[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
محمد حافظ رجب بين التقليد والتجديد دراسة
التاريخ:  القراءات:(527) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  

محمد حافظ رجب بين التقليد والتجديد

السيد الهبيان

ضوء:

"محمد حافظ رجب" قاص مصرى..من أدباء الإسكندرية بدأ كتابة القصة القصيرة فى الخمسينات ..ثم قام بمحاتولات تجريبية للخروج من الإطار التقليدى..من منطلق التجديد والتطور ..ةتمخضت تلك المحاولات عن تقديم القصة القصيرة بشكل متفرد وضح فيه التجديد ..وبرز من خلاله فى مقدمة الكتاب الشباب حينذاك..الذين قاموا بمحاولات الخروج بالقصة القصيرة عن الشكل التقليدى..

بدأ كتابة القصة القصيرة فى مدينته الإسكندرية..وعرفه عدد كبير من الكتاب من خلال أعماله القصصيةى..قبل أن يغادر مكانه فى محطة الرمل الى القاهرة عملا بنصيحة البعض له.والتحق بوظيفة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب..ثم عاد ثم عاد إلى الإسكندرية بفعل الصعوبات التى واجهها خلال تواجده بالقاهرة..وتمتع بعلاقات مع كتاب جيله ومن سبقهم من الكتاب الكبار الذين كانوا يتصدرون الواجهة الأدبية.,

إشارة أولى:

قد تكون ثمة تساؤلات حول غياب "محمد حافظ رجب" عن ساحة القصة القصيرة ..وتوقفه عن العطاء بعد ماحققه من نجاح ملحوظ فى محاولاته التجريبية..هذا الغياب الذى نسج حوله ستار صمت كثيف..حجبه عن أية إجابة محددة منذ سنوات..فقد ارتأيت أن أوضح بداية أننى لست بصدد أن أجيب عليها بتقديم هذا التناول لقصصه..لكننى أرميه وسط ذلك الزخم الكثيف من محاولات التجريب فى القصة القصيرة.

موضوع التناول:

ثلاث مجموعات قصصية صدرت على التوالى..

1ــ الكرة ورأس الرجل.

2ــ غرباء.

ــ مخلوقات براد الشاى المغلى.

تقديم:

كانت بدايته عام 1950 باشتراكه مع مجموعة من الزمرء تكوين رابطة تجمع امكانيتهم فىامكانية واحدة باسم الرابطة الثقافية للادباء الناشئين جدمعت بين مجموعة من الشعراء والقصاصين لم يتمر منهم غير مصطفى الشندويلى وتنتشر القصص فى مجلتى القصة ومجلة على باب للزجالين

كانت قصته الاولى باسم الجلباب عن عامل فى مصنع وكتب معظم قصصه فى هذه الفترة عن الزنوج فى امريكا ابطالها من الزنوج المكافحين وكان اهتمامه بهم لانه كان ضد الجمعيات الاستعمارية مثل الكوك لةكس كلان وهى جماعة ارهابية تشنق الزنوج فجعله ذلك يحس باحساس زنجى ضد الرجل الابيض المستعمر ومن هذه القصص الانشوطة السوداء عن زنجى احبته امراة بيضاء فشنقته الجماعهات الارهابية البيضاء و الريح الملتهب عن عسكرى زنجى حاء زوجته المخاض وعندما ذهب لاحضار من يساعده حرقوا له كوحه وعندما قامت مظاهرات واحداث دموية داخل المغرب ضد فرنسا كتب رسالة لمجلة تصدر فى ذلك الحين اسمها امريكا هدفها توثيق الصلة بالعالم العربى فكتب لها رسالة للامريكان لماذا لايقومون بمساعدة حلفاء الفرنسيين الذين يقتلون الشعب فى المغرب العربى انهاها وداعل ياامريكا ايتها الحمقاء المطاعة لكن الرسالة لم تصل لوقوعها فى ايدى الشرطة الذين طلبوا منه الابتعاد عن السيالسة تاثره بالسينما كان هو الواضح فى ذلك الوقت خلافا لتاثر الكاتب عادة بمن كتبوا قبلبه كانت الامكانيات متاحة فى السينما والقراءة لكن السينما كان تاثيرها عميق على الامكانيات الموجودة تاثصر بالكاتب محمد عبد الحليم عبد الله بعد قراءة قصته بعد الغروب وكان عمره 19 سنة وكانت الحركة الادبية فى الاسكندرية فى تلك الفترة نشيطة جدا وفى غاية القوة وفى سنة 1956 اشترك فى تكوين رابطة جمعت معظم الموجودين فى القاهرةى ومنهم على شلش وفتحى سعيد ومحسن الخياط وكانت تختلف عن الرابطة الاولى الثقافية للادباء الشبان كانت محاولات الظهور فيها بامكانيات ضعيفة وبدات الرابطة الثانية بامكانيات قوية كان رئيس كتاب الطليعة وفى سنة 1956 كتب للطفى الخولى الذى كان يعمل فى جريدة المساء لمساعدته فى النقل الى القاهرة فنشر الرسالة فى الجريدة ثم كتب الى كمال الدين حسين عضو مجلس الثورة فى ذلك الوقت وكان رئيس المجلس الاعلى للفنون والاداب فسلم الرسالة للمرحوم يوسف السباعى الذى اهتم بها وعندما قابله فى الاسكندرية عرض عليه العمل فى المجلس الاعلى فوافق ونشر قصص عادية فى جريدتى المساء والقاهرة كانت مسائية ايضا بدات كتاباته بالاستناد الى تجاربه الشخصية فكان يسحب من رصيد ذكرياته لكتاباته الجديدة لكنها كانت عادية واقل من عادية وحاول انشاء رابطة بالقاهرة لكنه فشل لان كل كاتب كان ينتقل الى القاهرة يجد من الصعب احتلال المكان الكمناسب له

محاولات التجديد بدات نتيجة الحياة الغير عادية التى كان يحياها فى القاهرة عاش حياة تلك الفترة لم يعشها احد مثله بعد انتهاء فترة عمله بالمجلس الاعلى للفنون والاداب الثانية ظهرا يتجول فى القاهرة حتى الثانية صباحا فاستطاع ان يعرف خفايا القاهرة واسرارها الدقيقة وةيشاركه فى التجوال موظف من زملائه بالمجلس

بدايت التجديد قصة الفارس موظف ارشيف يوجه اليه الاتهام بالاهمال فى اجتماع مدير المصلحة بالموظفين فحضر فى الاجتماع التالى باسرته وقط البيت فيقوم القط بدور المخوف للمدير وكان الفكرة ان الاطمئنان فى البيت يواجهه سوء الادارة فى العمل وبعد ان نشر هذه القصة فى مجلة الاذاعة جرى تحقيق معه بسببها لكن الموضوع مر بسلام

اهتم به النقاد بظهور قصص مجموعة عيش وملح اشترك فيها مع اخرين والتى لفتت اليها الانظار رغم كتابتها كتابة تقليدية لكن مابدا فيها كان اجادة للكتابة العادية ووضح التجديد فى قصة البطل اتى بدا فيها التجديد وتقدم بها لمسابقة القصة القصيرة فلتت الانظار ووضعوها فى المركز الثالث رغم انها نالت اعلى درجات فى المسابقة وقد دعاه امين يوسف غراب الى مكتبه فى مجلس الفنون وقال عنها انها جيدة وعظيمة لكن لجنة التحكيم لم توافق على منحها الجائءزة الاولى لخروج البطل فيها على التقاليد والعرف السائد فى القصة القصيرة وكتب عنها يحى حقى انهاقصة جيدة اشاد بها رغم انها كانت قصة عادية والجديد فيها كان فى جراة المعالجة وكان واضحا انهم يريد بقاء القصة القصيرة فى مكان معين لاتتحرك عنه عن زوج خانته زوجته ونادوه بالبطل لانه ضبطها وهى تخونه فطردها من بيته فى نفس الوقت الذى كان يتمنى فيه ان تبقى لتعيش معه لانه يحبها وسيعانى بعد انفصاله عنها وكان من الاشياء المؤلمة جحدها فى التقدير

لكنه لم يفكر فى التوقف عن التجديد بسبب ما حدث لان التغيير قد حدث فى اعماقه ةتغيرت رؤيته للاشياء الى رؤية جديدة التغيير حدث اولا فى القاع ثم نضح على الافكار

كان ثمة اندهاش من الكتابة الجديدة التى خرجت عن التقاليبد ولم ينشر الا عمل من الاعمال الىتى احدث فيها تغييرا فى الشكل لبدئه كتابة مذكراته التى كانت رصيده الحقيقى فى القصص التى ظهرت بعدها ولم يحتفظ بمذكراته

يستطيع القارىء لقصص ان يحصل على صورة قريبة فقط من حياتى وعن حكاية جيل بلا اساتذة كانت بسبب تساؤل الناقد فؤاد دوارة عندما تناول مجموعة العيش والملح التى كانت بها جراة عادية وقالها حافظ رجب للاستاذ رشدى صالح فى ندوة تليفزيونية فاصابه الفزع لانه وجد ذلك خروج على كل شىء تقليدى وكتب فى جريدة الجمهورية ادباء يقولون نحن جيل بلا اساتذة والتى كانت تعبيرا من حافظ عن الحركة وعن ميدان النشاط الادبى والذين كانوا داخل السجن السياسى وماداموا موجودين فى السجن فمن الطبيعى ان نكون جيلا بلا اساتذة وكان ذلك سنة 1961ونشر محمد عبد الحليم قصة الكرة وراس الرجل فى مجلة القصة وكتب لها مقدمة وقدمه يحيى حقى فى مجلة المجلة والذى كان يؤيد التجديد ثم يسحب تاييده وكتب فى تقريره للجنة التفرغ عندما تقدم لها حافظ انه لم يعرف بالتجديد الذى كتبه وكان ذلك سببا فى عدم منحه التفرغ

وكان يلتقى بنجيب محفوظ فى قهوة ريش كل يوم جمعة فى سنة 1962 بعد ان كان نجيب يجلس فى كازينو بديعة كل جمعة ايضا

عاد الى الاسكندرية بعد ان افتقد فى القاهرة الامن والهدوء والطمانينة كانت حياة طائشة ومتوحشة كانت حياة سياسية بلا امل ولا روح ولم يكن السلوك الانسانى انسانيا بالمرة

تأثر بكتابات محمد عبد اتلحليم عبدالله وعمره 19 عاما

لو تتبعنا تجربة "محمد حافظ رجب" فى كتابة القصة القصيرة..فسنجد الببداية بلا جديد ..إضافة مكررة ..مثل أية إضافات أخرى كانت أو ستكون من الأصوات التى أخذت تبدو فى الخمسينات..وكان مقررا لهذه البداية أن تظل تدور فى فلك الإطار الجامد للقصة القصيرة ..المحدد بالتحرك وفق النسق المنطقى المتتابع فى صورة حدث أو أحداث مرسومة ..مع عدم الخروج على المألوف فى كتابتها..لذلك جاءت أعمال"محمد حافظ رجب"الأولى تكرار للقصة اللتقليدية ..التى كانت سائدة فى تلك الفترة ..فلم يكن ثمة اختلاف فى كتابتها بين بين الجدد من الشباب ..وبين من كانوا يتصدرون واجهة الحركة الأدبية فى مصر..فالشكل المتعارف عليه ..كصك ثابت غير قابل للتغيير ولا للخهروج عنه ..ولا جديد فى المضمون الذى لم يتعد التعرض للواقع المعاش ..مغلفا برؤية رومانسية مسرفة فى الخيال..الكل يدور وسط دائرة محدودة..لاتضيق ولا تتسعغ.. ..دون التفكير فى إبداء أية محاولة لإبداع جديد يكسر رتابة السرد...أو تغير من الشكل ..وتعرض لمضامين غير مطروقة.. لذلك بقى الجمود السائد كما هو بلا تغيير ..وبقيت النظرة المحدودة لفن كتابة القصة القصيرة ..بلا حيدة عما كانت عليه عند الرواد الذين التصقوا التصاقا تاما بالتقليديبة ..واتخذوا من الواقع الاجتماعى حقل مزروع بالأفكار التى يختارون منها مضامينهم..بنفس الإسراف فى الخيال بصورة مبالغة ..والتزاما بالهدف المنشود من وراء كتابة القصة القصيرة ..وهو الذى يحقق أكبر قدر من المتعة والتسلية للقارىء.

لفت انتباه "محمد حافظرجب" فى تلك الفترة ..ما كان يكتبه"عبد الرحمن الخميسى" و"عبد الرحمن الشرقاوى"..باسم الواقعية المصرية..وكتابات "مكسيم جوركى"و"تشيكوف"..وغيرهما من الكتاب الذين كانوا يكتبون أعمالهم على نهج الواقعية الاشتراكية..وكان من الطبيعى أن يبدأ تجربته فى الكتابة مقلدا لكتابا الآخرين..الذين سبقوه فى الظهور.. فتأثر بأكثر من كاتب ممن كان لهم الدور الرئيسى فى توجيهع الإبداعات الشابة لتسير وفق نهجهم فى الكتابة.. وذلك امتدادا لكتاباتهم ..التى كانت تنشر فىمختلف وسائل النشر.. ..التى كانت شبه محتكرة منهم إلى حد الانفراد بها..لكن تأثر أكثر بالكاتب الروسى "مكسيم جوركى" وظل يقرأ أعماله باهتمام.. مع استمراريته فى كتابة القصة التقليدية..حتر برز كأحد كتابها من الشباب ..وكان من الممكن أن يستمر ..إلا أنه أحس بالغربة وسط مجموعة من الكتاب الشباب ..الذين اهتموا باجتذاب الضوء نحوهم ..ووقفه عليهم ..متجاهلين وجود الشباب بينهم..ومن ثم بدأ التمرد على الوضع المفروض ..وشاركته فى ذلك مجموعة من الكتاب الشباب..بالتفكير فى إبداع ماهو جديد عن المألوف التقليدى الراكد فى استكانة غلى حد الملل ..فبقيت محاولات جديدة فى ممارسة كتابة القصة القصيرة ..كسرت من حدة السرد المتكرر فى رتابة ..وخرجت بها عن العرف السائد والثابت إلى حد الجمود.

تحققت تلك التجربة فى المجموعة القصصية "عيش وملح" التى اشترك فيها "محمد حافظ رجب"و"محمد عباس"و"عز الدين نجيب"و"محمد جاد الدسوقى "و"السيد خميس"..توقف بعضهم عن الاستمرار فى الكتابة ..وقد أحدثت هذه المجموعة عقب نمشرها ضجة شديدة حفلت بالمعارضة والتشجيع..وخلال مناقشة مفتوحة حول هذه المجموعة قال "محمد حافظ رجب" مقولته المشهورة "نحن جيل بلآ أساتذة"..الى أثارت الكثيرين ممن أرادوا البقاء للقصة التقليدية ..وجعلهم يتشددون فى معارضة اصحاب التجربة الجديدة ..ومحاولة وأدها وهى مازالت فى البداية..لكنهم عجزوا عن الوقوف فىوجه المد الذى أكد وجود مدرسة جديدة للقصة القصيرة..غيرت فى الشكل والمضمون والأسلوب.. لم يتراجع أصحابهاعن التجديد الذى بدأوه رغم ما ووجهوا به من رفض واتهامات تقلل من جهودهم فى خلق إبداع جديد..وكان من كتاب هذه المدرسة"ابراهيم أصلان"و"محمد مبروك"و محمد الصاوى"و "محمود عوض عبد العال" و "د. نعيم عطية" و"جميل عطية ابراهيم"و"عبد الحكيم قاسم"و"يحيى الطاهر عبد الله"و"محمد البساطى"و"أحمد هاشم الشريف".

كان "محمد حخافظ رجب فى مقدمة من تعرضوا لهجوم التقليديين..على أصحاب التجربة الجديدة.. ويمكن القول بأنهم كانوا يهاجمون مجموعة الكتاب الشباب من خلال مواجهتهم"محمد حافظ رجب"..ذلك رغم أن الرفض للتجربة كان منصبا على قصصه التى زاد الهجوم عليها بعد نشر قصته"الكرة ورأس الرجل"..التى وضح التجديد فيها بصورة اثارت الكثير من الجدال حولها.. بسبب خروجها الواضح على المألوف من السرد النمطى للأحداث..واللغة المنطقية.. فبدت بشكل غير واقعى:

"قال الرجل الذى بلا رأس..للشرطى الواقف خلف سور الملعب:

ـــ هل لك أن تساعدنى ياسيدى الشرطى لأسترد رأسى الذى يلعبون به داخل الملعب؟

ومد الشرطى يده له..ليتعلق بها قائلا:

ــ هيا بنا لنرى ما يمكننا عمله."

وقد قدم المرحوم"محمد عبد الحليم عبد الله" لهذه القصة مبديا إعجابه بكتابات "محمد حافظ رجب"..رغم أنه كان يكتب القصة الواقعية التقليدية."الذى أكتبه عنت "محمد حافظ رجب" ليس كتابة ناقد لأديب..لأن هذا فى رأيى عمل يحتاج إلى تدريب نفسانى لا أطيق احتماله.. ولكن الذى أكتبه عنه يندرج تحت أى عنوان ..ربما كان تأملا لعمل فنى أعجبنى ..فليس الحكم على جمال المآذن وأبراج الكنائس وقفا على بنائها من المهندسين..وإلا كان معنى هذا أنهم بنوها لأبناء مهنتهم..ولكن عندما ينتقل الإحساس بالجمال من الخلاق إلىالمتذوق..ببساطة وعذوبة ويأخذ صفة الدوام..كان معنى ذلك أن العمل جليل وجميل..هذا هو رأيى ومن أجل ذلك سأقول رأيى..ويبقى بعد ذلك تقيد معظم الأدباء الشبان بطريقة سرد رتيبة ..وإن كان هذا لايمنع من وجود محاولات للتجديد عند بعضهم..مثل "محمد حافظ رجب"..ويجب أن نحتفى بهذا التجديد ولانخاف منه".

وقال عنها الكاتب الكبير"يحيى حقى"."أن أعماله سبقت زمانها بأعوام كثيرة".و أشار "فؤاد دواره" إلى قصة من قصصه بأنها أعمق من قصة مشابهة للكتب الروسى "مكسيم جوركى".

لكن ذلك التشجيعالذى أبداه البعض ليستمر"محمد حافظ رجب"فى تجربته التى بدأها..لم يوقف عنه الهجوم الذى بدا بحماساة من المعارضين الرافضين لها..خشية انحسار التقليدية ..والتقليل من أهمية أصحابها..الذين لم يكن فى مقدورهم الكتابة بغيرها.فقد تراءى لهم أنه ليس من الطبيعى المساس بالتقليدية ..أو الخروج عنها.. ويتحتم أن تبقى بلا حيدة عن الصورة التى كانت عليها..ومن ذلك المنطلق أنكروا اعترافهم بالتجديد الذى بدأه الكتاب الشباب.ولم يدخر جهدا فى محاربة أعمالهم..ووضع العراقيل أمام نشرها.

أما "محمد حافظ رجب"..فقد جعل هدفا من أهدافه ..أن يتخطى حواجز النشر المقامة أمام كتاباته ..وطالب أن يعامل هذا اللون من الكتابة عند النشر ..كما يعامل اللون التقليدى الذى تعوده جمهور القراء..ولما كان هذا أمرا عسيرا ..فقد أثار الغبار حوله فى كل اتجاه ..ولهذا لم يقتصر إنتاجه على ماكتبه من قصص ومسرحيات ذات فصل واحدج ..بل تجاوزه إلى عدد من المقالات فى دفاعه عن حقه فى نشر ما يكتب.. وقد كتب تلك المقالات بنفس أسلوب قصصه ومسرحياته ..وكان من الطبيعى أن ينبرى له أكثر من مهاجم..وأن يقف معه أكثر من مدافع ..فتكونت بذلك حصيلة لابأس بها فى تاريخ هذه الاتجاهات التجريبية.

