[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
اقبال بركه فى روايتها ليلى والمجهول دراسة
التاريخ:الخميس 25 ديسمبر 2014  القراءات:(497) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
اقبال بركه فى روايتها

ليلى والمجهول

السيد الهبيان

الحب .. منذ القدم .. وعبر العصور.. يبدو غالبا فى إبداعات المرأة .. كشىء أساسى إلى حد ما...ونادرة تلك الروايات التى تخلو من قصة حب ..تبدو من خلالها الأحداث.. وتتطور ..إلى أن تنتهى بأية نهاية تكون.. وتعكس الأحداث طبيعة المجتمع المتواجدة فيه بواقعه وتقاليده.. بصورة تبدى رؤية الروائية التى تناولتها.. لها.

وليس ثمة قصة حب تناولتها المرأة على مر التاريخ الإنسانى بصفة عامة ..أو تناقلت كاسطورة من الأساطير..إلا وكشفت طبيعة الظروف التى أحاطت بها ..والأحداث التى عاصرتها.. من خلال المجتمع الذى بدت فيه ..ومن ثم فهى تختلف باختلاف المجتمعات .. واختلاف العصور ..وأيضا بتطور الزمن.

فى رواية "ليلى والمجهول" قدمت الكاتبة المصرية "إقبال بركه" "ليلى وقيس القرن العشرين" بصورة طغت عليها التأثيرات المعاصرة .. وشتان بين "ليلى العامرية"و"قيس بن الملوح " اللذان عاشا عادات البدو..وتقاليدهم.. وبين من عاشا المدنية الحديثة بحضارتها وحداثتها واختراعاتها .

ف "ليلى القرن العشرين مختلفة عن ليلى زمان .. ستنال حبيبها..وتهنأ بأحضانه وتنجب له الذرية.. قيس القرن العشرين يملك مفتاح العصر..إنه علاء الدين الذى عثر على المصبياح السحرى وسينفذ مارده كل الأوامر ".

على هذا الأساس قدمت"إقبال بركه" روايتها "ليلى والمجول".. لقصة حب "ليلى وقيس " يعيشان فى القرن العشرين.. انتقت لبطولتها "ليلى" من وسط مجتمع بسيط ..يفى حاجياته الضرورية بالكاد .. و"قيس" من مجتمع انساق وراء أغراء المظاهر العصرية .. التى تدانت له ..فانساق وراءها..وجعل منها واجهة يبدو من خلالها ..بتعال على من استعصىت عليهم بفعل الهم الحياتى..الذى يباعد بينهم وبينها.

ف"ليلى" من اسرة بسيطة ..لها طبيعتها الحياتية التى يفرضها عليها المجتمع البسيط الذى تعيش فيه ..والواقع الذى تنتمى إليه.. وتطلعاتها المأمولة فى الحياة ..تبدو غير سهلة التحقيق.

و"قيس" من اسرة غارقة فى الماديات ..وتطلعاتها فى الحياة تكاد تكون شبه محققة ..إذ يبدو فى تناوله كل ما يريد.. ويظن ان ليس ثمة استحالة فى الحصول على شىء يرغبه.

ومن ثم فهما نموذجين من مستويين مجتمعين مختلفين ..يبدو كل منهما بصورة عكسية عن الآخر .. التقيا وسط ساحة الجامعة التى تجمع بين كل المستويات دونما تفريق.. وبغرض هدف التحصيل الدراسى .

التحقت "ليلى" بالجامعة لنفوقها الدراسى ..رغم عدم الهدوء فى "البيت الذى تعيش فيه مع أسرتها.. الأب والأم وست بنات.. "سميحه"و"هناء"و"يسرية"و"فاتن" و"شاديه "و"فضيله"..لايكففن عن الشجار والخصام.. وكأن ذلك هواية بشغلن بها وقتهن ..فى بيت وسيلة الترفيه الوحيدة فيه راديو قديم ..كلما أحضروه من الكهربائى ..أعادوه ليصلح عطلا جديدا" .. وايضا رغم عدم الاستقرار المادى الذى لايستطيع الأب توفيره .. إلى الحد الذى يفى باحتياجات الأسرة.. من عمله كساع فى إحدى شركات القطاع العام.

وحافظت "ليلى" على ذلك التفوق أيضا فى الجامعة .. بانتظامها فى حضور المحاضرات دونما انقطاع..حتى لاتكون مثل شقيقتها"سميحه" التى لم تكمل دراستها بعد أن رسبت فى الإعدادى مرتين.. وعندما طلبت من أبيها أن تتوقف عن الدراسة .."رحب الأب بالقرار لأنه اعتبره نوعا من التوفير فى النفقات..ورحبت الأم حتى تساعدها ابنتها الكبرى فى رعاية شقيقاتها".ومنهن "فضيله" التى تحاول الحصول على دبلوم التجارة ..و"يسريه" ..توأم "فضيله" "موهوبة تحلم بأضواء المجد والشهرة..تضيق بالدراسة المتوسطة لأن أحلامها أكبر منها بكثير".. وغير معجبة بالأب"عبد الستار عامر" ..لأنها "ترى أنه لم يغتنم فرصا كثيرة أتيحت له للثراء والعيش فى رفاهية ويسر".

والتحق "قيس" القادم من إحدى البلاد العربية بالجامعة ..بعد أن أصر على تكملة تعليمه بمصر..ولم يخضع لرغبة والده بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليدرس الاقتصاد الذى لايميل إليه.. كى يدير أعماله.."فقد خلق لدراسة الأدب ليصبح أديبا كبيرا يغزو العالم بأفكاره".. واستقراره المادى يبدو من خلال حياته الشخصية التى يعيشها فى القاهرة وهو بعيد عن أسرته.. فى الشقة التى استأجرها مفروشة بأفخر الأثاث ..وتضم مجموعة من التحف والتماثيل ومكتبة.. يتوافر له الهدوء..و"يتحرك فى شقته بخفة الفراشة ..تحمله أجنحة الفن والظفر ..بلمسة من إصبعه تنطلق الموسيقى هادئة فى أرجاء الصالة ..بلمسة أخرى تنبعث من أركانها أضواء خافتة".. ولا يصحو من نومه قبل آذان الظهر دونما اهتمام بالانتظام فى حضور المحاضرات بالكلية ..التى لايذهب إليها إلا إذا عرف أن جدولها خال من المحاضرات.. ورغم ذلك كانت" أحلامه العريضة أن يعود إلى بلده وينشر فيها المدنية والحضارة..يريدها أن تصبح مثل مصر".

وكان مرتبطا بخطوبته لابنة عمه التى كانت تنتظر عودته بعد الانتهاء من دراسته ليتزوجا.. وطلبت منه وهو تودعه ألا يعود ومعه عروس من مصر..لكنه" عندما نظر فى عينى "ليلى" أول مرة أدرك أنه قد عثر أخيرا على واحته.. حط رحاله واختار جنته".. وحاول استمالتها نحوه لكنها بدت صعبة المنال.. وأثاره تمسكها بكبريائها وعتزازها بنفسها.. فكان يتعمد أن يجرح كرامتها أمام زميلاتها وزملائها ولو بطريق غير مباشر.. بينما تواجهه هى فى تحد وتصد إهااناته عنها..إلى أن وقع فى حبها متجاهلا سخريته من المحبين..وبات لايشغله شىء سوى الوصول إلى قلبها ..حتى استطاع اصطحابها فى نزهة بسيارته الفاخرة ..ثم أقنعها بالتقائهما داخل شقته .."فى بيتى سنكون على راحتنا ..لن تزعجنا العيون المتطفلة.. لن ترهبنا النظرات المتوعدة".

