكثير فى "زاهر كريم" ..قد يكون يعمل فى الأعمال الممنوعة..أو يسعى لغسل أموال قذرة.. أو يرغب فى تلميع نفسه اجتماعيا بتسليط الأضواء عليه..أو مروجا لأعماله.. ولم تستبعد عندما التقت به ..وأطلعها على مسار المسابقة ..أن يكون أحد الجواسيس ..مما قد يجعلها عرضة للقيام بعمل قذر يورطها فيه "حسن عبد الفتاح".. بعد أن تواطأ مع رئيس التحرير ورجل الأعمال..لكنها لم تأبه بافتراضاتها أو ظنونها حتى ولو كانت صحيحة.. أو كان رجل الأعمال نصاب..أو يتاجر فى المخدرات ..أو الأسلحة والآثار القديمة.. فهى ليست غير موظفة متواضعة فى المجلة ..وإذا ما ساءت العواقب فيستحملها رئيسها وأمثاله.. ولذلك فقد مضت للقاء رجل الأعمال..ووصلت بسهولة إليه.. فى عمارة قديمة تشهد على عز قديم..وانتظرته على فوتيه قديم بزخارف فاريسية ..مما جعلها تتخيله كمعظم رجال الأعمال ..والرؤساء والوزراء ..والشخصيات المتسلطة التى تظهر صورها فى الصحف وقنوات التليفزيون .."قبيح"" أصلع".."بكرش منفوخ"..و"شفاه رقيقة"..و"نظرات عنيفة متوعدة".. "فاستعدت لابتلاع جرعة من القرف المزمن فى حياتها ".. لكنه بدا لها" نحيلا وسيما بشعر أشيب مسبسب.. على مشارف الخمسين من العمر"..وحدثها مباشرة فى موضوع فكرته..و"كأنه من النوع البشرى المستغرق فى ذاته..المغرم بتجاوز الأشياء بسرعة .. وفقا لما خططه مسبقا فى رأسه .."فأسمته بالمنجز السريع "..وبدلا من التمسك باعتذارها له هربا من المتاعب التى تنتظرها..وافقته بعد أن استطاع أن يقنعها بالمضى فى تنفيذ فكرته كما حددها.

بعد الإعلان عن المسابقة انهمرت الرسائل على المجلة.. وتنوعت الأفكار بين المعقولة والتقليدية..والتى من قبيل التهريج.. كالتبرع للمجاهدين الأفغان..وعودة العلم الأخضر الملكى القديم بهلاله ونجومه الثلاث البيضاء..وإعادة تقليد المحمل ..وإرسال الكسوة إلى الكعبة الشريفة..كما كان من بينها مجموعة من الرسائل البذيئة ..معظمها يتضمن نكات جنسية فاضحة..وشتائم مباشرة تتعلق بعالم الجسد السفلى ..والمطالبة بالارتقاء بتكنولوجيا الجنس أسوة بجنوب شرق آسيا وإسرائيل..ومن مجموع ألف رسالة حصيلة الأسبوع الأول ..اختارت"سوسن عبد الفتاح" أفضلها ..وذهبت لعرضها على "زاهر كريم" ..ومعها رسالة طريفة كانت قد قررت استبعادها ووضعها فى سلة المهملات..بدا لها أن كاتبها شخص خرف ولاشك أنه متعاطى مخدجرات أصيل.. وقدم فكرته بعنوان" سنارة وفرخة لكل مواطن"..وشرح الغرض منها وفوائدها..عرضتها على سبيل الطرافة..لكن "زاهر كريم "قرر اعتمادها كأفضل فكرة..وحملت رسائل الأسبوع الثانى مسائل شخصية.. كالزواج والعلاج.. أبدى أهمية تلك الرسائل باعتبارها أن تكون الفكرة الشخصية جيدة..وقابلة للتعميم..وصارحها بأنه يحاول معرفة النفوس من خلال حياتهم..وعلاقاتهم وأحلامهم وآمالهم..ليقضى على شعوره بالغربة بينهم..ومشكلته أنه بلا تاريخ فى المكان الذى يعسيش فيه ..وفاقد الانتماء لنفسه ..ولا يدرى كيف يمكن قبوله فى مجتمعه وفقا لمعايير مجتمع آخر..فوجدته يريد الانتماء فى زمن لم يعد الانتماء فيه إلا مجموعة من الأغنيات الجوفاء.. فى مناسبات مفتعلة تحت دعوى الوطنية ..وأشفقت عليه من تخيلاته التى تبديه وكأنه جاء فى الزمن الضائع والهرم المقلوب.. وفكرة الانتماء إليه فكرة عبيطة ,,وبدأت تقرأ الخطابات بسرعة ..مؤجلة التعليق عليها فى النهاية.