ومن محاولات "محمد حافط رجب" فى نشر قصصه ماكانت مع المرحوم "محمد فريد أبو حديد" بصفته حينذاك رئيس تحرير مجلة الثقافة ..وكان ذلك بعد صدور العدد الأول منها سنة 1962.

"لو لم تمنحنا جواز الإقامة ..فسنقف على البوابة ..لن نتحرك..لن نمشى..سننام فىمنتصف الطريق..معنى ذلك أن الكل متفقون..معنى ذلك أن الكل رفعوا شعار الطرد..أين نقيم؟..أين نلجأظ..الثقافة آخر ملجأ".

لكن تلك المحاولة لم تجد شيئا غير إثارة الهجوم حول كتابات"محمد حافظ رجب"..على صفحات المجلة من اثنين من المحررين بها..حاولا التقليل من أهمية تجربة التجديد..إلى حد عدميتها ..رغم اعترافهما بقدرة "محمد حافظ رجب"على الكتابة .

إننا لنعجب كيف يبدد قاص شاب كحافظ رجب..طاقتهع فى هذا الأسلوب..وهو قادر على أن يأخذ بيد قصته فيصيب النجاح"ز

أذكر أنك من زمن كتبت قصصا كما يكتب الناس ..فتحدث عنك الناس.. وكنت يومها تبشر بقصاص عظيم ..وكنت نقطة كانت على وشك الانتشار لتحديد شيئا برزا ..ولكنك عدت فأبيت أن إلا أن تسبق عصرنا الذى نجهله الآن.. وثق أنه لولا بذرة قديمة اصيلة موجودة فى داخلك منذ قصصك الأولى ..ماحاولت أن أرهق نفسلى من أجلك."

ذلك ما كان من أحد المحررين الذين تصديا للتجربة من منطلق الهجوم ..وتأكيدا لموقف رئيس التحجرير الذى تهرب من نشر القصص على صفحات المجلة..ليس لضعفها وعدم صلاحيتها للنشر..إنما تذرع بعدم فهمها

"لقد حاولت بكل إخلاص أن أدرك شيئا وراء هذا الكملام ..الذى يبدو أنه لايفيد معنى..ولقد صدمنى الكلام وشعرت بلصدمة بإخلاص..وفاء بوعدى للسيد الكاتب ..ولكنى وجدت آخر الأمر أننى عاجز عن تقدير هذه القصة ..فأنا أقر للسيد الكاتب بعجزى وقصورى عن إدراك مايخفى وراء ألفاظ هذه القصة..لعله فلسفة عليا..كما أنه من الممكن أن يختفى وراءها سر مخيف".

ويقصد بالسيد الكاتب "محمد حافظ رجب"..فقد كان يشير إليه رئيس التحرير بالسيد الكاتب فى كل كتاباته عنه.

ولا يفوتنا فى هذا إلى الإشارة لما قاله الكاتب الراحل"محمد عبد الحليم عبد الله"الذى كان أسير التقليدية الواقعية..وبين ماقاله الأستاذ/"محمد فريد أبو حديد" حيث أبدى الأول تشجيعه لللتجربة..ونال الثانى منها هو ومحررى المجلة.

لو ذكرنا كل ماكتب حول التجربة الجديدة ..التى خرجت بالقصة الجديدة عن الإطار التقليدى..لما نتهينا.. فما كتب حولها كثيرا جمع بين مختلف الآراء التى تحبذ التجديد وتشجعه..والتى ترفض أية محاولة فى الخروج عن المألوف فى القصة التقليدية..فكانت تعارض وتقف فى وجه تجربة الشباب الجدد مصرة على رفضها لها..لذلك الممكن الاكتفاء بهذه الإشارات التى تدل على ماقوبلت به هذه التجربة ..التى بدأها "محمد حافظ رجب" ومجموعة الكتاب الشباب من جيله..رفضت أن تكون إضافات مكررة لا تحقق أى تغيير.. تلك التجربة التى لم يتخل البعض عن التقليل من شأنها ..رغم الاعتراف بما أحدثته من تطوير فى كتابة القصة القصيرة المصرية.

"وهذا الأدب الجديد أدب ظهر فىالخمسينات والستينات من هذا القرن..وهو ابتداع جديد مناقض للأدب الواقعى فى شكله ومضمونه وبنائه..فليس فيه منطق ولا تسلسل زمنى ..ولا بناء قويم..بل تمزق وتفكك..ويستحيل علينا أن نأتى بغرائب ما يكتبه هؤلاء الشباب من أمثال"محمد حافظ رجب"..أو"مبرو:".أو "احمد الشيخ"..وغيرهم من الكتاب الذين يمكنهم إجادة الكتابة المفهومة..والذين يريدون الادعاء بأنهم يجددون ..وأنهم يتابعون الموجة الجديدة ..التى لم يفهما أغلبهم وفهمها بعضهم ومع فهمه تغال غلوا بعيدا عن اللاعقلانية.

ولنحاول بعد ذلك البدء بتناول قصصه عبر قراءة متأنية..لإلقاء الضوء على تجربة"محمد حافظ رجب"..فى كتابة القصة القصيرة كاملة ..منذ البداية.. ثم ماحدث بعدها من تجديد ترك أثره فى كتابة القصة القصيرة..وخرج بها عن الإطار التقليدى ..رغم معارضة المعارضين التقليديين ..وتشددهم من أجل التمسك بالتقليدية ..ورفضهم أى مساس بها ولو كان من قبيل المحاولة.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

غرباء:

عالم زاخر بالنماذج الإنسانية البسيطة ..تبرز سيماتهم الطيبة التىتصل لحد السذاجة أحيانا..لا شىء يشغلهم سوى همومهم الملتصقة بهم..ولا وقت لديهم بأن يشغلوا أنفسهم بشىء آخر..مكتفين بقدرهم فى الحياة دونما اعتراض عليه.. يعيشون واقعهم باستسلام طبيعى ..وراضون به عن قناعة صادقة ..دون أن يشكون ..ثمة تفكير منهم أو من أحدهم فى تغيير ذلك الواقع رغم مرارته..أو الابتعاد عن عالمهم المحدود..تعودوا أن يظلوا بلا تظلمات..وأن يجتروا معاناتهم فى صمت دونما احتجاج.

قدم "محمد حافظ رجب" ذلك العالم فى صورة شخوص انتقاها منه ..ليلقى الضوء من خلالها على الواقع الحياتى له..دون ان يكون ثمة غرابة لدى القارء إذا ما التقى بها فى قصة من القصص..فهى ليست بالغريبة أو البعيدة عنه.. لأنه التقى وقد يلتقى بمثلها أيضا فى حياته.قد لاتكون ثمة صورة شبيهة بها تماما ..لكنها تتفق فى الفعل.

الزوجة التى تخون زوجها ..مشاجرة بين الطفال ..الإنسان الباحث عن الحب بعد أن يفقده..الغنى والبخيل ..الغريب..الخلاف بين الأب والابن..الموظف المطحون فى عمله واتهامه بالإهمال..العاطل ..الأمل المستحخيل ..الصراع على المال بين القوى والضعيف

هذه الصور المتواجدة باستمرار بمشاهدة قد تختلف فى تنفيذها ..بالقطع ليست مجهولة لأحد.. بالقطع أيضا قد تكون تناولها بعض الكتاب فى قصص لهم ..لكن تناولها ليس كما تناولها "محمد حافظ رجب"..فى مجموعته "غرباء"..برؤية خاصة اهتم فيها بإبراز الإحساس الإنسانى وجعله يطغى على كل شىء.زوبشكل يختلف عن تلك الأشكال التى قد تكون قدمت بها.. من حيث المعالجة وإسقاط الرؤية على الحدث التى تعكس كل ماحوله..وتبديهخ فى صورة ارتباط وثيق به..مستخدما فى ذلك الكثير من التفاصيل بأسلوب سهل وسلس يبعد الملل عن القارىء بما أفاض الوصف له.. لأنه يجعله مشدودا إلى قراءة القصة متتبعا تطور الحدث فيها حتى يرى كيف ستكون النهاية..حتى لو تساعد على تحديد الحدث.

"كان كل شىء راقدا فى ذلك النهار ..فى حارة "مكى" بامبابة..الهواء قد استسلم فى إعياء فنامت نسماته..والشمس راحت تتنفس فى صعوبة أنفاسا حارة ..خائفة محبوسة..والكلاب استسلمت إلى رقاد متوتر ..أو فى عتبات البيوت ..وهى تلهث وعيونها تتناوم..والناس فى بيوتهم لا صوت لهم ولا حركة.

وأم مبروك بائعة الطعمية خفت الوش المنبعث من وابورها..وأخذت هى الأخرى إغفاءة..وعم سالم بائع الحلاوة العسلية .زاضطجع فوق المقعد الكبير..ونظر إلى السماء وكأنه يبحث عن نجوم الظهر..والذباب تجمع فى كسل فوق حلاروته..ودار يمتص عسلها فى تراخ وفتور.

وبعد لحظات تحرك كل شىء.زبدا كان الهواء آلمه استسلامه فحمل أنفاس الشمس الساخنة ودار بها حاملا معه غبار الحارة ..وصار يصفع به وجه البيوت..والكلاب فتحت عيونها وكأن اشباحا غير منظورة تحركت فجأة أمامها وقامت لتطاردها.. وأطلت امرأة من نافذة..وتبعتها أخرى..وتعلقت عيونها بالنافذة التى أمامها ..وانبعث وش الوابور النائم فجأة معلنا احتجاجه على نوم صاحبه..واكتفى عم سالم من النظر إلى النجوم المختفية..ومد منشفة وحركها فوق بقع الذباب السوداء أتخمها العسل فلم تأبه بحركته..وأفندى قصير قمىء بنظارة طبية يسسرع الخطى ويدخل البيتن الذى كانت المرأتنان ترقبان إحدى نوافذه.

وفجأة انبعثت صيحات حادة من بيت أم رضا..ملأت الفضاء الصغير امام البيت..وأخذت تكبر وتكبر حتى ملأت الحارة..وترك عم سالم الذباب يعبث بحلاوته وهرول إلى البيت ..ونهضت أم مبروك بكل ثقلها مرة واحدة فتعلق طرف جلبابا بطاسة الزيت فقلبتها ..وهمت لاعودة إليها إلا أن حدة الصياح جعلتها تندفع إلى هناك لاتلوى على شىء..وأطلت أكثر من امرأة من نوافذهن..ثم تركن نوافذهن ةهرولن إلى بيت أم رضا..وقامت الكلاب متحفزة وكأنها عثرت على الأشباح التى تطاردها..فأرسلت من ورائها عواءا مجنونا امتزج بأصوات الناس وصيحاتهم..وأحس الهواء بحريته..فراح يحمل كل التراب الذى يصادفه ويملأ بطن الحارة..ومضت دقائق تحول بعدها كل شىء إلى هدير..هدير مجنون".

يستحيل على القارىء التنبوء بما سيكون..بعد تلك البداية التى تجمع بين مجموعة من اللقطات يربطها ببعضها مكان واحد..يبديها الكاتب من خلال تجول سريع ..أوضح فى البداية الهدوء والخمول والاستكانة والركود والكسل..ثم عاد وعكس كل ذلك بتحريك الصورة الساكنة حركات طبيعية وتلقائية ..حتى تحول السكون إلى هدير صاخب..لفت إليه كل الأنظار..التى بدأت ترقب موكب كبير فى مقدمته سارت امرأة بقميص النوم الفاقع ..وتتابعه إلى حيث يمضى.

ذلك المشهد وحده يكفى لتخيل ما يحدث عادة فى مثل تلك المواقف التى ليست بالغريبة عن الإنسان ..وقد يلتقى به فآ أى وقت دونما تحديد للمكان.. لكن"محمد حافظ رجب" آثر أن يلقى بانعكاس ذلك الموقف على مكان حدوثه..ولم يلق للقارىء بما تعوده فى مثل مضمون قصته مباشرة ..وإذا ما تجاوزنا البداية بتفصيلاتها التى أوصلتنا إلى التصور الكامل للحدث..فسنجد معاناة البطل المكتومة فى داحله..بسبب اطتشافه لخيانة زوجته ..عندما عاد من عمله إلى بيته لإحضار دوسيه من الدوسيهات التى سهر ليلته فى مراجعتها..وإعدادها للتفتيش محاولا كسب ثقة رئيسه المباشر فى الأرشيف الذى يعمل به ..لكنه بدلا من عودته إلى العمل وجد نفسه يمشى فى موكب كبير غير عادى يضمه هو وزوجته الخائنة وعشيقها ..وولديه وعسكرى الشرطة يمضون إلى المركز..ثم يعرف فى الطريق ماكان يجهله عن زوجته..التى كانت تلتقى بعشاقها بعد أن يذهب هو إلى عمله..وأن الناس كانوا يظنون أنه لايدرى بشىء..لكنهم الآن عرفوا أنه بطل لضبطه الزوجة الخائنة فى حالة تلبس مع عشيقها..لكنه لا يأبه بذلك الوصف وانشغل بالتفكير الذى سيكون..لو لم ينس الدوسيه أمس لعاش مثل كل الناس سعيدا..إن الجدار الذى كان يحجب وراءه كل القاذورات قد تهدم..فرأى كل شىء..ونضحت من ورائه الرائحة العفنة..ثم مضى يتأمل الذين يبدون إعجابهم به.."من يعلم أنكم أنتم الآخرون يامن تشتركون فى جنازة قلبى.. ربما تعيشون فوق أكوام القاذورات ولكن رائحتها المدفونة تجعلكم تظنون ان ما حولكم نظيف..لذلك تتكلمونبشجاعة وحرية ..تلك هة الحقيقة التى قد تكون..لكن الكل لايرى غير مصائب الغير..لقد فقد وجود زوجته فى بيته بعد أن كانت جزءا منه..تؤدى ماهو مطلوب منها وتعتنى بطفليه..ذلك ما جعله يصيح داخل نفسه فى رجل هنأه على بطولته..هل تقدم إلى امرأتك لتدفىء دارى..وترعى أولادى كما كانت تفعل بدرية؟.. وبعد أن يعود مع ولديه بخطى مهمومه تسأله أبنته عن أمها فينفجر فى البكاء.ززقصة:"البطل".

لقد انصب اهتمام"محمد حافط رجب" على تجسيدالمعاناة الداخلية للبطل ..دونما اهتمام برسم الظوار التى تدعى البطولة فى تصرف..ليست وراءه غيرأحداث الخلل فى الاستقرار الذى كان..أيضا لم يظهر التسامح ويتخفى وراء ما قاله السيد المسيح عليه السلام"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"..بل مضى فى تقديم الإنسان بإحساسه الحقيقى تجاه ما حدث له دون اصطناع..وتذكرنا براعة "محمد حافظ رجب" وهى تصوير موكب الخطيئة فىقصة "البطل" ..بالموكب الذى صوره "جوركى" فى قصته المعروفة "فيفود"ولست واثقا أن الكاتب استةحى هذه القصة القصيرة أم لا..ولكن الذى لاأشك فيه ..ولا أتردد فى إعلانه ..أن محمد حافظ رجل" قدم لنا قصة أنضج من قصة "جوركى" ..وأغنى منها من ناحية الموقف الإنسانى.. الذى صوره..ومنناحية بناء القصة المتكامل.

الأطفال الذين يتشاجرون مع بعضهم أثناء اللعب ..ثم تدخل الأهل فى مشاجرة بسببهم ..ورغم حالة الشجار بين الكبار ..وقبل أن يتصالحوا..يعود الأطفال للعب مع بعضهم كما كانوا وكأن شيئا لم يحدث.

صورة تتكرر باستمرار فى الأحياء الشعبية وغيرها..لكن المشاجرة ليست هى فقط ما يقدمه"محمد حافظ رجب" فى قصته.. بل اهتمام بإلقاء الضوء على معاناة والدا الطفلتين وما يؤرق كل منهما فى عمله وهمومه اللتى يحملها..الأول عامل البلدية الذى فقد "البغل" الذى يجر العربة التى يعمل عليها.. فاتهمه الملاحظ بالتقصير فى العمل والقسوة على البغل المسكين ..فعاد إلى بيته ممنيا نفسه برقدة طويلة يزيل بها عناء النهار و"قرفه" ..لكنه وجد نفسه طرفا فى مشاجرة..والآخر عسكرى يؤرقه ما يواجه به الباعة الجائلين مرغما ومطاردة حتى لايتواجدوا أمام المحلات التى لشتكى أصحابها من منافستهم لهم..فعاد إلى البيت لينسى..ولكن النوم استعصى عليه حتى جذبته إلى الخارج صرخات ابنته "نوره".زفتبادل مع العامل لسعات الإهانة المشوبة بالسخرية ..وانتهت المشاجرة كالعادة لتصبح مادة لثرثرة النسوة فى ليلتهن..قصة/"خناقة".

الإنسان الذى فقد زوجته ..وفقد الحب معها..فأخذ يبحث عما فقده بين النساء الأخريات.. لكنه يفشل..أيضا ليس ذلك هو يكتفى "محمد حافظ رجب" بتقديمه .زبل صور حياة الغربة والضياع التى يعسيشها البطل والعاهرة ..وبين كيف يكون الحال عندما تلتقى التى تعطى بآلية بإنسان زاخر الإحساس..فهى ليست زوجته لتمكنه مما يريده منها.."لا..لا أحسبك زوجتى..أنت غريبة عنى فعل..غريبة عنى تماما"فزوجته يعرفها .. من بين عرات النساء.. يبحث مع ثانية عن الحب.."أنا لم أعد أحب..لم أعد أحب أبدا..لم يعد لى قلب..أفهمت؟..إذا كنت تبغى الحب فلن تجديه معى ..ماذا تريده منى الآن؟..لم لاننته من كل هذا العذاب؟".. يخشى تكرار إحساسه بالحرج ويتركها .. تبدأ هى إثاراته رغم غرابة تصرفه معها ..لكنه لا ينجذب معها.."شفتاها فوق شفتى..جلست القرفصاء..دفنت رأسى بين يدى..ماذا أفعل الآن..فى الخارج جياع ينتظرون بقايا لحم لم أتذوقه أنا بعد"..ذلك الفشل المتكرر يجعله يجتر فى داخله ما يعانيه..بينما يخشى أن ينفضح المستور الذى يريد أن يظل مجهولا للغير..لكنت الإحباط ليس أبدا وليد ضعف أو عجز..بل نتيجة فقدانه للزوجة التى استمالها غيره فحرمه منها.."أخذ منى خمس أصبع ..أخذ نصف رأسى وجزءا من مخى..وعد شعيرات رأسى..قسمها بينى وبينه مناصفة وانصرف"..قد تبدو الكلمات التى استخدمها فى وصف ماضاع منه غير مقبولة..لكنها توحى إلى معناها ..ولو بحثنا عن مدلولها لاكتشفنا ببساطة كلا الأنصاف المأخوذة تعنى ماتمثله الزوجة بالنسبة للبطل..ويبدو أن استخدام الجمل غير المألوفة فى الكتابة ..هو إافة لمحاولات التجديد التى بدأت بتغيير الشكل والمضمون.. قدمها الكاتب فى هذه القصة من منطلق التجريب..قصة:" جداران ونصف".

