[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عبد العزيز الصقعبى فى لاليلك ليلى ولا انت انا دراسة
التاريخ:الجمعة 19 ديسمبر 2014  القراءات:(513) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
عبد العزيز الصقعبى فى مجموعته

لاليلك ليلى ولا أنت أنا

السيد الهبيان

على خطى الإبداع فى كتابة القصة القصيرة..قدم الكاتب السعودى "عبد العزيز صالح الصقعبى".. مجموعته القصصية الأولى "لاليلك ليلى ولا أنت أنا".. الصادرة ضمن مطبوعات "نادى الطائف الأدبى " ..عرض فيها لخمس وعشرين قصة قصيرة..من خلال مضامين مختلفة.. وانتقى شخصياتها من واقع اجتماعى له خصوصياته ..المتمثلة فى عاداته الموروثة..التى تتأرجح بين التمسك بها..والتخلى عنها.

بدت هذه الشخصيات كنمتاذج تعيش وتمارس حياتها وسط المجتمع الذى تواجدت فيه.. وقد تبدو هذه النماذج عادية لعدم تفردها بشىء ما.. يمكن أن يكون مميزا لها عن مثيلاتها من تلك التى تشبهها فى طباعها وتصرفاتها.. وتجمع بينها سمة واحدة ..كالبخل والطمع ..وغير ذلك من الصفات التى يوجد الكثير ممن يوصفون بها.. لكن ذلك لايعنى أنها لاتماثلها.

فثمة اختلاف يتلاحظ بين الشخصية وغيرها ممن تشبهها فى صفاتها وطباعها..وذلك الاختلاف هو ما يبديها كشاذة وسط من يحيطون بها.

البخيل والطماع والمحب والمغامر الذى يحلم بتحقيق آماله التى يتطلع إليها..وغير ذلك من الشخصيات المتواجدة فى الحياة ..والتى ليست بغريبة على مجتمع من المجتمعات..باعتبار أنه لاتوجد ثمة مثالية كاملة ..لاشواذ بينها.. يبدو كل نتموذج من مثل هذه الشخصيات بصورة تبديه ككائن بشرى بصفة تكاد تكون خاصة به..بالرغم من وجود غيره ممن يشاركونه هذه الصفة..

ف قصة:" الليل هاجس غريب".. يبدو بطل القصة فى صورة الرجل المحتاج دائما ..الذى لاتكفيه موارده من تجارته الصغيرة.. رغم ما يملكه من مال.. ويشعر بلذة عندما يصدق الجميع أنه فقير معدم.. لا يملك إلا الغلة البسيطة التى تأتيه من ذلك الدكان الصغير ..من ناحية اخرى يمنح مبلغا من المال لشحاذ..ثم يخبر الجميع أنه قدم طعامه لذلك المسكين ..ويتصنع التقى.. ويتكلم بسوداوية عن الزمن الذى أصبح فيه الإنسان لايعرف أخاه إلا عندما يريد منه شيئا.. وإذا دعى إلى الولائم.. يذهب ويملأ بطنه ثم يأخذ ماتبقى من الطعام لأبنائه.. وماشايته.. يحرم اطفاله من شراء تليفزيون يشاهدونه بينهم ..ويتركهم يذهبون لمشاهدته عند الجيران ..ويغتنم هذه الفرصة ليخرج نقوده من مخبئها ..ويأخذ فى عدها ..وهو ينظر إليها بإعجاب.. ورغم وجهه القمىء ..يحلم بفتاة بكر يتزوجها.. لا يدفع ثمن الشاى الذى يطلبه من القهوجى..ويترك احد الجالسين معه يتولى ذلك عنه..وفى لحظة يستيقظ هاجس غريب فى داخله عندما يوصد الجيران بابهم فى وجه أبنائه ..ويحرمونهم من مشاهدة التليفزيون..إذ يفكر فى جمع النقود ..وشراء منزل كبير ..وتليفزيون ملون.. وتحويل البقالة الصغيرة إلى متجر كبير.. لكنه يتراجع عندما يرى فى ذلك تبذيرا.. ويجد أن من الأفضل أن يستثمر النقود فى شىء يدر عليه الربح الوفير..وحرصا من تقلبات الزمن الموحش يعيد النقود إلى مخبئها.. ويبيت جائعا ليستيقظ فى الصباح ويطلب"الشاى" من القهوجى..ويترك أحد الجالسين معه يدفع ثمنه.. وعندما يبحث عن جسده يجده قد استحال إلى قطع من اللحم المتعفن .

وفى قصة:"البحث عن التراب".. يقرر بطل القصة أن يضحك فى ليلته كثيرا حتى ولو مات بعد ذلك من الضحك..وبالبحث عن السبب ..يبدو أنه كان مدرسا وفضل ان يزاول الأعمال الحرة طمعا فى الربح الوفير..ثم ملك امرأة تزوجها بعد أن فقدت أسرتها فى حادث .. رضيت به برغم تحذير الناس لها من أنه لايصلح إنسانا..لكنها كانت فى حاجة إلى رجل يحخميها هى وطفلتها بالتبنى.. ومع التوسع فى التجارة والمعاملات ..أخذ يجمع المال بشراهة .. وفجأة يقرر لامرأته والغلام اليتيم أنه سوف يجعلهما اسعد مخلوقين ..فى الأيام القليلاة الباقية من عمره .,يبنى فيلا ليعيشا فيها.. ويحضر لطفله الصغير مربية لتشرف على تربيته .. لكنه يأتى بامرأة جديدة تصغره بربع قرن لتعيش فى الفيلا التى بناها..بعد أن تزوجها آملا أن يسعد معها.. لكن طمعه فى جمع المال عن طريق التلاعب فى الأسعار..ينتهى به إلى إغلاق دكانه..وتغريمه مبلغا كبيرا من المال..وهدم الفيلا التى بناها وعاش فيها..هو وزوجته الجديدة..فتهرب منه الزوجة الجديدة وتطلب منه الطلاق لأنه يكبرها بربع قرن..وترفض الرجوع إليه رغم كل توسلاته..ورغم ذلك لايفكر فى الرجوع إلى زوجته الأولى..التى ملك مالها الذى ورثته بعد وفاة أسرتها..ويرفض أن يعطيها ماتشترى به حليب مجفف لطفلها الصغير..وإزاء ذلك الموقف منه يرفض الجميع مساعدته فى حل مشكلته.

ثمة تشابه كبير بين بطلى هاتين القصتين.. وقد تكون القصة الثانية "البحث عن التراب" ..تطورا لما انتهت إليه القصة الأولى"الليل هاجس غريب"..التى تراجع بطلها عن تنفيذ رغباته فى توسيع تجارته..وإسعاد أسرته..وتحقيق حلمه من فتاة بكر.. إذ يبدو فى القصة الثانية التوسع فى المتجر الصغير..والسعى إلى تحقيق الربح الوفير..والإهمال للأسرة..والزواج من فتاة صغيرة..ومحاولة الاستمتاع معها بما وعد به أسرتها ..والتشبث بها رغم رفضها العودة إليه..مع الامتناع عن الإنفاق على أسرته ..ويبقى وسط مشاكله لايساعده أحد فى حلها.

برغم ذلك التشابه..فإن كلا من بطلى القصة له عالمه الخاص الذى يعيشه..سواء كان البخل فى القصة الأولى..أو الطمع فى الثانية..ولا يفكر فى التخلى عنه..ولا شك أن مايشجعه على ذلك هو ذلك التواؤم فى الحياة العادية ..والمعاملات الطبيعية بينه وبين الآخرين.. الذين كما يبدو يجهلون حقيقته.

نموذج آخر من الرجال فى قصة"الكساح"..قد يكون تطورا أيضا لما حدث فى قصة "البحث عن التراب".. إذ يبدو "عزوز" أحد بطلى هذه القصة كانت بدايته دخل محدود..ثم عاش فى بيت صغير مع زوجته وأطفاله الثلاثة..واشترى سيارة..ومنحته الدولة قطعة من الأرض ..لكنه يصاب فى فترة من الزمن بهوس شديد بالنقود.. وأخذ يبحث عنها فى كل مكان ..بعد أن ترك وظيفته وصفى جميع حقوقه.. وصار من رجال الأعمال..وأصيب بنوع من "الشيزوفرانيا"..واستحال إلى أكثر من شخص اجتمعت المتناقضات فى جسده ..الذى أصبح منبع كل وباء ومقر كل ألم..لم"يعد ذلك التقى الذى يؤدى واجباته الدينية بانتظام"..ولم يعد رجل الأعمالالشهير ..لأنه بعد أن توسع فى تجارته اشترى قصرا كبيرا ..وتزوج فتاة صغيرة جلب لها الخدم وترك زوجته وأطفاله فى البيت الشعبى..كان يشعر بالخسارة وبالنقص فى أمواله إذا ماشترى لأطفاله شيئا.. فيمتنع عن الشراء ويبقى على ماله..لأنه عندما ينفق أمواله فى سفرياته للخارج لايشعر بالنقص مطلقا.. لكن زوجته الجديدة صارت مصدر عذابه..وأصبح دمية فى يدها تلعب بها..طلق زوجته القديمة ونسى أطفاله ..وتشبث بجمالها.. كانت بالنسبة له هى الحياة ..ونقلته إلى عالم مملوء بالغباء والنفاق..واستحالت هى إلى بالوعة تلتهم كل مايحصل عليه من مال..حتى التهمته هو ..لكن رشده عاد إليه يوما ما.. منح مطلقته مبلغا من المال..وطلب منها أن تنفقه على أبنائه.. وبدد معظم ثروته فى ذلك اليوم.. محاولا أن يعيد صورته الجميلة لدى أصدقائه.. لكن زوجته الجديدة عندما علمت بذلك اجتاحته كإعصار..وسيطرت عليه أكثر من ذى قبل..ولم يستطع غير الرضوخ لمطالبها..حتى صار معدما..وحينئذ طلبت منه الطلاق..توسل بذل..وبكى كالأطفال دون جدوى..كما فقد جميع أصدقائه الذين من عليهم بمساعدته ..شعر بالذنب الذى ارتكبه فى حق أبنائه..ولم يذهب إليهم بعد أن تخلى عنهم وهم فى حاجة إليه..وعاش وحيدا إلى أن رحل دون أن يبكى عليه أحد..

لو تطابقت هذه النهاية على نهايتى قصتى "الليل هاجس غريب" و"البحث عن التراب"..لبدت كأنها تتمة لتلك المراحل التى عاشها كل من بطلى هاتين القصتين ..وبطل القصة الأخيرة الذى انتهى إلى الموت وحيدا ..وبعيدا عن أبنائه وزوجته.

لكن نهايته تلك أبدت ثمة وفاء للجميل ..وتقدير المساعدة وقت الشدة..فهذا الرجل"عزوز" كان قد أعطى لشخص آخر مبلغا من المال ..ولم ينس له هذا الجميل على سبيل الدين يرده له حينما تتيسر أحواله.. وعندما علم بمأساة إبنه الذى اصيب فى حادث ..وأنه فى حاجة إلى نفقات علاج فى الخارج ..مد له يد المساعدة ..وحاول أن يواسيه فى محنته.

