[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
التمرن على العمى 
التاريخ:  القراءات:(501) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الحسن  
حالة اكتئاب حادة جعلتني أبلع أول علبة أقراص سقطت في يدي. لم تكن المحاولة الأولى للانتحار بل كانت الثانية، ومع ذلك نجيت منها بسهولة! لا أدري هل هو سوء حظ أم ساعة نحس حين ابتلعت تلك الأقراص، فقد كانت عبارة عن ملّين للأمعاء. لذلك أصبت بحالة إسهال حادة نقلت على إثرها إلى المشفى.

أتذكر جيدا قبل عام تقريبا هذه السيارة بكل تفاصيلها، سقفها العالي، سريرها المتحرك، رائحة المعقمات، أسطوانة الأكسجين، هواءها البارد كعاصفة الثلج. وحين رميت بنفسي من أعلى البناية سقطت على سقفها حين كانت مارة بالصدفة في نفس الشارع، ونقلتني إلى المستشفى، ولم أُصب إلا برضوض وخدوش، مما جعل إدارة المستشفى تغرمني ثمن إصلاح السيارة، وبعدها أحالوني إلى قسم الشرطة لمعرفة أسباب الانتحار، ولما لم يجدوا عندي سبباً مقنعاً للانتحار، جعلوني أكتب تعهدا خطيا على نفسي بعدم المحاولة مرة أخرى وأطلق سراحي!

هذه المرة تعاطف مع حالتي الطبيب، فنصحني بأن أتعامى عن الواقع، اقترح عليّ أن ألبس نظارة سوداء، أو أسد أذنيّ وأغمض عيني، وأن لا أشاهد نشرات الأخبار، أو استبدلها بمسرحية فكاهية، أو بفلم مضحك، وأن أهجر مواقع التواصل الاجتماعي، وأن لا أتتبع الأخبار العاجلة. لذلك لم يقم بإحالتي إلى قسم الشرطة، وكتب لي بعض المهدئات، وجعلني أذهب.

حين وصلت إلى المنزل استلقيت على الأريكة كجثة يابسة، عينيّ تخترقان السقف دون أن تطرف! سكون الغرفة يستنطق الصمت، شآبيب من الأمنيات والأسئلة دلقتها على خاطري المثلوم. لماذا لا أحد يريد أن يفهمني في هذا العالم الذي يكتظ بقطارات من الحمقى؟ لماذا حظّي لا يستمطر السحاب؟

حين أغمضت عينيّ أحسست بهدير نبضات قلبي كأنها رصاص في ساحة وغى، أو طبول دقت لطقوس وثنية! أصوات أنفاسي كريح ( في يوم نحس مستمر).

" تعامى عن الواقع " هذه الجملة ظلت تطن في رأسي كسرب نحل هائج. كيف لي أن أتعامى عن الواقع، والواقع يستنطق ذاته بذاته! هل ألبس نظارة سوداء كما قال لي الطبيب؟ أم أعصب عينيّ كي لا أراه البتة؟ نهضت من مكاني، وجدت زوجتي وقد لاذت بزاوية الغرفة تنشج بتقطيع حاد. فتشت عن خرقة أو خمار كي أجعل منها عصابة أبدية تعميني عن الواقع حد العتمة! اقتربت منها دون مبالاة، أخذت تنظر إليّ بدهشة، مددت يدي وسحبت معطفها الناعم، لففته على عينيّ حتى دخلت في أستار العتمة الحالكة. أخذت زوجتي تترجاني بأن لا أضر نفسي أو أقدم على الانتحار مرة أخرى على الأقل من أجل طفلنا الذي في أحشائها! لم أعرها انتباهي فأخذت أتحرك في غرفة المعيشة وأنا أتحسس الأشياء بيديّ. أخذت أجوب المكان فتارة أصطدم بأثاث المنزل، وتارة أتعثر به حتى سال الدم الدافئ بين أسناني فقمت بابتلاعه، مذاقه لم يكن بذلك السوء الذي كنت أعتقده ، وكنت في السابق أسارع إلى بصقه بقوة. له مرارة بسيطة كمرارة حبوب قهوة يمنية. دفئه له غواية يشبه ريق الحسناوات. رأسي أخذ يلوب لا يلفي على شيء. سقطت مكاني من التعب، تمددت على الأرض، أخذ وجيب قلبي يتباطئ حتى دخلت في نعاس لذيذ بعد أن كنت أعجز عن النوم، ويصبح السهاد العنيف رفيقي في السرير.

استيقظت على صداع حاد، والعصابة مازالت على عينيّ، تحسستها حتى كدت أن أرفعها، لكني تراجعت سريعاً. تذكرت أحداث الأمس ولا أدري هل دخلت في يوم جديد أم نمت بعمق لساعات معدودة؟ هل أنا الآن في ليلٍ أم نهار؟