بهرتها الأشياء التى تحتويها شقته المفروشة.."الستائر الكثيفة..آلة التسجيل الضخمة..صف التماثيل المورانو والصينى..تبدو وكأنها معروضة للبيع.. السجادة الحمراء القانية تغوص بين ثنايا نسيجها وردة بيضاء لاتكاد تظهر من بين الوبر ..وسائد الفرو الأبيض والأسود على الأرض وفوق الأريكة..تحت قدميها قط سيامى يتثاءب فى بلادة وخمول ويطل نحوها من آن لأخر بنظرات غير مرحبة".. "الكتاب ايضا دخل قائمة الرفاهيات التى لاتنالها فتاة تسكن فى حارة من حوارى شبرا..إنها أحلام امر بها وتتحسسها ..لكنها لاتنالها".

لقد أنساها ذلك جميعه ماعانته قبل أن تصعد إلى شقته ..كما أنساها رهبتها وخشيتها..وكل ماداهمها وهى ذاهبة إليه.. "رعدة الغربة وهى تخطو داخل العمارة الفخمة الأنيقة بالحى الأنيق..برودة المدخل وهى تتحسس طريقها فى الظلام.. أسنانها المصطكة وهى تخلو إلى نفسها فى المصعد العتيق.. تتابع الأدوار من خلف زجاج المصعد وهى ذاهلة..فاقدة الإرادة..كأنها سجين يقوده الحراس إلى قدره المحتوم..بيد مرتعشة ضغطت على جرس إحدى الشقق..أطلق الجرس لحنا موسيقيا..لم تتحرك من مكانها ..توقفت آلة التفكير فى عقلها تماما"

كما أنها أمام كل ما بدا لها أخذت تقارب بين شقة "قيس" وشقتها التى تعيش فيها مع أسرتها.."شتان مابين الصالون الفاخر المريح وصالة بيتهم فى شبرا..الكنبة البلدى التى يجلس فوقها أبوها وأمها يستقبلان الضيوف عليها أيضا.. أما الباقون فيجلسون على الكراسى الخيرزان ..وعلى من يزيد على العدد أن يظل واقفا طول الوقت.. والجانب الآخر منضدة ورثها أبوها عن والده ..ويقال أيضا أن جدها قد ورثها عن أبيه".

عالم غريب بالنسبة لها وجدت نفسها فيه.. بدت استحالة حياتها فيه إذا ما أرادت.. فثمة فرق شاسع بين قدرة "قيس" المادية التى تيسر له الحصول على كل مايريد..وبين قدرتها المادية التى لاتذكر.. فوالدها يفى بالكاد حاجة أسرته الضرورية.. ولا يستطيع أن يحقق لها ولو قدر ضئيل مما تراه حولها فى شقة "قيس" .

وأمام ذلك الانبهار أخذت تفكر فى تكرار زيارتها ل"قيس" ..واختلقت عذرا لنفسها رغبة فى الاطلاع على الكتب التى تضمها مكتبته.. رغم أن الكتب وإن بدت فى قائمة الرفاهيات ..إلا أنها لاتستدعى الاهتمام بها..ولا يتحتم عليها قراءة نوعياتها التى منها "المومس الفاضلة".."الأفواه اللامجدية".. الجنس الآخر..الحرام.. أنا حرة.. مستقبل الأمة العربية بعد البترول"..لكنها وجدت فى تبرير زيارتها بالاطلاع عليها.."فرصة التردد على شقته بحجة محترمة..حجة لاتعذب ضميرها المؤرق".

لكن "قيس" أعفاها من تلك الحجة وسحبها إلى عالمه الذى يعيشه.. جعلها تتذوق الخمر رغم تمنعها..بحجة أن الرفض يجب أن تسبقه التجربة.. وعندما "ود لو طوقها بذراعيه وقبل جبينها..وجد نفسه يفعل ذلك دون تفكير..إنه لم يتعود على كتم مشاعره..النساء فقط هن اللاتى يكتمن مشاعرهن ولقد صبر عليها كثيرا".. فمنذ أن رآها وعشقها وهو يشتهى أن يضم جسدها إلى صدره.. رغم أنه وجدها لاتشبه غيرها من اللاواتى يدعوهن إلى شقته.. "ليست غانية..ولا تشبه الغوانى..إنها فقط من نوع مختلف".. ولذا فضل أن يتعامل معها باسم الحب .."قبلها بعنف حتى أدمى شفتيها.. اعتصر جسدها بين ذراعيه..لكنه كبح جماح شهوته ولم يعاملها مثل الأخريات.. وكأن اختبارا له هو الذى حطم السدود جميعا أما رغباته ..وتعود أن أن يبحر فى بحر الملذات حتى نهاية شواطئه".. ثم شكرها لأنها لبت دعوته.. وأغرقها بعد ذلك بالهدايا والمال.

لم تعد فى حاجة إلى أن تطلب من والدها مصروفا أو ثمنا لكتاب.. وإنما صارت تعطى لأمها المال من آن لآخر.. تخرج فى الصباح بالكتب ..وتعود آخر النهار بالهدايا.. حتى ترددت الشائعات حولها..بينما والدها لايدرى بشىء.."فدوامة الحياة تدور به ولا تمنحه فرصة للجلوس على المقهى والدردشة مثل خلق الله"..كان يظن كما زعمت أن تلك الهدايا يحضرها له شقيق صديقة لها يسافر للخارج كثيرا..وادعت لوالدها أنه هو الذى أحضر الدواء المستورد لعلاجه..فأصر على مرافقتها ليشكر صديقتها..عندما أرادت أن تقضى ليلة عيد الميلاد مع "قيس" ..وزعمت أنها ستقضيها مع صديقتها ..وأمام إصراره تصنعت المرض..ثم ذهبت إلى "قيس" فى الصباح.

لم تجده وحده..وإنما تواجهت مع الطباخة .."كانت تسمع الكثير عن طباخات الشقق المفروشة ..ولكنها لم تكن تحلم أن تواجه إحداهن وجها لوجه.. كرهت تلك اللحظة ..كما كرهت دائما حظها الذى أوقعها فى حب شاب من غير بلدها".