الفتى البخيل الذى يضن بماله على نفسه ..فرغم تقدمه فى السن..ووصوله إلى مرحلة الشيخوخة..يبدو دتائما بملابس رثة..فمعطفه البالى الأصفر ..وكوفيته الحمراء..وطاقيته السوداء التى تغطرى رأسه حتى أذنيه وشعيراته ذقنه الصغيرة الحائرة فى وجهه الرفيع الضامر.. وعيناه الغائرتان داخل وجهه فى بشاعة ..وحذاؤه الكبير الواسع الذى يبتلع قدميه الصغيرتين فى شراهة ..بعد أن يحشوه ببعض الخرق البالية لئلا يهرب منه فى الكريق..هذه الصورة الكريهة مع السنين السبعين التى يحملها فوق ظهره الذى انحنى قليلا..فلا شذوذإذن ى إصراره على أن يبدو دائما فى صورة المحتاج الذى يستدر عطف القادرين..ذلك العجوز يكسب الكثير من امتهانه السمسرة فى عقد الصفقات ..ورغم تقتيره على نفسه يحقق المزيد من المالل..فخلال عودته من العاصمة التى قصدها ليعرض نفسه على طبيب .زكاد أن يعطيه إحسانا بسبب مظهره البسيط.زنزل من القطار فى إحدى المحطات ..كان من عادته أن يغادر القطار دائما فى كل محطة قادمة ..بعد أن يخرج منتصرا من الصراع المرير حول كوب شاى ..ليكافىء نفسه بالشرب من الحنفية الخاصة بالقطار ..لكنه التقى بأربعة من عتاة السمسرة يظنونه قادما ليفسد عليهم صفقة كانوا فى انتظار عملائها..فتلك كانت عادته ..ولسوء حظهم أدرك العجوز لأول وهلة السبب الذى حدا بهم إلى الجلوس فى هذا المكان النائى العيد.. فساومهم على أن يتركها لهم مقابل أن يدفعوا له خمسة آلاف جنيه..فيدفعوا له قبل أن يتركهم ويواصل رحلة عودته .. مما تأكد معه قول "جوجول".ز"أن المديلا لايحتاج إلى اللجوء إلى طرق غير مشروعة"..الذى ذكره الكاتب فى صدر القصة..قصة"المليونير"

الإنسان الغريب الذى يجد السلوى فى وجود أبناء بلده معه .. يجعلهم يشاركونه حجرته الاتى يعيش فيها ..منذ أن غادجر بلده مهاجرا إلى العاصمة وعمل فيها.. لقد تعود أن ينسى ضياعه فى العاصمة مع أى مهاجر مثله ويحاول أن يستبقيه معه.. لكن المهاجر سرعان ما يحن إلى بلده ويتركه يعانى الوحدة والشياع.. حتى انتابه اليأس من بقاء أحدهم رغم الوعود الاتى يعدونه بها.. ولا يتخلص من معاناة الوحدة فى غربته تلكم..إلا بعد قدوم مهاجر جديد يسأل عنه..قصة:"غرباء".

الابن الذى يشعر بالضياع بعد أن يطرده أبوه ..رغم أنه زوج وأب..بسبب أنه رفع مديته فى وجهه.. ومدية البطل فى القصة"الابن" ليست مجرد ألة يستخدمها فى فرض سيطرته والاعتداء على الغير ..لكنها ترمز إلى القوة التى يرتكن إليها فى ضياعه..ويستطيع بها طرد الساكنالذى حل مكانه فى الشقة التى طردها منه أبوه.. ذلك الساكن الذى جعل من الشقة مكانا لممارسية المتعة المحرمة.. ووجد الاب أن ابنه أحق بها فيدعوه للعودة إليها بعد إخلائها من الساكن..لكن الاين لم يتحرر من الإحباط الذى منى به من تصرفات أبيه ..التى تركزت على إنفاق المال..بدلا من الانسياق فى صراع فكرى تكون نتيجته خسارة أكبر.ذلك رغم معارضة الابن الذى يرى أن مديته سوف تتكفل بتنفيذ مايريده الأب زز"قال أبى بملامح مرتاحة هادئة:

ـــ تأتى المصائب فى النقود أحسن ما تأتى فينا..لعل أحدنا كان سيجرى له شىء ..وربنا لطف

وأنا؟؟إنك لم تمنحنى شيئا ..سلبت منى كل شىء..فرحتى أمتها.. ماذا أخذت انا منك؟.."

ويظل الابن الذى لستطاع إخراج الساكن يعانى من الإحباط الذى سببه له أبوه..قصة:"المدية"

الموظزف البسيط القابع فى أرشيف المصلحة التى يعملبها يجد فى عمله باهتما ..لكنه يواجه بأن السبب فى تعطيل أعمال المصلحة .زالكل يوجه إليه الاتهامحتى المدير:

"كنت اعلم أنك السبب فى تعطيل المصلحة وفى تأخير مكاتبات..وفى تعطيل كل أعمالنا.. عشرات الشكاوى جاءتنى ضدك..ولكننى أرجأتها إلى هذا الاجتماع..فضلت أن أكلمك أمام كل هؤلاء ,اصابع الاتهامتشير إليك..إننى أمهلك أسبوعا واحدا لتتفادى كل هذه الأخطاء".

لكن يذهب إلى الاجتماع التالى ومعه زوجته وابنه المشلول وابنته وقط البيت..لم يخفف عنه إبداء التعاطف من الذين هاجموه أمام المدير بعد خروجه من الاجتما‘..وقررمواجهة الجميع كاشفا مرتكبى الإهمكال المنسوب إليه.. بدأ بمخاطبة المدير مشيبرا إلى انشغاله عن أعمالالمصلحة بسهراته الخاصة ..دون أن يأبه بمحاولة بعض الموظفين الاعتراض على مات يقوله..وكلما كالن المدير يحاول إيقافه..يتحفز القط فى وجهه..بما يجعله يلوذ بالصمت.. وبعد الاجتماع يعود الموضف وأفراد اسرته وقطهم إلى البيت..وهو يشعر بالانتصار.ويزهو بما قام به القط..فقد أثبت أن الاستقرار فى البيت والهناء العائلى..لايحد من الاستمتاع به عدم الاستقرار فى العمل ..ونسب الأهمال إليه.. رغم جديته فى العمل وتحميله أخطاء غيره..قصة:" الفارس".

العامل الذى يفقد عمله لسبب غير مقصود منه.. فتتركه زوجته وتذهب إلى بيت أبيها الذى يتوافر فيه الطعام.زفيخشى عليها من الانحراف ويطلب إعادتها.زفقال له الرجل العجوز:ــ

"ــ لما تلاقى العمل يابنى مراتك تحت أمرك."

وكأى عاطل يترك قدماه تقودانه بلا هدف .زفيصل المحطة ويكلفه أحد القادمين بحمل حقيبة ..فيفعل دونما انتظار لأجر لعدم قيامه بمثل هذا العمل من قبل..لكن الرجل يعطيه أجره.. يتناوله فى دهشة ويمضى..حيث يلتقى بمجموعة من الرجال يمارسون لعبة قمار .زيقف عن بعد ويراقب اللعب..فيطلب منه أحدهم أن يشترك فى اللعب أو يذهب.. بعد تفكير يبدأ فى المقامرة بالقطعة الفضية التى أعطاها له الرجل جزاء حمل الحقيبة..لكنه يتنبه إلى وجود غش فى اللعب ..الأمر الذى يتسبب فى حدوث مشاجرة ..تدخل فيها وكاد يتغلب على رجلينت من المجموعة..فيوقفها الرجل الذى كان يريد اللعب..ويعرض عليه العمل معهم ..فيقبل حتى يستطيع إعادة زوجته إلى بيته مادام قد وجد عملا..قصة:" "شغلانة".

الخادمة التى تنتظر قدوم سيدتها لتناول طعام الغداء معها ..بعد أن وعدتها بذلك..لقد قامت بإعداد كل ما تستطيعه من طعام..لم تفكر فى صنعه لنفسها.. لكن الوقت يمضى دون أن تحضر سيدتها ..بينما يقوم طفل باختلاس ما يمكنه من الطعام ..وبعد أن تفقد الأمل فى تحقيق زيارة سيدتها ..تأكل الطعام هى وأسرتها وهى تأسف على عدم مجيئها.. إن الأمر هنا ليس فى عدم مجىء السيدة .زفذلك شىء قد يكون من الطبيعى حدوثه..لكنه تصوير للأمل الذى لايمكن أن يتحقق.زقصة:" مستحيل"

اقتال إلى حد الإشراف على الموت.. بين عملاق وقزم جمعهما عمل كمشترك..بعد أن التقطهما رجل من الطريق لأدائه..فيتصارعان على الأجرة التى يحاول العملاق أن يستأثر بها وحده..فيتشبث به القزم ويرفض أن يترك له ما سيشترى به قوت أولاده.. قوة الصراع غير متكافئة ..ويكاد يتغلب فيها العملاق على القزم.. لكن القزم الذى أنقذ العملاق من موت محقق أثناء العمل..بدفعه بعيدا عن مكان سقوط صندوق ضخم.. بدفعه عنه ويذكره بما فعله معه.. فيتوقف العملاق عن محاولة القضاء على القزم..وتراخت أعصاب يديه على عنقه شيئا فشيئا.وكأن مخدرا جرى فى شرايينهما.زثم سقطتا جانبا كجثة هامدة..وأعطى الأجرة للقزم كى يطمئن على أنه سينال نصيبه منها..قصة:" الجنيه".

ذلك هو عالم شخوص مجموعته "غرباء"..نسجه من منطلق إنسانى ..وألقى الضوء من خلاله على البسطاء العاديين.. متوخيا الصدق فى عرضه لمشاكلهم وهمومهم.. واضعا قيد نظره معاناتهم فى واقعهم الحياتى ..فاستطاع أن يبدى بوضوح ماهية حياتهم .زبكل ما فيها من متناقضات وعوية..دون اللجوء إلى وضعهم داخل إطار مرسيوم ..وقجد ساعده على تقديمهم بتلك الصورة ..تواجده بينهم ومعايشته لهم باحتكاك مباشر..الأمر الذى أطلعه على خصائصهم وعاداتهم.. وقد بدا ذلك من خلال اهتمامه بذكر التفصيلات التى تقرب من الصورة كما هى فى الحقيقة..مما يجعل القارىء وكأـنه يعيش الأحداث فى اماكنها ..ويتابعها كما تجرى دونما حاجة إلى تخيل ما يتبادر إلى ذهنه.

وقد يبدو أن قصص المجموعة قريبة من الشخوص التقليدية ..إلا أنها تختلف عنها بمضامينها التى اختيرت بعناية..وتقديمها بشكل جيد.زومعالجة تختلف عن تلك المعالجات المرسومة.. ونجاح الكاتب فى ذلك لا خلاف عليه ..مما يمكن القول معه ..أنه استطاع تحقيق هوية خاصة به فى كتابة القصة القصيرة ..لم يلتزم فيها بالتقليدية التى كانت سائدة وقت بدء محاولاته فى الكتابة ..والشىء الواضح فى مجموعة "غرباء".. هو ارتباط شخوص القصص بواقعهم البسيط....وعدم التفكير فى الانفصال عنه..أيضا بشمولهم بإحساس الغربة ..وتعرضهم للضياع دون إحساس الغير بهم

وشخصيات "محمد حافظ رجب" رغم قسوتها وصراعها إلا أنها شخصيات حزينة مهمومة ..تؤرقها دائما قسوة الظروف وضعف الموةاجهة ..وتسقط همومها الذاتية وقسوتها النابعة من الداخل.

الكرة ورأس الرجل:

تمثل هذه المجموعة بالنسبة للقاص "محمد حافظ رجب..مرحلة ما بعد انبداية ..التى عمد فيها الكرة ورأس الرجل:

تمثل هذه المجموعة بالنسبة للقاص "محمد حافظ رجب..مرحلة ما بعد انبداية ..التى عمد فيها إلى التجديدبصورة جادة..الأمر الذى غير من نمط القصة التقليدية شكلا ومضمونا ..والآتى فى القصة القصيسرة روح الحياة والحركة بعد أن كانت تستكين فى رتابة إطار محدود ..لم يكن ثمة تفكير فى تجاوزه .. حتى بات هو الأصل الثابت غير القابل للحياد عنه ..ولا اختلاف لإى أنه استطاع كسر قيد الرتابة الممجوجة وتحطيمه تحطيما تاما..فأبدى القصة القصيرة كلوحة زاخرة بالحياة والحركة..تجذب القارةىء إلى التفكير فيما يريد الكاتب أن يقدمه له من خلال القصة..والذى قد لايصل إليه بسهولة..وتعذر فهم القارىء للقصة بقصد من الكاتب الذى يريد أن يعانى القارىء فى القراءة مثلما يعانى هو فى الكتابة ..خرج به عن مجال التسلية السائد فى مطالعة القصص التى يقرأها بهدف إضاعة الوقت ..وقد كان من المقرر صدور هذه المجموعة قبل مجموعة "غرباء".. لما تمثله بالنسبة للكاتب كمرحلة من مراحل التجديد ..وبعدها التام عن الإطار التقليدى ..إلا أن المسئولين عن النشر قدموها فى الصدور على مجموعة "غرباء" ربما لأنها ارتبطت بالضجة التى أثيرت حولها.

إن ما يبدو فى هذه المجموعة هو الخروج عن المألوف السائد فى كتابة القصة القصيرة التقايدية ..واختيار الكاتب لأسلوب غير منطقى فى الحياة ليحقق جذب اهتما القارىء ..وتأمل ما يقدمه له للوهلة الأولى التى يلتقى فيها معه..ثم يلقى به وسط دوامة من التفكير ليحاول الوصول إلى ما أراد الكاتب أن يقدمه له..منخلال المضمون الذى غلفه بشكل غريب عن الشكل الذى تعوده..

"قال الرجل الذى بلا رأس للشرطى الواقف خلف سور الملعب:

ــ هل لك أن تساعدنى ياسيدى الشرطى لأسترد رأسى الذى يلعبون به داخل الملعب.؟

ومد اتلشرطى يده ليتعلق بها قائلا:

ــ هيا بنا لنرى ما يمكننا عمله ."

لااختلاف فى أن القارىء سيظن على الفور أنه بصدد قراءة قصة لامعقولة ..ذلك لعدم تعوده على مثل هذا الأسلوب غير المنطقى فى الكتابة ..لكنه لايلبث أن يجد التحول فى الأسلوب ليسير سيره المنطقى..

"المجلة التى أكتب فيها لم تعد موجودة.زتركها الناس الذين كانوا السبب فى وجودها .. ساروا فى صفوف طويلة نحو الكوبرى يعبرونه ليعثروا على الملعب ..هناك يشترون بثمن المجلة تذاكر مباراة كرة القدم"..وتتلاشى الصعوبة تدريجيا ليجد نفسه قد بدأ يفهم القصة ..االتى شرع فى قراءتها ويحدد مضمونها..بأنها تدور حول كاتب فى مجلة يعانى من انصراف القراء عن شرائها ليوفروا ثمنها لشراء تذاكر مباراة من مباريات كرة القدم ..وقد أدى اهتمامهم بمشاهدة المباريات إلى كساد المجلة وعدم بيعها حتى توقفت عن الصدور وبيعت مطبعتها..لكن رئيس التحرير يبدى للكاتب عدم يأسه ومحاولتع فى إعادة إصدار المجلة ..ولا يكون من الصعب بعد ذلك تحديد الصراع الدائر فى القصة بين إعادة الاهتمام بالمجلة..وبين الاهتمام بكرة القدم ومشاهدة مبارياتها ..ومحور الصراع هو الجمهور ..القارىء والمتحمس للعب الكرة وحده..إلا أن القارىء يعترضه الأسلوب غير المنطقى لمرات أخرى خلال قراءة القصة..لكنه سيجد نفسه فى حاجة إلى إعادة قراءتهامرة أخرى..يحاول من خلالها فهم ما صعب عليه بسبب الغموض الذى واجهه فى المرة الأولى..حينئذ سيبدو له أن المضمون الذى تناوله الكاتب هو اهتمام الناس بالكرؤة أكثر من الثقافة..فالكاتب عرض رأسه على فريق من الفريقين يلعب بها بدلا من الكرة..لكنه رفض..فعرضه على الفريق الآخر الذى أخذه.

"رأسى مع الفريق الذى اختاره ..الفريق فز حتى الآن بأربعة أهداف ..اصطدم رأسى بشباك الفريق الذى رفض اللعب به..فانتزعه حارس المرمى من الشبالك بغيظ.. انتزع بإصبعه شعيرات من رأسى تشاقطت..فصررت على اسنانى من اللم..ولكن أحد اللاعبين صوب رمية عنيفة اصابت مخى..فتناثرت محتوياته ..ورأيت أوراق الكتب الكثيرة التى قرأتها تتطاير فى الهواء".

من ثم سيكتشف فى النهاية أن الجمل غير المنطقية ..قصد بها الدلالة على شىء ما.. وأنها بعيدة عن التهويمات التى قد توصف بها.. ومن الممكن أن تكون هذه القصة فوضى منظمة ..أو نظاما مهرجلا فى هرجلته تلقائية عذراء جميلة.. وقد يصعب علينا أن نصف شيئا غير مفهوم تماما..بعبارات مفهومة تماما.

وعلى ضوء ذلك يتراءى للقارىء ما عمد الكاتب إلى مواجهته به ..كى يدفعه إلى التفكير بمعاناة ليست سهلة..حوزل مضمون القصة..ويحقق بذلك مقصده ..قصة:"الكرة ورأس الرجل".

"فى الصباح الباكر دخل الرجل الصغير المنفعل علاى الموظف الكبير ..فى مؤسسة النقل العام..حاملا لفافة وقال:

ــ سيدى لقد ذبحت الثور الذى اعترضنى أمس فى التروللى.. أرجو أن تعيدوا لى الجزئين المكسورين فى رأسى..وتبحثوا عن عربات جديدة نخفف الزحام..وضع اللفافة أمام الموظف الكبير الذى يبتسم فى حفاوة وأدب جم....ومد الموظف يده وفتح اللفافة على مهل..وما كاد ينتهى حتى قفز من فوق مقعده صارخا وهرول إلى الخارج ينادى السعاة".

يجد القارىء نفسه أمام بداية غامضة إزاء موقف الموظف الذى يتقبل اللفافة بهدوء..ثم يقفز صارخا طالبا السعاة..ذلك بلإضافة إلى الجمل غير المنطقية ..لكنه إذا استمر فى القراءة سيبدو له أن الكاتب شبه الإنسان بالحيوان ..فقد قدم رأس الإنسان ..كرأس ثور..ثمك يبدو له أيضا الإيحاء التاريخى الذى اشار إليه الكاتب على لسان البطل ..الذى سأله الطبيب النفصانى عن جده:

" ــ هولاكو ياسيدى..جدى هولاكو.

قال الببرفسير وهو يعدل من وضع النظارة على أنفه:

ــ السؤال الأخير يا ابنى..لاتقلق..فى أى عصر أنت ..أتسمعنى؟.

ــ أسمعك جيدا ياسيدى البروفسير..فى عصر الثيران الهائجة".