حمل الخطاب الأول اقتراح بإقامة تمثال ضخم للرئيس الشهيد "محمد أنور السادات"..الذى لم يجد مايستحقه رغم مرور أكثر من عشرين سنة على وفاته.. وحمل الثانى المرسل من طالب طب أكد فيه على تمسكه بالدين.. وحدد فكرته فى إنفاق أموال المسلمين فيما ينفعهم..يصون أعراض الحرائر ويعصمهن من المحرمالت..ويبعدهن عن طريق الفتنة والغواية..ويجعلهن من المحصنات التقيالت..الحافظات لفروجهن..فيفزن بحسن المصير..والثالث من ربة بيت وأم لثلاثة أبناء فى مراحل التعليم المختلفة ..تقترح تسوير الأحياء لحجب القذارة والعشوائيات عن السياح..وتزيين الأسوار برسومات سياحية ..والرابع ن من صاحبة معهد تجميل تقترح فتح مطاعم نباتية فقط..والخامس من أبناء طريق يطلبون المبلغ لإقامة المولد السنوى ..والسادس من تلميذة صغيرة حددت فكرتها فى شراء مايحبه الأطفال..وتراه فى اعلانات التليفزيون ..وخطاب يقترح أن يكون المبلغ نواة جمعية أهلية ..هدفها التربية الجنسية السليمة ..وآخر يريد زيادة الرقعة الزراعية المزروعة ب"القلقاس" ..بعد الاكتشاف العلمى بأنه فريد فى تخفيض نسبة الكولسترول فى الدم..وخفض ضغط الدم المرتفع ..على أساس أن القاهرة بها أعلى نسبة من المصابين به فى العالم ..وآخر يريد المبلغ ليهرب من البلد إلى جزيرة معتزلة ..خالية من القرف والجهل والنفاق والتخلف.. ويحقق فيها احلامه وآماله الضائعة ..ثم يموت فيها فى هدوء ..ثم رسالة قصيرة بفتح مركز معلومالت متخصص يفيد البلد..ثم فوجئت باستدعاء "زاهر كريم"لها على وجه السرعة..ليخبرها أن "حسن عبد الفتاح" زاره فجأة..وأخبره بأنه أعطاها خطابات يرغب إدخالها فى المسابقة..جاءت من جهات عليا خاصة بالدولة ..وحدد خطابا منها رأى أن من الأفضل فوزه بالجائزة.. فيه اقتراحا ببناء مدرسة فى الدولة الفلسطينية الجديدة..على سبيل الدعم والمسياندة..فلم تستبعد دخوله فى علاقات منفعة ..لأن خطاباته التى أعطاها لها..تقترح تأسيس جمعية لرعاية ضحايا الإرهاب الدينى ..وضرورة استيراد مرشحات التنقية من التلوث..وإنشاء بنك لتمويل الأسر المتضررة من الزلازل والسيول..وكلها أفكار تتعلق بالمنفعة العامة..وقد صدم فيه لأن شروط تلك المسابقة واضحة فى نصها على عدم اشتراك العاملين فى المجلة أو المؤسسة فيها.. فأكدت له أنه لايعدم حيلة فى سبيل الحصول على مكسب ..وظنها أنه قدم الخطابات بأسماء أشخاص علة صلة وثيقة بهم..