ذلك العون وقت الحاجة ..يبدو دونما أثر فى قصتى"آمال واهية"و"مجرد لقاء".. إذ تعرض كل منهما لموقف قد يكون متطابقا أكثر بسبب الشبه الكبير الذى بينهما..لكن بدت كل منهما بشكل مختلف..

فى القصة الأولى "آمال واهية" ..يقرر "عابد" بطل القصة الذهاب إلى الرياض..ليبعد عن عمل فى إحدى المؤسسات التجارية الموجودة بها ..ثم يعيش فيها بقية عمره ..ويشترى بيتا وعربة فارهة..كان واثقا أنه سوف يصبح من الأغنياء..رغم أنه لم يحظ بالتعليم..وكان يساعد والده فى أعمال الزراعة ..ثم كره حرفة الزراعة بعد وفاة والده..وودع والدته وأخويه الصعيرين واعدا إياهم بالعودة غنيا..وتوجه إلى إحدى المؤسسات وسأل عملا..وطلب من أحد الموظفين أن يكتب له طلب الالتحاق لجهله بالقراءة والكتابة..ثم توجه إلىمكتب المدير ليقدم الطلب بنفسه كما أشار له ذلك الموظف..يفاجأ بأن المدير من قريته.. ويحمد الله على وجود ذلك المدير الذى ما أن عرفه حتى أخذه بالأحضان..ويدور بخلده أنه سوف يأمر أحد الموظفين الأجانب بأن يضعوا له مكتبا قرب مكاتبهم ويباشر عمله على الفور.. وبعد ذلك سيعين مديرا مثله ويملك سيارة فارهة وفيلا ضخمة ويرأس مجموعة من الموظفين ويتكلم بأكثر من لغة بعدأن يتعلم القراءة والكتابة..لكن المدير يأسف له لعدم وجود عمل له فى المؤسسة ..لأنه كما يعرف المدير لا يقرأ ولا يكتب.. وذلك لايرشحه للعمل ولو فى وظيفة فراش..فيترك الطلب فى مكتبه ..ويقصد على الفور موقف السيارات ليعودإلى قريته.

وفى القصة الثانية"مجرد لقاء".. مدير وطالب وظيفة أيضا.. يلتقيان بعد فراق طويل ويتحادثان عن الفقر والغنى..والتعاسة والسعادة..مع سيل من المجاملات المفتعلة..التى تنتهى بالاتفاق على موعد غداء.. لكن المدير يرى أنه أكبر من أن يتنازل لموظف صغير يكلمه ويصادقه..لأن الناس مقامات.. وطالب الوظيفة يرى أنه أكبر من أن يكون ذليلا ويراسه زميله قديما..فيرفض الوظيفة ..وينتظره الآخر على الغداء دون أن يأتى.

كما يبدو لا اختلاف المكان ..لا فى اللقاء القدرى ..ولا بين بطلى القصة.. لكن يتسم الموقف فى الأولى بالصراحة..وفى الثانية بالمجاملة المصطنعة.

وفى مجال ذلك التشابه الذى يبدو بين قصة وأخرى ..تبدو مجموعة أخرى من القصص التى تضمها المجموعة ..وأيضا يبدو ثمة ارتباط بينها ..يجعل الأحداث تأخذ شكل التطور أحيانا إلى حد جعلها تبدو كحدث واحد لايختلف عن الآخر فى شىء..

فى قصة"السراب" ..يبدو مالك السيارة الذى تأسره فتاة تعود أن يراها فى النافذة ..هو يحلم بالوصول إليها ..وهى تحلم "بأن تكون فى أحد أزقة نيويورك" ..ويظل حائرا بين الحقيقة والوهم ..إلى أن ينتهى ببيع سيارته بثمن بخس.

وفى قصة"ممارسة اللعب مع شاب " ..الشاب الذى يبحث عن فتاة يحبها.. يعد أن هام بها منذ أن رآها لأول مرة..وصديقه المراهق الذى يبحث عن زوجة له.. الأول يناجيها دائما..يلاحقها أثناء عودتها من المدرسة ..ولا يدرى بأن شقيقها ينتظرها ويظنه شابا آخر ويغار منه.. أحدهما يرى فى وسامته أكبر مؤهلاته ..والآخر لديه استعداد لأن يدفع أى مبلغ من المال لكى يكون وسيما ..تهوى الفتاة أحدهما ..ويرفض والدها زواجها من فقير.. وتظل إلى أن تصير عانسا..بينما يصل هو إلى سن الشيخوخة ويتحسر على أيام الشباب.

و فى قصة "مواسم البحث عن رحيق زهرة"..الشاب الذى أحب ابنة عمه..وتعلق بها إلى حد جعله لم يكف عن ملاحقتها بعد أن تزوجت غيره.. وعانى الوحدة بعد أن رحلت عنه هاربة تنشد النعيم والاستقرار.. ويستمر فى البحث عنها برغم الشيب الذى بدا برأسه.

وفى قصة"حلم الأمس".. الراعى الذى رأى امرأة تحتطب.. ولم يستطع أن يلحق بها..لعدم استطاعته ترك الماشية التى يرعاها ..ويقرر البحث عنها..تتراءى له مثلما بدت أول مرة..وأقبلت إليه فى استسلام..توهم أنهما اقتربا من بعضهما وحاول أن يطوقها بذراعيه ..لكنه اكتشف أنه طوق الهواء.."وتنبه من حلمه الجميل على أصوات الماشية بعد أن أكل أكثرها مجموعة من الذئاب".. ورغم حزنه تمنى أن تبقى الليلة كحلم جميل يداعبه متى أراد.

و فى قصة"نهاية رجل".. الشاب الذى أحب ابنة عمه ..وقال فيها شعرا ..الأمر الذى جعل والدها يستاء منه ..ويدعى أن التى يقصدها فتاة غير ابنته.. ويوافق على زواجها من رجل "أبرص" فتصاب بالجنون..ويجرفه هو السيل الذى غمر القرية.

وفى قصة"لاليلك ليلى ولا أنت أنا " التى اختارها الكاتب اسما لمجموعته..تبد الفتاة الصغيرة التى تتزوج من شيخ مسن..شاهدت وهى طفلة حفل زفاف له.. ولم تدر أنها ستكون زوجة له.,بعد أن أصابه الضعف والمرض وحقق ثروة طائلة..تعاونه على تناول الدواء الذى يخفف عنه آلام الشيخوخة..وتخشى أن يموت عنها ويتركها وحيدة..لكنه يرحل عنها..وترفض الزواج من غيره حتى لاتكرر التجربة التى عاشتها ..وتقرر أن تظل وحيدة..يفكر ابن الجيران الذى أحبها فى الاقتران بها..ويتوهم أنها سوف تسخر منه ..لأنه ينظر إلى بقايا امرأة تزوجت قسرا رجلا فى عمر أبيها..توفى وأورثها الألم والحسرة على ربيع العمر الذى ذهب هباء..ويتمنى أن تقبله..لكن كلماته تبقى دونما أن تتعدى داخله..وتظل هى لاتشعر به.

و فى قصة"ورفض أن يكون رجلا".. الفتاة التى أحبت ابن عمها ..وتشبثت باحلامها التى تأمل أن تتحقق معه بعد ان تتزوجه.. ويطلبها والده من والدها فيوافق..ويقترن بها بعد موت أبيها رغما عتنه ..ويعيش كل منهما فى واد بعيد عن الآخر..وينتهى به الأمر إلى دخول مصحة الأمراض النفسية..بعد أن بدد الأموال فى السفر..ولم يعد باستطاعته أن يحقق احلام ابنة عمه.. وسقط تحت طائلة الديون..ولم يجد من يقف بجواره ..ونتنكرله زوجته بعد أن أصبح عاجزا عن إعالتها وإعالة نفسه.

ثمة تخيل متنوع لدى الكاتب يبدو من خلال هذه القصص ..إذ تناول حالة الحب التى يعيشها الشاب والفتاة..فى مقتبل العمر.. وهما مقبلان على مرحلة الزواج..وقدمها وكأنها حالات تختلف عن بعضها..لكنها فى الحقيقة اجتمعت على مضمون واحد ..طرحه الكاتب من عدة زوايا مختلفة.

لكن ذلك التخيل يقترب إلى حد ما من الصدق الواقعى ..الذى له جذوره فى الحقيقة..ويعايشه الكاتب بحكم مرحلة عمره الشبابية..وهو اتجاه مقبول ومعقول فى مثل هذه المرحلة من عمر الشباب..لكون التعبير عنها يكون بإحساس صادق ..غير مفتعل..كما يبدو من لغة الهيام التى تتكرر من خلال السرد الروائى..وتتخذ شكل المخاطبة

"أبحث عنك فلا أجد إلا السراب..هل أنه حقيقة أم وهم..أخبرينى وكفى تلاعبا..أحلامى الجميلة أصبحت كابوسا لذا فإنها تعذبنى..كفى عذابا ..من أنت.."رنا" تلك لعبة "لكننى لست ممن يغرق فى غير ماء.."قصة:السراب".

"أتأمل وجهك مليا..أستنزف منك كل قدرة للبوح.. وأسألك محدثا كل جزء فيك..إلى متى يبق المارد كامنا فيك..يستفزنى كلما حاولت أن أغوص فى بحر عينيك يبقى الأمل شعلة متوهجة فى أعماقى حتى يتركنى الزمن أطاردك عبر أيامه..أسحق طموحى حتى ينبثق من الطموح التقاعس والبحث عن النقطة التى تبدأ وتنتهى عندها الذاكرة"..طيغك قمرا يتوهج فى سمائى..ووعد أرغب فى تنفيذه"..قصة: "ممارسة اللعب مع شاب"

طغلة فى ثناياك إشراقة شمس

وداكنة تبحثين عن بقاياك فتجدينى

ملقيا بين أكوام النفايات

أنا لست قذرة وإنما

حبى لك لطخنى بالوحل

وجعلنى كشيطان أرعن

أجوب أبحث عنك".

قصة:"مواسم يقتاتها البعض من رحيق زهرة"

"تبقين ساكنة مشبعة بالألم يامن تنتشين بعبق اللحظة..أنا لاأدرى لماذا لا تكونين جزءا منى ..إلا أننى أشعر بأنك تتغلغلين داخلى يوما بعد يوم..وتجعلين من جسدى مركزا للغزو..تعبثين بكل شىء..تمتلكينه..وتؤمنين بأن ملكيتك لتلك الأشياء تجعلنى أكثر انصياعا لك"..قصة:"لا ليلك ليلى ولا أنا أنا"

هذه المقاطع ذات الجمل الشعرية تبدو كمفاجأة من خلال السرد ..تقطعه أحيانا..وتتداخل فيه أحيانا أخرى..وقد تزيد هذه المقاطع الشاعرية من عمق الإحساس باللحظة التى يصفها الكاتب..لكنها تبدو فى السرد كقطع يجعل الأسلوب يتخذ منحى آخر..وكأنها تعبيرات منفصلة برغم الصدى البادى فيها..وتعبيرها عن المشاعر المرهفة لدى الشخصيات.

ولا يبدو اختلاف إلى حد ما ..بين هذه القصص التى تعرض لحالات الحب وقصتى"مثالية واقع أبكم"و"وثيقة إدانة"..من حيث العرض لصور من الحب الصادق..وما يعترضه من عقبات.