إشارات وإيحاءات تاريخية ..وضع الإنسان فى صورة حيوان..أشياء استخدمها الكاتب قبل أن يكشف عن الحدث الرئيسى فى القصة..القائم عليه مضمونها..وهى واقعة الخيانة الزوجية.. وإذ كانت العادة أن يوصف الزوج الذى يجهل خيانة زوجته بذى القرنين.. فلا صعوبة فى معرفة رأس الثور فى القصة..والإيحاء التاريخى يعنى بالقطع أن الخيانة الزوجية قديمة قدم التاريخ.. وما حدث للبطل"ع" وتصرفه ..لا يختلف كثيرا عما يكون من الزوج المخدوع ..إزاء اكتشافه لواقعة الخيانة ..ورؤية شريك زوجته فيها..والرابطبين حادثى السرقة والخيانة ..بمثابة تشابهخ فى ارتكاب الفعل..قصة:"الثور الذى ذبح الرجل"

"محطة الرمل فى رأسى..رأسى واسع ..لكن محطة الرمل لاتملؤه..هاوية عميقة محفورة حديثا..وعربات لها عجلات تحمل التراب..ومعاول تحمل رجالا يشقون بطن المحطة.. مددت يدى ..وحككت جلدة رأسى فوقعت عربة..وسقط عامل يحمل قفة تراب فوق كتفيه".

صراع الإنسان من أجل البقاء..فى مكان يرتبط بوجوده..وملاحقة الشرطة له ..لكن صراعه ينتهى به إلى اليأس من عودته إلى ماكان عليه..إذ انتهى به الأمر إلى قسم الشرطة.."قادونى إلى مقر الحاكم..ألقوا بى فى البوكس..أنا مكسور القلب الآن "..صور الكاتب تلك المأساة من خلال استرجاع البطل لما حدث فى زمن مضى.. وفى مكان صار فى غربة عنه.. فترك كل الأحداث تدور داخل رأسه ..وتتساقط تباعا ..حتى توقفت عندما ذهبوا به إلى مقر الحاكم..قصة:" حديث بائع مكسور القلب".

"فى محطة الرمل..فى الأركان..فوق الأرصفة..فى ساحة النافورة ..عبيد يجلسون..وجنود رومانيون يسيرون..فى ايدى الجنود سياط..فى عيون العبيد خوف ".

استرجاع آخر لأحداث بدت على لسان البطلالراوى.. لكنه تصوير القهر ..الذى ربط بينه ..وبين ماكان فى عصر الرومان.زبوصف الباعة المطاردين .زبسبب حصولهم على الرخص لممارسة مهنهم بالعبيد..مع إلقاء الضوء على ما يلاقونه من تعنت ومشقة فى استخراج الرخص المطلوبة..قصة:"وزجف البحر".

الكاتب "ميم" الذى يهرب إلى العاصمة ..من قيد الأسرة المفروض عليه..حيث تتاح له فرصة النشر فى الصحف ..لكن الصحفى "سين" يشترط عليه شروطا ..والصحفى "عين" يسرق منه قصته ..ثم يأمر بطرده حتى لايبدو مافعله معه.. فيلتقى بالروائى"نون" الذى ينصت له وهو يقرأ قصته المستحدثة.زثم يبدى اعتذاره عن تحديد رأيه فيما قرأه أمامه ..فيتوه فى زحام العاصمة..

إضافة إلى الأسلوب الغير منطقى يبدو الرمز الصريح إلى اسماء معروفة ومشهورة ..وخشية الانزلاق إلى توضيح المضمون ..إلى حد الإشارة إلى ما يعرض له صراحة..يتراءى الاكتفاء.. بأن ما عرضه الكاتب ..ليس سوى صورة ..لما يتعرض له الكاتب ..الذى يعيش خارج العاصمة عندما يترك بلده..ويحاول البحث فى العاصمة عن فرصة لتقديم إبداعه الجديد..فلا يجد العون الذى يحتاج إليه..قصة:"جولة ميم المملة".

"بالأمس.

فى الليل.

بعد منتصف الليلبقليل..كان خليل موجودا".

بلغة شاعرية يعرض الكاتب مأساة جندى المطافىء ..الذى مات بعيدا عن مكان عمله.. أبدى بها رؤية شمولية دقيقة..لتلك اللحظات التى نسج منها القصة ..بتجسيد لمواقفها الحياتية يطرح بعدا أعمق للعلاقات الإنساني’..ومدى إحساس الغربة الذى يخيم عليها بكثافة شديدة..

"هو غريب ..والليل هو الآخر غريب..ابن غير شرعى للزمن..وابن غير شرعى لهذه المدينة".

لقد جاء من القرية ليقضى وردية ليلية فى حراسة منطقة من المدينة..لكنه يشك فى وجوده..فينكر اعترافه بوجود ورديته.. ويهرب إلى احضان زوجته.. يلاحقه شعور الغربة وهو منها ..فيقرر العودة إلى مكان ورديته.. فتصدمه عربة قبل ان يصل..ويفر صاحبها..وكما عاش غريبا..مات غريبا.. فقد أنكرته زوجته وأهلها عندما أرسل إليها يخبرها بما حدث له.

"تطلع خليل فى عينى العسكرى برعب:

ــ رفضت الحضور؟.

هز الهسكرى رأسه ..وبصق ذرة لحم باقية من لأذن الرجل الضامر على الأرض:

ــ الآن أغلق عينى.أموت غريبا كما كنت فى الشارع.

ولاحقته الغربة حتى فى تشييع جنازته ..قصة:"مارش الحزن".

الزوج الذى يتطرق إليه الشك فى سلوك زوجته..فيخشى عليها الغواية ..لما لاحظه من استعداد لديها فى التردى فى الخطيئة.. يلجأ إلى ضربها وطردها..لكنه يشعر بالوحدة بعد مغادرتها البيت.. ويسر عندما تعود..قصة:"الأمطار تلهو".

الانحراف داخل الأسرة الفقير تحت ضغط الحاجة.. والتمسك بالرجل الذى يستطيع ضمان ضرورات الحياة..حتى تأمن عدم العودة إلى حياة الضياع..قصة:" الطيور الصغيرة".

الابن الهارب من قسوة أبيه.. وعجزه عن الانتقام منه.. وزوجة الأب التى عن قتل الأب ..بينما تريد فى داخلها القضاء عليه..قصة:"الأب حانوت".

الإشارات السريعة بايجاز إلى مضامين القصص الأخيرة ..القصد منها عدم تكرار فيما قيل عن ما قبلها..إذ أنها تتفق معها إلى حد ما ..فى كيفية التناول ..وتشابها فى الشكل الذى قدمت به مع غيرها ..لكن تجديد الإشارة إلى محاولات التجديد التى تبدو فى بعض قصص المجموعة..بصورة مختلفة ..وضح فيها استخدام الأسلوب الغير المنطقى..والإيحاءا التاريخى والمسخ والرمز الصريح..

مخلوقات براد الشاى المغلى

يمكن القول بأن هذه المجموعة تتشابه إلى حد ما فيما تضمنته مجموعة "الكرة ورأس الرجل".. لكنها تعد امتدادا لمحاولات التجديد التى قام بها"محمد حافظ رجب"..وتوصل من خلالها إلى الشكل المتفرد به..

الإنسان الضائع الذى يحيا وسط عالم تسوده القوة.. والقهر المفروض ..فيحاول أن يصطنع قوة موهومة ..لكن نظرة الناس إليه كحشرة تظل كما هى.. ويبقى هو فى ضياعه.. يعلن عن قوته المزعومة ..ويسير خلف الأطفال يتابعونه بصياحهم..ساخرين منه..قصة:" برهوته والحمار المهموم".

رتابةى العمل المملة ..يعيشها الموظف الغريب فى العاصمة ..وهو يعانى قصوة مصيره الذى ألقى به وسط جمع من الموظفين أهملوه بينهم..لكنه رغمن الحنين إلى العودة من حيث أتى..يجد نفسه مشدودا إلى عمله ..ومرغما على مجاراة من يعملون معه فيما يبدون به.. قصة:" رجل معاق فى دوسيبه"

الزوج الذى يشعر بغربة زوجته عنه ..ثم يتأكد من خيانتها له..يعتدى عليها فتهرب منه.. لكنه يسعة لإعادتها إليه ..ويفرح عندما يجدها قد بددت وحشته.زقصة:"ذراع النشوة المقطوعة".

الانتظار لشىء ما..وسط الأشياء والمخلوقات .زالتى يستمد منها الغريب ..وجوده بمضى الزمن الممل.. عبره يتوال شريط الأيام الكئيب’.. يبدى كل مافيها..الأعور..وصاحب الساق المقطوعة..الذى ينتظر الحظ ليعوضه عن فقده لسانه..وغيرهما من المخلوقات المسحوقة ..هم علامة الاستمرار فى عالم الغربة.. ولم يكن ثمكة مفر فى النهاية من إنهاء الانتظار العقيم..قصة:"محلوقات براد الشاى المغلى".

المهاجر الذى سعى لصنع مصير جديد .زغير مصيره الذى ضاق به..بعد أن لازمه إلى حد المقت..يرسم أحلامه فى المدينة التى عاش فيه طفولته..طوال فترة الحرب.. حددها بالعمل فى المصنع والزواج من ابنة العمة التى تركها قبل أن يعود إلى مدينته. وطن أنه ودع ندى لأصحاب المطاعم والدكاكين..لكنه يكتشف أنه هرب من قيد ليستسلم لقيد آخر..لذلك "عاد كما جاء.عاطل يبحث عن الرجاء".. ولم يقبل البقاء .زفلم يكن ثمة فرق بين وضعه الذى كان والذى سيكون.. وما لبث أن استأنف عمله ..قصة:"عظام فى الجرن؟.

المرأة التى تنساق وراء رغباتها بعد عجز زوجها عن إشباعها ..رغم أن عجزه حدث نتيجة مأساة قدرية فقدا فيها ابنهما..لقد تركت كل شىء دون اهتما بما يربطهابزوجها وأولادها.. .زفهى تبطش بذكرياتهما غاضبة.. تخلع الماضى وتلقيه..فيتدحرج فوق السلم ..وتجرى عارية تقتحم باب الشعر..تبعثر الصوت ..وتنفخ فى بقايا هشيم الولدين..وتدس وجه الذكريات..وليظل زوجها كما هو..يغيب وسط ذهوله ..ويرى العالم من خلال جمجمته.. ذلك الزوج الذى قاسمها لحظات النشوة من قبل..وقاسمها قسوة الحياة..تحمل وحده الكارثة التى حلت..قصة:" أصابع الشعر".

تلك الإشارات السريعة إلى قصص المجموعة..قد تكون غير كافية للدلالة إلى مضمونها.. وقد يكون ثمة تساؤل عن الاقتضاب فى تناولها إلى هذا الحد.. إذ أنها تمثل مجموعة كاملة يتحتم تناولها بالقدر المناسب لها.. لكن تم ثم وقفة نوضح فيها عدم تناول قصص المجموعة مثلما تناولنا قصص المجموعتين السابقتين..لقد سادالغموض الكثيف غالبية القصص ..وبدا الرمز فيها غير محدد لما قد يوحى إليه ..وإزاء الغموض الكثيف ..والرمز غير المحدد..يصعب تحديد ما يعنيه الكاتب من تقديم هذه القصص ..التى يمكن القول بأنها تبدو للقارىء فى صورة السهل الممتنع.. بمعنى أنها فى مجموعها كقصة..تشبه تشابك مجموعة من الخطوط وسط دائرة محدودة الإطار.. يتلاقى الخط مع الآخر..ثم ينفصل عنه ليلتقى مع غيره.. لذلك يجد القارىء نفسه أمام مجموعة من الخيوط ..إذا مال تتبع أى منها .زسيجده ممتزجا بباقيها ..ولا يستطيع فصله عنها.. لكنها ككل تظل كشىء متماسك ..من ذلك المنطلق يتحتم على القارىء أن يقرأ القصة أكثر من مرة..حتى يجد لديه ما يجعله يتلاقى مع الكاتب حول ماتدور عليه القصة..إذ أنه فى المرة الأولى سيجد نفسه وسط حيرة يحاول الخروج منها.

ذلك من ناحية فهم القارىء للقصة..أما من ناحية كاتبها كإبداع جيد..لااختلاف عليه.. من حيث الشكل والمضمون ..والقصة تبدو كعمل همدسى متناسق الخطوط .زلامكان فيه للإضافة أو الحذف.. مع ملاحظة أن الأسلوب رغم سلاسته.. وعذوبته لايرتبط بالنسق المنطقى المتتابع..فهو ينساب بشاعرية موحيةتخلق التأمل لدى القارىء..على ان الكاتب فآ مثل هذه القصص .زقد يتعرض لمزالق فنيةى خطيرة تفسد عليهعمله..فقد يفشل فى خلق هذاالجو الشاعرى الموحى.زالذى يعوض القصة عن موضوعها العادى..وقد ينساق وراء الجمل الشاعريةى .زأكثر مما ينبغى..فينقطع سياق القصة ..ويغلب عليها طابع الشاعرية ..أكثر من طابع القصة..وقد يجنى القارىء نفسه على على امثال هذه القصص ..إذا لم يبذل من الجهد فى قراءتها ..ما بذله الكاتب من جهد فى كتابتها.زوأعتقد أنه رغم بعض التعبيرات التى تصيب القارىء بشىء من القلق فى هذه القصص ..فإن كاتبها قد وفق فيها إلى حد كبير..وهذا اتجاه إذا خلا من المبالغة وفكر كاتبه دائما فى مدى قدرة القارىء على متابعته..وإدراك تجربته .زجدير بالتشجيع .زفقد يخلص القصة القصيرة عندنا مما أصابها به.. الواقعية من نثرية مسرفة باعدت بينها وبين الجمال فى التعبير والتصوير.

على ضوء تناول قصص المجموعات الثلاث ..كما سلف ذكره بإشارات موجزة..قد لاتكون كافية..يمكن القول أن تجربة"محمد حافظ رجب".. فى القصة القصيرة تمثلت فى مراحل ثلاث:

أــ التقليدية.

ــ محاولات التجريب فى تطور الشكل التقليدى.

ــ التجديد.

والتقليد عادةهى بداية حتمية لكل كاتب جديد عندما يشرع فى الكتابة ..لأنه يفتتح مشواره الأدبى بمحاكاة السابقين له من خلال أعمالهم .زلذلك فلا يوجد فيه مايميزه عن غيره فى البداية.. وقد يكون صورة مطابقة تماما لما أخذ عنه.. من ثم فلا إضافة إلى ماكتب وقيل عن المراحل الأولى فى الكتابة بالنسبة للكتاب الناشئين المبتدئين.

أما محاولات التجريب .زفتلك التى يحاول فيها الكاتب تحديد سمة خاصة به ..تميزه عن غيره من الكتاب.. حتى لا يظل صورة مكررة لما سبقه..قد يفشل فى محاولة وينجح فى أخرى.

تبقى مرحلة التجديد التى انتهى إليها"محمد حافظ رجب".. فى كتابة القصة القصيرة.. وهى التى استطاع من خلالها تقديم القصة القصيرة بشكل متفرد حدد ماهية تجربته.. وجعله يبرز فى مقدمة الكتاب الشبالن من جيله الذى يمكن أن نحدده بالخمسينات والستينات.. ككاتب من كتاب قصة "مافوق الواقع" التى تعتمد على اليأس والغربة والانسحاب.. والرفض والغموض.. وعلى هذا النهج قدم قصصه بالتجديد الذى توصل إليه ..لكن تجربته فى كتابة قصة مافوق الواقع لم تكن المحاولة االأولى من كتابالقصة القصيرة فى مصر..فالمحاولات الأولى لاتجاه ما فوق الواقع فى القصة المصرية القصيرة ..لفى اعمال متفردة قدمها "بدر الديب"و"فتحى غانم"و"أحمد عباس صالح".. وكان ذلك فى بداية الخمسينات ..إلا أن تلك المحاولات لم تواصل التجربةحتى اكتمال نضجها ..كما واصل"محمد حافظ رجب".. وانتهى إلى تقديم تجربته بذلك الشكل الذى تميزت ب÷.. ولعل"محمد حافظ رجب".. أن يكون أبرز كتاب قصة مافوق الواقع..القصيرة فى مصثر..اعتمادا على هذا الانسحاب الداخلى.زبحيث لاتكاد تخلو قصة من قصصه من الاعتماد على الانسحاب الداخلى..وهو ماتكرر فى مجموعة"الكرة ورأس الرجل".. وقصص مجموعة"مخلوقات براد الشاى المغلى"..باستثناء بعض القصص فيها..لاتختلف عن قصص مجموعة "غرباء".. وتلك قد تخفف من حدة معاناة القارىء ..فى قراءة القصص التى تحتاج إلى بذل جهد كبير منه فى التفكير حتى يفهما.. وتبدو كوقفات راحة بينها.

لكننا من خلال ضوء عام على التجربة ككل .. يبدو فيها مجموعة محاولات تجريبية ..بدأت بالخروج على النمط التقليدى..من حيث المضمون.. والمعالجة.. ثم الكتابة بأسلوب غير مألوف ..واستخدام الجمل الصادمة وغير المنطقية..ثم إضافة الإيحاء التاريخى ..واستخدام الرموز الشخصية ..التى لايصعب تحديد أصحابها..ومنهم من جاءت أسمائهم فى قصة ..وأخيرا التركيز على استخدام الجمل الشاعرية التى تجعل القفصة قريبة إلى حد ما من القصيدة.

كل ذلك لايستخدمه الكاتب بعفوية..قد ينزلق إلى الخطأ من خلالها.. بل يحققه بفهم جيد يبعده عن إحداث أى خلل قى بنيان القصة ككل.. يضعف منها.. مما يؤكد وعيه بما يكتب..واهتمامه الدائم بأن يظل ملما بكل مايخطه طوال زمن الكتابة.

ومن خلال ضوء عام أيضا على شخصيات قصص"محمد حافط رجب؟.. كما قدمها فى قصصه ..نراها تتواجد فى واقع واحد..قد يختلف المكان لكنه لايتغير.. ذلك الواقع الذىتعيش فيه الطبقة البسيطة التى لايعنيها من الحياة أية تطلعات قد تحسن من وضعها.. ورغم قسوة الظروف التى تواجهها ..تظل تجتر همومها فى داخلها ..ولا تكشف عنها.. وتراها أيضا تستمد قوتها من ذاتها دونما اللجوء إلى غيرها.. تعيش كلها تحت خيمة من القهر تعانى همومها وأحزانها.

إشارة اخيرة:

لقد واجه"محمد حافظ رجب" بسبب تجربته الكثير من تعنت التقليديين فى البداية إلى حد التصدى لها ومحاولة حجبها عن النشر.. بينما كان البعض منهم يبدجى تشجيعه له ويحثه على الاستمرار هو وبعض من كانوا يشاركونه محاولة التجديد من جيل الستينات .زلكن لايعنى تشجيع بعض التقليديين للتجربة الجديدة.. أنه كان على وفاق مع أصحابها ..ويتفق معهم على مايقومون به من محاولات ..بل كان يبدى اعترافه بها وتشجيع من يقومون بها من منطلق مسايرة الشباب فى تجاربهم..حتى لايبدو فى موقف الرافض لها ويتهمنونه بالجمود والتخلف.. هذه حقيقة تأكدت بوضوح وعلانية خلال لقاءات أدبية كا يتصدرها من أفسحوا المجال لنشر نماذج من قصص التجربة الجديدة.. ولم يمانعوا فى أن يستمر الشباب فى تقديم كل جديد لديهم ..مبدين استعدادهم لنشره..ويطلبون منهم عدم التوقف عن محاولاتهم ..ولعل عدم التخلى عن التقليدية من هؤلاء..يكفى دليلا على موقفهم الحقيقى من محاولات التجديد.