وتواصلت الخطابات التى تحتوى على سب وشتائم واتهخامات ..أو طلب للعلاج..ثم اقتراح بمنح الجائزة لمشروع حقق فكرة على الأرض فعلا ..وتحمست هى لخطاب يدعو إلى تمويل النساء اللواتى ليس لهم مصدر للرزق ..عن طريق انشاء بنك نسائى للأرامل والمطلقات والعوانس والمهجورات.. لكنه تحمس لفكرة تفرض على الوالدين أو أولى الأمر زرع شجرة عند ولادة كل مولود جديد ..تحت مسمى ضريبة الخضرة ..وفى النهاية لم يستقر على خطاب يستحق الفوز..بسبب عدم وجود خطابان متفقان على فكرة واحدة..ولم تبد الفكرة التى تتعلق بمستقبل البلد .الوطن.المجتمع. وكان يحلم بمشروع صناعة مستقلة قادرة على المنافسة ..وصنع اقتصاد مستقل متين.. لكنه يشعر أن حلمه يبتعد ..وكان يهدف إلى حل مشكلة تهرب والده من الضرائب..بإنشاء مشروع يعبر فعلا عن مصلحة المجتمع ..لكن الكارثة هى أن ماظنه مجتمعا..ليس بمجتمع.. إلا أنه كان لابد من إعلان انتيجة النهائية ..فقرر إعطاء الجائزة لفكرة "سنارة وفرخة لكل مواطن"..فثار "حسن عبد الفتاح" ..ولامها على تقديم تلك الرسالة له.. لكن ثورته انتهت فجأة..وابتسم فى خبث ..بعد أن تذكر أنه استلم الشيك الذى لن يصرف قبل إعلان النتيجة..وقد وجدت فى ذلك أن "زاهر كريم" ..قطع عليه هو ورئيس التحرير خط الرجعة ..لكنها فوجئت بالتلاعب والتزوير فى المسابقة.. بعد سماعها اسم الفائز ..ومعرفة الفكرة الفائزة..وإعلان أسماء رجال أعمال كممولين للمسابقة ..وليس "زاهر كريم". ولم تتصور مدى فجر "حسن عبد الفتاح" الذى استغل عدم رغبته فى اإفصاح عن اسمه ..واشترك مع رئيس التحرير فى التزوير المفضوح..فأرسل العديد من الرسائل بأسماء مكررة لأشخاص بعينهم ..فبدا الفائز قريب الشبه ب "حسن عبد الفتاح"..وسرعان ماسرت اإشاعة بأنه يمت إليه بصلة قرابة..وأكملا خيوط المؤامرة بالإعلان عن أصحاب شركات ظهرت إعلاناتها طوال فترة المسابقة..بأنهم الممولين لها.. مقابل استمرار نشر اعلاناتهم فى المجلة.. فقررت الإسراع بإبلاغه بالفضيحة التى حدثت ..طلبت منه سرعة التصرف ليتم النحقيق الفورى فيما حدث..ساءها أن تبدو مخدوعة ومستغفلة..وشعر ت بإهانة ضخمة ..وبنوع من الغبن الشديد بعد أن غرر بها.. ولم تكن فى شك من عدم سكوت "زاهر كريم" عما حدث.. وكانت تريده أن يتدارك الأمر ويوقف هذه المهزلة..لكنها ما أن وصلت إلى بيته حتى فوجئت بانتحاره.. انتابتها نوبة بكاء وصراخ ثم توقفت.. ولازمها برود فريب وهى تتأمل عينيه المفتوحتين وهما تحدقان فى اللاشىء.."بسؤال ما".. ويحتفظ وجهه بتعبير ألم غريب ..فقد قرر بانتحاره أن ينسحب ويهرب ويتركها فى المأزق وحدها.. وفى اشد لحظات احتياجها إليه.. لقد كان يبحث عن الانتماء ..فانتمى إلى الموت والعدم.. فأضاع حلمها معه.. لكنها عادت إلى نفسها وتساءلت عن المشروع الذى كان يمكن أن ينجح معه ..وهو الذى يعرف أنه ولد كالمسخ..وتاريخه مشوب ومضطرب.. فلا انتمى إلى الوطن..ولا انتمى إلى الغربة.. وغادرت بيته وصوت منبه سيارة الإسعاف يخترق أذنها..بينما يحتد فى داخلها السؤال.