ففى الأولى"مثالية واقع أبكم"..تبدو الزوجة التى تخلت عن الحبيب من أجل إسعاد أسرتها..ثم يتركها زوجها ويرحل إلى المدينة ..لكنه لايتحمل البعد عن الأرض ..ويعود له الحنين الجارف للحياة التى ألفها..لكنه لايستطيع العودة وتبكى الزوجة حزنا عليه ..وعندما يسألها أكبر أطفالها عنه..تشير إلى الأرض"هذا أبوك وأمك".

وفى الثانية "وثيقة إدانة"..الأب الذى يزوج ابنته من رجل غنى..فحال بينها وبين الزواج من حبيبها..وتشتت مشاعرها تجاه زوجها بين الحب والكره..وتنتظر أن تسعد بحياتها معه دون جدوى..ويتوقع الحبيب أن يصاب والدها بالجنون..ويقبع نزيلا فى أحد المصحات العقلية..بعد أن اصيبت هى وزوجها بالجنون وأحرقا كل أموالهما.

إن مثل هذه القصص تتحدد أطرها فى حيز ضيق برغم اتساع مساحاتها..وتنوع أشكالها..ومن ثم فإنها كما يبدو لاتعدو كونها ترجمة لانفعالت الشباب..ولمفاهيم ضمنية تكاد تكون واحدة..محورها الشاب .الفتاة.الرجل.المرأة..وما يعترضهما من معوقات تحول بين التقاء أى منهما بالآخر..فى ظل ما يتطلعان إليه.

وليس ثمة جديد إذا ما بدت بعض المآسى من خلال هذه القصص..فتلك المآسى تتخذ منحى التأثر بما يحدث ..ومحاولة خلق التعاطف تجاه الشخصيات التى تخضع لظروف قاسية..أو تتعرض للفشل فى حياتها.

ففى قصة"رفض اليأس" الصديق الذى يقرأ نعى صديقه ..ويسارع للمشاركة فى مراسيم الدفن والعزاء..ويحزن على وفاته فى تلك اللحظة الحرجة التى يحتاج إليه فيها..لأنه كان يستعد للزواج من أخت ذلك الصديق.. وكان سعيدا بذلك وأهداها شقة وأثاثا فاخرا تعبيرا عن سعادته بهذا الزواج..كما أنه هو الذى أنقذه من الضياع الذى تعرض له..بعد أن عاش حياة الغربة بين زوجين انفصلا..وتزوجت أمها بآخر غير والده ..طاعنا فى السن وله عدد كبير من الأولاد..ووالده ذو شخصية ضعيفة جعلت الكلمة الأولى والأخيرة لزوجته..ولذلك لم يتوان فى تنفيذ طلبها بطرده..ووعده الصديق الذى توفى بالزواج من أخته ,,وأن يفتح له مؤسسة كبرى..لذلك كاد أن يفقد عقله عندما علم بوفاته ..لكنه طرد اليأس عن نفسه..وقرر أن يذهب ليطلب التقاعد من عمله.. ويفتح المؤسسة التجارية التى كانت تجول بخاطره..لكن تدهسه سيارة وهو فى الطريق الطويل الذى كان يعبره.. داهمته شاحنة ..جعلت سيارته كعجين ..وشعر فى تلك اللحظة انه حان الأوان ليلتقى برفيق العمر.

وفى قصة:"عم أحمد" الرجل الذى ناهز السبعين من عمره ..وذهب ابنه إلى أمريكا ليكمل دراسته الجامعية..ويكافح فى سبيل تدبير نفقاته المعيشية وهو فى انتظار عودة ابنه من الخارج ..ويبنى على تلك العودة أحلام عظيمة..أهمها أن يذهب الشقاء إلى غير رجعة..لكنه يتعرض لحادث هو وزوجته وهما ذاهبان إلى المطار لاستقباله..تموت الزوجة على الفور وقبل أن تصل بها سيارة الإسعاف إلى المستشفى ..وما يلبث أن يلحق بها هو الآخر ..بينما كان الابن فى ذات اللحظة ينزل من الطائرة..ويبحث بين المستقبلين عن والده ..أو من يستقبله لكنه لا يجد أحدا.

وفى قصة"السواد" بائع الفحم الذى تزداد كراهيته للكهرباء كل يوم..ويتمنى أن يعود الناس إلى الحياة البسيطة..حتى يذهب الكساد عن تجارته فى سوق المدينة..بينما كان الناس ينتظرونه بفارغ الصبر لكى يحضر لهم الفحم..خاصة ايام الشتاء..لكنهم صاروا بعد استخدامهم للكهرباء لا يحتاجون إليه..وبدا عليه أن يبحث عن شىء آخر..ففكر فى بيع البيت والحوش الذى كان يجمع فيه الفحم ..ويستثمر ثمنهما فى شىء يستفيد منه فيقع فريسة رجل مستغل..اشترى منه البيت والحوش بثمن بخس..ولا يجد "عطية" بطل القصة ما يأويه بعد أن سلمه ما باعه له..حتى لايصبح متشردا ضائعا..كما شعر بعد أن باع البيت والحوش..ذهب للرجل الذى اشتراهما منه ليستردهما ويرجع له ما قبضه منه..فيكتشف استغلاله له..ويضطر إلى موافقته على أن يحتفظ بجزء من الثمن يرده بعد ذلك مضاعفالذلك الرجل..لكنه يفاجأ بأن البيت خال عما يقيه من البرد بعد أن باع كل ما كان فيه..ولا يستطيع أن يقاوم البرد..فيجمع ملابسه ويحرقها ليستدفء بها..لكن بعد أن تحولت النار إلى رماد ..تذكر أن النقود كانت بها ..فأصبح معدما..وأصيب بالجنون.

مجموعة نماذج من المآسى تعرضت لها الشخصيات..انتهت بالموت ..أو بالجنون..وكل منها تعكس عالمها الخاص بتجسيد للواقع الذى تعيش فيه..وأثارت التعاطف تجاهها بدرجة كبيرة..بسبب ما عاشته وما تعرضت له..ثم نهايتها المأساوية التى انتهت إليها.

وثمة نموذج آخر من الشخصيات بدا فى عدد من القصص الأخرى..قد لايكون لها تأثيرها على غيرها..أو إثارة التعاطف نحوها..لكنها لم تبعد عن عالم الواقع الذىتعيش فيه.

ففى قصة "الغباء" ..العامل البسيط الذى هو محل سخط دائم من قبل رؤسائه لتقاعسه فى العمل..وعرف عنه الخمول والكسل وكثرة التأخير..يعرف من بعض زملائه أن صاحب عمارة قريبة منه لديه سبع بنات..تساءل عما إذا كان الأب يستطيع أن يوزعهن بسعر رمزى..فوصفوه بالغباء..لكنه اكتشف أن الحرية التى يشعر بها وهو أعزب ليست سوى ضياع..ويفكر بأن يذهب إلى صاحب العمارة يطلب منه إحدى بناته..ويعيش معها فى شقة مفروشة..على أن يدفع جميع التكاليف من مهر ومستلزمات الزواج وإيجار شقة وقيمة الأثاث ..على أقساط مدتها خمسون سنة..لكنه تذكر وصف زملائه له بالغباء ..ومع تكرار تأخيره عن العمل تم طرد منه..وبدلا من البحث عن عمل آخر..تأنق وذهب إلى صاحب العمارة..فقوبل بصوت من الداخل أنه غير موجود..واستمر يكرر محاولته سنين طويلة ويلتلقى نفس الإجابة دون أن يفهم مامعنى ذلك.

وفى قصة"طريق مغلق"..الموظف المصاب بداء النسيان..يلتقى بصديق له ..يبارك له خطوبته ويعاتبه على أنه لم يدعوه لحضورها ..يشكو له الصديق كثرة التكاليف ..وتبدو المجاملات بين الصديقين بافتعال بينهما..وكل منهما يحاول أن يتهرب من دفع ثمن الشاى الذى احتسيانه..لكنه أخرج من جيبه ما معه من مال ودفع أجرة الشاى ..وشعر بألم لأنه سيبقى عازبا فترة طويلة من الزمن.

وفى قصة "الجفاف..المثقف الذى يشعر بضآلته أمام الفلاح الذى يحاول أن يصنع كل شىء بنفسه ويبحث عن الاتكالية..واستطاع أن يتغلب على مرحلة الجفاف الاتى تعرضت لها الأرض ..ويكتشف المثقف أن الجفاف يسيطر على أعمالله.,

وفى قصة:"مشوار".. العائد إلى بيته ليزف بشرى ميلاد مولود له إلى أهله..ويطمئنهم على صحة الأم الموجودة بالمستشفى..واثناء عودته يتقابل مع "رجل ملثم"..ينقض عليه ويمسك بيديه ويتهمه بأنه حرامى..فيصيح بأعلى صوته مستنجدا..لكن لاأحد يجيبه فى تلك الساعة المتأخرة من الليل..فاستجمع شجاعته وحاول الابتعاد عنه ودفعه بكل قوته..ففوجىء به يسقطه على الفور برغم جسده الضخم..ويكتشف أن وجود حفرة خلفه هى التى ساعدت على سقوطه..بعد ذلك يعدو إلى منزله ..ويطمئن من فيه على المرأة التى تلد فى المستشفى..ويذهب إلى غرفة نومه ويتساءل عما كان سيحدث له لو لم تكن تلك الحفرة التى سقط فيها الرجل موجودة..ويرى أنه حاول أن يصنع المستحيل ..وساعدته الظروف على وقوعه.

قصص عادية قد تكون..لكنها أيضا لها وجودها فى الواقع..ونماذجها ليست غريبة عنه..فمثل شخصياتها كثيرة..وتمارس حياتها بطبيعية تعودت عليها..لكن هذه الشخصيات تعكس من خلال ظروفهاا لتى عاشتها ..ماجعلها تتغلب عليه..وتبدى أنه يتحتم مقاومة اليأس حتى لايكون ثمة استسلام .

كما أنها تحمل مفاهيم ضمنية عن الواقع الذى خرجت منه ..تتسم بمعايشتها الشديدة الخصوصية ..برغم المستويات العتديدة التى بدت بها..ولا اختلاف على أنها بواقعيتها هذه ..تتساوى مع غيرها من القصص ..التى يكون الاعتماد على نسجها ..وفقا على مايدور داخل المجتمع..وما يكون فيه من نماذج السلبيات والإيجابيات..وتحمل معان تستخلص من حياة شخصياتها.

لكن بعيدا عن هذه المحلية..وهذا الحيز المكانى الضيق..والواقع الاجتماعى المحدود ..قدم الكاتب قصتين ..حاول من خلالهما أن يخرج عن واقع قصصه.. إلى ماهو بعيد عنها.

"مشهور"..الفقير الذى تبدومن خلاله مأساة العالم الفقير الذى لايشعر به الأغنياء..بعد أن نشرت ماساته على صفحات الجرائد..يشعر بنشوة..ويرى أن فى ذلك ما يجعله يبعد عن قائمة المنبوذين..ويؤهله ليكون قائد لمجموعة من القبائل..ويصدقه الجميع..ويغطون فى نوم عميق منتظرين المستقبل وما يحمله لهم من أمل بالحياة..لكنه يمل الانتظار ويموت بسب الجوع..لكن تبقى صورته دليلا على شهرته.