قالت لها أنها زميلته فى الجامعة وطلبت منها أن توقظه.. لكن الطباخة دفعتها فى صدرها وصاحت فيها بأنه نائم.. فأسرعت بالهرب من الفضيحة يلاحقها الوعيد من الطباخة بالضرب والإهانة لو عادت..وندمت على زيارتها له..وقررت أن تتركه..لكنه لحق بها فى الكلية واعتذر لها.. ثم أوضح لها أن الطباخة "قوادة" تحضر الفتيات لسكان الشقق المفروشة بالعمارة..وأنها ظنت أن البواب شريكها أحضر له فتاة دون علمها ..فثارت عليه وقد خلصه من يدها بصعوبة..وحتى لاتسىء الظن به أكد لها أنه لم يدع فتاة غيرها إلى شقته منذ أن عرفها ..كما أنه يكره النساء الساقطات .."كنت أشعر بالكراهية العميقة تجاه الواحدة منهن بمجرد أن أقضى منها حاجتى..وأطلب منها أن تغادر الحجرة فورا بعد ما ألقى إليها بأجرها".. لذلك ليس عليها أن تحاسبه إلا على الفترة التى أحبها فيها..فلم تعد لمطالب الجسد عنده مكانة.. "نكست رأسها رأسها فى الأرض لاتريد أن تسمع المزيد.. أدركت لحظتها أنها تغوص فى أوحال المستحيل..وستظل أصابع الاتهام تطاردها مدى الحياة.. لن يصدق مخلوقا أنها تكن ل "قيس" حبا حقيقيا..لادخل للمادة فيه.. هى نفسها باتت تشك فى حقيقة مشاعرها نحوه.. هل تحبه لذاته ..أم تحب العالم السحرى الذى قادها إليه.. لماذا تفتح قلبها له وحده ..هى التى يطاردها خيرة شباب الحارة..لماذا تحولت معه من طاووس يزهو بجماله ..ويتخايل بحريته..إلى ببغاء يرضى بالقفص الذهبى"..لكن تلك الأسئلة ظلت بلا جواب..وعادت معه"يتأبط ذراعها..حياه البواب..واعتذرت لها الطباخة ..ولم تحاول أن تضايقها بعد ذلك.. لكنه لم تكن تقوى على مواجهتها..فقد كانت تشعر داخلها أنها لاتختلف عن الفتيات اللاتى تجلبهن الطباخة لساكنى الشقق المفروشة ..وتأكدت أنها كذلك بالنسبة ل "قيس" عندما فوجئت به ينقض عليها ..وعندما قاومته اتهمها بالجحود والنكران للجميل.."لقد أعطيتك كل شىء.. انظرى إلى نفسك فى المرآة..إلى ملابسك قطعة قطعة.. إلى معطفك.. كل شىء.. لم أبخل عليك بشىء".. فطلبت منه أن يتزوجها لكنه رفض ..واتهما بأنها لاتفكر إلا فى مصلحتها كالأخريات.. وتريد أن تقيده بسلاسل مدعية الشرف.. فكان ذلك مفاجأة لها ..لأنه "كان أول رجل تشعر معه بالرضى والأمان.. أول رجل تسكن إليه وتشعره بالانتماء إليه.. كان أول رجل تمتزج عواطفها بعواطفه..لتذوب الفوارق.. وتتلاشى الفروق ..ةيشعر كل منهما أنه عرف صاحبه منذ أول الزمان.. أحبت أخطاؤه..وتغاضت عن هفواته..وأدمنت الانصهار فى كتلة وجوده.. لذلك لم يكن من السهل عليها أن تتفتت"..فلم تنفصل عنه وطلت تلتقى به..إلى أن تخلى هو عنها ..فواجهت مشكلة البحث عن مخرج لها ينقذها مما تورطت فيه.

قد تبدو الرواية وكأنها تعرض لقصة حب عادية..تتكرر دائما..وليست غريبة الحدوث..خاصة بين طلبة وطالبات الجامعات.. تبدأ وتنتهى كغيرها بالفشل أو بالاستمرار.. لكن الجامعة بدت كهمزة وصل ..جمعت بين اثنين من مجتمعين مختلفين.. وبفارق شاسع فى المستوى المادى والحياتى لكل منهما.. ومن خلال قصة الحب التى جمعت بينهما ..بغض النظر عن حقيقة النوايا ..بدت ظاهرة ملموسة فى المجتمع وكأنها جزء من واقعه.. فلم تعد ثمة غرابة فى زواج المصرية بزوج من غير بلدها ..ونظرة هؤلاء الغير مصريين للفتيات والنساء المصريات ..سواء فى داخل الجامعة أو خارجها..فهن فى متناول اليد..وطوع الرغبات ..أمام وفرة المال الذى يزيد عن الحاجة .

فثمة زميلين ل "قيس" هما "زياد"و"صقر".. يشاركنه الإيقاع بالفتيات داخل الجامعة أو خارجها.. إذا ماراقت لأى منهما واحدة منهن.. وقد تنافسوا على الإيقاع ب"ليلى" عندما رأوها أول مرة وأعجبوا بها.. فقد تراءتا ل"قيس" "فلاحة مصرية ..تركت ثدى بقرتها الذى كانت تحلبه.وجاءت لتتعلم.. اعترض"زياد"بشدة على هذا الرأى وقال" بل هى أميرة فرعونية قد دبت الروح فى جسدها..وجاءت تتفرج على الرعية".. ثم اختلفوا على ملامحها..لكنهم اتفقوا فى النهاية على أنها تفاحة حان قطافها..وقرر "زياد" أن يكون أول من يتذوقها..إلا أنها صدت محاولاته معها.. الأمر الذى أثار "قيس" إلى حد أنه أصر فى نفسه رغبة الانتقام منها.. بالرغم من أنه "عندما رآها أول مرة ..وهى تتحدث مع صديقه"زياد".."خفق قلبه بشدة لعينيها الخضراوين ..وبشرتها القمحية ..أثارته نظرة الكبرياء التى كانت ترمق بها الجميع ..نظرة فتاة تعتز بجمالها وبحسنها وعلمها.. عشق"قيس" أنف "ليلى" الشامخ وفمها الدقيق ..واشتهى أن يضم جسدها الناحل الرقيق إلى صدره"..فتعمد أن يجرح كرامتها أمام الجميع ..ولو بطريق غير مباشر.. كأن يتحدث عن فقر المصريين ..ويسخر من تصرفات زملاءه بالقسم.. بينهم الذين لايكاد الواحد منهم لايغير قميصه لمدة شهر كامل.. أما البنطلون فيرافقه العام بأكمله.. ولم تكن "ليلى" تقف صامتة.." بل كانت ترد له الصاع صاعين ..وتوضح له بالتواريخ والأرقام ..أن ثراء بلدها لايستند إلى اسس واهية تدوم لجيل أو جيلين.. وإنما هو ثراء أبدى كان وسيكون إلى آخر الدهر".

لكنهم اكتشفوا أنها ليست كزميلتها "ساميه"..التى لاتتحفظ فى علاقاتها بزملائها ..وكأنها ولدت عاهرة.. أحبت "زياد"..ولما لم يتزوجها تحولت إلى "صقر"..الذى صارحها بأنه لايفكر فى الارتباط بمثلها..الأمر الذى جعل "قيس" يصر على الحصول عليها.. ولم يعد يهتم بنقاشهم إذا ما اجتمعوا معه فى شقته..ودار حديثهم عن "مصر وهل ينبغى أن تعود إلى الصف العربى.. أم تشق لها طريقا مستقلا..لم يكن يعنيه شيئا من هذا.. "مالذى يهم إن احترمت مصر ميثاق جامعة الدول العربية ..أم لم تحترمه..إن هى حاربت إسرائيل أم عقدت صلحا معها.. إن هى عادت إلى الصف العربى ..أم أعلنت العقوق والعصيان.. المهم أن يجد طريقه إلى "ليلى".

من ثم فالأمر لايبدو وقفا على قصة حب.. وإنما تعداها إلى كشف تلك النظرة التى تربط بينها و بين المال وإغراءات الهدايا.. كما يبدو من هؤلاء الوافدين الجامعيين ..الذين أفردت لهم الكاتبة الجزء الأكبر من مساحة الرواية..وأبدت الشخصيات الأخرى..التى بدت فى الرواية..من خلالإشارات سريعة ضمن الشكل العام.. لتعكس الواقع الحياتى خارج أسوار الجامعة..الذى تعيشه "ليلى" وتنتمى إليه.

فقد بدت هذه الشخصيات كنماذج مختلفة من المجتمع ..تعيش فيه وتمارس حياتها حسب مايتوافق مع رغباتها وميولها ..حتى ولو كانت ثمة تصرفات منها يبغضها المجتمع.