محمد حافظ رجب بين التقليد والتجديد
السيد الهبيان
ضوء:
"محمد حافظ رجب" قاص مصرى..من أدباء الإسكندرية بدأ كتابة القصة القصيرة فى الخمسينات ..ثم قام بمحاتولات تجريبية للخروج من الإطار التقليدى..من منطلق التجديد والتطور ..ةتمخضت تلك المحاولات عن تقديم القصة القصيرة بشكل متفرد وضح فيه التجديد ..وبرز من خلاله فى مقدمة الكتاب الشباب حينذاك..الذين قاموا بمحاولات الخروج بالقصة القصيرة عن الشكل التقليدى..

بدأ كتابة القصة القصيرة فى مدينته الإسكندرية..وعرفه عدد كبير من الكتاب من خلال أعماله القصصيةى..قبل أن يغادر مكانه فى محطة الرمل الى القاهرة عملا بنصيحة البعض له.والتحق بوظيفة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب..ثم عاد ثم عاد إلى الإسكندرية بفعل الصعوبات التى واجهها خلال تواجده بالقاهرة..وتمتع بعلاقات مع كتاب جيله ومن سبقهم من الكتاب الكبار الذين كانوا يتصدرون الواجهة الأدبية.,
إشارة أولى:
قد تكون ثمة تساؤلات حول غياب "محمد حافظ رجب" عن ساحة القصة القصيرة ..وتوقفه عن العطاء بعد ماحققه من نجاح ملحوظ فى محاولاته التجريبية..هذا الغياب الذى نسج حوله ستار صمت كثيف..حجبه عن أية إجابة محددة منذ سنوات..فقد ارتأيت أن أوضح بداية أننى لست بصدد أن أجيب عليها بتقديم هذا التناول لقصصه..لكننى أرميه وسط ذلك الزخم الكثيف من محاولات التجريب فى القصة القصيرة.
موضوع التناول:
ثلاث مجموعات قصصية صدرت على التوالى..
1ــ الكرة ورأس الرجل.
2ــ غرباء.
ــ مخلوقات براد الشاى المغلى.

تقديم:
كانت بدايته عام 1950 باشتراكه مع مجموعة من الزمرء تكوين رابطة تجمع امكانيتهم فىامكانية واحدة باسم الرابطة الثقافية للادباء الناشئين جدمعت بين مجموعة من الشعراء والقصاصين لم يتمر منهم غير مصطفى الشندويلى وتنتشر القصص فى مجلتى القصة ومجلة على باب للزجالين
كانت قصته الاولى باسم الجلباب عن عامل فى مصنع وكتب معظم قصصه فى هذه الفترة عن الزنوج فى امريكا ابطالها من الزنوج المكافحين وكان اهتمامه بهم لانه كان ضد الجمعيات الاستعمارية مثل الكوك لةكس كلان وهى جماعة ارهابية تشنق الزنوج فجعله ذلك يحس باحساس زنجى ضد الرجل الابيض المستعمر ومن هذه القصص الانشوطة السوداء عن زنجى احبته امراة بيضاء فشنقته الجماعهات الارهابية البيضاء و الريح الملتهب عن عسكرى زنجى حاء زوجته المخاض وعندما ذهب لاحضار من يساعده حرقوا له كوحه وعندما قامت مظاهرات واحداث دموية داخل المغرب ضد فرنسا كتب رسالة لمجلة تصدر فى ذلك الحين اسمها امريكا هدفها توثيق الصلة بالعالم العربى فكتب لها رسالة للامريكان لماذا لايقومون بمساعدة حلفاء الفرنسيين الذين يقتلون الشعب فى المغرب العربى انهاها وداعل ياامريكا ايتها الحمقاء المطاعة لكن الرسالة لم تصل لوقوعها فى ايدى الشرطة الذين طلبوا منه الابتعاد عن السيالسة تاثره بالسينما كان هو الواضح فى ذلك الوقت خلافا لتاثر الكاتب عادة بمن كتبوا قبلبه كانت الامكانيات متاحة فى السينما والقراءة لكن السينما كان تاثيرها عميق على الامكانيات الموجودة تاثصر بالكاتب محمد عبد الحليم عبد الله بعد قراءة قصته بعد الغروب وكان عمره 19 سنة وكانت الحركة الادبية فى الاسكندرية فى تلك الفترة نشيطة جدا وفى غاية القوة وفى سنة 1956 اشترك فى تكوين رابطة جمعت معظم الموجودين فى القاهرةى ومنهم على شلش وفتحى سعيد ومحسن الخياط وكانت تختلف عن الرابطة الاولى الثقافية للادباء الشبان كانت محاولات الظهور فيها بامكانيات ضعيفة وبدات الرابطة الثانية بامكانيات قوية كان رئيس كتاب الطليعة وفى سنة 1956 كتب للطفى الخولى الذى كان يعمل فى جريدة المساء لمساعدته فى النقل الى القاهرة فنشر الرسالة فى الجريدة ثم كتب الى كمال الدين حسين عضو مجلس الثورة فى ذلك الوقت وكان رئيس المجلس الاعلى للفنون والاداب فسلم الرسالة للمرحوم يوسف السباعى الذى اهتم بها وعندما قابله فى الاسكندرية عرض عليه العمل فى المجلس الاعلى فوافق ونشر قصص عادية فى جريدتى المساء والقاهرة كانت مسائية ايضا بدات كتاباته بالاستناد الى تجاربه الشخصية فكان يسحب من رصيد ذكرياته لكتاباته الجديدة لكنها كانت عادية واقل من عادية وحاول انشاء رابطة بالقاهرة لكنه فشل لان كل كاتب كان ينتقل الى القاهرة يجد من الصعب احتلال المكان الكمناسب له
محاولات التجديد بدات نتيجة الحياة الغير عادية التى كان يحياها فى القاهرة عاش حياة تلك الفترة لم يعشها احد مثله بعد انتهاء فترة عمله بالمجلس الاعلى للفنون والاداب الثانية ظهرا يتجول فى القاهرة حتى الثانية صباحا فاستطاع ان يعرف خفايا القاهرة واسرارها الدقيقة وةيشاركه فى التجوال موظف من زملائه بالمجلس
بدايت التجديد قصة الفارس موظف ارشيف يوجه اليه الاتهام بالاهمال فى اجتماع مدير المصلحة بالموظفين فحضر فى الاجتماع التالى باسرته وقط البيت فيقوم القط بدور المخوف للمدير وكان الفكرة ان الاطمئنان فى البيت يواجهه سوء الادارة فى العمل وبعد ان نشر هذه القصة فى مجلة الاذاعة جرى تحقيق معه بسببها لكن الموضوع مر بسلام
اهتم به النقاد بظهور قصص مجموعة عيش وملح اشترك فيها مع اخرين والتى لفتت اليها الانظار رغم كتابتها كتابة تقليدية لكن مابدا فيها كان اجادة للكتابة العادية ووضح التجديد فى قصة البطل اتى بدا فيها التجديد وتقدم بها لمسابقة القصة القصيرة فلتت الانظار ووضعوها فى المركز الثالث رغم انها نالت اعلى درجات فى المسابقة وقد دعاه امين يوسف غراب الى مكتبه فى مجلس الفنون وقال عنها انها جيدة وعظيمة لكن لجنة التحكيم لم توافق على منحها الجائءزة الاولى لخروج البطل فيها على التقاليد والعرف السائد فى القصة القصيرة وكتب عنها يحى حقى انهاقصة جيدة اشاد بها رغم انها كانت قصة عادية والجديد فيها كان فى جراة المعالجة وكان واضحا انهم يريد بقاء القصة القصيرة فى مكان معين لاتتحرك عنه عن زوج خانته زوجته ونادوه بالبطل لانه ضبطها وهى تخونه فطردها من بيته فى نفس الوقت الذى كان يتمنى فيه ان تبقى لتعيش معه لانه يحبها وسيعانى بعد انفصاله عنها وكان من الاشياء المؤلمة جحدها فى التقدير
لكنه لم يفكر فى التوقف عن التجديد بسبب ما حدث لان التغيير قد حدث فى اعماقه ةتغيرت رؤيته للاشياء الى رؤية جديدة التغيير حدث اولا فى القاع ثم نضح على الافكار
كان ثمة اندهاش من الكتابة الجديدة التى خرجت عن التقاليبد ولم ينشر الا عمل من الاعمال الىتى احدث فيها تغييرا فى الشكل لبدئه كتابة مذكراته التى كانت رصيده الحقيقى فى القصص التى ظهرت بعدها ولم يحتفظ بمذكراته
يستطيع القارىء لقصص ان يحصل على صورة قريبة فقط من حياتى وعن حكاية جيل بلا اساتذة كانت بسبب تساؤل الناقد فؤاد دوارة عندما تناول مجموعة العيش والملح التى كانت بها جراة عادية وقالها حافظ رجب للاستاذ رشدى صالح فى ندوة تليفزيونية فاصابه الفزع لانه وجد ذلك خروج على كل شىء تقليدى وكتب فى جريدة الجمهورية ادباء يقولون نحن جيل بلا اساتذة والتى كانت تعبيرا من حافظ عن الحركة وعن ميدان النشاط الادبى والذين كانوا داخل السجن السياسى وماداموا موجودين فى السجن فمن الطبيعى ان نكون جيلا بلا اساتذة وكان ذلك سنة 1961ونشر محمد عبد الحليم قصة الكرة وراس الرجل فى مجلة القصة وكتب لها مقدمة وقدمه يحيى حقى فى مجلة المجلة والذى كان يؤيد التجديد ثم يسحب تاييده وكتب فى تقريره للجنة التفرغ عندما تقدم لها حافظ انه لم يعرف بالتجديد الذى كتبه وكان ذلك سببا فى عدم منحه التفرغ
وكان يلتقى بنجيب محفوظ فى قهوة ريش كل يوم جمعة فى سنة 1962 بعد ان كان نجيب يجلس فى كازينو بديعة كل جمعة ايضا
عاد الى الاسكندرية بعد ان افتقد فى القاهرة الامن والهدوء والطمانينة كانت حياة طائشة ومتوحشة كانت حياة سياسية بلا امل ولا روح ولم يكن السلوك الانسانى انسانيا بالمرة

تأثر بكتابات محمد عبد اتلحليم عبدالله وعمره 19 عاما









لو تتبعنا تجربة "محمد حافظ رجب" فى كتابة القصة القصيرة..فسنجد الببداية بلا جديد ..إضافة مكررة ..مثل أية إضافات أخرى كانت أو ستكون من الأصوات التى أخذت تبدو فى الخمسينات..وكان مقررا لهذه البداية أن تظل تدور فى فلك الإطار الجامد للقصة القصيرة ..المحدد بالتحرك وفق النسق المنطقى المتتابع فى صورة حدث أو أحداث مرسومة ..مع عدم الخروج على المألوف فى كتابتها..لذلك جاءت أعمال"محمد حافظ رجب"الأولى تكرار للقصة اللتقليدية ..التى كانت سائدة فى تلك الفترة ..فلم يكن ثمة اختلاف فى كتابتها بين بين الجدد من الشباب ..وبين من كانوا يتصدرون واجهة الحركة الأدبية فى مصر..فالشكل المتعارف عليه ..كصك ثابت غير قابل للتغيير ولا للخهروج عنه ..ولا جديد فى المضمون الذى لم يتعد التعرض للواقع المعاش ..مغلفا برؤية رومانسية مسرفة فى الخيال..الكل يدور وسط دائرة محدودة..لاتضيق ولا تتسعغ.. ..دون التفكير فى إبداء أية محاولة لإبداع جديد يكسر رتابة السرد...أو تغير من الشكل ..وتعرض لمضامين غير مطروقة.. لذلك بقى الجمود السائد كما هو بلا تغيير ..وبقيت النظرة المحدودة لفن كتابة القصة القصيرة ..بلا حيدة عما كانت عليه عند الرواد الذين التصقوا التصاقا تاما بالتقليديبة ..واتخذوا من الواقع الاجتماعى حقل مزروع بالأفكار التى يختارون منها مضامينهم..بنفس الإسراف فى الخيال بصورة مبالغة ..والتزاما بالهدف المنشود من وراء كتابة القصة القصيرة ..وهو الذى يحقق أكبر قدر من المتعة والتسلية للقارىء.

لفت انتباه "محمد حافظرجب" فى تلك الفترة ..ما كان يكتبه"عبد الرحمن الخميسى" و"عبد الرحمن الشرقاوى"..باسم الواقعية المصرية..وكتابات "مكسيم جوركى"و"تشيكوف"..وغيرهما من الكتاب الذين كانوا يكتبون أعمالهم على نهج الواقعية الاشتراكية..وكان من الطبيعى أن يبدأ تجربته فى الكتابة مقلدا لكتابا الآخرين..الذين سبقوه فى الظهور.. فتأثر بأكثر من كاتب ممن كان لهم الدور الرئيسى فى توجيهع الإبداعات الشابة لتسير وفق نهجهم فى الكتابة.. وذلك امتدادا لكتاباتهم ..التى كانت تنشر فىمختلف وسائل النشر.. ..التى كانت شبه محتكرة منهم إلى حد الانفراد بها..لكن تأثر أكثر بالكاتب الروسى "مكسيم جوركى" وظل يقرأ أعماله باهتمام.. مع استمراريته فى كتابة القصة التقليدية..حتر برز كأحد كتابها من الشباب ..وكان من الممكن أن يستمر ..إلا أنه أحس بالغربة وسط مجموعة من الكتاب الشباب ..الذين اهتموا باجتذاب الضوء نحوهم ..ووقفه عليهم ..متجاهلين وجود الشباب بينهم..ومن ثم بدأ التمرد على الوضع المفروض ..وشاركته فى ذلك مجموعة من الكتاب الشباب..بالتفكير فى إبداع ماهو جديد عن المألوف التقليدى الراكد فى استكانة غلى حد الملل ..فبقيت محاولات جديدة فى ممارسة كتابة القصة القصيرة ..كسرت من حدة السرد المتكرر فى رتابة ..وخرجت بها عن العرف السائد والثابت إلى حد الجمود.

تحققت تلك التجربة فى المجموعة القصصية "عيش وملح" التى اشترك فيها "محمد حافظ رجب"و"محمد عباس"و"عز الدين نجيب"و"محمد جاد الدسوقى "و"السيد خميس"..توقف بعضهم عن الاستمرار فى الكتابة ..وقد أحدثت هذه المجموعة عقب نمشرها ضجة شديدة حفلت بالمعارضة والتشجيع..وخلال مناقشة مفتوحة حول هذه المجموعة قال "محمد حافظ رجب" مقولته المشهورة "نحن جيل بلآ أساتذة"..الى أثارت الكثيرين ممن أرادوا البقاء للقصة التقليدية ..وجعلهم يتشددون فى معارضة اصحاب التجربة الجديدة ..ومحاولة وأدها وهى مازالت فى البداية..لكنهم عجزوا عن الوقوف فىوجه المد الذى أكد وجود مدرسة جديدة للقصة القصيرة..غيرت فى الشكل والمضمون والأسلوب.. لم يتراجع أصحابهاعن التجديد الذى بدأوه رغم ما ووجهوا به من رفض واتهامات تقلل من جهودهم فى خلق إبداع جديد..وكان من كتاب هذه المدرسة"ابراهيم أصلان"و"محمد مبروك"و محمد الصاوى"و "محمود عوض عبد العال" و "د. نعيم عطية" و"جميل عطية ابراهيم"و"عبد الحكيم قاسم"و"يحيى الطاهر عبد الله"و"محمد البساطى"و"أحمد هاشم الشريف".
كان "محمد حخافظ رجب فى مقدمة من تعرضوا لهجوم التقليديين..على أصحاب التجربة الجديدة.. ويمكن القول بأنهم كانوا يهاجمون مجموعة الكتاب الشباب من خلال مواجهتهم"محمد حافظ رجب"..ذلك رغم أن الرفض للتجربة كان منصبا على قصصه التى زاد الهجوم عليها بعد نشر قصته"الكرة ورأس الرجل"..التى وضح التجديد فيها بصورة اثارت الكثير من الجدال حولها.. بسبب خروجها الواضح على المألوف من السرد النمطى للأحداث..واللغة المنطقية.. فبدت بشكل غير واقعى:

"قال الرجل الذى بلا رأس..للشرطى الواقف خلف سور الملعب:
ـــ هل لك أن تساعدنى ياسيدى الشرطى لأسترد رأسى الذى يلعبون به داخل الملعب؟
ومد الشرطى يده له..ليتعلق بها قائلا:
ــ هيا بنا لنرى ما يمكننا عمله."

وقد قدم المرحوم"محمد عبد الحليم عبد الله" لهذه القصة مبديا إعجابه بكتابات "محمد حافظ رجب"..رغم أنه كان يكتب القصة الواقعية التقليدية."الذى أكتبه عنت "محمد حافظ رجب" ليس كتابة ناقد لأديب..لأن هذا فى رأيى عمل يحتاج إلى تدريب نفسانى لا أطيق احتماله.. ولكن الذى أكتبه عنه يندرج تحت أى عنوان ..ربما كان تأملا لعمل فنى أعجبنى ..فليس الحكم على جمال المآذن وأبراج الكنائس وقفا على بنائها من المهندسين..وإلا كان معنى هذا أنهم بنوها لأبناء مهنتهم..ولكن عندما ينتقل الإحساس بالجمال من الخلاق إلىالمتذوق..ببساطة وعذوبة ويأخذ صفة الدوام..كان معنى ذلك أن العمل جليل وجميل..هذا هو رأيى ومن أجل ذلك سأقول رأيى..ويبقى بعد ذلك تقيد معظم الأدباء الشبان بطريقة سرد رتيبة ..وإن كان هذا لايمنع من وجود محاولات للتجديد عند بعضهم..مثل "محمد حافظ رجب"..ويجب أن نحتفى بهذا التجديد ولانخاف منه".

وقال عنها الكاتب الكبير"يحيى حقى"."أن أعماله سبقت زمانها بأعوام كثيرة".و أشار "فؤاد دواره" إلى قصة من قصصه بأنها أعمق من قصة مشابهة للكتب الروسى "مكسيم جوركى".

لكن ذلك التشجيعالذى أبداه البعض ليستمر"محمد حافظ رجب"فى تجربته التى بدأها..لم يوقف عنه الهجوم الذى بدا بحماساة من المعارضين الرافضين لها..خشية انحسار التقليدية ..والتقليل من أهمية أصحابها..الذين لم يكن فى مقدورهم الكتابة بغيرها.فقد تراءى لهم أنه ليس من الطبيعى المساس بالتقليدية ..أو الخروج عنها.. ويتحتم أن تبقى بلا حيدة عن الصورة التى كانت عليها..ومن ذلك المنطلق أنكروا اعترافهم بالتجديد الذى بدأه الكتاب الشباب.ولم يدخر جهدا فى محاربة أعمالهم..ووضع العراقيل أمام نشرها.

أما "محمد حافظ رجب"..فقد جعل هدفا من أهدافه ..أن يتخطى حواجز النشر المقامة أمام كتاباته ..وطالب أن يعامل هذا اللون من الكتابة عند النشر ..كما يعامل اللون التقليدى الذى تعوده جمهور القراء..ولما كان هذا أمرا عسيرا ..فقد أثار الغبار حوله فى كل اتجاه ..ولهذا لم يقتصر إنتاجه على ماكتبه من قصص ومسرحيات ذات فصل واحدج ..بل تجاوزه إلى عدد من المقالات فى دفاعه عن حقه فى نشر ما يكتب.. وقد كتب تلك المقالات بنفس أسلوب قصصه ومسرحياته ..وكان من الطبيعى أن ينبرى له أكثر من مهاجم..وأن يقف معه أكثر من مدافع ..فتكونت بذلك حصيلة لابأس بها فى تاريخ هذه الاتجاهات التجريبية.