و"استسلام " البائع العربى الذى سافر إلى بلد أوربى.. يعجز عن فهم الكلمات المكتوبة بحروف لاتينية ..ويتفاهم بصعوبة مع النادل الذى يحضر له الطعام..يفتح صدره لرجل يتكلم العربية..ويقبل صداقته على الفور..ويتواعد معه على اللقاء فى المساء ..ويجلس فى انتظاره فى قاعة الفندق الذى ينزل فيه..يتصفح مجلة على غلافها "بيجين" ..فتمنى لو يسمح له بتمزيقها..وبحركة لا إرادية يسقط الشاى عليها ..يحاول أن يعتذر للمرأة التى أحضرت الشاى ..فتبدى له أن ليس هناك مشكلة فى ذلك..ويشعر بالسعادة لأنه أعدم غلاف المجلة بعفوية..لكنه يفاجأ بامرأة شاهدت ما حدث تشعر بالغضب وتمسح الصورة..تمنى لو يستطيع مجادثتها ويفهمها بأنها إذا استطاعت أن تنظف الصورة .زفلن تستطيع تنظيف السجل الأسود لهذا الإرهابى..لكنه يشعر بالزهو لأنه عمل شيئا أغضبها..ويأتى صديقه العربى ةيصحبه إلى ناد ليلى..ويقدم له صديقه امرأة ويفهمه أنها معجبة به..ويدعو الجميع إلى وجبة عشاء ..ويبدو بمظهر الثرى..ومضى الوقت فى مشاهدات رقصات وسماع أغتى مختلفة.. يرى مغنية زنجية رسمت على خدها نجمة داوود السداسية..فيشعر بالقهر..ويبصق عندما يرى صديقه الذى يتكلم العربية يقبل تلك المغنية..ويتساءل عن كرامة العربى والذل الذى يأباه.. كما أفهمه قبل ذلك..تتراءى له ابتسامة "بيجين" العريضة وهو يعانق السادات ..ويتساءل لماذا عانقه ..ويشعر بالألم ويحاول أن ينسى..ثم يكتشف أنه وقع ضحية لمحتال بعد أن ذهب صديقه الذى يتكلم بالعربية..ويطالبه مدير المحل بدفع الحساب..الذىكان مبلغا خياليا وسلمه للبوليس..فيدفع كل ما معه.. ويطلب أن يذهب معه شخص ليأخذ الباقى..ويبكى ألما وحرقة عند تذكر الصديق الذى يتكلم العربية..وتخيله معانقا الإرهابى "بيجن".. ويتكالب عليه البرد والمرض ..ويموت فى تلك الغرفة الحقيرة غريبا.

فالقصة الأولى "مشهور" عرض الكاتب لمشكلة العالم الثالث ..وما يعانيه من فقر فى موارده..فى ذات الوقت الذى تنعم فيه الدول الغنية بالثراء..إلى حد الاعتناء بالحيوانات ..وشراء التحف الأنيقة.

وفى القصة الثانية"استسلام" يتناول الكالتب مبادرة السلام المصرية الإسرائيلية ..التى اقدم عليها "السادات" عام 1977..وكيف أنه لم تتعد كونها استسلاما لللإرهاب الإسرائيلى.. ونيلا من كرامة العرب.

هذا فى حد ذاته محاولة طيبة من الكاتب ..للخروج بقصصه عن المحلية التى تتسم بها..وطرق مواضيع أخرى..يحاول من خلالها إبداء رأيه..أو تقديم رؤيته فيما يحدث..

كما حاول الكاتب أيضا فى "الشمس طفلة" تقديم أقصوصة .ز.قد يكون ذلك على سبيل التجريب فى طرق مواضيع أخرى ..تخلوا من الشخصيات الحياتية .ويبدو أنه نجح فى ذلك إلى حد كبير..لتوافق الشكل مع المضمون الذى بدت به.

من سياق العرض لكل قصص المجموعة كما سبق..تتحدد عوالم الشخصيات التى قدمها الكاتب من خلالها..ويتحدد أيضا النهج القصصى لديه..على أساس اختياره لمضامينها التى اختارها من الواقع ..وعرض من خلالها لبعض النماذج الإنسانية وممارستها الحياتية..واتسام هذه المواضيع بالواقعية لاينال منها فى شىء..خاصة وأنها قدمت كمحاولات تجريبية من قبل الكاتب ..دخل بها إلى عالم القصة القصيرة ..لكنها فى مجملها تفتقد القضايا التى تثيرها..إذ ليس الأمر مجرد تقديم قصة قصيرة فقط..بأى من المقاييس التى تكون لها..ويمكن أن يقدم الكاتب..الحدث..بشكل ما ..ويصل بهذا الحدث إلى حد معين..دون ان يبدى ابعاد هذا الحدث ..ومدى تاثير المجتمع وانعكاساته عليه.

ثمة علاقة أكيدة بين الشخصيات وبعضها ..هذه حقيقة..لكن أثر هذه العلاقة عليهم غير متواجد ..لتفرد كل منهما بعالمها الخاص بها..سواء من ظلت تواصل الحياة..أو تلك التى انتهت حياتها..والمقصود بالشخصيات هنا هو المجتمع ككل..وليس شخصيات القصص منفردة..بمعنى الشخصية ومن حولها..وليس الشخصية والشخصية الأخرى فى كل من القصص..وبمعنى أوضح العلاقة المقصودة هى العلاقة الحياتية ..التى تربط بين الشخصية ..وبين الشخصيات التى تشاركها الواقع الذىتعيش فيه.

وما يمكن ملاحظته فى مجمل قصص المجموعة ..أن الكاتب حاول أن يظهر من خلالها مضامين ..حمل بعضها المغزى الذى يريد أن ينقله إلى القارىء..إذ تبدو بعض الجمل الاعتراضية من خلال السرد "تختار مشاعرنا دوما.. لماذا لانصدق ولو للحظات مع أنفسنا..أن نحاول سبر كثير من الهفوات ..لماذا لانضحك ونبكى بصدق..شاعرة هى مشاعرنا حتى أصابها العفن..خاوية هى قلوبنا..رحل منها فى زمن غابر كيان كبير يدعى الحب".قصة:"ممارسة اللعب مع شاب".

مثل هذه الجمل التى تكررت فى عدد من القصص تحيد إلى الخطابة ..وتقطع انسيابية السرد الذى يتتالى بتطور الحدث..,وبالتالى يفقد الشكل إطاره المتماسك.

وما يلاحظ ايضا أن الكاتب يعرض لمضامينه من خلال وعى كامل بالحدث الذى يكون فيها..إ يبدو ملما بجميع الخيوط..الذى تتفرع منه.زلكن هذه المضامين افتقدت الشكل الذى يناسبها فى كثير من القصص ..برغم محاولات تغيير هذا الشكل ..بنوع من الحداثة يبعده عن الشكل التقليدى..الذى يتوافق مع المضامين التى طرحها..

ففى قصص"البحث عن التراب"و"ممارسة اللعب مع شاب","رفض أن يكون رجلا"..حاد الكاتب عن الشكل التقليدى المصبوب..إلى التقطيعات التى تبدى الحدث من مجموعةزوايا مختلفة ..مستخدما الأرقام والتسمية بمراحل فى القصة الأخيرة..لكن هذا التقطيع الذى لابدا كمقاطع شتت الحدث الرئيسى فى القصة.

قد يكون ذلك محاولة من الكاتب للخروج عن الإطار التقليدى للقصة القصيرة ..والذى يتحدد وفق المفهوم السائد الذى يعتمد على البداية والعقدة والحل..لكن تلك المحاولة وإن كانت اتجاه للتجريب فى كتابة القصة الحديثة..إلا أنها يجب أن تؤخذ وفق منظور لا يعتمد على التغيير الشكلى فقط..بحسبان أن مفهوم القصةالحديثة يختلف اختلافا جذريا عن القصة التقليدية..من حيث انها تعتمد على التركيز فى وصف الانفعالات الذاتية..وعلى اختيار الشكل الذى يتوافق مع المضمون..الذى يحمل رؤية الكاتب لما يقدمه من خلال نصه القصصى..إذ لا يقتصر التجديد فى العمل القصصى على الشكل فقط...و الانسياق وراء التجريب دونما أساس لتقنية فنية ..فيستحيل حينئذ الشكل القصصى إلى مايشبه لوحة تجريبية لايبدو فيها سوى خطوط وألوان فقط.

وذلك لأن التقيد بشكل معين ..أو محدد للقصة الحديثة ..ليس معناه أن يكون شكل القصة حسبما يعن للكاتب ..دونما وعى لمفهوم ما يقدمه.. لأنه حينئذ لايفعل سوى محاولة للخروج على التقنية المألوفة فقط..فيستحيل عمله إلى مسخ مشوه الملامح لا يفهم منه شيئا.

وعلى هذا لو كانت ثمة مقارنة بين الشكل فى القصص الثلاث "البعد عن التراب"و""مارسة اللعب مع شاب"و"رفض أن يكون رجلا"..وبين الأشكال التجريبية ..لبدا أن ذلك الشكل وإن كان خروجا على الشكل التقليدى..إلا أنه لايمكن بحال اعتماده كتجريب حقيقى لكونه لم يتلاءم مع باقى أساسيات التقنية الفنية ..التى تتسم بها القصة الجديدة..لأنها ليست شكلا مغايرا فقط..وإنما تنبنى على اتحاد فعلى بين اللحظة الزمن .. والحدث والرؤية الفكرية..ويبدو ذلك كله من خلال عمل فنى متقن البناء والتركيب ..خال من اللغو اللفظى..وعندئذ لاتكون ثمة فوضى شكلية تبدو دونما رابط ودونما تحديد..بالرغم من عدم وجود تحديد ثابت للشكل الأدبى طالما التزم بتقنية فنية..وبدا الشكل والمضمون فى خطين متوازيين ومتداخلين تجعل من المستحيل الفصل بينهما

من ثم تبدو قصص المجموعة إذا مابدا تقييمها من خلال الرؤية التقليدية..لبدت كأعمال مناسبة تماما..تحددت داخل الإطار الواقعى من حيث الشكل والمضمون..وتنوعت شخصياتها من خلال التغيير أو الاختلاف فى مشكلاتهال الفردية ..بينما تنتمى جميعها إلى مجتمع واحد..يضم العديد من النماذج الإنسانسة المختلفة التى تؤرقها أزماتها الخاصة..وهمومها الذاتية.

والكاتب فى ذلك يبدو على قدر كبير من الوعى الكامل بعمله الذى قدمه على ذلك المستوى ..الأمر الذى يجعله مستقبلا على مستوى التجديد الذى يحاول تقديمه .إذا مالتزمن باللحظة القصصية .. وتخلى عن التصاعد التقليدى للحدث.زوذلك لأن مايبدو فى اختياره لأبطال قصصه..والتعامل معهم كشريحة متواجدة ضمن بنية المجتمع الحياتى لها يعكس حضوره القصصى ..وقدرته على تصوير الجو النفسى بمختلف الحالات التى تكون ..من خلال رصده لإشكالاتها الاجتماعية.

