[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
لحظات فى زمن لم ينته بعد قصة
التاريخ:  القراءات:(448) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : السيد الهبيان  

لحظات فى زمن لم ينته بعد

قصة:السيد الهبيان

ـــــــــــــــــــــ

وجها لوجه عشنا لحظات صمت..

تماما كما رأيت ياسيدى..

لم نتصافح..لم نتكلم..

تواجهنا فقط عن قرب..وكأن كل منا لايعرف الآخر.

فما السبب فى أن تحاصرنى بنظراتك هكذا؟ا

مابدا منا ليست فيه أية غرابة ..ولعلك شاهدته أكثر من مرة ..بتكرار ممل أو غير ممل..فهو يحدث من غيرنا كثيرا..وبصفة مستمرة.. لست وحدك من رآنا ..فكل الواقفين معك على محطة "الباص" رآنا ايضا..كما رأيتنا..ولم يبد أنهم وجدوا فى لقائنا مايثير انتباههم مثلك.

امرأة أتت إلى محطة "الباص"لتركب وهى فى طريقها إلى وجهتها.. تواجهت للحظات مع رجل كان يقف فى انتظار قدوم "الباص" قبلها.. لم يتبادلا أية كلمة.. ولم تحدث بينهما أية إشارات تشير إلى معرفة سابقة بينه وبينها.. ثم بدت المرأة وكأنها تراجعت عن رغبتها فى ركوب "الباص" فمشت..ولم تنتظر قدومه ..ذهبت دون أن يتبعها الرجل الذى ظل واقفا فى مكانه..الذى كان يقف فيه قبل أن تأتى أنت..ينتظر قدوم الباص الذى يريده.

بالتأكيد بدا تواجهنا للواقفين على محطة "الباص"من الأشياء العادية.. وتابعوه كأية متابعة عابرة دونما اهتمام..لأنهم مازالوا كما هم فى وقوفهم العادى..ينتظر كل منهم قدوم "الباص" الذى يريد أن يستقله..وأنا أيضا مثلهم..لكنك ياسيدى تثير قلقى بتطلعك الدائم نحو ..وكأنك مكلف مراقبتى .

أحاول العثور على أى شىء يكون قد بدا منى أو منها..يشير إلى سابقة معرفة بيننا.. ربما يكون قد حدث عفوا منا دون أن ينتبه إليه أى من الوقفين معنا غيرك..لقد استرجعت فى ذهنى اللحظات التى تواجهنا فيها أكثر من مرة..ولم أجد خلالها مايثير انتباه أى أحد..فكيف لاحظت أنت كما يبدو أن تواجهنا الذى حدث لم يكن مثل تواجه الغرباء..واستطعت أن تتخيل ما يتوافق مع مهمتك فى مراقبتى.. وترفض أن تعترف بشىء ينفى عنه عفويته.. هذا واضح من نظراتك ياسيدى ..ولعلنى لا أكون مخطئا فى ظنونى.. بأنك تحاول لملمت ما تريده فى تقريرك..على أساس وجود علاقة بيننا ..تفسرها أنت كما تريد.

لابأس..افعل ماتريد ياسيدى..شرط أن يكون ذلك منقذا لى من حصار نظراتك..حاول أن تصل إلى أية حقيقة تتخيلها أنت..ثم اقتنع بها وحدك.. وقم بتسطيرها كمجهود بارع منك..لن يضايقنى ذلك فى شىء..لأنك مهما حاولت أن تعرف حقيقة مابيننا ..لن تستطيع..حتى ولو ظللت تحاول ذلك باستعراض أشكال متقاربة لما توهمت أنه بدا لك.. لأن ذلك من المستحيل عليك.

أتعرف لماذا ياسيدى ؟.

لأنهم لم يتم بعد اختراع مايكشف عن كل مايدور داخل أذهان الغير.. فحتى الآن مازال الإنسان ينعم بخاصية عدم اختراق ذهنه لمعرفة مافيه.. ولو حدث فى يوم ما اكتشاف مايجعله عاجزا عن إخفاء اعتقاده واحتفاظه به لنفسه ..وكتمانه عن الغير.. فسيكون هذا انتهاء زمن الاحتفاظ بالأسرار.

ليتك ياسيدى تع ذلك جيدا ..لتريح ذهنك من عناء التفكير.. وتريحنى من حصار نظراتك..الذى يؤكد شكوكى نحوك.. ويجعل قلقى فى تنامى مستمر.