الأب"عبد الستار عامر" ساع فى إحدى شركات القطاع العام ..لكن وظيفته الأساسية هى تلبية رغبات البك المدير رئيس مجلس الإدارة.. لذلك فيومه "كله يضيع فى المشاوير والمهمات العاجلبة والآجلة.. وما يكاد يصل بيته حتى يهرع إلى فراشه يشكو من آلام الروماتزم التى تكسر مفاصله"..الأم ..الزوجة العادية التى تهتم برعاية أفراد أسرتها ..وتقضى أوقات فراغها عند الجيران.."نظمى بك".. مدير الشركة الذى يحاول أن يبدو فى صورة الرجل العطوف صاحب الفضل على الغير."عاطف" طبيب الشركة . صديق الأب "مسعود" الطباخ الخاص للبك الكبير مدير الشركة..والذى يشتهى الفتيات ولا يخفى إعجابه بهن."نهال" الموظفة التى تلقت تعليمها فى مدرسة أجنبية وتتصرف باستقراطية دائما. تبدى استعلائها على من تعمل معهم وكأنها فى منزلة أكبر منهم."سمير" ابن الجيران ..المعروف عنه حسن الخلق والوداعة والاستقامة.. تخرج من مدرسة التجارة المتوسطة..ثم قدم نفسه للتجنيد ..وشارك فى حرب العاشر من رمضان..وبعد تسريحه من الجيش عينته القوى العاملة بإحدى شركات القطاع العام."أنسية" الطباخة ..قوادة حقيرة .."الأساورؤ الذهبية التى ازدحم بها ساعدها..والكردان الذى التف حول عنقها..والقرط الذى تدلى من أذنيها..تبدو واسعة الثراء..وخطواتها المتهالكة الواثقة تقول أن تجارتها رابحة".

بمجموعة النماذج القليلة هذه..بدا المجتمع البسيط بهمومه المادية التى تؤرق حياته..ويتطلع إلى الخلاص منها.. من خلال الجامعة والبيت والشركة..والعلاقات التى تربطك بين الشخوص ببعضها..والتى بدت كلها من اخلال ارتباط الشخصية الرئيسية فى الرواية ليلى بهم.

ففى الجامعة تعرفت على "قيس".. وعاشت معه قصة حب تمسكت بها ولم تستطع أن تحقق نهايته المأمولة..لرفضه فكرة الزواج بها.. وإن كانت تركته يتعذب فى النهاية بعد أن فقدت الأمل فى الارتباط به.. فإن "زياد" الذى رفض الاقتران ب"سميه" يعرض عليها الزواج بعد أن تأكد من إهمالها ل"قيس".. ورغم مفاجأتها بذلك إلا أنها تعتذر له.. لأنها لن تفكر فى الزواج إلا بعد الانتهاء من دراستها.. فيؤكد لها بأنه" سينتظرها مهما طال الزمن..وبأنه ظل يحبهال فى صمت..لعدة شهور وهو يحلم بها..ولكن قيسا سبقه إليها ولم يكن يستحقها"

وفى الشركة مكان العمل الذى التحقت به بعد مرض ولدها..يبدو "نظمى بك" الذى قرر تعيينها لكسب ثقة ناخبيه فى ترشيحه لمجلس الشعب ..ولأن والدها كان خادمالا له.. و"عاطف" الطبيب الذى جاهد حتى حقق أمله..وإن كان "نظمى بك" يزعم أنه صاحب فضل عليه..بتعيينه طبيب خاص بالشركة.. فهو يكاد يكون من نفس مستوها الاجتماعى .. ارتاحت لبساطته فى الحديث..وفكرت فى اللجوء إليه بعد أن خذلها "قيس".."لأنه الطبيب الوحيد الذى تعرفه..وهو شاب قد يتفهم مشكلتها..لأنه ينتمى إلى نفس جيلها.. ثم هو من طبقتها الحائرة التى تصعد على سلم الذكاء والنبوغ".و"نهال" التى" تشعرها دائما بأنها من طينة مختلفة ..كأن الله حينما خلق الفقراء..خلقهم من طينة أقل قدرا من تلك التى خلق بها الأشياء ".. تتغامز عليها وعلى ثيابها وعطرها.. وتستكثر عليها أن تبدو بمثل ماكنت تبدو به..وعندما زارت منزلها البسيط "رفضت أن تحيى أحدا باليد خوفا من ان تنقل إليها عدوى الأمراض..ولاحظت "ليلى" أيضا أن "نهال" ظلت طول الوقت تسد أنفها بمنديل معها ..وتنظر إلى الحوائط المهدمة والأبواب والنوافذ المحطمة.. والأثاث المتواضع كأنها فى متحف"..ثم تتعمد الحديث بصوت عال عن رفض أسرتها الموافقة على زواج "عاطف" من أختها .."تصورى عائلتنا لاتناسب إلا الكبراء..تقبل ابن الطباخ عريسا لواحدة من بناتها".

وفى البيت"هناء " أختها.. التى تبدى إعجابها ب "عاطف"."تراه فارس احلامها مثاليا ولو لم يكن الأمل فى دخول الجامعة قد انتزع من عقلها انتزاعا لدخولها الثانوية التجارية.. لما كان قد أفلت من يدها ابدا".. و"فضيله" التى تحب"سمير ابن الجيران.. الذى لم يخدعها بوعود كاذبة.. ورغم أنها تعرف أنها ستعيش مع أسرته ..إلا أنها لاتكف عن حبه.. فتتنبأ لها أختها "يسريه" بمستقبل كمستقبل أمها.. الفقر والعيال.. وخيبة الأمل.. لكنها ترى عكس ذلك ..فرغم سوء حالته المادية ..وظروفه الصعبة مع أسرته.. يصر على الزواج من أختها..بينما "قيس" بحالة اليسر التى يعيشها..أراد أن ينال منها كل شىء .."أما زواجهما فهو موضوع محرم لايقترب منه من قريب أو بعيبد"..ويحكى لها عن أصدقائه الذين يريدون الزواج من راقصة أو ساقطة فيمنعهم هو ..ولذا فعندما جاءت"الخاطبة" لتعرض على شقيقاته زيجات من عمر والدهم مجهولين له تماما..لأنهم يعيشون فى بلاد غريبة بعيدا عن مصر..كتلك الزيجات التى تتم طمعا فى مال زوج ثرى.. تعترض هى على إتمام تلك الزيجات وتحيل بين إتمامها..لتجنب إخواتها شر الوقوع فى مثل تجربتها مع "قيس"..فتشعر أنها عادت إلى كنهها مخلوقة جديدة.

لقد حاولت "إقبال بركه " إبراز الكثير من الأشياء والتصرفات التى تبدو ظاهريا مرفوضة من المجتمع..وإن كان يسمح بحدوثها برضاء غير مرغوب فيه.. من خلال مضمون حملته كل مايسمح بتعرية مجتمع بسيط.. يفى حاجاته الضرورية بالكاد.. وعندما وقع اسير المظاهر العصرية ..انساق وراءها حين تدانت له ..غير واع لشراك الخداع الذى وقع فيه..ولكن برغم ذلك المضمون الذى بدا جيدا إلى حد ما ..لم يأت الشكل بما يتوافق معه..إذ بدا دونما رابط فى تقسيماته التى تشتت مسار الأحداث والتقائها..مما يجعل من الصعب الوقوف على اساس تصاعدها وتطورها.