وهذه سمات قد تكون برزت بشكل واضح فى قصصه ..وبصورة لاتقبل الجدل..لأنها مهما كانت فهى تعبير حقيقى عن ماجبل عليه ذلك المجتمع الذى انتقى منه شخصياته ..واصبح فى حاجة إلى تغيير يتوافق مع التقدم الحضارى وتطوره الحتمى.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&

عبد العزيز الصقعبى فى مجموعته لاليلك ليلى ولا أنت أنا السيد الهبيان ع


عبد العزيز الصقعبى فى مجموعته
لاليلك ليلى ولا أنت أنا
السيد الهبيان
على خطى الإبداع فى كتابة القصة القصيرة..قدم الكاتب السعودى "عبد العزيز صالح الصقعبى".. مجموعته القصصية الأولى "لاليلك ليلى ولا أنت أنا".. الصادرة ضمن مطبوعات "نادى الطائف الأدبى " ..عرض فيها لخمس وعشرين قصة قصيرة..من خلال مضامين مختلفة.. وانتقى شخصياتها من واقع اجتماعى له خصوصياته ..المتمثلة فى عاداته الموروثة..التى تتأرجح بين التمسك بها..والتخلى عنها.
بدت هذه الشخصيات كنمتاذج تعيش وتمارس حياتها وسط المجتمع الذى تواجدت فيه.. وقد تبدو هذه النماذج عادية لعدم تفردها بشىء ما.. يمكن أن يكون مميزا لها عن مثيلاتها من تلك التى تشبهها فى طباعها وتصرفاتها.. وتجمع بينها سمة واحدة ..كالبخل والطمع ..وغير ذلك من الصفات التى يوجد الكثير ممن يوصفون بها.. لكن ذلك لايعنى أنها لاتماثلها.
فثمة اختلاف يتلاحظ بين الشخصية وغيرها ممن تشبهها فى صفاتها وطباعها..وذلك الاختلاف هو ما يبديها كشاذة وسط من يحيطون بها.
البخيل والطماع والمحب والمغامر الذى يحلم بتحقيق آماله التى يتطلع إليها..وغير ذلك من الشخصيات المتواجدة فى الحياة ..والتى ليست بغريبة على مجتمع من المجتمعات..باعتبار أنه لاتوجد ثمة مثالية كاملة ..لاشواذ بينها.. يبدو كل نتموذج من مثل هذه الشخصيات بصورة تبديه ككائن بشرى بصفة تكاد تكون خاصة به..بالرغم من وجود غيره ممن يشاركونه هذه الصفة..
ف قصة:" الليل هاجس غريب".. يبدو بطل القصة فى صورة الرجل المحتاج دائما ..الذى لاتكفيه موارده من تجارته الصغيرة.. رغم ما يملكه من مال.. ويشعر بلذة عندما يصدق الجميع أنه فقير معدم.. لا يملك إلا الغلة البسيطة التى تأتيه من ذلك الدكان الصغير ..من ناحية اخرى يمنح مبلغا من المال لشحاذ..ثم يخبر الجميع أنه قدم طعامه لذلك المسكين ..ويتصنع التقى.. ويتكلم بسوداوية عن الزمن الذى أصبح فيه الإنسان لايعرف أخاه إلا عندما يريد منه شيئا.. وإذا دعى إلى الولائم.. يذهب ويملأ بطنه ثم يأخذ ماتبقى من الطعام لأبنائه.. وماشايته.. يحرم اطفاله من شراء تليفزيون يشاهدونه بينهم ..ويتركهم يذهبون لمشاهدته عند الجيران ..ويغتنم هذه الفرصة ليخرج نقوده من مخبئها ..ويأخذ فى عدها ..وهو ينظر إليها بإعجاب.. ورغم وجهه القمىء ..يحلم بفتاة بكر يتزوجها.. لا يدفع ثمن الشاى الذى يطلبه من القهوجى..ويترك احد الجالسين معه يتولى ذلك عنه..وفى لحظة يستيقظ هاجس غريب فى داخله عندما يوصد الجيران بابهم فى وجه أبنائه ..ويحرمونهم من مشاهدة التليفزيون..إذ يفكر فى جمع النقود ..وشراء منزل كبير ..وتليفزيون ملون.. وتحويل البقالة الصغيرة إلى متجر كبير.. لكنه يتراجع عندما يرى فى ذلك تبذيرا.. ويجد أن من الأفضل أن يستثمر النقود فى شىء يدر عليه الربح الوفير..وحرصا من تقلبات الزمن الموحش يعيد النقود إلى مخبئها.. ويبيت جائعا ليستيقظ فى الصباح ويطلب"الشاى" من القهوجى..ويترك أحد الجالسين معه يدفع ثمنه.. وعندما يبحث عن جسده يجده قد استحال إلى قطع من اللحم المتعفن .
وفى قصة:"البحث عن التراب".. يقرر بطل القصة أن يضحك فى ليلته كثيرا حتى ولو مات بعد ذلك من الضحك..وبالبحث عن السبب ..يبدو أنه كان مدرسا وفضل ان يزاول الأعمال الحرة طمعا فى الربح الوفير..ثم ملك امرأة تزوجها بعد أن فقدت أسرتها فى حادث .. رضيت به برغم تحذير الناس لها من أنه لايصلح إنسانا..لكنها كانت فى حاجة إلى رجل يحخميها هى وطفلتها بالتبنى.. ومع التوسع فى التجارة والمعاملات ..أخذ يجمع المال بشراهة .. وفجأة يقرر لامرأته والغلام اليتيم أنه سوف يجعلهما اسعد مخلوقين ..فى الأيام القليلاة الباقية من عمره .,يبنى فيلا ليعيشا فيها.. ويحضر لطفله الصغير مربية لتشرف على تربيته .. لكنه يأتى بامرأة جديدة تصغره بربع قرن لتعيش فى الفيلا التى بناها..بعد أن تزوجها آملا أن يسعد معها.. لكن طمعه فى جمع المال عن طريق التلاعب فى الأسعار..ينتهى به إلى إغلاق دكانه..وتغريمه مبلغا كبيرا من المال..وهدم الفيلا التى بناها وعاش فيها..هو وزوجته الجديدة..فتهرب منه الزوجة الجديدة وتطلب منه الطلاق لأنه يكبرها بربع قرن..وترفض الرجوع إليه رغم كل توسلاته..ورغم ذلك لايفكر فى الرجوع إلى زوجته الأولى..التى ملك مالها الذى ورثته بعد وفاة أسرتها..ويرفض أن يعطيها ماتشترى به حليب مجفف لطفلها الصغير..وإزاء ذلك الموقف منه يرفض الجميع مساعدته فى حل مشكلته.
ثمة تشابه كبير بين بطلى هاتين القصتين.. وقد تكون القصة الثانية "البحث عن التراب" ..تطورا لما انتهت إليه القصة الأولى"الليل هاجس غريب"..التى تراجع بطلها عن تنفيذ رغباته فى توسيع تجارته..وإسعاد أسرته..وتحقيق حلمه من فتاة بكر.. إذ يبدو فى القصة الثانية التوسع فى المتجر الصغير..والسعى إلى تحقيق الربح الوفير..والإهمال للأسرة..والزواج من فتاة صغيرة..ومحاولة الاستمتاع معها بما وعد به أسرتها ..والتشبث بها رغم رفضها العودة إليه..مع الامتناع عن الإنفاق على أسرته ..ويبقى وسط مشاكله لايساعده أحد فى حلها.
برغم ذلك التشابه..فإن كلا من بطلى القصة له عالمه الخاص الذى يعيشه..سواء كان البخل فى القصة الأولى..أو الطمع فى الثانية..ولا يفكر فى التخلى عنه..ولا شك أن مايشجعه على ذلك هو ذلك التواؤم فى الحياة العادية ..والمعاملات الطبيعية بينه وبين الآخرين.. الذين كما يبدو يجهلون حقيقته.
نموذج آخر من الرجال فى قصة"الكساح"..قد يكون تطورا أيضا لما حدث فى قصة "البحث عن التراب".. إذ يبدو "عزوز" أحد بطلى هذه القصة كانت بدايته دخل محدود..ثم عاش فى بيت صغير مع زوجته وأطفاله الثلاثة..واشترى سيارة..ومنحته الدولة قطعة من الأرض ..لكنه يصاب فى فترة من الزمن بهوس شديد بالنقود.. وأخذ يبحث عنها فى كل مكان ..بعد أن ترك وظيفته وصفى جميع حقوقه.. وصار من رجال الأعمال..وأصيب بنوع من "الشيزوفرانيا"..واستحال إلى أكثر من شخص اجتمعت المتناقضات فى جسده ..الذى أصبح منبع كل وباء ومقر كل ألم..لم"يعد ذلك التقى الذى يؤدى واجباته الدينية بانتظام"..ولم يعد رجل الأعمالالشهير ..لأنه بعد أن توسع فى تجارته اشترى قصرا كبيرا ..وتزوج فتاة صغيرة جلب لها الخدم وترك زوجته وأطفاله فى البيت الشعبى..كان يشعر بالخسارة وبالنقص فى أمواله إذا ماشترى لأطفاله شيئا.. فيمتنع عن الشراء ويبقى على ماله..لأنه عندما ينفق أمواله فى سفرياته للخارج لايشعر بالنقص مطلقا.. لكن زوجته الجديدة صارت مصدر عذابه..وأصبح دمية فى يدها تلعب بها..طلق زوجته القديمة ونسى أطفاله ..وتشبث بجمالها.. كانت بالنسبة له هى الحياة ..ونقلته إلى عالم مملوء بالغباء والنفاق..واستحالت هى إلى بالوعة تلتهم كل مايحصل عليه من مال..حتى التهمته هو ..لكن رشده عاد إليه يوما ما.. منح مطلقته مبلغا من المال..وطلب منها أن تنفقه على أبنائه.. وبدد معظم ثروته فى ذلك اليوم.. محاولا أن يعيد صورته الجميلة لدى أصدقائه.. لكن زوجته الجديدة عندما علمت بذلك اجتاحته كإعصار..وسيطرت عليه أكثر من ذى قبل..ولم يستطع غير الرضوخ لمطالبها..حتى صار معدما..وحينئذ طلبت منه الطلاق..توسل بذل..وبكى كالأطفال دون جدوى..كما فقد جميع أصدقائه الذين من عليهم بمساعدته ..شعر بالذنب الذى ارتكبه فى حق أبنائه..ولم يذهب إليهم بعد أن تخلى عنهم وهم فى حاجة إليه..وعاش وحيدا إلى أن رحل دون أن يبكى عليه أحد..
لو تطابقت هذه النهاية على نهايتى قصتى "الليل هاجس غريب" و"البحث عن التراب"..لبدت كأنها تتمة لتلك المراحل التى عاشها كل من بطلى هاتين القصتين ..وبطل القصة الأخيرة الذى انتهى إلى الموت وحيدا ..وبعيدا عن أبنائه وزوجته.
لكن نهايته تلك أبدت ثمة وفاء للجميل ..وتقدير المساعدة وقت الشدة..فهذا الرجل"عزوز" كان قد أعطى لشخص آخر مبلغا من المال ..ولم ينس له هذا الجميل على سبيل الدين يرده له حينما تتيسر أحواله.. وعندما علم بمأساة إبنه الذى اصيب فى حادث ..وأنه فى حاجة إلى نفقات علاج فى الخارج ..مد له يد المساعدة ..وحاول أن يواسيه فى محنته.
ذلك العون وقت الحاجة ..يبدو دونما أثر فى قصتى"آمال واهية"و"مجرد لقاء".. إذ تعرض كل منهما لموقف قد يكون متطابقا أكثر بسبب الشبه الكبير الذى بينهما..لكن بدت كل منهما بشكل مختلف..
فى القصة الأولى "آمال واهية" ..يقرر "عابد" بطل القصة الذهاب إلى الرياض..ليبعد عن عمل فى إحدى المؤسسات التجارية الموجودة بها ..ثم يعيش فيها بقية عمره ..ويشترى بيتا وعربة فارهة..كان واثقا أنه سوف يصبح من الأغنياء..رغم أنه لم يحظ بالتعليم..وكان يساعد والده فى أعمال الزراعة ..ثم كره حرفة الزراعة بعد وفاة والده..وودع والدته وأخويه الصعيرين واعدا إياهم بالعودة غنيا..وتوجه إلى إحدى المؤسسات وسأل عملا..وطلب من أحد الموظفين أن يكتب له طلب الالتحاق لجهله بالقراءة والكتابة..ثم توجه إلىمكتب المدير ليقدم الطلب بنفسه كما أشار له ذلك الموظف..يفاجأ بأن المدير من قريته.. ويحمد الله على وجود ذلك المدير الذى ما أن عرفه حتى أخذه بالأحضان..ويدور بخلده أنه سوف يأمر أحد الموظفين الأجانب بأن يضعوا له مكتبا قرب مكاتبهم ويباشر عمله على الفور.. وبعد ذلك سيعين مديرا مثله ويملك سيارة فارهة وفيلا ضخمة ويرأس مجموعة من الموظفين ويتكلم بأكثر من لغة بعدأن يتعلم القراءة والكتابة..لكن المدير يأسف له لعدم وجود عمل له فى المؤسسة ..لأنه كما يعرف المدير لا يقرأ ولا يكتب.. وذلك لايرشحه للعمل ولو فى وظيفة فراش..فيترك الطلب فى مكتبه ..ويقصد على الفور موقف السيارات ليعودإلى قريته.