نهضت ببطء، دلفت إلى غرفة النوم وأنا أتلمس الطريق حتى وقعت يدي على طاولة الزينة حيث كنت احتفظ بعلبة مسكن وضعتها من مدة غير طويلة حسب ما أتذكر. بحثت عنها فلم أجدها، قلّبت كل علبة وكل زجاجة، تحسست كل شيء فيها فلم أجدها، نفد صبري سريعا فرميت كل زجاجة عطر، وكل علبة أصباغ كانت على الطاولة، تكسر كل شيء فاختلطت الروائح في المكان. بعدها توجهت إلى المطبخ وقبل أن أصل تعثرت على السجادة وسقطت، فارتطم رأسي في الجدار فزاد طنينه. استيائي تصاعد مع فورة الدم في رأسي وكدت استسلم وأرفع العصابة، لكني شحذت همتي ونهضت مرة أخرى، تلمست الطريق حتى وصلت إلى الثلاجة، فتحتها وأخذت أبحث عن العلبة، ولكني فوجئت بمجموعة من الأدوية، وقفت برهة أفكر في شكل العلبة حتى تذكرت شكلها. تقلصت عندي دائرة الافتراضات، فتحت أول علبة سكبتها في راحة يدي، ثم أخذت قرصا ولكني وجدته صغير الحجم، أعدت الأقراص في العلبة ووضعتها جانبا، أخذت علبة أخرى قبضتها بيدي، ثم أخذت أستذكر كيف كان غطاء العلبة، أحسست بكبر حجم الغطاء وبتعرجات غير مألوفة فيها، فوضعتها جانباً، أخذت علبة أخرى شككت أن تكون هي، فأخذت قرصا أدرته بين إبهامي وسبابتي، تأكدت من حجم القرص ثم وضعته على لساني حتى أتأكد من طعمه، فلما استيقنت منه ابتلعته، ثم ذهبت واستلقيت على الأريكة.

بعد أن هدأت نوبة الألم جلست من رقدتي وناديت على زوجتي فلم تجبني، صرخت بأعلى صوتي ولكن دون جدوى، لا أدري هل مازالت في المنزل أم خرجت بعد أن رأت نزقي وجنوني؟ ذهبت أفتش عنها وأنا أصرخ، وفي طريقي ركلت الطاولة الخشبية بأصغر إصبع في قدمي، فكزيت على أسناني كي أحبس صرخة وجع تريد ملء الفضاء ولكن دون فائدة، أعدت أدراجي وكان صوت التلفاز يصدح في غرفة المعيشة فذهبت وأغلقته، عدت إلى الأريكة وجلست في هدوء، وبعد لحظة تأمل، تذكرت أن أول شيء أبدأ به يومي هو تصفح النت والمواقع الاجتماعية، والصحف، ورسائل الهاتف المحمول، اليوم لا أدري كيف سأبدأ يومي؟ لذا أردت أن أكتشف نفسي أن أراها من الداخل حتى يتساوى عندي الوقت، لا فرق بين الليل و النهار، أردت أن أفتح كوة في قلبي وفي جدار العمى الاختياري؛ لأرى العالم من جديد، وبطريقة أخرى غير تشاؤمية، أردت أن أعيد بناء المفاهيم والتصورات المرئية فأخذت أتحسس أجزاء من جسدي، قسمات وجهي، ملمس شعري، أخذت أشم راحة يدي وساعدي، أخذت أتذوق طعم جلدي، ألعق أي شيء يسقط في يدي، أعبث به حتى يخصب خيالي!

نسيت عماي ورحت أدور في الشقة وحواسي كلها متقدة، فهي دليلي الجديد، وحتى اكتشفت الأشياء من جديد. اكتشفت أن كل شيء له مفهوم مغاير عما كان في ذهني. فكل شيء له طعم ورائحة، وملمس. أعدت رسم كل شيء أكتشفه من خلال حواسي كلها، وليس فقط من نظرة خاطفة!

مضى حين من الدهر وأنا على هذه الحال، لا أدري هل كانت أياماً أم شهوراً. أصبحت أرى في الظلمة، لا أحتاج عصا أو دليلاً. تحطم الحصن الذي طوق مخيلتي. اكتشفت أن البصر يقين يصيب الإنسان بالعمى الأخلاقي والمعرفي، في حين أن العمى مُطهّر للحقائق، وأن العتمة ليست بذلك الرعب من التصور الذي كنت أعتقده في الصغر حين تطفأ الأنوار، فيتنامى القلق في داخلي، وكأني وصلت لنهاية الحياة. لذلك كانت تؤرقني النهايات، ولكني اكتشفت أن ليس كل نهاية مظلمة كاللحد. اكتشفت أن كثرة الرؤيا للأشياء تفقدها قيمتها، ويصيب الوعي والإدراك بالشلل، والضمير بالعمى الأخلاقي مثل رؤية الدماء والاشلاء المتناثرة التي تبثها قنوات الأخبار كل يوم!

وأنا أفكر في الاكتشافات المبهرة التي وصلت إليها، والحال البائس الذي كنت أعيشه في النور سمعت شقشقة العصافير تلوح بالقرب من النافذة، فتوجهت إليها كي أفتحها، وحين اقتربت منها وطأت على شيء مرن أثار استغرابي، نزلت أتحسسه، وإذا بدفعة قوية على صدري أعادتني للخلف، وأسقطتني أرضا! رفعت العصابة عن عيني وأنا في حال الدهشة، وإذا بها زوجتي كانت تجلس هناك بصمت! وأنا الذي كنت أظنها طوال هذه الفترة أنها هاجرت المنزل بلا عودة، ولكن يبدو أني تعاميت عن الوجود في حين تعامت هي عن وجودي، وصامت عن الكلام!

هذا النص بمناسبة صدور مجموعتي القصصية الأولى بعنوان ( الدعس على الثلج )

ناصر الحسن

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007