ومن محاولات "محمد حافط رجب" فى نشر قصصه ماكانت مع المرحوم "محمد فريد أبو حديد" بصفته حينذاك رئيس تحرير مجلة الثقافة ..وكان ذلك بعد صدور العدد الأول منها سنة 1962.

"لو لم تمنحنا جواز الإقامة ..فسنقف على البوابة ..لن نتحرك..لن نمشى..سننام فىمنتصف الطريق..معنى ذلك أن الكل متفقون..معنى ذلك أن الكل رفعوا شعار الطرد..أين نقيم؟..أين نلجأظ..الثقافة آخر ملجأ".

لكن تلك المحاولة لم تجد شيئا غير إثارة الهجوم حول كتابات"محمد حافظ رجب"..على صفحات المجلة من اثنين من المحررين بها..حاولا التقليل من أهمية تجربة التجديد..إلى حد عدميتها ..رغم اعترافهما بقدرة "محمد حافظ رجب"على الكتابة .

إننا لنعجب كيف يبدد قاص شاب كحافظ رجب..طاقتهع فى هذا الأسلوب..وهو قادر على أن يأخذ بيد قصته فيصيب النجاح"ز

أذكر أنك من زمن كتبت قصصا كما يكتب الناس ..فتحدث عنك الناس.. وكنت يومها تبشر بقصاص عظيم ..وكنت نقطة كانت على وشك الانتشار لتحديد شيئا برزا ..ولكنك عدت فأبيت أن إلا أن تسبق عصرنا الذى نجهله الآن.. وثق أنه لولا بذرة قديمة اصيلة موجودة فى داخلك منذ قصصك الأولى ..ماحاولت أن أرهق نفسلى من أجلك."

ذلك ما كان من أحد المحررين الذين تصديا للتجربة من منطلق الهجوم ..وتأكيدا لموقف رئيس التحجرير الذى تهرب من نشر القصص على صفحات المجلة..ليس لضعفها وعدم صلاحيتها للنشر..إنما تذرع بعدم فهمها
"لقد حاولت بكل إخلاص أن أدرك شيئا وراء هذا الكملام ..الذى يبدو أنه لايفيد معنى..ولقد صدمنى الكلام وشعرت بلصدمة بإخلاص..وفاء بوعدى للسيد الكاتب ..ولكنى وجدت آخر الأمر أننى عاجز عن تقدير هذه القصة ..فأنا أقر للسيد الكاتب بعجزى وقصورى عن إدراك مايخفى وراء ألفاظ هذه القصة..لعله فلسفة عليا..كما أنه من الممكن أن يختفى وراءها سر مخيف".

ويقصد بالسيد الكاتب "محمد حافظ رجب"..فقد كان يشير إليه رئيس التحرير بالسيد الكاتب فى كل كتاباته عنه.

ولا يفوتنا فى هذا إلى الإشارة لما قاله الكاتب الراحل"محمد عبد الحليم عبد الله"الذى كان أسير التقليدية الواقعية..وبين ماقاله الأستاذ/"محمد فريد أبو حديد" حيث أبدى الأول تشجيعه لللتجربة..ونال الثانى منها هو ومحررى المجلة.

لو ذكرنا كل ماكتب حول التجربة الجديدة ..التى خرجت بالقصة الجديدة عن الإطار التقليدى..لما نتهينا.. فما كتب حولها كثيرا جمع بين مختلف الآراء التى تحبذ التجديد وتشجعه..والتى ترفض أية محاولة فى الخروج عن المألوف فى القصة التقليدية..فكانت تعارض وتقف فى وجه تجربة الشباب الجدد مصرة على رفضها لها..لذلك الممكن الاكتفاء بهذه الإشارات التى تدل على ماقوبلت به هذه التجربة ..التى بدأها "محمد حافظ رجب" ومجموعة الكتاب الشباب من جيله..رفضت أن تكون إضافات مكررة لا تحقق أى تغيير.. تلك التجربة التى لم يتخل البعض عن التقليل من شأنها ..رغم الاعتراف بما أحدثته من تطوير فى كتابة القصة القصيرة المصرية.

"وهذا الأدب الجديد أدب ظهر فىالخمسينات والستينات من هذا القرن..وهو ابتداع جديد مناقض للأدب الواقعى فى شكله ومضمونه وبنائه..فليس فيه منطق ولا تسلسل زمنى ..ولا بناء قويم..بل تمزق وتفكك..ويستحيل علينا أن نأتى بغرائب ما يكتبه هؤلاء الشباب من أمثال"محمد حافظ رجب"..أو"مبرو:".أو "احمد الشيخ"..وغيرهم من الكتاب الذين يمكنهم إجادة الكتابة المفهومة..والذين يريدون الادعاء بأنهم يجددون ..وأنهم يتابعون الموجة الجديدة ..التى لم يفهما أغلبهم وفهمها بعضهم ومع فهمه تغال غلوا بعيدا عن اللاعقلانية.

ولنحاول بعد ذلك البدء بتناول قصصه عبر قراءة متأنية..لإلقاء الضوء على تجربة"محمد حافظ رجب"..فى كتابة القصة القصيرة كاملة ..منذ البداية.. ثم ماحدث بعدها من تجديد ترك أثره فى كتابة القصة القصيرة..وخرج بها عن الإطار التقليدى ..رغم معارضة المعارضين التقليديين ..وتشددهم من أجل التمسك بالتقليدية ..ورفضهم أى مساس بها ولو كان من قبيل المحاولة.

***************

غرباء:
عالم زاخر بالنماذج الإنسانية البسيطة ..تبرز سيماتهم الطيبة التىتصل لحد السذاجة أحيانا..لا شىء يشغلهم سوى همومهم الملتصقة بهم..ولا وقت لديهم بأن يشغلوا أنفسهم بشىء آخر..مكتفين بقدرهم فى الحياة دونما اعتراض عليه.. يعيشون واقعهم باستسلام طبيعى ..وراضون به عن قناعة صادقة ..دون أن يشكون ..ثمة تفكير منهم أو من أحدهم فى تغيير ذلك الواقع رغم مرارته..أو الابتعاد عن عالمهم المحدود..تعودوا أن يظلوا بلا تظلمات..وأن يجتروا معاناتهم فى صمت دونما احتجاج.

قدم "محمد حافظ رجب" ذلك العالم فى صورة شخوص انتقاها منه ..ليلقى الضوء من خلالها على الواقع الحياتى له..دون ان يكون ثمة غرابة لدى القارء إذا ما التقى بها فى قصة من القصص..فهى ليست بالغريبة أو البعيدة عنه.. لأنه التقى وقد يلتقى بمثلها أيضا فى حياته.قد لاتكون ثمة صورة شبيهة بها تماما ..لكنها تتفق فى الفعل.

الزوجة التى تخون زوجها ..مشاجرة بين الطفال ..الإنسان الباحث عن الحب بعد أن يفقده..الغنى والبخيل ..الغريب..الخلاف بين الأب والابن..الموظف المطحون فى عمله واتهامه بالإهمال..العاطل ..الأمل المستحخيل ..الصراع على المال بين القوى والضعيف
هذه الصور المتواجدة باستمرار بمشاهدة قد تختلف فى تنفيذها ..بالقطع ليست مجهولة لأحد.. بالقطع أيضا قد تكون تناولها بعض الكتاب فى قصص لهم ..لكن تناولها ليس كما تناولها "محمد حافظ رجب"..فى مجموعته "غرباء"..برؤية خاصة اهتم فيها بإبراز الإحساس الإنسانى وجعله يطغى على كل شىء.زوبشكل يختلف عن تلك الأشكال التى قد تكون قدمت بها.. من حيث المعالجة وإسقاط الرؤية على الحدث التى تعكس كل ماحوله..وتبديهخ فى صورة ارتباط وثيق به..مستخدما فى ذلك الكثير من التفاصيل بأسلوب سهل وسلس يبعد الملل عن القارىء بما أفاض الوصف له.. لأنه يجعله مشدودا إلى قراءة القصة متتبعا تطور الحدث فيها حتى يرى كيف ستكون النهاية..حتى لو تساعد على تحديد الحدث.
"كان كل شىء راقدا فى ذلك النهار ..فى حارة "مكى" بامبابة..الهواء قد استسلم فى إعياء فنامت نسماته..والشمس راحت تتنفس فى صعوبة أنفاسا حارة ..خائفة محبوسة..والكلاب استسلمت إلى رقاد متوتر ..أو فى عتبات البيوت ..وهى تلهث وعيونها تتناوم..والناس فى بيوتهم لا صوت لهم ولا حركة.

وأم مبروك بائعة الطعمية خفت الوش المنبعث من وابورها..وأخذت هى الأخرى إغفاءة..وعم سالم بائع الحلاوة العسلية .زاضطجع فوق المقعد الكبير..ونظر إلى السماء وكأنه يبحث عن نجوم الظهر..والذباب تجمع فى كسل فوق حلاروته..ودار يمتص عسلها فى تراخ وفتور.

وبعد لحظات تحرك كل شىء.زبدا كان الهواء آلمه استسلامه فحمل أنفاس الشمس الساخنة ودار بها حاملا معه غبار الحارة ..وصار يصفع به وجه البيوت..والكلاب فتحت عيونها وكأن اشباحا غير منظورة تحركت فجأة أمامها وقامت لتطاردها.. وأطلت امرأة من نافذة..وتبعتها أخرى..وتعلقت عيونها بالنافذة التى أمامها ..وانبعث وش الوابور النائم فجأة معلنا احتجاجه على نوم صاحبه..واكتفى عم سالم من النظر إلى النجوم المختفية..ومد منشفة وحركها فوق بقع الذباب السوداء أتخمها العسل فلم تأبه بحركته..وأفندى قصير قمىء بنظارة طبية يسسرع الخطى ويدخل البيتن الذى كانت المرأتنان ترقبان إحدى نوافذه.

وفجأة انبعثت صيحات حادة من بيت أم رضا..ملأت الفضاء الصغير امام البيت..وأخذت تكبر وتكبر حتى ملأت الحارة..وترك عم سالم الذباب يعبث بحلاوته وهرول إلى البيت ..ونهضت أم مبروك بكل ثقلها مرة واحدة فتعلق طرف جلبابا بطاسة الزيت فقلبتها ..وهمت لاعودة إليها إلا أن حدة الصياح جعلتها تندفع إلى هناك لاتلوى على شىء..وأطلت أكثر من امرأة من نوافذهن..ثم تركن نوافذهن ةهرولن إلى بيت أم رضا..وقامت الكلاب متحفزة وكأنها عثرت على الأشباح التى تطاردها..فأرسلت من ورائها عواءا مجنونا امتزج بأصوات الناس وصيحاتهم..وأحس الهواء بحريته..فراح يحمل كل التراب الذى يصادفه ويملأ بطن الحارة..ومضت دقائق تحول بعدها كل شىء إلى هدير..هدير مجنون".

يستحيل على القارىء التنبوء بما سيكون..بعد تلك البداية التى تجمع بين مجموعة من اللقطات يربطها ببعضها مكان واحد..يبديها الكاتب من خلال تجول سريع ..أوضح فى البداية الهدوء والخمول والاستكانة والركود والكسل..ثم عاد وعكس كل ذلك بتحريك الصورة الساكنة حركات طبيعية وتلقائية ..حتى تحول السكون إلى هدير صاخب..لفت إليه كل الأنظار..التى بدأت ترقب موكب كبير فى مقدمته سارت امرأة بقميص النوم الفاقع ..وتتابعه إلى حيث يمضى.

ذلك المشهد وحده يكفى لتخيل ما يحدث عادة فى مثل تلك المواقف التى ليست بالغريبة عن الإنسان ..وقد يلتقى به فآ أى وقت دونما تحديد للمكان.. لكن"محمد حافظ رجب" آثر أن يلقى بانعكاس ذلك الموقف على مكان حدوثه..ولم يلق للقارىء بما تعوده فى مثل مضمون قصته مباشرة ..وإذا ما تجاوزنا البداية بتفصيلاتها التى أوصلتنا إلى التصور الكامل للحدث..فسنجد معاناة البطل المكتومة فى داحله..بسبب اطتشافه لخيانة زوجته ..عندما عاد من عمله إلى بيته لإحضار دوسيه من الدوسيهات التى سهر ليلته فى مراجعتها..وإعدادها للتفتيش محاولا كسب ثقة رئيسه المباشر فى الأرشيف الذى يعمل به ..لكنه بدلا من عودته إلى العمل وجد نفسه يمشى فى موكب كبير غير عادى يضمه هو وزوجته الخائنة وعشيقها ..وولديه وعسكرى الشرطة يمضون إلى المركز..ثم يعرف فى الطريق ماكان يجهله عن زوجته..التى كانت تلتقى بعشاقها بعد أن يذهب هو إلى عمله..وأن الناس كانوا يظنون أنه لايدرى بشىء..لكنهم الآن عرفوا أنه بطل لضبطه الزوجة الخائنة فى حالة تلبس مع عشيقها..لكنه لا يأبه بذلك الوصف وانشغل بالتفكير الذى سيكون..لو لم ينس الدوسيه أمس لعاش مثل كل الناس سعيدا..إن الجدار الذى كان يحجب وراءه كل القاذورات قد تهدم..فرأى كل شىء..ونضحت من ورائه الرائحة العفنة..ثم مضى يتأمل الذين يبدون إعجابهم به.."من يعلم أنكم أنتم الآخرون يامن تشتركون فى جنازة قلبى.. ربما تعيشون فوق أكوام القاذورات ولكن رائحتها المدفونة تجعلكم تظنون ان ما حولكم نظيف..لذلك تتكلمونبشجاعة وحرية ..تلك هة الحقيقة التى قد تكون..لكن الكل لايرى غير مصائب الغير..لقد فقد وجود زوجته فى بيته بعد أن كانت جزءا منه..تؤدى ماهو مطلوب منها وتعتنى بطفليه..ذلك ما جعله يصيح داخل نفسه فى رجل هنأه على بطولته..هل تقدم إلى امرأتك لتدفىء دارى..وترعى أولادى كما كانت تفعل بدرية؟.. وبعد أن يعود مع ولديه بخطى مهمومه تسأله أبنته عن أمها فينفجر فى البكاء.ززقصة:"البطل".

لقد انصب اهتمام"محمد حافط رجب" على تجسيدالمعاناة الداخلية للبطل ..دونما اهتمام برسم الظوار التى تدعى البطولة فى تصرف..ليست وراءه غيرأحداث الخلل فى الاستقرار الذى كان..أيضا لم يظهر التسامح ويتخفى وراء ما قاله السيد المسيح عليه السلام"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"..بل مضى فى تقديم الإنسان بإحساسه الحقيقى تجاه ما حدث له دون اصطناع..وتذكرنا براعة "محمد حافظ رجب" وهى تصوير موكب الخطيئة فىقصة "البطل" ..بالموكب الذى صوره "جوركى" فى قصته المعروفة "فيفود"ولست واثقا أن الكاتب استةحى هذه القصة القصيرة أم لا..ولكن الذى لاأشك فيه ..ولا أتردد فى إعلانه ..أن محمد حافظ رجل" قدم لنا قصة أنضج من قصة "جوركى" ..وأغنى منها من ناحية الموقف الإنسانى.. الذى صوره..ومنناحية بناء القصة المتكامل.

الأطفال الذين يتشاجرون مع بعضهم أثناء اللعب ..ثم تدخل الأهل فى مشاجرة بسببهم ..ورغم حالة الشجار بين الكبار ..وقبل أن يتصالحوا..يعود الأطفال للعب مع بعضهم كما كانوا وكأن شيئا لم يحدث.

صورة تتكرر باستمرار فى الأحياء الشعبية وغيرها..لكن المشاجرة ليست هى فقط ما يقدمه"محمد حافظ رجب" فى قصته.. بل اهتمام بإلقاء الضوء على معاناة والدا الطفلتين وما يؤرق كل منهما فى عمله وهمومه اللتى يحملها..الأول عامل البلدية الذى فقد "البغل" الذى يجر العربة التى يعمل عليها.. فاتهمه الملاحظ بالتقصير فى العمل والقسوة على البغل المسكين ..فعاد إلى بيته ممنيا نفسه برقدة طويلة يزيل بها عناء النهار و"قرفه" ..لكنه وجد نفسه طرفا فى مشاجرة..والآخر عسكرى يؤرقه ما يواجه به الباعة الجائلين مرغما ومطاردة حتى لايتواجدوا أمام المحلات التى لشتكى أصحابها من منافستهم لهم..فعاد إلى البيت لينسى..ولكن النوم استعصى عليه حتى جذبته إلى الخارج صرخات ابنته "نوره".زفتبادل مع العامل لسعات الإهانة المشوبة بالسخرية ..وانتهت المشاجرة كالعادة لتصبح مادة لثرثرة النسوة فى ليلتهن..قصة/"خناقة".

الإنسان الذى فقد زوجته ..وفقد الحب معها..فأخذ يبحث عما فقده بين النساء الأخريات.. لكنه يفشل..أيضا ليس ذلك هو يكتفى "محمد حافظ رجب" بتقديمه .زبل صور حياة الغربة والضياع التى يعسيشها البطل والعاهرة ..وبين كيف يكون الحال عندما تلتقى التى تعطى بآلية بإنسان زاخر الإحساس..فهى ليست زوجته لتمكنه مما يريده منها.."لا..لا أحسبك زوجتى..أنت غريبة عنى فعل..غريبة عنى تماما"فزوجته يعرفها .. من بين عرات النساء.. يبحث مع ثانية عن الحب.."أنا لم أعد أحب..لم أعد أحب أبدا..لم يعد لى قلب..أفهمت؟..إذا كنت تبغى الحب فلن تجديه معى ..ماذا تريده منى الآن؟..لم لاننته من كل هذا العذاب؟".. يخشى تكرار إحساسه بالحرج ويتركها .. تبدأ هى إثاراته رغم غرابة تصرفه معها ..لكنه لا ينجذب معها.."شفتاها فوق شفتى..جلست القرفصاء..دفنت رأسى بين يدى..ماذا أفعل الآن..فى الخارج جياع ينتظرون بقايا لحم لم أتذوقه أنا بعد"..ذلك الفشل المتكرر يجعله يجتر فى داخله ما يعانيه..بينما يخشى أن ينفضح المستور الذى يريد أن يظل مجهولا للغير..لكنت الإحباط ليس أبدا وليد ضعف أو عجز..بل نتيجة فقدانه للزوجة التى استمالها غيره فحرمه منها.."أخذ منى خمس أصبع ..أخذ نصف رأسى وجزءا من مخى..وعد شعيرات رأسى..قسمها بينى وبينه مناصفة وانصرف"..قد تبدو الكلمات التى استخدمها فى وصف ماضاع منه غير مقبولة..لكنها توحى إلى معناها ..ولو بحثنا عن مدلولها لاكتشفنا ببساطة كلا الأنصاف المأخوذة تعنى ماتمثله الزوجة بالنسبة للبطل..ويبدو أن استخدام الجمل غير المألوفة فى الكتابة ..هو إافة لمحاولات التجديد التى بدأت بتغيير الشكل والمضمون.. قدمها الكاتب فى هذه القصة من منطلق التجريب..قصة:" جداران ونصف".