* * *
* * *
* * *
* * *

اقبال بركه فى روايتها ليلى والمجهول السيد الهبيان الحب .. منذ القدم


اقبال بركه فى روايتها
ليلى والمجهول
السيد الهبيان
الحب .. منذ القدم .. وعبر العصور.. يبدو غالبا فى إبداعات المرأة .. كشىء أساسى إلى حد ما...ونادرة تلك الروايات التى تخلو من قصة حب ..تبدو من خلالها الأحداث.. وتتطور ..إلى أن تنتهى بأية نهاية تكون.. وتعكس الأحداث طبيعة المجتمع المتواجدة فيه بواقعه وتقاليده.. بصورة تبدى رؤية الروائية التى تناولتها.. لها.
وليس ثمة قصة حب تناولتها المرأة على مر التاريخ الإنسانى بصفة عامة ..أو تناقلت كاسطورة من الأساطير..إلا وكشفت طبيعة الظروف التى أحاطت بها ..والأحداث التى عاصرتها.. من خلال المجتمع الذى بدت فيه ..ومن ثم فهى تختلف باختلاف المجتمعات .. واختلاف العصور ..وأيضا بتطور الزمن.
فى رواية "ليلى والمجهول" قدمت الكاتبة المصرية "إقبال بركه" "ليلى وقيس القرن العشرين" بصورة طغت عليها التأثيرات المعاصرة .. وشتان بين "ليلى العامرية"و"قيس بن الملوح " اللذان عاشا عادات البدو..وتقاليدهم.. وبين من عاشا المدنية الحديثة بحضارتها وحداثتها واختراعاتها .
ف "ليلى القرن العشرين مختلفة عن ليلى زمان .. ستنال حبيبها..وتهنأ بأحضانه وتنجب له الذرية.. قيس القرن العشرين يملك مفتاح العصر..إنه علاء الدين الذى عثر على المصبياح السحرى وسينفذ مارده كل الأوامر ".
على هذا الأساس قدمت"إقبال بركه" روايتها "ليلى والمجول".. لقصة حب "ليلى وقيس " يعيشان فى القرن العشرين.. انتقت لبطولتها "ليلى" من وسط مجتمع بسيط ..يفى حاجياته الضرورية بالكاد .. و"قيس" من مجتمع انساق وراء أغراء المظاهر العصرية .. التى تدانت له ..فانساق وراءها..وجعل منها واجهة يبدو من خلالها ..بتعال على من استعصىت عليهم بفعل الهم الحياتى..الذى يباعد بينهم وبينها.
ف"ليلى" من اسرة بسيطة ..لها طبيعتها الحياتية التى يفرضها عليها المجتمع البسيط الذى تعيش فيه ..والواقع الذى تنتمى إليه.. وتطلعاتها المأمولة فى الحياة ..تبدو غير سهلة التحقيق.
و"قيس" من اسرة غارقة فى الماديات ..وتطلعاتها فى الحياة تكاد تكون شبه محققة ..إذ يبدو فى تناوله كل ما يريد.. ويظن ان ليس ثمة استحالة فى الحصول على شىء يرغبه.
ومن ثم فهما نموذجين من مستويين مجتمعين مختلفين ..يبدو كل منهما بصورة عكسية عن الآخر .. التقيا وسط ساحة الجامعة التى تجمع بين كل المستويات دونما تفريق.. وبغرض هدف التحصيل الدراسى .
التحقت "ليلى" بالجامعة لنفوقها الدراسى ..رغم عدم الهدوء فى "البيت الذى تعيش فيه مع أسرتها.. الأب والأم وست بنات.. "سميحه"و"هناء"و"يسرية"و"فاتن" و"شاديه "و"فضيله"..لايكففن عن الشجار والخصام.. وكأن ذلك هواية بشغلن بها وقتهن ..فى بيت وسيلة الترفيه الوحيدة فيه راديو قديم ..كلما أحضروه من الكهربائى ..أعادوه ليصلح عطلا جديدا" .. وايضا رغم عدم الاستقرار المادى الذى لايستطيع الأب توفيره .. إلى الحد الذى يفى باحتياجات الأسرة.. من عمله كساع فى إحدى شركات القطاع العام.
وحافظت "ليلى" على ذلك التفوق أيضا فى الجامعة .. بانتظامها فى حضور المحاضرات دونما انقطاع..حتى لاتكون مثل شقيقتها"سميحه" التى لم تكمل دراستها بعد أن رسبت فى الإعدادى مرتين.. وعندما طلبت من أبيها أن تتوقف عن الدراسة .."رحب الأب بالقرار لأنه اعتبره نوعا من التوفير فى النفقات..ورحبت الأم حتى تساعدها ابنتها الكبرى فى رعاية شقيقاتها".ومنهن "فضيله" التى تحاول الحصول على دبلوم التجارة ..و"يسريه" ..توأم "فضيله" "موهوبة تحلم بأضواء المجد والشهرة..تضيق بالدراسة المتوسطة لأن أحلامها أكبر منها بكثير".. وغير معجبة بالأب"عبد الستار عامر" ..لأنها "ترى أنه لم يغتنم فرصا كثيرة أتيحت له للثراء والعيش فى رفاهية ويسر".
والتحق "قيس" القادم من إحدى البلاد العربية بالجامعة ..بعد أن أصر على تكملة تعليمه بمصر..ولم يخضع لرغبة والده بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليدرس الاقتصاد الذى لايميل إليه.. كى يدير أعماله.."فقد خلق لدراسة الأدب ليصبح أديبا كبيرا يغزو العالم بأفكاره".. واستقراره المادى يبدو من خلال حياته الشخصية التى يعيشها فى القاهرة وهو بعيد عن أسرته.. فى الشقة التى استأجرها مفروشة بأفخر الأثاث ..وتضم مجموعة من التحف والتماثيل ومكتبة.. يتوافر له الهدوء..و"يتحرك فى شقته بخفة الفراشة ..تحمله أجنحة الفن والظفر ..بلمسة من إصبعه تنطلق الموسيقى هادئة فى أرجاء الصالة ..بلمسة أخرى تنبعث من أركانها أضواء خافتة".. ولا يصحو من نومه قبل آذان الظهر دونما اهتمام بالانتظام فى حضور المحاضرات بالكلية ..التى لايذهب إليها إلا إذا عرف أن جدولها خال من المحاضرات.. ورغم ذلك كانت" أحلامه العريضة أن يعود إلى بلده وينشر فيها المدنية والحضارة..يريدها أن تصبح مثل مصر".
وكان مرتبطا بخطوبته لابنة عمه التى كانت تنتظر عودته بعد الانتهاء من دراسته ليتزوجا.. وطلبت منه وهو تودعه ألا يعود ومعه عروس من مصر..لكنه" عندما نظر فى عينى "ليلى" أول مرة أدرك أنه قد عثر أخيرا على واحته.. حط رحاله واختار جنته".. وحاول استمالتها نحوه لكنها بدت صعبة المنال.. وأثاره تمسكها بكبريائها وعتزازها بنفسها.. فكان يتعمد أن يجرح كرامتها أمام زميلاتها وزملائها ولو بطريق غير مباشر.. بينما تواجهه هى فى تحد وتصد إهااناته عنها..إلى أن وقع فى حبها متجاهلا سخريته من المحبين..وبات لايشغله شىء سوى الوصول إلى قلبها ..حتى استطاع اصطحابها فى نزهة بسيارته الفاخرة ..ثم أقنعها بالتقائهما داخل شقته .."فى بيتى سنكون على راحتنا ..لن تزعجنا العيون المتطفلة.. لن ترهبنا النظرات المتوعدة".