ماهذا ياسيدى الذى تفعله؟از

هه..هه..مم.. أ ...أ ..أنا.. أ..د..د.......آه.

كدت تجعلنى ياسيدى أسقط من طولى كما يقال..بسبب اقترابك منى بصور تثير الريبة فى نفسىمن ناحيتك.. ولولا توقفك على بعد خطوات منى يعلم الله ماذا كان سيحدث لى..لو لاحظت مايشى إلى ما أعنايه فى داخلى من جراء رؤيتك..ولعلك لاحظت التنهيدة الطويلة التى خرجت من صدرى .. عندما وجدتك تقف قبل أن تصل إلى..ثم تتطلع إلى جهة قدوم "الباصات" تترقب وصول ماتريده منها..بما يوهم أنك تقف وتنتظر مثلنا.. وليست لك أية مهام أخرى.. لكن عودتك الان إلى التطلع نحوى بإمعان.. يعنى أنك تشك فى وجود ما يربط بيننا ..هذا ما يبدو لى..ويؤكده إحساسى نحوك..

لكن ليكن ذلك حقيقة ياسيدى.. وعليك أن تظن ما يعن لك.. وتتخيل ماتريد.. فلن تخرج عن دائرة العهر الذى تجد شواهده تتحرك أمامك فى الشوارع أينما سرت.. فهى مرسومة على وجوه نساء وفتيات من مختلف الطبقات.. وبصور فاضحة..تجعلك لا تستطيع التمييز بسهولة ..بين الباحثة عن المتعة..وبين التى تبيعها .. أما عن تحديد ماهو بيننا ..فثق أنك ستعجز مهما حاولت..ومهما ظللت

تحاصرنى بنظراتك .

* * *
* * *
* * *
* * *
**

يبدو أنك لاتر غيرى ياسيدى.. مذا أقول غير هذا فذلك هو اعتقادى نحوك ومازال.. منذ اكتشفت وجودك بين الواقفين..ولا تهتم بوصول "الباصات" .. أحيد بنظراتى عنك تارة للتطلع إلى الطريق.. وتارة أجدها تعود إليك ..وتلتق بنظراتك فى لحظة خاطفة ..ثم تحيد عنك..لكن سرعان ما أعود إليك ..وهذه المرة تتوقف نظراتى عليك..وأحدق فى وجهك أنا ايضا.. بعد أن ضبطتك تلاحقها وهى تبتعد عنى .. التصقت نظراتك بعجيزتها..رغم أنها كانت تمشى بخطوات خالية من الإثارة.. ..ولم تكف عن ملاحقتها حتى ابتعدت عنك..واختفت وسط زحام الامارة..لاحظت عليك أنك تشتهيهاإلى حد يشى برغبتك فى اللحاق بها .. ولولا أنك اكتشفت رؤيتى لك حال تتبعها..لما تراجعت عن محاولتك اللحاق بها ..لكن يبدو عليك ضيقك منى..لأننى لاحظت مابدا منك نحوها..ولتواجدك فى مهمة ملاحقتى أينما كنت كما يبدو من اهتمامك بمراقبتى..

لعلك ياسيدى لاتمانع فى أن تشاركنى فيها لو عرضت عليك ذلك..أثق تماما أنك سترحب بهذا العرض إذا ما اقترحته عليك.. وتعدنى بأنك ستهمل تقريرك عنى.. لكن كيف ستحدد نصيبك فيها ..وما هو أساس القسمة التى ستكون بيننا..

عفوا ياسيدى ..أرانى تجاوزت فى خواطرى ..وتماثل لى ماقد يدور فى ذهنك..وتوهمك بأنك قد تصل إلى معرفة ما بيننا..لكننى أثق فى أنك لن تصل إلى ما يحققك رغبتك التى تبتغيها..وستظل جاهلا بحقيقة ما بيننا..والذى لايعرفه غيرى أنا وهى..والذى بدا قبل أن تتلقى الأوامر والتعليمات بملاحقتى ..على خلفية رفضـــــــى

للواقع المر الذى بات مفروضا علينا.