الفتى البخيل الذى يضن بماله على نفسه ..فرغم تقدمه فى السن..ووصوله إلى مرحلة الشيخوخة..يبدو دتائما بملابس رثة..فمعطفه البالى الأصفر ..وكوفيته الحمراء..وطاقيته السوداء التى تغطرى رأسه حتى أذنيه وشعيراته ذقنه الصغيرة الحائرة فى وجهه الرفيع الضامر.. وعيناه الغائرتان داخل وجهه فى بشاعة ..وحذاؤه الكبير الواسع الذى يبتلع قدميه الصغيرتين فى شراهة ..بعد أن يحشوه ببعض الخرق البالية لئلا يهرب منه فى الكريق..هذه الصورة الكريهة مع السنين السبعين التى يحملها فوق ظهره الذى انحنى قليلا..فلا شذوذإذن ى إصراره على أن يبدو دائما فى صورة المحتاج الذى يستدر عطف القادرين..ذلك العجوز يكسب الكثير من امتهانه السمسرة فى عقد الصفقات ..ورغم تقتيره على نفسه يحقق المزيد من المالل..فخلال عودته من العاصمة التى قصدها ليعرض نفسه على طبيب .زكاد أن يعطيه إحسانا بسبب مظهره البسيط.زنزل من القطار فى إحدى المحطات ..كان من عادته أن يغادر القطار دائما فى كل محطة قادمة ..بعد أن يخرج منتصرا من الصراع المرير حول كوب شاى ..ليكافىء نفسه بالشرب من الحنفية الخاصة بالقطار ..لكنه التقى بأربعة من عتاة السمسرة يظنونه قادما ليفسد عليهم صفقة كانوا فى انتظار عملائها..فتلك كانت عادته ..ولسوء حظهم أدرك العجوز لأول وهلة السبب الذى حدا بهم إلى الجلوس فى هذا المكان النائى العيد.. فساومهم على أن يتركها لهم مقابل أن يدفعوا له خمسة آلاف جنيه..فيدفعوا له قبل أن يتركهم ويواصل رحلة عودته .. مما تأكد معه قول "جوجول".ز"أن المديلا لايحتاج إلى اللجوء إلى طرق غير مشروعة"..الذى ذكره الكاتب فى صدر القصة..قصة"المليونير"

الإنسان الغريب الذى يجد السلوى فى وجود أبناء بلده معه .. يجعلهم يشاركونه حجرته الاتى يعيش فيها ..منذ أن غادجر بلده مهاجرا إلى العاصمة وعمل فيها.. لقد تعود أن ينسى ضياعه فى العاصمة مع أى مهاجر مثله ويحاول أن يستبقيه معه.. لكن المهاجر سرعان ما يحن إلى بلده ويتركه يعانى الوحدة والشياع.. حتى انتابه اليأس من بقاء أحدهم رغم الوعود الاتى يعدونه بها.. ولا يتخلص من معاناة الوحدة فى غربته تلكم..إلا بعد قدوم مهاجر جديد يسأل عنه..قصة:"غرباء".

الابن الذى يشعر بالضياع بعد أن يطرده أبوه ..رغم أنه زوج وأب..بسبب أنه رفع مديته فى وجهه.. ومدية البطل فى القصة"الابن" ليست مجرد ألة يستخدمها فى فرض سيطرته والاعتداء على الغير ..لكنها ترمز إلى القوة التى يرتكن إليها فى ضياعه..ويستطيع بها طرد الساكنالذى حل مكانه فى الشقة التى طردها منه أبوه.. ذلك الساكن الذى جعل من الشقة مكانا لممارسية المتعة المحرمة.. ووجد الاب أن ابنه أحق بها فيدعوه للعودة إليها بعد إخلائها من الساكن..لكن الاين لم يتحرر من الإحباط الذى منى به من تصرفات أبيه ..التى تركزت على إنفاق المال..بدلا من الانسياق فى صراع فكرى تكون نتيجته خسارة أكبر.ذلك رغم معارضة الابن الذى يرى أن مديته سوف تتكفل بتنفيذ مايريده الأب زز"قال أبى بملامح مرتاحة هادئة:
ـــ تأتى المصائب فى النقود أحسن ما تأتى فينا..لعل أحدنا كان سيجرى له شىء ..وربنا لطف
وأنا؟؟إنك لم تمنحنى شيئا ..سلبت منى كل شىء..فرحتى أمتها.. ماذا أخذت انا منك؟.."

ويظل الابن الذى لستطاع إخراج الساكن يعانى من الإحباط الذى سببه له أبوه..قصة:"المدية"

الموظزف البسيط القابع فى أرشيف المصلحة التى يعملبها يجد فى عمله باهتما ..لكنه يواجه بأن السبب فى تعطيل أعمال المصلحة .زالكل يوجه إليه الاتهامحتى المدير:
"كنت اعلم أنك السبب فى تعطيل المصلحة وفى تأخير مكاتبات..وفى تعطيل كل أعمالنا.. عشرات الشكاوى جاءتنى ضدك..ولكننى أرجأتها إلى هذا الاجتماع..فضلت أن أكلمك أمام كل هؤلاء ,اصابع الاتهامتشير إليك..إننى أمهلك أسبوعا واحدا لتتفادى كل هذه الأخطاء".

لكن يذهب إلى الاجتماع التالى ومعه زوجته وابنه المشلول وابنته وقط البيت..لم يخفف عنه إبداء التعاطف من الذين هاجموه أمام المدير بعد خروجه من الاجتما‘..وقررمواجهة الجميع كاشفا مرتكبى الإهمكال المنسوب إليه.. بدأ بمخاطبة المدير مشيبرا إلى انشغاله عن أعمالالمصلحة بسهراته الخاصة ..دون أن يأبه بمحاولة بعض الموظفين الاعتراض على مات يقوله..وكلما كالن المدير يحاول إيقافه..يتحفز القط فى وجهه..بما يجعله يلوذ بالصمت.. وبعد الاجتماع يعود الموضف وأفراد اسرته وقطهم إلى البيت..وهو يشعر بالانتصار.ويزهو بما قام به القط..فقد أثبت أن الاستقرار فى البيت والهناء العائلى..لايحد من الاستمتاع به عدم الاستقرار فى العمل ..ونسب الأهمال إليه.. رغم جديته فى العمل وتحميله أخطاء غيره..قصة:" الفارس".

العامل الذى يفقد عمله لسبب غير مقصود منه.. فتتركه زوجته وتذهب إلى بيت أبيها الذى يتوافر فيه الطعام.زفيخشى عليها من الانحراف ويطلب إعادتها.زفقال له الرجل العجوز:ــ
"ــ لما تلاقى العمل يابنى مراتك تحت أمرك."

وكأى عاطل يترك قدماه تقودانه بلا هدف .زفيصل المحطة ويكلفه أحد القادمين بحمل حقيبة ..فيفعل دونما انتظار لأجر لعدم قيامه بمثل هذا العمل من قبل..لكن الرجل يعطيه أجره.. يتناوله فى دهشة ويمضى..حيث يلتقى بمجموعة من الرجال يمارسون لعبة قمار .زيقف عن بعد ويراقب اللعب..فيطلب منه أحدهم أن يشترك فى اللعب أو يذهب.. بعد تفكير يبدأ فى المقامرة بالقطعة الفضية التى أعطاها له الرجل جزاء حمل الحقيبة..لكنه يتنبه إلى وجود غش فى اللعب ..الأمر الذى يتسبب فى حدوث مشاجرة ..تدخل فيها وكاد يتغلب على رجلينت من المجموعة..فيوقفها الرجل الذى كان يريد اللعب..ويعرض عليه العمل معهم ..فيقبل حتى يستطيع إعادة زوجته إلى بيته مادام قد وجد عملا..قصة:" "شغلانة".

الخادمة التى تنتظر قدوم سيدتها لتناول طعام الغداء معها ..بعد أن وعدتها بذلك..لقد قامت بإعداد كل ما تستطيعه من طعام..لم تفكر فى صنعه لنفسها.. لكن الوقت يمضى دون أن تحضر سيدتها ..بينما يقوم طفل باختلاس ما يمكنه من الطعام ..وبعد أن تفقد الأمل فى تحقيق زيارة سيدتها ..تأكل الطعام هى وأسرتها وهى تأسف على عدم مجيئها.. إن الأمر هنا ليس فى عدم مجىء السيدة .زفذلك شىء قد يكون من الطبيعى حدوثه..لكنه تصوير للأمل الذى لايمكن أن يتحقق.زقصة:" مستحيل"

اقتال إلى حد الإشراف على الموت.. بين عملاق وقزم جمعهما عمل كمشترك..بعد أن التقطهما رجل من الطريق لأدائه..فيتصارعان على الأجرة التى يحاول العملاق أن يستأثر بها وحده..فيتشبث به القزم ويرفض أن يترك له ما سيشترى به قوت أولاده.. قوة الصراع غير متكافئة ..ويكاد يتغلب فيها العملاق على القزم.. لكن القزم الذى أنقذ العملاق من موت محقق أثناء العمل..بدفعه بعيدا عن مكان سقوط صندوق ضخم.. بدفعه عنه ويذكره بما فعله معه.. فيتوقف العملاق عن محاولة القضاء على القزم..وتراخت أعصاب يديه على عنقه شيئا فشيئا.وكأن مخدرا جرى فى شرايينهما.زثم سقطتا جانبا كجثة هامدة..وأعطى الأجرة للقزم كى يطمئن على أنه سينال نصيبه منها..قصة:" الجنيه".

ذلك هو عالم شخوص مجموعته "غرباء"..نسجه من منطلق إنسانى ..وألقى الضوء من خلاله على البسطاء العاديين.. متوخيا الصدق فى عرضه لمشاكلهم وهمومهم.. واضعا قيد نظره معاناتهم فى واقعهم الحياتى ..فاستطاع أن يبدى بوضوح ماهية حياتهم .زبكل ما فيها من متناقضات وعوية..دون اللجوء إلى وضعهم داخل إطار مرسيوم ..وقجد ساعده على تقديمهم بتلك الصورة ..تواجده بينهم ومعايشته لهم باحتكاك مباشر..الأمر الذى أطلعه على خصائصهم وعاداتهم.. وقد بدا ذلك من خلال اهتمامه بذكر التفصيلات التى تقرب من الصورة كما هى فى الحقيقة..مما يجعل القارىء وكأـنه يعيش الأحداث فى اماكنها ..ويتابعها كما تجرى دونما حاجة إلى تخيل ما يتبادر إلى ذهنه.

وقد يبدو أن قصص المجموعة قريبة من الشخوص التقليدية ..إلا أنها تختلف عنها بمضامينها التى اختيرت بعناية..وتقديمها بشكل جيد.زومعالجة تختلف عن تلك المعالجات المرسومة.. ونجاح الكاتب فى ذلك لا خلاف عليه ..مما يمكن القول معه ..أنه استطاع تحقيق هوية خاصة به فى كتابة القصة القصيرة ..لم يلتزم فيها بالتقليدية التى كانت سائدة وقت بدء محاولاته فى الكتابة ..والشىء الواضح فى مجموعة "غرباء".. هو ارتباط شخوص القصص بواقعهم البسيط....وعدم التفكير فى الانفصال عنه..أيضا بشمولهم بإحساس الغربة ..وتعرضهم للضياع دون إحساس الغير بهم

وشخصيات "محمد حافظ رجب" رغم قسوتها وصراعها إلا أنها شخصيات حزينة مهمومة ..تؤرقها دائما قسوة الظروف وضعف الموةاجهة ..وتسقط همومها الذاتية وقسوتها النابعة من الداخل.
الكرة ورأس الرجل:
تمثل هذه المجموعة بالنسبة للقاص "محمد حافظ رجب..مرحلة ما بعد انبداية ..التى عمد فيها الكرة ورأس الرجل:
تمثل هذه المجموعة بالنسبة للقاص "محمد حافظ رجب..مرحلة ما بعد انبداية ..التى عمد فيها إلى التجديدبصورة جادة..الأمر الذى غير من نمط القصة التقليدية شكلا ومضمونا ..والآتى فى القصة القصيسرة روح الحياة والحركة بعد أن كانت تستكين فى رتابة إطار محدود ..لم يكن ثمة تفكير فى تجاوزه .. حتى بات هو الأصل الثابت غير القابل للحياد عنه ..ولا اختلاف لإى أنه استطاع كسر قيد الرتابة الممجوجة وتحطيمه تحطيما تاما..فأبدى القصة القصيرة كلوحة زاخرة بالحياة والحركة..تجذب القارةىء إلى التفكير فيما يريد الكاتب أن يقدمه له من خلال القصة..والذى قد لايصل إليه بسهولة..وتعذر فهم القارىء للقصة بقصد من الكاتب الذى يريد أن يعانى القارىء فى القراءة مثلما يعانى هو فى الكتابة ..خرج به عن مجال التسلية السائد فى مطالعة القصص التى يقرأها بهدف إضاعة الوقت ..وقد كان من المقرر صدور هذه المجموعة قبل مجموعة "غرباء".. لما تمثله بالنسبة للكاتب كمرحلة من مراحل التجديد ..وبعدها التام عن الإطار التقليدى ..إلا أن المسئولين عن النشر قدموها فى الصدور على مجموعة "غرباء" ربما لأنها ارتبطت بالضجة التى أثيرت حولها.

إن ما يبدو فى هذه المجموعة هو الخروج عن المألوف السائد فى كتابة القصة القصيرة التقايدية ..واختيار الكاتب لأسلوب غير منطقى فى الحياة ليحقق جذب اهتما القارىء ..وتأمل ما يقدمه له للوهلة الأولى التى يلتقى فيها معه..ثم يلقى به وسط دوامة من التفكير ليحاول الوصول إلى ما أراد الكاتب أن يقدمه له..منخلال المضمون الذى غلفه بشكل غريب عن الشكل الذى تعوده..
"قال الرجل الذى بلا رأس للشرطى الواقف خلف سور الملعب:
ــ هل لك أن تساعدنى ياسيدى الشرطى لأسترد رأسى الذى يلعبون به داخل الملعب.؟
ومد اتلشرطى يده ليتعلق بها قائلا:
ــ هيا بنا لنرى ما يمكننا عمله ."
لااختلاف فى أن القارىء سيظن على الفور أنه بصدد قراءة قصة لامعقولة ..ذلك لعدم تعوده على مثل هذا الأسلوب غير المنطقى فى الكتابة ..لكنه لايلبث أن يجد التحول فى الأسلوب ليسير سيره المنطقى..

"المجلة التى أكتب فيها لم تعد موجودة.زتركها الناس الذين كانوا السبب فى وجودها .. ساروا فى صفوف طويلة نحو الكوبرى يعبرونه ليعثروا على الملعب ..هناك يشترون بثمن المجلة تذاكر مباراة كرة القدم"..وتتلاشى الصعوبة تدريجيا ليجد نفسه قد بدأ يفهم القصة ..االتى شرع فى قراءتها ويحدد مضمونها..بأنها تدور حول كاتب فى مجلة يعانى من انصراف القراء عن شرائها ليوفروا ثمنها لشراء تذاكر مباراة من مباريات كرة القدم ..وقد أدى اهتمامهم بمشاهدة المباريات إلى كساد المجلة وعدم بيعها حتى توقفت عن الصدور وبيعت مطبعتها..لكن رئيس التحرير يبدى للكاتب عدم يأسه ومحاولتع فى إعادة إصدار المجلة ..ولا يكون من الصعب بعد ذلك تحديد الصراع الدائر فى القصة بين إعادة الاهتمام بالمجلة..وبين الاهتمام بكرة القدم ومشاهدة مبارياتها ..ومحور الصراع هو الجمهور ..القارىء والمتحمس للعب الكرة وحده..إلا أن القارىء يعترضه الأسلوب غير المنطقى لمرات أخرى خلال قراءة القصة..لكنه سيجد نفسه فى حاجة إلى إعادة قراءتهامرة أخرى..يحاول من خلالها فهم ما صعب عليه بسبب الغموض الذى واجهه فى المرة الأولى..حينئذ سيبدو له أن المضمون الذى تناوله الكاتب هو اهتمام الناس بالكرؤة أكثر من الثقافة..فالكاتب عرض رأسه على فريق من الفريقين يلعب بها بدلا من الكرة..لكنه رفض..فعرضه على الفريق الآخر الذى أخذه.

"رأسى مع الفريق الذى اختاره ..الفريق فز حتى الآن بأربعة أهداف ..اصطدم رأسى بشباك الفريق الذى رفض اللعب به..فانتزعه حارس المرمى من الشبالك بغيظ.. انتزع بإصبعه شعيرات من رأسى تشاقطت..فصررت على اسنانى من اللم..ولكن أحد اللاعبين صوب رمية عنيفة اصابت مخى..فتناثرت محتوياته ..ورأيت أوراق الكتب الكثيرة التى قرأتها تتطاير فى الهواء".

من ثم سيكتشف فى النهاية أن الجمل غير المنطقية ..قصد بها الدلالة على شىء ما.. وأنها بعيدة عن التهويمات التى قد توصف بها.. ومن الممكن أن تكون هذه القصة فوضى منظمة ..أو نظاما مهرجلا فى هرجلته تلقائية عذراء جميلة.. وقد يصعب علينا أن نصف شيئا غير مفهوم تماما..بعبارات مفهومة تماما.

وعلى ضوء ذلك يتراءى للقارىء ما عمد الكاتب إلى مواجهته به ..كى يدفعه إلى التفكير بمعاناة ليست سهلة..حوزل مضمون القصة..ويحقق بذلك مقصده ..قصة:"الكرة ورأس الرجل".

"فى الصباح الباكر دخل الرجل الصغير المنفعل علاى الموظف الكبير ..فى مؤسسة النقل العام..حاملا لفافة وقال:
ــ سيدى لقد ذبحت الثور الذى اعترضنى أمس فى التروللى.. أرجو أن تعيدوا لى الجزئين المكسورين فى رأسى..وتبحثوا عن عربات جديدة نخفف الزحام..وضع اللفافة أمام الموظف الكبير الذى يبتسم فى حفاوة وأدب جم....ومد الموظف يده وفتح اللفافة على مهل..وما كاد ينتهى حتى قفز من فوق مقعده صارخا وهرول إلى الخارج ينادى السعاة".

يجد القارىء نفسه أمام بداية غامضة إزاء موقف الموظف الذى يتقبل اللفافة بهدوء..ثم يقفز صارخا طالبا السعاة..ذلك بلإضافة إلى الجمل غير المنطقية ..لكنه إذا استمر فى القراءة سيبدو له أن الكاتب شبه الإنسان بالحيوان ..فقد قدم رأس الإنسان ..كرأس ثور..ثمك يبدو له أيضا الإيحاء التاريخى الذى اشار إليه الكاتب على لسان البطل ..الذى سأله الطبيب النفصانى عن جده:

" ــ هولاكو ياسيدى..جدى هولاكو.
قال الببرفسير وهو يعدل من وضع النظارة على أنفه:
ــ السؤال الأخير يا ابنى..لاتقلق..فى أى عصر أنت ..أتسمعنى؟.
ــ أسمعك جيدا ياسيدى البروفسير..فى عصر الثيران الهائجة".