بهرتها الأشياء التى تحتويها شقته المفروشة.."الستائر الكثيفة..آلة التسجيل الضخمة..صف التماثيل المورانو والصينى..تبدو وكأنها معروضة للبيع.. السجادة الحمراء القانية تغوص بين ثنايا نسيجها وردة بيضاء لاتكاد تظهر من بين الوبر ..وسائد الفرو الأبيض والأسود على الأرض وفوق الأريكة..تحت قدميها قط سيامى يتثاءب فى بلادة وخمول ويطل نحوها من آن لأخر بنظرات غير مرحبة".. "الكتاب ايضا دخل قائمة الرفاهيات التى لاتنالها فتاة تسكن فى حارة من حوارى شبرا..إنها أحلام امر بها وتتحسسها ..لكنها لاتنالها".
لقد أنساها ذلك جميعه ماعانته قبل أن تصعد إلى شقته ..كما أنساها رهبتها وخشيتها..وكل ماداهمها وهى ذاهبة إليه.. "رعدة الغربة وهى تخطو داخل العمارة الفخمة الأنيقة بالحى الأنيق..برودة المدخل وهى تتحسس طريقها فى الظلام.. أسنانها المصطكة وهى تخلو إلى نفسها فى المصعد العتيق.. تتابع الأدوار من خلف زجاج المصعد وهى ذاهلة..فاقدة الإرادة..كأنها سجين يقوده الحراس إلى قدره المحتوم..بيد مرتعشة ضغطت على جرس إحدى الشقق..أطلق الجرس لحنا موسيقيا..لم تتحرك من مكانها ..توقفت آلة التفكير فى عقلها تماما"
كما أنها أمام كل ما بدا لها أخذت تقارب بين شقة "قيس" وشقتها التى تعيش فيها مع أسرتها.."شتان مابين الصالون الفاخر المريح وصالة بيتهم فى شبرا..الكنبة البلدى التى يجلس فوقها أبوها وأمها يستقبلان الضيوف عليها أيضا.. أما الباقون فيجلسون على الكراسى الخيرزان ..وعلى من يزيد على العدد أن يظل واقفا طول الوقت.. والجانب الآخر منضدة ورثها أبوها عن والده ..ويقال أيضا أن جدها قد ورثها عن أبيه".
عالم غريب بالنسبة لها وجدت نفسها فيه.. بدت استحالة حياتها فيه إذا ما أرادت.. فثمة فرق شاسع بين قدرة "قيس" المادية التى تيسر له الحصول على كل مايريد..وبين قدرتها المادية التى لاتذكر.. فوالدها يفى بالكاد حاجة أسرته الضرورية.. ولا يستطيع أن يحقق لها ولو قدر ضئيل مما تراه حولها فى شقة "قيس" .
وأمام ذلك الانبهار أخذت تفكر فى تكرار زيارتها ل"قيس" ..واختلقت عذرا لنفسها رغبة فى الاطلاع على الكتب التى تضمها مكتبته.. رغم أن الكتب وإن بدت فى قائمة الرفاهيات ..إلا أنها لاتستدعى الاهتمام بها..ولا يتحتم عليها قراءة نوعياتها التى منها "المومس الفاضلة".."الأفواه اللامجدية".. الجنس الآخر..الحرام.. أنا حرة.. مستقبل الأمة العربية بعد البترول"..لكنها وجدت فى تبرير زيارتها بالاطلاع عليها.."فرصة التردد على شقته بحجة محترمة..حجة لاتعذب ضميرها المؤرق".
لكن "قيس" أعفاها من تلك الحجة وسحبها إلى عالمه الذى يعيشه.. جعلها تتذوق الخمر رغم تمنعها..بحجة أن الرفض يجب أن تسبقه التجربة.. وعندما "ود لو طوقها بذراعيه وقبل جبينها..وجد نفسه يفعل ذلك دون تفكير..إنه لم يتعود على كتم مشاعره..النساء فقط هن اللاتى يكتمن مشاعرهن ولقد صبر عليها كثيرا".. فمنذ أن رآها وعشقها وهو يشتهى أن يضم جسدها إلى صدره.. رغم أنه وجدها لاتشبه غيرها من اللاواتى يدعوهن إلى شقته.. "ليست غانية..ولا تشبه الغوانى..إنها فقط من نوع مختلف".. ولذا فضل أن يتعامل معها باسم الحب .."قبلها بعنف حتى أدمى شفتيها.. اعتصر جسدها بين ذراعيه..لكنه كبح جماح شهوته ولم يعاملها مثل الأخريات.. وكأن اختبارا له هو الذى حطم السدود جميعا أما رغباته ..وتعود أن أن يبحر فى بحر الملذات حتى نهاية شواطئه".. ثم شكرها لأنها لبت دعوته.. وأغرقها بعد ذلك بالهدايا والمال.
لم تعد فى حاجة إلى أن تطلب من والدها مصروفا أو ثمنا لكتاب.. وإنما صارت تعطى لأمها المال من آن لآخر.. تخرج فى الصباح بالكتب ..وتعود آخر النهار بالهدايا.. حتى ترددت الشائعات حولها..بينما والدها لايدرى بشىء.."فدوامة الحياة تدور به ولا تمنحه فرصة للجلوس على المقهى والدردشة مثل خلق الله"..كان يظن كما زعمت أن تلك الهدايا يحضرها له شقيق صديقة لها يسافر للخارج كثيرا..وادعت لوالدها أنه هو الذى أحضر الدواء المستورد لعلاجه..فأصر على مرافقتها ليشكر صديقتها..عندما أرادت أن تقضى ليلة عيد الميلاد مع "قيس" ..وزعمت أنها ستقضيها مع صديقتها ..وأمام إصراره تصنعت المرض..ثم ذهبت إلى "قيس" فى الصباح.
لم تجده وحده..وإنما تواجهت مع الطباخة .."كانت تسمع الكثير عن طباخات الشقق المفروشة ..ولكنها لم تكن تحلم أن تواجه إحداهن وجها لوجه.. كرهت تلك اللحظة ..كما كرهت دائما حظها الذى أوقعها فى حب شاب من غير بلدها".
قالت لها أنها زميلته فى الجامعة وطلبت منها أن توقظه.. لكن الطباخة دفعتها فى صدرها وصاحت فيها بأنه نائم.. فأسرعت بالهرب من الفضيحة يلاحقها الوعيد من الطباخة بالضرب والإهانة لو عادت..وندمت على زيارتها له..وقررت أن تتركه..لكنه لحق بها فى الكلية واعتذر لها.. ثم أوضح لها أن الطباخة "قوادة" تحضر الفتيات لسكان الشقق المفروشة بالعمارة..وأنها ظنت أن البواب شريكها أحضر له فتاة دون علمها ..فثارت عليه وقد خلصه من يدها بصعوبة..وحتى لاتسىء الظن به أكد لها أنه لم يدع فتاة غيرها إلى شقته منذ أن عرفها ..كما أنه يكره النساء الساقطات .."كنت أشعر بالكراهية العميقة تجاه الواحدة منهن بمجرد أن أقضى منها حاجتى..وأطلب منها أن تغادر الحجرة فورا بعد ما ألقى إليها بأجرها".. لذلك ليس عليها أن تحاسبه إلا على الفترة التى أحبها فيها..