وفى القصة الثانية"مجرد لقاء".. مدير وطالب وظيفة أيضا.. يلتقيان بعد فراق طويل ويتحادثان عن الفقر والغنى..والتعاسة والسعادة..مع سيل من المجاملات المفتعلة..التى تنتهى بالاتفاق على موعد غداء.. لكن المدير يرى أنه أكبر من أن يتنازل لموظف صغير يكلمه ويصادقه..لأن الناس مقامات.. وطالب الوظيفة يرى أنه أكبر من أن يكون ذليلا ويراسه زميله قديما..فيرفض الوظيفة ..وينتظره الآخر على الغداء دون أن يأتى.
كما يبدو لا اختلاف المكان ..لا فى اللقاء القدرى ..ولا بين بطلى القصة.. لكن يتسم الموقف فى الأولى بالصراحة..وفى الثانية بالمجاملة المصطنعة.
وفى مجال ذلك التشابه الذى يبدو بين قصة وأخرى ..تبدو مجموعة أخرى من القصص التى تضمها المجموعة ..وأيضا يبدو ثمة ارتباط بينها ..يجعل الأحداث تأخذ شكل التطور أحيانا إلى حد جعلها تبدو كحدث واحد لايختلف عن الآخر فى شىء..
فى قصة"السراب" ..يبدو مالك السيارة الذى تأسره فتاة تعود أن يراها فى النافذة ..هو يحلم بالوصول إليها ..وهى تحلم "بأن تكون فى أحد أزقة نيويورك" ..ويظل حائرا بين الحقيقة والوهم ..إلى أن ينتهى ببيع سيارته بثمن بخس.
وفى قصة"ممارسة اللعب مع شاب " ..الشاب الذى يبحث عن فتاة يحبها.. يعد أن هام بها منذ أن رآها لأول مرة..وصديقه المراهق الذى يبحث عن زوجة له.. الأول يناجيها دائما..يلاحقها أثناء عودتها من المدرسة ..ولا يدرى بأن شقيقها ينتظرها ويظنه شابا آخر ويغار منه.. أحدهما يرى فى وسامته أكبر مؤهلاته ..والآخر لديه استعداد لأن يدفع أى مبلغ من المال لكى يكون وسيما ..تهوى الفتاة أحدهما ..ويرفض والدها زواجها من فقير.. وتظل إلى أن تصير عانسا..بينما يصل هو إلى سن الشيخوخة ويتحسر على أيام الشباب.
و فى قصة "مواسم البحث عن رحيق زهرة"..الشاب الذى أحب ابنة عمه..وتعلق بها إلى حد جعله لم يكف عن ملاحقتها بعد أن تزوجت غيره.. وعانى الوحدة بعد أن رحلت عنه هاربة تنشد النعيم والاستقرار.. ويستمر فى البحث عنها برغم الشيب الذى بدا برأسه.
وفى قصة"حلم الأمس".. الراعى الذى رأى امرأة تحتطب.. ولم يستطع أن يلحق بها..لعدم استطاعته ترك الماشية التى يرعاها ..ويقرر البحث عنها..تتراءى له مثلما بدت أول مرة..وأقبلت إليه فى استسلام..توهم أنهما اقتربا من بعضهما وحاول أن يطوقها بذراعيه ..لكنه اكتشف أنه طوق الهواء.."وتنبه من حلمه الجميل على أصوات الماشية بعد أن أكل أكثرها مجموعة من الذئاب".. ورغم حزنه تمنى أن تبقى الليلة كحلم جميل يداعبه متى أراد.
و فى قصة"نهاية رجل".. الشاب الذى أحب ابنة عمه ..وقال فيها شعرا ..الأمر الذى جعل والدها يستاء منه ..ويدعى أن التى يقصدها فتاة غير ابنته.. ويوافق على زواجها من رجل "أبرص" فتصاب بالجنون..ويجرفه هو السيل الذى غمر القرية.
وفى قصة"لاليلك ليلى ولا أنت أنا " التى اختارها الكاتب اسما لمجموعته..تبد الفتاة الصغيرة التى تتزوج من شيخ مسن..شاهدت وهى طفلة حفل زفاف له.. ولم تدر أنها ستكون زوجة له.,بعد أن أصابه الضعف والمرض وحقق ثروة طائلة..تعاونه على تناول الدواء الذى يخفف عنه آلام الشيخوخة..وتخشى أن يموت عنها ويتركها وحيدة..لكنه يرحل عنها..وترفض الزواج من غيره حتى لاتكرر التجربة التى عاشتها ..وتقرر أن تظل وحيدة..يفكر ابن الجيران الذى أحبها فى الاقتران بها..ويتوهم أنها سوف تسخر منه ..لأنه ينظر إلى بقايا امرأة تزوجت قسرا رجلا فى عمر أبيها..توفى وأورثها الألم والحسرة على ربيع العمر الذى ذهب هباء..ويتمنى أن تقبله..لكن كلماته تبقى دونما أن تتعدى داخله..وتظل هى لاتشعر به.
و فى قصة"ورفض أن يكون رجلا".. الفتاة التى أحبت ابن عمها ..وتشبثت باحلامها التى تأمل أن تتحقق معه بعد ان تتزوجه.. ويطلبها والده من والدها فيوافق..ويقترن بها بعد موت أبيها رغما عتنه ..ويعيش كل منهما فى واد بعيد عن الآخر..وينتهى به الأمر إلى دخول مصحة الأمراض النفسية..بعد أن بدد الأموال فى السفر..ولم يعد باستطاعته أن يحقق احلام ابنة عمه.. وسقط تحت طائلة الديون..ولم يجد من يقف بجواره ..ونتنكرله زوجته بعد أن أصبح عاجزا عن إعالتها وإعالة نفسه.
ثمة تخيل متنوع لدى الكاتب يبدو من خلال هذه القصص ..إذ تناول حالة الحب التى يعيشها الشاب والفتاة..فى مقتبل العمر.. وهما مقبلان على مرحلة الزواج..وقدمها وكأنها حالات تختلف عن بعضها..لكنها فى الحقيقة اجتمعت على مضمون واحد ..طرحه الكاتب من عدة زوايا مختلفة.
لكن ذلك التخيل يقترب إلى حد ما من الصدق الواقعى ..الذى له جذوره فى الحقيقة..ويعايشه الكاتب بحكم مرحلة عمره الشبابية..وهو اتجاه مقبول ومعقول فى مثل هذه المرحلة من عمر الشباب..لكون التعبير عنها يكون بإحساس صادق ..غير مفتعل..كما يبدو من لغة الهيام التى تتكرر من خلال السرد الروائى..وتتخذ شكل المخاطبة
"أبحث عنك فلا أجد إلا السراب..هل أنه حقيقة أم وهم..أخبرينى وكفى تلاعبا..أحلامى الجميلة أصبحت كابوسا لذا فإنها تعذبنى..كفى عذابا ..من أنت.."رنا" تلك لعبة "لكننى لست ممن يغرق فى غير ماء.."قصة:السراب".
"أتأمل وجهك مليا..أستنزف منك كل قدرة للبوح.. وأسألك محدثا كل جزء فيك..إلى متى يبق المارد كامنا فيك..يستفزنى كلما حاولت أن أغوص فى بحر عينيك يبقى الأمل شعلة متوهجة فى أعماقى حتى يتركنى الزمن أطاردك عبر أيامه..أسحق طموحى حتى ينبثق من الطموح التقاعس والبحث عن النقطة التى تبدأ وتنتهى عندها الذاكرة"..طيغك قمرا يتوهج فى سمائى..ووعد أرغب فى تنفيذه"..قصة: "ممارسة اللعب مع شاب"
طغلة فى ثناياك إشراقة شمس
وداكنة تبحثين عن بقاياك فتجدينى
ملقيا بين أكوام النفايات
أنا لست قذرة وإنما
حبى لك لطخنى بالوحل
وجعلنى كشيطان أرعن
أجوب أبحث عنك".
قصة:"مواسم يقتاتها البعض من رحيق زهرة"
"تبقين ساكنة مشبعة بالألم يامن تنتشين بعبق اللحظة..أنا لاأدرى لماذا لا تكونين جزءا منى ..إلا أننى أشعر بأنك تتغلغلين داخلى يوما بعد يوم..وتجعلين من جسدى مركزا للغزو..تعبثين بكل شىء..تمتلكينه..وتؤمنين بأن ملكيتك لتلك الأشياء تجعلنى أكثر انصياعا لك"..قصة:"لا ليلك ليلى ولا أنا أنا"
هذه المقاطع ذات الجمل الشعرية تبدو كمفاجأة من خلال السرد ..تقطعه أحيانا..وتتداخل فيه أحيانا أخرى..وقد تزيد هذه المقاطع الشاعرية من عمق الإحساس باللحظة التى يصفها الكاتب..لكنها تبدو فى السرد كقطع يجعل الأسلوب يتخذ منحى آخر..وكأنها تعبيرات منفصلة برغم الصدى البادى فيها..وتعبيرها عن المشاعر المرهفة لدى الشخصيات.
ولا يبدو اختلاف إلى حد ما ..بين هذه القصص التى تعرض لحالات الحب وقصتى"مثالية واقع أبكم"و"وثيقة إدانة"..من حيث العرض لصور من الحب الصادق..وما يعترضه من عقبات.
ففى الأولى"مثالية واقع أبكم"..تبدو الزوجة التى تخلت عن الحبيب من أجل إسعاد أسرتها..ثم يتركها زوجها ويرحل إلى المدينة ..لكنه لايتحمل البعد عن الأرض ..ويعود له الحنين الجارف للحياة التى ألفها..لكنه لايستطيع العودة وتبكى الزوجة حزنا عليه ..وعندما يسألها أكبر أطفالها عنه..تشير إلى الأرض"هذا أبوك وأمك".
وفى الثانية "وثيقة إدانة"..الأب الذى يزوج ابنته من رجل غنى..فحال بينها وبين الزواج من حبيبها..وتشتت مشاعرها تجاه زوجها بين الحب والكره..وتنتظر أن تسعد بحياتها معه دون جدوى..ويتوقع الحبيب أن يصاب والدها بالجنون..ويقبع نزيلا فى أحد المصحات العقلية..بعد أن اصيبت هى وزوجها بالجنون وأحرقا كل أموالهما.
إن مثل هذه القصص تتحدد أطرها فى حيز ضيق برغم اتساع مساحاتها..وتنوع أشكالها..ومن ثم فإنها كما يبدو لاتعدو كونها ترجمة لانفعالت الشباب..ولمفاهيم ضمنية تكاد تكون واحدة..محورها الشاب .الفتاة.الرجل.المرأة..وما يعترضهما من معوقات تحول بين التقاء أى منهما بالآخر..فى ظل ما يتطلعان إليه.
وليس ثمة جديد إذا ما بدت بعض المآسى من خلال هذه القصص..فتلك المآسى تتخذ منحى التأثر بما يحدث ..ومحاولة خلق التعاطف تجاه الشخصيات التى تخضع لظروف قاسية..أو تتعرض للفشل فى حياتها.