إشارات وإيحاءات تاريخية ..وضع الإنسان فى صورة حيوان..أشياء استخدمها الكاتب قبل أن يكشف عن الحدث الرئيسى فى القصة..القائم عليه مضمونها..وهى واقعة الخيانة الزوجية.. وإذ كانت العادة أن يوصف الزوج الذى يجهل خيانة زوجته بذى القرنين.. فلا صعوبة فى معرفة رأس الثور فى القصة..والإيحاء التاريخى يعنى بالقطع أن الخيانة الزوجية قديمة قدم التاريخ.. وما حدث للبطل"ع" وتصرفه ..لا يختلف كثيرا عما يكون من الزوج المخدوع ..إزاء اكتشافه لواقعة الخيانة ..ورؤية شريك زوجته فيها..والرابطبين حادثى السرقة والخيانة ..بمثابة تشابهخ فى ارتكاب الفعل..قصة:"الثور الذى ذبح الرجل"

"محطة الرمل فى رأسى..رأسى واسع ..لكن محطة الرمل لاتملؤه..هاوية عميقة محفورة حديثا..وعربات لها عجلات تحمل التراب..ومعاول تحمل رجالا يشقون بطن المحطة.. مددت يدى ..وحككت جلدة رأسى فوقعت عربة..وسقط عامل يحمل قفة تراب فوق كتفيه".

صراع الإنسان من أجل البقاء..فى مكان يرتبط بوجوده..وملاحقة الشرطة له ..لكن صراعه ينتهى به إلى اليأس من عودته إلى ماكان عليه..إذ انتهى به الأمر إلى قسم الشرطة.."قادونى إلى مقر الحاكم..ألقوا بى فى البوكس..أنا مكسور القلب الآن "..صور الكاتب تلك المأساة من خلال استرجاع البطل لما حدث فى زمن مضى.. وفى مكان صار فى غربة عنه.. فترك كل الأحداث تدور داخل رأسه ..وتتساقط تباعا ..حتى توقفت عندما ذهبوا به إلى مقر الحاكم..قصة:" حديث بائع مكسور القلب".

"فى محطة الرمل..فى الأركان..فوق الأرصفة..فى ساحة النافورة ..عبيد يجلسون..وجنود رومانيون يسيرون..فى ايدى الجنود سياط..فى عيون العبيد خوف ".

استرجاع آخر لأحداث بدت على لسان البطلالراوى.. لكنه تصوير القهر ..الذى ربط بينه ..وبين ماكان فى عصر الرومان.زبوصف الباعة المطاردين .زبسبب حصولهم على الرخص لممارسة مهنهم بالعبيد..مع إلقاء الضوء على ما يلاقونه من تعنت ومشقة فى استخراج الرخص المطلوبة..قصة:"وزجف البحر".

الكاتب "ميم" الذى يهرب إلى العاصمة ..من قيد الأسرة المفروض عليه..حيث تتاح له فرصة النشر فى الصحف ..لكن الصحفى "سين" يشترط عليه شروطا ..والصحفى "عين" يسرق منه قصته ..ثم يأمر بطرده حتى لايبدو مافعله معه.. فيلتقى بالروائى"نون" الذى ينصت له وهو يقرأ قصته المستحدثة.زثم يبدى اعتذاره عن تحديد رأيه فيما قرأه أمامه ..فيتوه فى زحام العاصمة..

إضافة إلى الأسلوب الغير منطقى يبدو الرمز الصريح إلى اسماء معروفة ومشهورة ..وخشية الانزلاق إلى توضيح المضمون ..إلى حد الإشارة إلى ما يعرض له صراحة..يتراءى الاكتفاء.. بأن ما عرضه الكاتب ..ليس سوى صورة ..لما يتعرض له الكاتب ..الذى يعيش خارج العاصمة عندما يترك بلده..ويحاول البحث فى العاصمة عن فرصة لتقديم إبداعه الجديد..فلا يجد العون الذى يحتاج إليه..قصة:"جولة ميم المملة".

"بالأمس.
فى الليل.
بعد منتصف الليلبقليل..كان خليل موجودا".

بلغة شاعرية يعرض الكاتب مأساة جندى المطافىء ..الذى مات بعيدا عن مكان عمله.. أبدى بها رؤية شمولية دقيقة..لتلك اللحظات التى نسج منها القصة ..بتجسيد لمواقفها الحياتية يطرح بعدا أعمق للعلاقات الإنساني’..ومدى إحساس الغربة الذى يخيم عليها بكثافة شديدة..

"هو غريب ..والليل هو الآخر غريب..ابن غير شرعى للزمن..وابن غير شرعى لهذه المدينة".

لقد جاء من القرية ليقضى وردية ليلية فى حراسة منطقة من المدينة..لكنه يشك فى وجوده..فينكر اعترافه بوجود ورديته.. ويهرب إلى احضان زوجته.. يلاحقه شعور الغربة وهو منها ..فيقرر العودة إلى مكان ورديته.. فتصدمه عربة قبل ان يصل..ويفر صاحبها..وكما عاش غريبا..مات غريبا.. فقد أنكرته زوجته وأهلها عندما أرسل إليها يخبرها بما حدث له.

"تطلع خليل فى عينى العسكرى برعب:
ــ رفضت الحضور؟.
هز الهسكرى رأسه ..وبصق ذرة لحم باقية من لأذن الرجل الضامر على الأرض:
ــ الآن أغلق عينى.أموت غريبا كما كنت فى الشارع.
ولاحقته الغربة حتى فى تشييع جنازته ..قصة:"مارش الحزن".

الزوج الذى يتطرق إليه الشك فى سلوك زوجته..فيخشى عليها الغواية ..لما لاحظه من استعداد لديها فى التردى فى الخطيئة.. يلجأ إلى ضربها وطردها..لكنه يشعر بالوحدة بعد مغادرتها البيت.. ويسر عندما تعود..قصة:"الأمطار تلهو".

الانحراف داخل الأسرة الفقير تحت ضغط الحاجة.. والتمسك بالرجل الذى يستطيع ضمان ضرورات الحياة..حتى تأمن عدم العودة إلى حياة الضياع..قصة:" الطيور الصغيرة".

الابن الهارب من قسوة أبيه.. وعجزه عن الانتقام منه.. وزوجة الأب التى عن قتل الأب ..بينما تريد فى داخلها القضاء عليه..قصة:"الأب حانوت".

الإشارات السريعة بايجاز إلى مضامين القصص الأخيرة ..القصد منها عدم تكرار فيما قيل عن ما قبلها..إذ أنها تتفق معها إلى حد ما ..فى كيفية التناول ..وتشابها فى الشكل الذى قدمت به مع غيرها ..لكن تجديد الإشارة إلى محاولات التجديد التى تبدو فى بعض قصص المجموعة..بصورة مختلفة ..وضح فيها استخدام الأسلوب الغير المنطقى..والإيحاءا التاريخى والمسخ والرمز الصريح..

مخلوقات براد الشاى المغلى

يمكن القول بأن هذه المجموعة تتشابه إلى حد ما فيما تضمنته مجموعة "الكرة ورأس الرجل".. لكنها تعد امتدادا لمحاولات التجديد التى قام بها"محمد حافظ رجب"..وتوصل من خلالها إلى الشكل المتفرد به..
الإنسان الضائع الذى يحيا وسط عالم تسوده القوة.. والقهر المفروض ..فيحاول أن يصطنع قوة موهومة ..لكن نظرة الناس إليه كحشرة تظل كما هى.. ويبقى هو فى ضياعه.. يعلن عن قوته المزعومة ..ويسير خلف الأطفال يتابعونه بصياحهم..ساخرين منه..قصة:" برهوته والحمار المهموم".

رتابةى العمل المملة ..يعيشها الموظف الغريب فى العاصمة ..وهو يعانى قصوة مصيره الذى ألقى به وسط جمع من الموظفين أهملوه بينهم..لكنه رغمن الحنين إلى العودة من حيث أتى..يجد نفسه مشدودا إلى عمله ..ومرغما على مجاراة من يعملون معه فيما يبدون به.. قصة:" رجل معاق فى دوسيبه"

الزوج الذى يشعر بغربة زوجته عنه ..ثم يتأكد من خيانتها له..يعتدى عليها فتهرب منه.. لكنه يسعة لإعادتها إليه ..ويفرح عندما يجدها قد بددت وحشته.زقصة:"ذراع النشوة المقطوعة".

الانتظار لشىء ما..وسط الأشياء والمخلوقات .زالتى يستمد منها الغريب ..وجوده بمضى الزمن الممل.. عبره يتوال شريط الأيام الكئيب’.. يبدى كل مافيها..الأعور..وصاحب الساق المقطوعة..الذى ينتظر الحظ ليعوضه عن فقده لسانه..وغيرهما من المخلوقات المسحوقة ..هم علامة الاستمرار فى عالم الغربة.. ولم يكن ثمكة مفر فى النهاية من إنهاء الانتظار العقيم..قصة:"محلوقات براد الشاى المغلى".

المهاجر الذى سعى لصنع مصير جديد .زغير مصيره الذى ضاق به..بعد أن لازمه إلى حد المقت..يرسم أحلامه فى المدينة التى عاش فيه طفولته..طوال فترة الحرب.. حددها بالعمل فى المصنع والزواج من ابنة العمة التى تركها قبل أن يعود إلى مدينته. وطن أنه ودع ندى لأصحاب المطاعم والدكاكين..لكنه يكتشف أنه هرب من قيد ليستسلم لقيد آخر..لذلك "عاد كما جاء.عاطل يبحث عن الرجاء".. ولم يقبل البقاء .زفلم يكن ثمة فرق بين وضعه الذى كان والذى سيكون.. وما لبث أن استأنف عمله ..قصة:"عظام فى الجرن؟.

المرأة التى تنساق وراء رغباتها بعد عجز زوجها عن إشباعها ..رغم أن عجزه حدث نتيجة مأساة قدرية فقدا فيها ابنهما..لقد تركت كل شىء دون اهتما بما يربطهابزوجها وأولادها.. .زفهى تبطش بذكرياتهما غاضبة.. تخلع الماضى وتلقيه..فيتدحرج فوق السلم ..وتجرى عارية تقتحم باب الشعر..تبعثر الصوت ..وتنفخ فى بقايا هشيم الولدين..وتدس وجه الذكريات..وليظل زوجها كما هو..يغيب وسط ذهوله ..ويرى العالم من خلال جمجمته.. ذلك الزوج الذى قاسمها لحظات النشوة من قبل..وقاسمها قسوة الحياة..تحمل وحده الكارثة التى حلت..قصة:" أصابع الشعر".

تلك الإشارات السريعة إلى قصص المجموعة..قد تكون غير كافية للدلالة إلى مضمونها.. وقد يكون ثمة تساؤل عن الاقتضاب فى تناولها إلى هذا الحد.. إذ أنها تمثل مجموعة كاملة يتحتم تناولها بالقدر المناسب لها.. لكن تم ثم وقفة نوضح فيها عدم تناول قصص المجموعة مثلما تناولنا قصص المجموعتين السابقتين..لقد سادالغموض الكثيف غالبية القصص ..وبدا الرمز فيها غير محدد لما قد يوحى إليه ..وإزاء الغموض الكثيف ..والرمز غير المحدد..يصعب تحديد ما يعنيه الكاتب من تقديم هذه القصص ..التى يمكن القول بأنها تبدو للقارىء فى صورة السهل الممتنع.. بمعنى أنها فى مجموعها كقصة..تشبه تشابك مجموعة من الخطوط وسط دائرة محدودة الإطار.. يتلاقى الخط مع الآخر..ثم ينفصل عنه ليلتقى مع غيره.. لذلك يجد القارىء نفسه أمام مجموعة من الخيوط ..إذا مال تتبع أى منها .زسيجده ممتزجا بباقيها ..ولا يستطيع فصله عنها.. لكنها ككل تظل كشىء متماسك ..من ذلك المنطلق يتحتم على القارىء أن يقرأ القصة أكثر من مرة..حتى يجد لديه ما يجعله يتلاقى مع الكاتب حول ماتدور عليه القصة..إذ أنه فى المرة الأولى سيجد نفسه وسط حيرة يحاول الخروج منها.

ذلك من ناحية فهم القارىء للقصة..أما من ناحية كاتبها كإبداع جيد..لااختلاف عليه.. من حيث الشكل والمضمون ..والقصة تبدو كعمل همدسى متناسق الخطوط .زلامكان فيه للإضافة أو الحذف.. مع ملاحظة أن الأسلوب رغم سلاسته.. وعذوبته لايرتبط بالنسق المنطقى المتتابع..فهو ينساب بشاعرية موحيةتخلق التأمل لدى القارىء..على ان الكاتب فآ مثل هذه القصص .زقد يتعرض لمزالق فنيةى خطيرة تفسد عليهعمله..فقد يفشل فى خلق هذاالجو الشاعرى الموحى.زالذى يعوض القصة عن موضوعها العادى..وقد ينساق وراء الجمل الشاعريةى .زأكثر مما ينبغى..فينقطع سياق القصة ..ويغلب عليها طابع الشاعرية ..أكثر من طابع القصة..وقد يجنى القارىء نفسه على على امثال هذه القصص ..إذا لم يبذل من الجهد فى قراءتها ..ما بذله الكاتب من جهد فى كتابتها.زوأعتقد أنه رغم بعض التعبيرات التى تصيب القارىء بشىء من القلق فى هذه القصص ..فإن كاتبها قد وفق فيها إلى حد كبير..وهذا اتجاه إذا خلا من المبالغة وفكر كاتبه دائما فى مدى قدرة القارىء على متابعته..وإدراك تجربته .زجدير بالتشجيع .زفقد يخلص القصة القصيرة عندنا مما أصابها به.. الواقعية من نثرية مسرفة باعدت بينها وبين الجمال فى التعبير والتصوير.

على ضوء تناول قصص المجموعات الثلاث ..كما سلف ذكره بإشارات موجزة..قد لاتكون كافية..يمكن القول أن تجربة"محمد حافظ رجب".. فى القصة القصيرة تمثلت فى مراحل ثلاث:

أــ التقليدية.
ــ محاولات التجريب فى تطور الشكل التقليدى.
ــ التجديد.

والتقليد عادةهى بداية حتمية لكل كاتب جديد عندما يشرع فى الكتابة ..لأنه يفتتح مشواره الأدبى بمحاكاة السابقين له من خلال أعمالهم .زلذلك فلا يوجد فيه مايميزه عن غيره فى البداية.. وقد يكون صورة مطابقة تماما لما أخذ عنه.. من ثم فلا إضافة إلى ماكتب وقيل عن المراحل الأولى فى الكتابة بالنسبة للكتاب الناشئين المبتدئين.

أما محاولات التجريب .زفتلك التى يحاول فيها الكاتب تحديد سمة خاصة به ..تميزه عن غيره من الكتاب.. حتى لا يظل صورة مكررة لما سبقه..قد يفشل فى محاولة وينجح فى أخرى.

تبقى مرحلة التجديد التى انتهى إليها"محمد حافظ رجب".. فى كتابة القصة القصيرة.. وهى التى استطاع من خلالها تقديم القصة القصيرة بشكل متفرد حدد ماهية تجربته.. وجعله يبرز فى مقدمة الكتاب الشبالن من جيله الذى يمكن أن نحدده بالخمسينات والستينات.. ككاتب من كتاب قصة "مافوق الواقع" التى تعتمد على اليأس والغربة والانسحاب.. والرفض والغموض.. وعلى هذا النهج قدم قصصه بالتجديد الذى توصل إليه ..لكن تجربته فى كتابة قصة مافوق الواقع لم تكن المحاولة االأولى من كتابالقصة القصيرة فى مصر..فالمحاولات الأولى لاتجاه ما فوق الواقع فى القصة المصرية القصيرة ..لفى اعمال متفردة قدمها "بدر الديب"و"فتحى غانم"و"أحمد عباس صالح".. وكان ذلك فى بداية الخمسينات ..إلا أن تلك المحاولات لم تواصل التجربةحتى اكتمال نضجها ..كما واصل"محمد حافظ رجب".. وانتهى إلى تقديم تجربته بذلك الشكل الذى تميزت ب÷.. ولعل"محمد حافظ رجب".. أن يكون أبرز كتاب قصة مافوق الواقع..القصيرة فى مصثر..اعتمادا على هذا الانسحاب الداخلى.زبحيث لاتكاد تخلو قصة من قصصه من الاعتماد على الانسحاب الداخلى..وهو ماتكرر فى مجموعة"الكرة ورأس الرجل".. وقصص مجموعة"مخلوقات براد الشاى المغلى"..باستثناء بعض القصص فيها..لاتختلف عن قصص مجموعة "غرباء".. وتلك قد تخفف من حدة معاناة القارىء ..فى قراءة القصص التى تحتاج إلى بذل جهد كبير منه فى التفكير حتى يفهما.. وتبدو كوقفات راحة بينها.

لكننا من خلال ضوء عام على التجربة ككل .. يبدو فيها مجموعة محاولات تجريبية ..بدأت بالخروج على النمط التقليدى..من حيث المضمون.. والمعالجة.. ثم الكتابة بأسلوب غير مألوف ..واستخدام الجمل الصادمة وغير المنطقية..ثم إضافة الإيحاء التاريخى ..واستخدام الرموز الشخصية ..التى لايصعب تحديد أصحابها..ومنهم من جاءت أسمائهم فى قصة ..وأخيرا التركيز على استخدام الجمل الشاعرية التى تجعل القفصة قريبة إلى حد ما من القصيدة.

كل ذلك لايستخدمه الكاتب بعفوية..قد ينزلق إلى الخطأ من خلالها.. بل يحققه بفهم جيد يبعده عن إحداث أى خلل قى بنيان القصة ككل.. يضعف منها.. مما يؤكد وعيه بما يكتب..واهتمامه الدائم بأن يظل ملما بكل مايخطه طوال زمن الكتابة.

ومن خلال ضوء عام أيضا على شخصيات قصص"محمد حافط رجب؟.. كما قدمها فى قصصه ..نراها تتواجد فى واقع واحد..قد يختلف المكان لكنه لايتغير.. ذلك الواقع الذىتعيش فيه الطبقة البسيطة التى لايعنيها من الحياة أية تطلعات قد تحسن من وضعها.. ورغم قسوة الظروف التى تواجهها ..تظل تجتر همومها فى داخلها ..ولا تكشف عنها.. وتراها أيضا تستمد قوتها من ذاتها دونما اللجوء إلى غيرها.. تعيش كلها تحت خيمة من القهر تعانى همومها وأحزانها.

إشارة اخيرة:
لقد واجه"محمد حافظ رجب" بسبب تجربته الكثير من تعنت التقليديين فى البداية إلى حد التصدى لها ومحاولة حجبها عن النشر.. بينما كان البعض منهم يبدجى تشجيعه له ويحثه على الاستمرار هو وبعض من كانوا يشاركونه محاولة التجديد من جيل الستينات .زلكن لايعنى تشجيع بعض التقليديين للتجربة الجديدة.. أنه كان على وفاق مع أصحابها ..ويتفق معهم على مايقومون به من محاولات ..بل كان يبدى اعترافه بها وتشجيع من يقومون بها من منطلق مسايرة الشباب فى تجاربهم..حتى لايبدو فى موقف الرافض لها ويتهمنونه بالجمود والتخلف.. هذه حقيقة تأكدت بوضوح وعلانية خلال لقاءات أدبية كا يتصدرها من أفسحوا المجال لنشر نماذج من قصص التجربة الجديدة.. ولم يمانعوا فى أن يستمر الشباب فى تقديم كل جديد لديهم ..مبدين استعدادهم لنشره..ويطلبون منهم عدم التوقف عن محاولاتهم ..ولعل عدم التخلى عن التقليدية من هؤلاء..يكفى دليلا على موقفهم الحقيقى من محاولات التجديد.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007