فلم تعد لمطالب الجسد عنده مكانة.. "نكست رأسها رأسها فى الأرض لاتريد أن تسمع المزيد.. أدركت لحظتها أنها تغوص فى أوحال المستحيل..وستظل أصابع الاتهام تطاردها مدى الحياة.. لن يصدق مخلوقا أنها تكن ل "قيس" حبا حقيقيا..لادخل للمادة فيه.. هى نفسها باتت تشك فى حقيقة مشاعرها نحوه.. هل تحبه لذاته ..أم تحب العالم السحرى الذى قادها إليه.. لماذا تفتح قلبها له وحده ..هى التى يطاردها خيرة شباب الحارة..لماذا تحولت معه من طاووس يزهو بجماله ..ويتخايل بحريته..إلى ببغاء يرضى بالقفص الذهبى"..لكن تلك الأسئلة ظلت بلا جواب..وعادت معه"يتأبط ذراعها..حياه البواب..واعتذرت لها الطباخة ..ولم تحاول أن تضايقها بعد ذلك.. لكنه لم تكن تقوى على مواجهتها..فقد كانت تشعر داخلها أنها لاتختلف عن الفتيات اللاتى تجلبهن الطباخة لساكنى الشقق المفروشة ..وتأكدت أنها كذلك بالنسبة ل "قيس" عندما فوجئت به ينقض عليها ..وعندما قاومته اتهمها بالجحود والنكران للجميل.."لقد أعطيتك كل شىء.. انظرى إلى نفسك فى المرآة..إلى ملابسك قطعة قطعة.. إلى معطفك.. كل شىء.. لم أبخل عليك بشىء".. فطلبت منه أن يتزوجها لكنه رفض ..واتهما بأنها لاتفكر إلا فى مصلحتها كالأخريات.. وتريد أن تقيده بسلاسل مدعية الشرف.. فكان ذلك مفاجأة لها ..لأنه "كان أول رجل تشعر معه بالرضى والأمان.. أول رجل تسكن إليه وتشعره بالانتماء إليه.. كان أول رجل تمتزج عواطفها بعواطفه..لتذوب الفوارق.. وتتلاشى الفروق ..ةيشعر كل منهما أنه عرف صاحبه منذ أول الزمان.. أحبت أخطاؤه..وتغاضت عن هفواته..وأدمنت الانصهار فى كتلة وجوده.. لذلك لم يكن من السهل عليها أن تتفتت"..فلم تنفصل عنه وطلت تلتقى به..إلى أن تخلى هو عنها ..فواجهت مشكلة البحث عن مخرج لها ينقذها مما تورطت فيه.
قد تبدو الرواية وكأنها تعرض لقصة حب عادية..تتكرر دائما..وليست غريبة الحدوث..خاصة بين طلبة وطالبات الجامعات.. تبدأ وتنتهى كغيرها بالفشل أو بالاستمرار.. لكن الجامعة بدت كهمزة وصل ..جمعت بين اثنين من مجتمعين مختلفين.. وبفارق شاسع فى المستوى المادى والحياتى لكل منهما.. ومن خلال قصة الحب التى جمعت بينهما ..بغض النظر عن حقيقة النوايا ..بدت ظاهرة ملموسة فى المجتمع وكأنها جزء من واقعه.. فلم تعد ثمة غرابة فى زواج المصرية بزوج من غير بلدها ..ونظرة هؤلاء الغير مصريين للفتيات والنساء المصريات ..سواء فى داخل الجامعة أو خارجها..فهن فى متناول اليد..وطوع الرغبات ..أمام وفرة المال الذى يزيد عن الحاجة .
فثمة زميلين ل "قيس" هما "زياد"و"صقر".. يشاركنه الإيقاع بالفتيات داخل الجامعة أو خارجها.. إذا ماراقت لأى منهما واحدة منهن.. وقد تنافسوا على الإيقاع ب"ليلى" عندما رأوها أول مرة وأعجبوا بها.. فقد تراءتا ل"قيس" "فلاحة مصرية ..تركت ثدى بقرتها الذى كانت تحلبه.وجاءت لتتعلم.. اعترض"زياد"بشدة على هذا الرأى وقال" بل هى أميرة فرعونية قد دبت الروح فى جسدها..وجاءت تتفرج على الرعية".. ثم اختلفوا على ملامحها..لكنهم اتفقوا فى النهاية على أنها تفاحة حان قطافها..وقرر "زياد" أن يكون أول من يتذوقها..إلا أنها صدت محاولاته معها.. الأمر الذى أثار "قيس" إلى حد أنه أصر فى نفسه رغبة الانتقام منها.. بالرغم من أنه "عندما رآها أول مرة ..وهى تتحدث مع صديقه"زياد".."خفق قلبه بشدة لعينيها الخضراوين ..وبشرتها القمحية ..أثارته نظرة الكبرياء التى كانت ترمق بها الجميع ..نظرة فتاة تعتز بجمالها وبحسنها وعلمها.. عشق"قيس" أنف "ليلى" الشامخ وفمها الدقيق ..واشتهى أن يضم جسدها الناحل الرقيق إلى صدره"..فتعمد أن يجرح كرامتها أمام الجميع ..ولو بطريق غير مباشر.. كأن يتحدث عن فقر المصريين ..ويسخر من تصرفات زملاءه بالقسم.. بينهم الذين لايكاد الواحد منهم لايغير قميصه لمدة شهر كامل.. أما البنطلون فيرافقه العام بأكمله.. ولم تكن "ليلى" تقف صامتة.." بل كانت ترد له الصاع صاعين ..وتوضح له بالتواريخ والأرقام ..أن ثراء بلدها لايستند إلى اسس واهية تدوم لجيل أو جيلين.. وإنما هو ثراء أبدى كان وسيكون إلى آخر الدهر".
لكنهم اكتشفوا أنها ليست كزميلتها "ساميه"..التى لاتتحفظ فى علاقاتها بزملائها ..وكأنها ولدت عاهرة.. أحبت "زياد"..ولما لم يتزوجها تحولت إلى "صقر"..الذى صارحها بأنه لايفكر فى الارتباط بمثلها..الأمر الذى جعل "قيس" يصر على الحصول عليها.. ولم يعد يهتم بنقاشهم إذا ما اجتمعوا معه فى شقته..ودار حديثهم عن "مصر وهل ينبغى أن تعود إلى الصف العربى.. أم تشق لها طريقا مستقلا..لم يكن يعنيه شيئا من هذا.. "مالذى يهم إن احترمت مصر ميثاق جامعة الدول العربية ..أم لم تحترمه..إن هى حاربت إسرائيل أم عقدت صلحا معها.. إن هى عادت إلى الصف العربى ..أم أعلنت العقوق والعصيان.. المهم أن يجد طريقه إلى "ليلى".
من ثم فالأمر لايبدو وقفا على قصة حب.. وإنما تعداها إلى كشف تلك النظرة التى تربط بينها و بين المال وإغراءات الهدايا.. كما يبدو من هؤلاء الوافدين الجامعيين ..الذين أفردت لهم الكاتبة الجزء الأكبر من مساحة الرواية..وأبدت الشخصيات الأخرى..التى بدت فى الرواية..من خلالإشارات سريعة ضمن الشكل العام.. لتعكس الواقع الحياتى خارج أسوار الجامعة..الذى تعيشه "ليلى" وتنتمى إليه.
فقد بدت هذه الشخصيات كنماذج مختلفة من المجتمع ..تعيش فيه وتمارس حياتها حسب مايتوافق مع رغباتها وميولها ..حتى ولو كانت ثمة تصرفات منها يبغضها المجتمع.