هكذا انتهت تجربتها معه.. والتى أراد منها أن تقامر وتعرفها..ولترضى فضولها وحشريتها..وتعرف أصل الموضوع الذى أثارها.. كما أنها تجربة غير مألوفة.. وأبدى لها ملاحظته على الناس .."خوافة ..تخاف من الجديد.. وتفضل المألوف".. لاتحب خوض الخطر والصعب..ولا ترغب فى المختلف..خصائص الشخصية المصرية التى يجب إعادة النظر فيها.. لكنه لم يعرف ان المسابقة تزامنت مع مذبحة اسرائيلية فى الجليل الأعلى ..فغطت على أخبارها..وصرفت الأنظار عنها.. بعد تزايد النقمة الشعبية ..وتذمر الرأى العام من العربدة الإسرائيلية ..لقد خزله الذين كانوا تحت دائرة الضوءيصنعون التاريخ.. ومن يؤثرون فى صنع القرار..ويغيرون الحكومات والوزارات.. فقد اختفوا وكأنهم لم يكونوا أبدا.. ولم يدرك حجم المهزلة فى صمت الأغلبية المجروحة والمنهزمة..إلى حد الانسحاق.. بسبب فنون السياسة الحديثة التى تعتمد على أسلوب التهديد والوعيد.. بعد دفع الثمن لسنوات لم يبق غير اليأس ولعق الجراح..والطرد من الوطن فى شكل هجرة ..ومن لم يستطع هاجر إلى داخل الذات ..تقوقع على نفسه كأنه رخو.. دون أن يستشرفوا أملا أو مستقبلا.. لقد كانت فكرة الانتماء لديه رومانسية.. لأنه لم يعرف طريق الانتماء إلى نفسه.. ويتألم عندما يتواجه بالسؤال عن انتمائه وكينونته.. وبعد أن عرفها وجد فيها النموذج الذى يبحث عنه.. نموذج غير منتشر كثيرا لكنه موجود.. ووجد فيها مايفتقده ..شبهها بمعزة غاندى الحنونة.. ورأت فيه مايشدها إلى التعلق به..بعد أن تزايدت مرات اللقاء به.. غاظها أنه لم ينظر إليها أول مرة.. وفسرت ذلك على أنه نوع من اللامبالاة..وقلة الذوق..وعدم الاكتراث.. لكنه سرعان ماهيمن على تفكيرها ..وتضاربت مشاعرها نحوه فى وقت كانت فى حاجة فيه إلى رجل.. أتتها صورته عذبة رقيقة أحيانا..ورأته وقورا رهيفا وحنونا ..فراودها إحساس بأن السبب فى ذلك هو افتقادها الأب.ولكنها أخذت تقارن بينه وبين الرجال الذين يعملون معها فى المجلة ..أو ممن تلتقيهم خلال عملها الصحفى فى أماكن أخرى.

"حسن عبد الفتاح" رجل جاف بذىء.. عادة يضحك بوقاحة ولا يتحرج من الهرش بين فخذيه على مرأى من الجميع.. يغتصب صدر المرأة بنظراته العنيفة وهو يحادثها.. وشهوانيته مفضوحة..ويتتبع سيقان المحررات وهن يغادرن مكتبه.. مما جعلها تتساءل .."كيف تتطيقه امرأته وأى نوع من النساء هى؟".

"رئيس التحرير"..عجوز متصاب يصبغ شعره بالبنى الفاتح ..الأمر الذى يذهلها ولاتجد له تفسيرا..يطيله ليحاول أن يخفى أوسع مساحة من صلعته..يصبح لينا رخوا عندما يلتقى بامرأة شابة..ويصير بلا حول ولا قوة كعجينة جاهزة للخبز.

أما "زاهر كريم" فتراه كامل الرجولة والوسامة.. نبيل الأخلاق..صوته خفيض..ويتصرف ببساطة تجعلها لاتشعر معه بأى حرج..ولا تشعر بالارتباك إذا ماتواجدت معه داخل مكان مغلق لفترة من الوقت ليست بالقصيرة.. لايتلصص بنظراته على جسدها ..لكنه فاجأها مرة بعد نظرة طويلة منه عندما طلب منها أن تتعامل مع الألوان الفاتحة لأنها تتناسب مع بشرتها.. وعرض عليها أن يقوم برسمها دون أية تلميحات جنسية مبتذلة ..مثل غيره من الرسامين الذين قابلتهم.. وبعد أن كانت تشعر بالضيق منه لأنه يعاملها كامرأة ..صارت تقدره وتحترمه.. ثم أخذت تفكر فيه من زاوية علاقته بالنساء باعتباره فى عمر النضج.. وله العديد من التجارب مع المرأة ..يخلو إصبعه من خاتم زواج.. لكن غناه ووسامته تؤكد أن له جولات نسائية..ولا بد أن تكون له امرأة حبيبة أو عاشقة..وعندما شعرت أنها بحاجة إلى رجل ..اختارته هو على وجه التحديد..رغم جنونه وشخصيته الغريبة.. ومزاجه غير المفهوم بالنسبة لها ..بدت مغرمة به تماما ..علاقاتها العاطفية التى جربتها انتهت كلها بالفشل.. لكنها انساقت فى علاقة جديدة معه.. تعاملت معه بشرف.. وكانت واضحة معه تماما ..