ففى قصة"رفض اليأس" الصديق الذى يقرأ نعى صديقه ..ويسارع للمشاركة فى مراسيم الدفن والعزاء..ويحزن على وفاته فى تلك اللحظة الحرجة التى يحتاج إليه فيها..لأنه كان يستعد للزواج من أخت ذلك الصديق.. وكان سعيدا بذلك وأهداها شقة وأثاثا فاخرا تعبيرا عن سعادته بهذا الزواج..كما أنه هو الذى أنقذه من الضياع الذى تعرض له..بعد أن عاش حياة الغربة بين زوجين انفصلا..وتزوجت أمها بآخر غير والده ..طاعنا فى السن وله عدد كبير من الأولاد..ووالده ذو شخصية ضعيفة جعلت الكلمة الأولى والأخيرة لزوجته..ولذلك لم يتوان فى تنفيذ طلبها بطرده..ووعده الصديق الذى توفى بالزواج من أخته ,,وأن يفتح له مؤسسة كبرى..لذلك كاد أن يفقد عقله عندما علم بوفاته ..لكنه طرد اليأس عن نفسه..وقرر أن يذهب ليطلب التقاعد من عمله.. ويفتح المؤسسة التجارية التى كانت تجول بخاطره..لكن تدهسه سيارة وهو فى الطريق الطويل الذى كان يعبره.. داهمته شاحنة ..جعلت سيارته كعجين ..وشعر فى تلك اللحظة انه حان الأوان ليلتقى برفيق العمر.
وفى قصة:"عم أحمد" الرجل الذى ناهز السبعين من عمره ..وذهب ابنه إلى أمريكا ليكمل دراسته الجامعية..ويكافح فى سبيل تدبير نفقاته المعيشية وهو فى انتظار عودة ابنه من الخارج ..ويبنى على تلك العودة أحلام عظيمة..أهمها أن يذهب الشقاء إلى غير رجعة..لكنه يتعرض لحادث هو وزوجته وهما ذاهبان إلى المطار لاستقباله..تموت الزوجة على الفور وقبل أن تصل بها سيارة الإسعاف إلى المستشفى ..وما يلبث أن يلحق بها هو الآخر ..بينما كان الابن فى ذات اللحظة ينزل من الطائرة..ويبحث بين المستقبلين عن والده ..أو من يستقبله لكنه لا يجد أحدا.
وفى قصة"السواد" بائع الفحم الذى تزداد كراهيته للكهرباء كل يوم..ويتمنى أن يعود الناس إلى الحياة البسيطة..حتى يذهب الكساد عن تجارته فى سوق المدينة..بينما كان الناس ينتظرونه بفارغ الصبر لكى يحضر لهم الفحم..خاصة ايام الشتاء..لكنهم صاروا بعد استخدامهم للكهرباء لا يحتاجون إليه..وبدا عليه أن يبحث عن شىء آخر..ففكر فى بيع البيت والحوش الذى كان يجمع فيه الفحم ..ويستثمر ثمنهما فى شىء يستفيد منه فيقع فريسة رجل مستغل..اشترى منه البيت والحوش بثمن بخس..ولا يجد "عطية" بطل القصة ما يأويه بعد أن سلمه ما باعه له..حتى لايصبح متشردا ضائعا..كما شعر بعد أن باع البيت والحوش..ذهب للرجل الذى اشتراهما منه ليستردهما ويرجع له ما قبضه منه..فيكتشف استغلاله له..ويضطر إلى موافقته على أن يحتفظ بجزء من الثمن يرده بعد ذلك مضاعفالذلك الرجل..لكنه يفاجأ بأن البيت خال عما يقيه من البرد بعد أن باع كل ما كان فيه..ولا يستطيع أن يقاوم البرد..فيجمع ملابسه ويحرقها ليستدفء بها..لكن بعد أن تحولت النار إلى رماد ..تذكر أن النقود كانت بها ..فأصبح معدما..وأصيب بالجنون.
مجموعة نماذج من المآسى تعرضت لها الشخصيات..انتهت بالموت ..أو بالجنون..وكل منها تعكس عالمها الخاص بتجسيد للواقع الذى تعيش فيه..وأثارت التعاطف تجاهها بدرجة كبيرة..بسبب ما عاشته وما تعرضت له..ثم نهايتها المأساوية التى انتهت إليها.
وثمة نموذج آخر من الشخصيات بدا فى عدد من القصص الأخرى..قد لايكون لها تأثيرها على غيرها..أو إثارة التعاطف نحوها..لكنها لم تبعد عن عالم الواقع الذىتعيش فيه.
ففى قصة "الغباء" ..العامل البسيط الذى هو محل سخط دائم من قبل رؤسائه لتقاعسه فى العمل..وعرف عنه الخمول والكسل وكثرة التأخير..يعرف من بعض زملائه أن صاحب عمارة قريبة منه لديه سبع بنات..تساءل عما إذا كان الأب يستطيع أن يوزعهن بسعر رمزى..فوصفوه بالغباء..لكنه اكتشف أن الحرية التى يشعر بها وهو أعزب ليست سوى ضياع..ويفكر بأن يذهب إلى صاحب العمارة يطلب منه إحدى بناته..ويعيش معها فى شقة مفروشة..على أن يدفع جميع التكاليف من مهر ومستلزمات الزواج وإيجار شقة وقيمة الأثاث ..على أقساط مدتها خمسون سنة..لكنه تذكر وصف زملائه له بالغباء ..ومع تكرار تأخيره عن العمل تم طرد منه..وبدلا من البحث عن عمل آخر..تأنق وذهب إلى صاحب العمارة..فقوبل بصوت من الداخل أنه غير موجود..واستمر يكرر محاولته سنين طويلة ويلتلقى نفس الإجابة دون أن يفهم مامعنى ذلك.
وفى قصة"طريق مغلق"..الموظف المصاب بداء النسيان..يلتقى بصديق له ..يبارك له خطوبته ويعاتبه على أنه لم يدعوه لحضورها ..يشكو له الصديق كثرة التكاليف ..وتبدو المجاملات بين الصديقين بافتعال بينهما..وكل منهما يحاول أن يتهرب من دفع ثمن الشاى الذى احتسيانه..لكنه أخرج من جيبه ما معه من مال ودفع أجرة الشاى ..وشعر بألم لأنه سيبقى عازبا فترة طويلة من الزمن.
وفى قصة "الجفاف..المثقف الذى يشعر بضآلته أمام الفلاح الذى يحاول أن يصنع كل شىء بنفسه ويبحث عن الاتكالية..واستطاع أن يتغلب على مرحلة الجفاف الاتى تعرضت لها الأرض ..ويكتشف المثقف أن الجفاف يسيطر على أعمالله.,
وفى قصة:"مشوار".. العائد إلى بيته ليزف بشرى ميلاد مولود له إلى أهله..ويطمئنهم على صحة الأم الموجودة بالمستشفى..واثناء عودته يتقابل مع "رجل ملثم"..ينقض عليه ويمسك بيديه ويتهمه بأنه حرامى..فيصيح بأعلى صوته مستنجدا..لكن لاأحد يجيبه فى تلك الساعة المتأخرة من الليل..فاستجمع شجاعته وحاول الابتعاد عنه ودفعه بكل قوته..ففوجىء به يسقطه على الفور برغم جسده الضخم..ويكتشف أن وجود حفرة خلفه هى التى ساعدت على سقوطه..بعد ذلك يعدو إلى منزله ..ويطمئن من فيه على المرأة التى تلد فى المستشفى..ويذهب إلى غرفة نومه ويتساءل عما كان سيحدث له لو لم تكن تلك الحفرة التى سقط فيها الرجل موجودة..ويرى أنه حاول أن يصنع المستحيل ..وساعدته الظروف على وقوعه.
قصص عادية قد تكون..لكنها أيضا لها وجودها فى الواقع..ونماذجها ليست غريبة عنه..فمثل شخصياتها كثيرة..وتمارس حياتها بطبيعية تعودت عليها..لكن هذه الشخصيات تعكس من خلال ظروفهاا لتى عاشتها ..ماجعلها تتغلب عليه..وتبدى أنه يتحتم مقاومة اليأس حتى لايكون ثمة استسلام .
كما أنها تحمل مفاهيم ضمنية عن الواقع الذى خرجت منه ..تتسم بمعايشتها الشديدة الخصوصية ..برغم المستويات العتديدة التى بدت بها..ولا اختلاف على أنها بواقعيتها هذه ..تتساوى مع غيرها من القصص ..التى يكون الاعتماد على نسجها ..وفقا على مايدور داخل المجتمع..وما يكون فيه من نماذج السلبيات والإيجابيات..وتحمل معان تستخلص من حياة شخصياتها.
لكن بعيدا عن هذه المحلية..وهذا الحيز المكانى الضيق..والواقع الاجتماعى المحدود ..قدم الكاتب قصتين ..حاول من خلالهما أن يخرج عن واقع قصصه.. إلى ماهو بعيد عنها.
"مشهور"..الفقير الذى تبدومن خلاله مأساة العالم الفقير الذى لايشعر به الأغنياء..بعد أن نشرت ماساته على صفحات الجرائد..يشعر بنشوة..ويرى أن فى ذلك ما يجعله يبعد عن قائمة المنبوذين..ويؤهله ليكون قائد لمجموعة من القبائل..ويصدقه الجميع..ويغطون فى نوم عميق منتظرين المستقبل وما يحمله لهم من أمل بالحياة..لكنه يمل الانتظار ويموت بسب الجوع..لكن تبقى صورته دليلا على شهرته.