الأب"عبد الستار عامر" ساع فى إحدى شركات القطاع العام ..لكن وظيفته الأساسية هى تلبية رغبات البك المدير رئيس مجلس الإدارة.. لذلك فيومه "كله يضيع فى المشاوير والمهمات العاجلبة والآجلة.. وما يكاد يصل بيته حتى يهرع إلى فراشه يشكو من آلام الروماتزم التى تكسر مفاصله"..الأم ..الزوجة العادية التى تهتم برعاية أفراد أسرتها ..وتقضى أوقات فراغها عند الجيران.."نظمى بك".. مدير الشركة الذى يحاول أن يبدو فى صورة الرجل العطوف صاحب الفضل على الغير."عاطف" طبيب الشركة . صديق الأب "مسعود" الطباخ الخاص للبك الكبير مدير الشركة..والذى يشتهى الفتيات ولا يخفى إعجابه بهن."نهال" الموظفة التى تلقت تعليمها فى مدرسة أجنبية وتتصرف باستقراطية دائما. تبدى استعلائها على من تعمل معهم وكأنها فى منزلة أكبر منهم."سمير" ابن الجيران ..المعروف عنه حسن الخلق والوداعة والاستقامة.. تخرج من مدرسة التجارة المتوسطة..ثم قدم نفسه للتجنيد ..وشارك فى حرب العاشر من رمضان..وبعد تسريحه من الجيش عينته القوى العاملة بإحدى شركات القطاع العام."أنسية" الطباخة ..قوادة حقيرة .."الأساورؤ الذهبية التى ازدحم بها ساعدها..والكردان الذى التف حول عنقها..والقرط الذى تدلى من أذنيها..تبدو واسعة الثراء..وخطواتها المتهالكة الواثقة تقول أن تجارتها رابحة".
بمجموعة النماذج القليلة هذه..بدا المجتمع البسيط بهمومه المادية التى تؤرق حياته..ويتطلع إلى الخلاص منها.. من خلال الجامعة والبيت والشركة..والعلاقات التى تربطك بين الشخوص ببعضها..والتى بدت كلها من اخلال ارتباط الشخصية الرئيسية فى الرواية ليلى بهم.
ففى الجامعة تعرفت على "قيس".. وعاشت معه قصة حب تمسكت بها ولم تستطع أن تحقق نهايته المأمولة..لرفضه فكرة الزواج بها.. وإن كانت تركته يتعذب فى النهاية بعد أن فقدت الأمل فى الارتباط به.. فإن "زياد" الذى رفض الاقتران ب"سميه" يعرض عليها الزواج بعد أن تأكد من إهمالها ل"قيس".. ورغم مفاجأتها بذلك إلا أنها تعتذر له.. لأنها لن تفكر فى الزواج إلا بعد الانتهاء من دراستها.. فيؤكد لها بأنه" سينتظرها مهما طال الزمن..وبأنه ظل يحبهال فى صمت..لعدة شهور وهو يحلم بها..ولكن قيسا سبقه إليها ولم يكن يستحقها"
وفى الشركة مكان العمل الذى التحقت به بعد مرض ولدها..يبدو "نظمى بك" الذى قرر تعيينها لكسب ثقة ناخبيه فى ترشيحه لمجلس الشعب ..ولأن والدها كان خادمالا له.. و"عاطف" الطبيب الذى جاهد حتى حقق أمله..وإن كان "نظمى بك" يزعم أنه صاحب فضل عليه..بتعيينه طبيب خاص بالشركة.. فهو يكاد يكون من نفس مستوها الاجتماعى .. ارتاحت لبساطته فى الحديث..وفكرت فى اللجوء إليه بعد أن خذلها "قيس".."لأنه الطبيب الوحيد الذى تعرفه..وهو شاب قد يتفهم مشكلتها..لأنه ينتمى إلى نفس جيلها.. ثم هو من طبقتها الحائرة التى تصعد على سلم الذكاء والنبوغ".و"نهال" التى" تشعرها دائما بأنها من طينة مختلفة ..كأن الله حينما خلق الفقراء..خلقهم من طينة أقل قدرا من تلك التى خلق بها الأشياء ".. تتغامز عليها وعلى ثيابها وعطرها.. وتستكثر عليها أن تبدو بمثل ماكنت تبدو به..وعندما زارت منزلها البسيط "رفضت أن تحيى أحدا باليد خوفا من ان تنقل إليها عدوى الأمراض..ولاحظت "ليلى" أيضا أن "نهال" ظلت طول الوقت تسد أنفها بمنديل معها ..وتنظر إلى الحوائط المهدمة والأبواب والنوافذ المحطمة.. والأثاث المتواضع كأنها فى متحف"..ثم تتعمد الحديث بصوت عال عن رفض أسرتها الموافقة على زواج "عاطف" من أختها .."تصورى عائلتنا لاتناسب إلا الكبراء..تقبل ابن الطباخ عريسا لواحدة من بناتها".
وفى البيت"هناء " أختها.. التى تبدى إعجابها ب "عاطف"."تراه فارس احلامها مثاليا ولو لم يكن الأمل فى دخول الجامعة قد انتزع من عقلها انتزاعا لدخولها الثانوية التجارية.. لما كان قد أفلت من يدها ابدا".. و"فضيله" التى تحب"سمير ابن الجيران.. الذى لم يخدعها بوعود كاذبة.. ورغم أنها تعرف أنها ستعيش مع أسرته ..إلا أنها لاتكف عن حبه.. فتتنبأ لها أختها "يسريه" بمستقبل كمستقبل أمها.. الفقر والعيال.. وخيبة الأمل.. لكنها ترى عكس ذلك ..فرغم سوء حالته المادية ..وظروفه الصعبة مع أسرته.. يصر على الزواج من أختها..بينما "قيس" بحالة اليسر التى يعيشها..أراد أن ينال منها كل شىء .."أما زواجهما فهو موضوع محرم لايقترب منه من قريب أو بعيبد"..ويحكى لها عن أصدقائه الذين يريدون الزواج من راقصة أو ساقطة فيمنعهم هو ..ولذا فعندما جاءت"الخاطبة" لتعرض على شقيقاته زيجات من عمر والدهم مجهولين له تماما..لأنهم يعيشون فى بلاد غريبة بعيدا عن مصر..كتلك الزيجات التى تتم طمعا فى مال زوج ثرى.. تعترض هى على إتمام تلك الزيجات وتحيل بين إتمامها..لتجنب إخواتها شر الوقوع فى مثل تجربتها مع "قيس"..فتشعر أنها عادت إلى كنهها مخلوقة جديدة.
لقد حاولت "إقبال بركه " إبراز الكثير من الأشياء والتصرفات التى تبدو ظاهريا مرفوضة من المجتمع..وإن كان يسمح بحدوثها برضاء غير مرغوب فيه.. من خلال مضمون حملته كل مايسمح بتعرية مجتمع بسيط.. يفى حاجاته الضرورية بالكاد.. وعندما وقع اسير المظاهر العصرية ..انساق وراءها حين تدانت له ..غير واع لشراك الخداع الذى وقع فيه..ولكن برغم ذلك المضمون الذى بدا جيدا إلى حد ما ..لم يأت الشكل بما يتوافق معه..إذ بدا دونما رابط فى تقسيماته التى تشتت مسار الأحداث والتقائها..مما يجعل من الصعب الوقوف على اساس تصاعدها وتطورها.
************

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007