لأنها لاتجيد اللجوء إلى الأساليب النسائية..من كر وفر وإدبار.. وعاشت وهما من صنعها ..أضافته إلى تل اوهامها القديمة .. بدا لها ذلك عندما بدا فى لحظة انها راهنت على جواد خاسر.. وعندما دعاها لرسمها وهى على شاطىء البحر..وبدا لها غناه أكثر مما تصورت... فكرت فى الانسحاب لتتجنب نهاية من النهايات المؤسفة لمثل هذه القصص ..التى ستجعلها سندريلا عبيطة.. تعيش فى سعادة ووهم..ثم تفيق منها ..ولا يبق لها غير آثارها الدامية ..التى لاتزول .. ومن الأفضل أن تبق فى عالمها البسيط ..لأنه كما يبدو جرب أنواعا كثيرة من النساء..ويريد تذوق نوع جديد ..امرأة سمراء عادية الملامح ..وجسم صغير بلا أبعاد..ونادرا ماتلفت نظرات الرجال.. ذلك مايكفى لتنسحب قبل الأوان ..لكنه أراد لعلاقتهما الاستمرار لأطول فترة ممكنة.. وعندما بكى فى لحظة ضعف أمامها ..اعترفت لنفسها بحبها له ..ورغبتها فى تنمية علاقتها به.. بعد أن وجدت فيه واحتها الظليلة فى صحراء حياتها المقفرة ..وعندما فاجأها برغبته فى احتضانها ..احتوته فى صدرها ..وشاركته مشهدا عاطفيا لا ينسى.. وأكد لها بعد ذلك انه يحبها ويعشقها ..مثلما لم يحب أو يعشق امرأة أخرى من قبل.

هذا ما بدا من خلال مسارات النص الروائى فى رواية "ليل ونهار".. والتى قامت "سلوى بكر" بمزجها فى تداخل محكم..جعل منها نموذج حى للوحة مأساوية متشابكة الخطوط ..باعتماد على الإيحاءات الكاشفة لمجريات أحداث واقع معاش ..دونما تقريرية تنال من مسار السرد إذا ماتخللته.. ليستحيل فى مجمله إلى شهادة صادقة على عصر يتسارع العدو فيه إلى الخلف.. من خلال فكرة بسيطة ..تمثلت فى المسابقة التى بدت أساسا لمضمون ثرى بواقعات تفاوتت فى مساحاتها ..لتتناسب مع متطلبات عرضها ..فزمن المسابقة استطال بحكم مسارها الرئيسى..والشخصيات بالقدر الذى يتطلب توضيح ماهيتها.. وتأثيرها على مجريات الحدث الرئيسى..والقضايا المثارة بالقدر الذى يبديها فى شكل إشارات مكثفة تثير الانتهاء إليها للوقوف على مدى خطورة استمرارها ..ومدى انتشارها بكثافة يتزايد حجمها ..ويتسع ليغطى الحال ..ثم يتجاوزه إلى الآتى.. الفساد الأخلاقى المتمثل فى تصرفات العاملين بالمجلة ..الطهارة والنقاء التى تواجدت وسط هذا الفساد.. والمتمثلة فى "سوسن عبد الفتاح" .. ومعها الأغلبية الصامتة التى تحتم عليها التواجد فى أدغال الكذب والاهتراء..البحث عن الانتماء الذى لايعرف ماهيته بعد أن أبعد عنه فى بداية مراحل تشكيله وتعميقه فى داخله.. فاكتشف انه حاول البحث عنه فى زمن ضاع فيه الانتماء..وهو ماتمثل فى "زاهر كريم" رجل الأعمال الذى مارس عمله بالصدفة ..ويرى أن تواجده كالمسخ فى الحياة.. يؤرقه ضميره عندما يكتشف أن والده الذى اتسعت تجارته وورثها هو عنه ..تهرب من سداد الضرائب المستجقة عليه ..ويبدو ببساطة تصل إلى حد سذاجة هذا المجتمع الذى بات كمستنقع ملىء بحشرات آدمية..والتى منها موظفة السجل المدنى التى تتمسك بضرورة إحضار شهادة من إنسان حى..تفيد أنه لايزال على قيد الحياة.. وهو مطلب دورى سنوى محتم تنفيذه على أصحاب المعاشات.. المستشفى الحكومى الذى يفتقد كل إمكانيات الإسعافات الضرورية لإنقاذ المريض..ويلزمه بتوفيرها ..قضايا خطيرة ..وهموم مؤرقة ..بدت أحيانا كإشارات عابرة فى سياق النص.. إلى راية الخطر المرفوعة فى سلام واطمئنان ..على واقع تنحدر مستوياته إلى أقصى درجات التدنى.. ولا يحمل الآتى أية بشائر فى تغيير الحال.. ذلك مايحمله النص ..وما يشير إليه شكطله العام.. الذى احتوى مضمونا قد يبدو بسيطا إذا مارؤى من خلال أسلوب السرد.. واللغة البسيطة السهلة التى صيغ بها ..وأيضا قصر الفترة الزمنية المحددة عرضا والمعلومة.