و"استسلام " البائع العربى الذى سافر إلى بلد أوربى.. يعجز عن فهم الكلمات المكتوبة بحروف لاتينية ..ويتفاهم بصعوبة مع النادل الذى يحضر له الطعام..يفتح صدره لرجل يتكلم العربية..ويقبل صداقته على الفور..ويتواعد معه على اللقاء فى المساء ..ويجلس فى انتظاره فى قاعة الفندق الذى ينزل فيه..يتصفح مجلة على غلافها "بيجين" ..فتمنى لو يسمح له بتمزيقها..وبحركة لا إرادية يسقط الشاى عليها ..يحاول أن يعتذر للمرأة التى أحضرت الشاى ..فتبدى له أن ليس هناك مشكلة فى ذلك..ويشعر بالسعادة لأنه أعدم غلاف المجلة بعفوية..لكنه يفاجأ بامرأة شاهدت ما حدث تشعر بالغضب وتمسح الصورة..تمنى لو يستطيع مجادثتها ويفهمها بأنها إذا استطاعت أن تنظف الصورة .زفلن تستطيع تنظيف السجل الأسود لهذا الإرهابى..لكنه يشعر بالزهو لأنه عمل شيئا أغضبها..ويأتى صديقه العربى ةيصحبه إلى ناد ليلى..ويقدم له صديقه امرأة ويفهمه أنها معجبة به..ويدعو الجميع إلى وجبة عشاء ..ويبدو بمظهر الثرى..ومضى الوقت فى مشاهدات رقصات وسماع أغتى مختلفة.. يرى مغنية زنجية رسمت على خدها نجمة داوود السداسية..فيشعر بالقهر..ويبصق عندما يرى صديقه الذى يتكلم العربية يقبل تلك المغنية..ويتساءل عن كرامة العربى والذل الذى يأباه.. كما أفهمه قبل ذلك..تتراءى له ابتسامة "بيجين" العريضة وهو يعانق السادات ..ويتساءل لماذا عانقه ..ويشعر بالألم ويحاول أن ينسى..ثم يكتشف أنه وقع ضحية لمحتال بعد أن ذهب صديقه الذى يتكلم بالعربية..ويطالبه مدير المحل بدفع الحساب..الذىكان مبلغا خياليا وسلمه للبوليس..فيدفع كل ما معه.. ويطلب أن يذهب معه شخص ليأخذ الباقى..ويبكى ألما وحرقة عند تذكر الصديق الذى يتكلم العربية..وتخيله معانقا الإرهابى "بيجن".. ويتكالب عليه البرد والمرض ..ويموت فى تلك الغرفة الحقيرة غريبا.
فالقصة الأولى "مشهور" عرض الكاتب لمشكلة العالم الثالث ..وما يعانيه من فقر فى موارده..فى ذات الوقت الذى تنعم فيه الدول الغنية بالثراء..إلى حد الاعتناء بالحيوانات ..وشراء التحف الأنيقة.
وفى القصة الثانية"استسلام" يتناول الكالتب مبادرة السلام المصرية الإسرائيلية ..التى اقدم عليها "السادات" عام 1977..وكيف أنه لم تتعد كونها استسلاما لللإرهاب الإسرائيلى.. ونيلا من كرامة العرب.
هذا فى حد ذاته محاولة طيبة من الكاتب ..للخروج بقصصه عن المحلية التى تتسم بها..وطرق مواضيع أخرى..يحاول من خلالها إبداء رأيه..أو تقديم رؤيته فيما يحدث..
كما حاول الكاتب أيضا فى "الشمس طفلة" تقديم أقصوصة .ز.قد يكون ذلك على سبيل التجريب فى طرق مواضيع أخرى ..تخلوا من الشخصيات الحياتية .ويبدو أنه نجح فى ذلك إلى حد كبير..لتوافق الشكل مع المضمون الذى بدت به.
من سياق العرض لكل قصص المجموعة كما سبق..تتحدد عوالم الشخصيات التى قدمها الكاتب من خلالها..ويتحدد أيضا النهج القصصى لديه..على أساس اختياره لمضامينها التى اختارها من الواقع ..وعرض من خلالها لبعض النماذج الإنسانية وممارستها الحياتية..واتسام هذه المواضيع بالواقعية لاينال منها فى شىء..خاصة وأنها قدمت كمحاولات تجريبية من قبل الكاتب ..دخل بها إلى عالم القصة القصيرة ..لكنها فى مجملها تفتقد القضايا التى تثيرها..إذ ليس الأمر مجرد تقديم قصة قصيرة فقط..بأى من المقاييس التى تكون لها..ويمكن أن يقدم الكاتب..الحدث..بشكل ما ..ويصل بهذا الحدث إلى حد معين..دون ان يبدى ابعاد هذا الحدث ..ومدى تاثير المجتمع وانعكاساته عليه.
ثمة علاقة أكيدة بين الشخصيات وبعضها ..هذه حقيقة..لكن أثر هذه العلاقة عليهم غير متواجد ..لتفرد كل منهما بعالمها الخاص بها..سواء من ظلت تواصل الحياة..أو تلك التى انتهت حياتها..والمقصود بالشخصيات هنا هو المجتمع ككل..وليس شخصيات القصص منفردة..بمعنى الشخصية ومن حولها..وليس الشخصية والشخصية الأخرى فى كل من القصص..وبمعنى أوضح العلاقة المقصودة هى العلاقة الحياتية ..التى تربط بين الشخصية ..وبين الشخصيات التى تشاركها الواقع الذىتعيش فيه.
وما يمكن ملاحظته فى مجمل قصص المجموعة ..أن الكاتب حاول أن يظهر من خلالها مضامين ..حمل بعضها المغزى الذى يريد أن ينقله إلى القارىء..إذ تبدو بعض الجمل الاعتراضية من خلال السرد "تختار مشاعرنا دوما.. لماذا لانصدق ولو للحظات مع أنفسنا..أن نحاول سبر كثير من الهفوات ..لماذا لانضحك ونبكى بصدق..شاعرة هى مشاعرنا حتى أصابها العفن..خاوية هى قلوبنا..رحل منها فى زمن غابر كيان كبير يدعى الحب".قصة:"ممارسة اللعب مع شاب".
مثل هذه الجمل التى تكررت فى عدد من القصص تحيد إلى الخطابة ..وتقطع انسيابية السرد الذى يتتالى بتطور الحدث..,وبالتالى يفقد الشكل إطاره المتماسك.
وما يلاحظ ايضا أن الكاتب يعرض لمضامينه من خلال وعى كامل بالحدث الذى يكون فيها..إ يبدو ملما بجميع الخيوط..الذى تتفرع منه.زلكن هذه المضامين افتقدت الشكل الذى يناسبها فى كثير من القصص ..برغم محاولات تغيير هذا الشكل ..بنوع من الحداثة يبعده عن الشكل التقليدى..الذى يتوافق مع المضامين التى طرحها..
ففى قصص"البحث عن التراب"و"ممارسة اللعب مع شاب","رفض أن يكون رجلا"..حاد الكاتب عن الشكل التقليدى المصبوب..إلى التقطيعات التى تبدى الحدث من مجموعةزوايا مختلفة ..مستخدما الأرقام والتسمية بمراحل فى القصة الأخيرة..لكن هذا التقطيع الذى لابدا كمقاطع شتت الحدث الرئيسى فى القصة.
قد يكون ذلك محاولة من الكاتب للخروج عن الإطار التقليدى للقصة القصيرة ..والذى يتحدد وفق المفهوم السائد الذى يعتمد على البداية والعقدة والحل..لكن تلك المحاولة وإن كانت اتجاه للتجريب فى كتابة القصة الحديثة..إلا أنها يجب أن تؤخذ وفق منظور لا يعتمد على التغيير الشكلى فقط..بحسبان أن مفهوم القصةالحديثة يختلف اختلافا جذريا عن القصة التقليدية..من حيث انها تعتمد على التركيز فى وصف الانفعالات الذاتية..وعلى اختيار الشكل الذى يتوافق مع المضمون..الذى يحمل رؤية الكاتب لما يقدمه من خلال نصه القصصى..إذ لا يقتصر التجديد فى العمل القصصى على الشكل فقط...و الانسياق وراء التجريب دونما أساس لتقنية فنية ..فيستحيل حينئذ الشكل القصصى إلى مايشبه لوحة تجريبية لايبدو فيها سوى خطوط وألوان فقط.
وذلك لأن التقيد بشكل معين ..أو محدد للقصة الحديثة ..ليس معناه أن يكون شكل القصة حسبما يعن للكاتب ..دونما وعى لمفهوم ما يقدمه.. لأنه حينئذ لايفعل سوى محاولة للخروج على التقنية المألوفة فقط..فيستحيل عمله إلى مسخ مشوه الملامح لا يفهم منه شيئا.
وعلى هذا لو كانت ثمة مقارنة بين الشكل فى القصص الثلاث "البعد عن التراب"و""مارسة اللعب مع شاب"و"رفض أن يكون رجلا"..وبين الأشكال التجريبية ..لبدا أن ذلك الشكل وإن كان خروجا على الشكل التقليدى..إلا أنه لايمكن بحال اعتماده كتجريب حقيقى لكونه لم يتلاءم مع باقى أساسيات التقنية الفنية ..التى تتسم بها القصة الجديدة..لأنها ليست شكلا مغايرا فقط..وإنما تنبنى على اتحاد فعلى بين اللحظة الزمن .. والحدث والرؤية الفكرية..ويبدو ذلك كله من خلال عمل فنى متقن البناء والتركيب ..خال من اللغو اللفظى..وعندئذ لاتكون ثمة فوضى شكلية تبدو دونما رابط ودونما تحديد..بالرغم من عدم وجود تحديد ثابت للشكل الأدبى طالما التزم بتقنية فنية..وبدا الشكل والمضمون فى خطين متوازيين ومتداخلين تجعل من المستحيل الفصل بينهما
من ثم تبدو قصص المجموعة إذا مابدا تقييمها من خلال الرؤية التقليدية..لبدت كأعمال مناسبة تماما..تحددت داخل الإطار الواقعى من حيث الشكل والمضمون..وتنوعت شخصياتها من خلال التغيير أو الاختلاف فى مشكلاتهال الفردية ..بينما تنتمى جميعها إلى مجتمع واحد..يضم العديد من النماذج الإنسانسة المختلفة التى تؤرقها أزماتها الخاصة..وهمومها الذاتية.
والكاتب فى ذلك يبدو على قدر كبير من الوعى الكامل بعمله الذى قدمه على ذلك المستوى ..الأمر الذى يجعله مستقبلا على مستوى التجديد الذى يحاول تقديمه .إذا مالتزمن باللحظة القصصية .. وتخلى عن التصاعد التقليدى للحدث.زوذلك لأن مايبدو فى اختياره لأبطال قصصه..والتعامل معهم كشريحة متواجدة ضمن بنية المجتمع الحياتى لها يعكس حضوره القصصى ..وقدرته على تصوير الجو النفسى بمختلف الحالات التى تكون ..من خلال رصده لإشكالاتها الاجتماعية.
وهذه سمات قد تكون برزت بشكل واضح فى قصصه ..وبصورة لاتقبل الجدل..لأنها مهما كانت فهى تعبير حقيقى عن ماجبل عليه ذلك المجتمع الذى انتقى منه شخصياته ..واصبح فى حاجة إلى تغيير يتوافق مع التقدم الحضارى وتطوره الحتمى.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007