فثمة إشكالية واقعية..بنيت فى الأساس على خلل منيت به التركيبة الاجتماعية ..من خلال تباين فى السلوك ..بدا بين نوعيات مختلفة من الشخصيات ,,ليس بينها ما يجمعها على نقطة التقاء واحدة.. من حيث التجارب والأفكار ..والتركيبة الشكلية التى تكشف عن حقيقة خصوصيتها..وتحدد النمط الحياتى لكل منها.. بما يمثل فى النهاية خليطا اجتماعيا تفاعل وأنتج موروثة آنية..تقضى على ثوابت وكيانات كان لها تواجدها الفعلى ..قبل تعرضها للاندثار بفعل المسلك الحياتى..الذى اندفع إلى الأسوأ..دونما استيعاب للنتائج التى منيت بها البنية الاجتماعية.. وإذا ما بدا مايشير إلى محاملة التعامل على أساس تلك الثوابت التى اصابها الانهيار..تواجه بحائط صد.

هذا مايمكن الوصول إليه من خلال السياق العام للنص.. المبنى على فكرة بسيطة ــ فكرة نبيلة بمليون جنيه سهلة وبسيطة ..ولا تتطلب شروطا مستعصية.. بالنسبة لمن يرغب فى الاشتراك فيها..وشروطا ليست مستحيلة ..اشترطها ممولها "زاهر كريم"..تحددت فى عدم ذكر إسمه..ويكون القرار النهائى فى تفضيل مايراه أحسنها.. فيلفت الانتباه لأول وهلة إلى أنه يرغب فى فعل خير مستتر..ولا يسعى من ورائه إلى تحقيق طنطنة إعلامية ..يمكن استغلالها بأية صورة من الصور..لكن ثمة إشارات بدت خاطفة فى سياق السرد الروائى..توحى إلى المعانى التى تمثلها..رغم ذكرها عرضا كما يبدو.. فى شكل صيغة سردية ..تتعلق بوصف المكان الذى يعيش فيه "زاهر كريم" ..حى راق "جردن سيتى" له تاريخه العريق .."عمارة قديمة تمثل أحد الشواهد على عز قديم فى مدينة عجوز شائهة ..بها فوتيه قديم بزخارف فارسية..فى المقابل"سوسن عبد الفتاح" فى منزل بعيد ..آخر الهرم..تضاد مكانى كما يبدو..لكنه بفعل اللغة اجتمع على خلفية تاريخية لها أصالتها.. دونما فرق بين أرقى الطبقات وما دونها.. من شرفة شقته التى تطل على النيل على مرمى البصر ..وخادمه راض عن نفسه دائما..متصالح مع الدنيا ..لايكذب ولا يغش ولا ينافق.. مما جعله يبدو كأثر من زمن كان وتبدد.. ومن المعالم التاريخية للبيت ..فى مواجهة مكتبه على الحائط خريطة قديمة لمصر.. داخل إطار خشبى قديم مشغول بالصدف والفضة..حروف مواقعها باهتة دقيقة.. ويتعذر معرفة الزمن الذى رسمت فيه.. وعندما عرض على "سوسن عبد الفتاح" فكرة أن يرسمها ..تمنى رسمها عارية الجسد ..ثم توقف بعد رسم العينين والشعر والرقبة..ولم يكمل بقية ملامح الوجه..فلا أنف..ولا شفتين ..ولابقية تفاصيل الوجه.. كل مافعله أنه رسم ماعرفه فيها..إيحاء رمزى يتحقق بوضوح إذا ماتم الربط بين فعل الرسم الناقص..ونتيجة المسابقة التى لم يتوزصل من خلالها إلى معرفة الحقيقة كاملة.. التى كان يسعى إليها ليزداد قريا وانتماْا للوطن الذى ينتمى إليه..ولم يتعرف عليه إلا من خلال زيارته له كسائح..ثم عرف بالكاد شيئا قليلا عنه.. فحاول من خلال مشروعه الحلم ..أن يقضى على شعوره الدائم بالغربة.. وارتأى فى ثرائه مايمثل له جوزا مرور ليقبله المجتمع..الذى أراد أن يبحث عن انتمائه فيه..إلا أنه اكتشف أن مايفعله هو من قبيل التهريج والمسخرة.. بعد أن رأى حلمه يبتعد عنه ..وقدماه تغوصان فى عالم تحكمه قوانين السمسرة والارتباط بالعريب.. دون أن يعرف ماهية الخلاص منه ..رغم أنه يبدو قادر ومتملك..ويستطيع أن يقول لأى شىء كن فيكون.

كل ذلك يبدى "زاهر كريم" كنموذج إنسانى..قضيته فى الأساس هى عدم الإحساس بالانتماء إلى الوطن.. والمجتمع المفروض أن يلتحم به..وهو مايخلق فى الأساس صراعا داخليا بينه وبين نفسه..وهموما ذاتية تعكس كل مايفتقر إليه ى..إلا أنه وهو فى قمة معاناته من عقدة التغرب النفسى..يلتقى ب"سوسن عبد الفتاح"..التى تمثل رمزا من رموز الأقلية الصامتةالتى تحيط بها أدغال الكذب والاهتراء..فتشفق عليه من نتيجة مسعاه لتحقيقف ماتعرف أنه انسياق وراء خيالات تفتقد ظلها فى الحقيقة..بحكم علمها بالنمط الحياتى المتغير عن الثوابت التى كانت..قبل أن يعتريها الزوال..إلا أنه يستحيل بالنسبة لها إلى مشروع حلبم استسلمت له.. واستعدت للاحتفال به ..وبدت وكأنها ذاهبة إلى حفل عرس..لكنها تواجه فى حفل إعلان نتيجة المسابقة بما يذكرها بفرسان زمانها الذى لافائدة منه.. نخبة من رجالل المال والأعمال..وشخصيات صحفية كبيرة ومعروفة..وموظفون كبار فى الدولة..من نوع ..انفتاحى..معشوأ..سمسار الجبار ..عالمه شخلع..شايل ومشيل.. بدو متنكرين على هيئات بشرية..بينما هم كم من الوحخوش مصاصوا الدماء..لم تتصور ألأن أعدادهم كبيرة إلى هذا الحد..وتجد نفسها تسمع مجموعة من الأكاذيب المفضوحة ..وتزوير لحقائق تحاول أن تحث"زاهر كريم" على كشفها..ثم تسرع إليه لتكون معه وهو يطلب التحقيق الفورى فى الزيف الذى أعلنه" حسن عبد الفتاح" و"رئيس التحرير" ..لكنها تفاجأ بما لم تكن تتوقعه منه.. فقد سبقها فى الهرب من عالمها الذى لم يستطع أن يحقق فيه ماكان يسعى إليه ..وتأكد أن لامكان له فيه.. وعندما وصلت إليه كان ممددا وغارقا فى دمائه..وبانسحابه المفاجىء إلى العدم..كان عليها أن تواجه المأزق الذى تركها فيه وحدها.

لقد اعتمدت"سلوى بكر" فى تركيب نصها الروائى "ليل ونهار" على دلالات مرئية وحقيقية,,وواقع معاش..تجسد من خلال حكيها البسيط ..لوقائع حية ومتداخلة ..مغلفة بتخيلية خاصة ..اعتمدت عليها فى تجسيد رؤيتها لواقع تقف منه موقف التضاد..وترى أنه بات كمنظومة مستمرة ..يتعايش فيها النقاء والطهارة ..مع الزيف والفساد.. فحالفها التوفيق عندما قدمت نصها بدلالة تتنساب مع مضمونه ..كما يبدو من العنوان الذى اختارته "ليل ونهار" ليتم بصغة التكرار المستمر للآتى.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007