* * *
* * *
**

فى قاع الذاكرة ترقد صورتها الأولى التى التقطنها عيناى لها ..مازالت كما هى لم تتغير.. لذلك فهى تختلف كثيرا عما هى الآن .. تأكدت من ذلك عندما طفت على السطح من تلقاء نفسها.. تاركة قاع ذاكرتى لتتداخل مع صورتها الأخيرة التى رأيتها أنت معى قبل لحظات ..وجعلتنى اقارن بينهما من اللحظة الأولى التى تواجهنا فيها .

لاتسالنى ياسيدى عن نتيجة هذه المقارنة وما انتهيت إليه من خلالها .. فلن أستطيع أن أجيبك.. فلم أنته منها تماما بسببك .. أنت الذى جعلتنى أقطعها وأترك خطوطها الرئيسية تهرب منى.. لاتفكر فى أن تتبرأ من التهمة وتبعدها عنك ثم تحاول أن توهمنى بأننى أظلمك بظنونى هذه .. لأن الدليل القاطع على اتهامك لى مازال موجودا أمامى حتى الآن .. أعنى نظراتك هذه التى تحاصرنى بها .. لكن كيف ستعرف ما أقوله لك ..وحديثى إليك لا أقوله لك بصوت مسموع .. ومادمت لم أرك من قبل الآن .. وبالتأكيد أنت ايضا لم تروجهى من قبل .. فكيف أتكلم بعلانية معك

مايجمع بيننا حتى الآن نظراتك الفضولية التى مازلت تحاصرنى بها.. والتى هربت هى منها عندما شعرت بها .. لقد أحسسنا بها منذ اللحظة الأولى التى وقفت فيها بالقرب منى.. وتواجهنا فى صمت كما رأيت .. وعندما تطلعنا ناحيتك وجدناك قد أهملت التطلع إلى طريق الباص واهتممت فقط بمراقبتنا

لاشك أنك تجعل الآن من ذهنك مزرعة ظنون .. وتتخيل أن مابدا لك وراءه أشياء تحاول أن ترسمها بالصورة التى تميل اليها نفسك .. ولا أمل فى التخلص من حصار نظراتك غير أن أتجاهلها حتى يأتى" الباص "القادم فتركب أنت قبلى .. أو أركب أنا قبلك .. إذا كنا نختلف فى رقم "الباص " الذى ينتظره كل منا.. فى هذه اللحالة فقط سأستريح منك .. ومن نظراتك التى تلاحقنى بها.. أما إذا كان الباص القادم بالرقم الذى نريده أنا وأنت .. فمعنى هذا أنك سترافقنى أيضا بنظراتك .. ويعلم الله ماذا سيكون .

ساعتى تحدد لى أننى غادرت مكان عملى من بضع دقائق فقط .. تتطلع فى ساعتك أيضا وكانك على موعد.. لكن يبدوأنه موعد غير مهم بالنسبة لك .. ولا ضرر عليك إذا لم تصل إليه فى حينه .. لان ملامح وجهك تشير إلى عدم اللامبلاة

موعدى أنا أيضا غيرمحدد زمنه.. فزوجتى تعرف عدم انتظام وسائل المواصلات ..وازدحامها فى مثل هذا الوقت من كل يوم.. ولذلك فهى ستجد فى تأخير موعد عودتى إلى البيت ليس شيئا جديدا.. ولكن يبدو لى أنها ستضطر للاستسلام للقلق اذا ماتمادى الباص فى التاخير أكثر.. من ذلك وربما تراءى لها الكثير من الظنون بسببى ..وتخيلت أشياء تتوقع حدوثها لى.. فى حين لاأجد أمامى الآن غير عودتى.. للمقارنة التى كنت قد بدأتها لأتجاهل ملل الانتظار

لقد بقيت معالم صورتها الأولى مطموسة.. واختلطت ألوانها.. عندما شعرت بمراقبتك لنا ..ولولا الاشتهاء الذى بدا فى عينيك بوضوح.. وكشفت رغبتك فيها لظننت أشياء كثيرة ..أهمها أن تكون مراقبتك لىمقصودة .. وتحاول من خلالها إعداد تقرير بتحركاتى.. لتقدمه لمن احترفوا التدخل فىشئون الناس وتعذيبهم.. بصورة تنفى عنهم آدميتهم .. لا تسالنى من هم .. فسواء كنت أو لست منهم ..فأنت تعرف من أقصدهم.

أحاول الآن أن أحدد ملامح صورتها الأولى ..التى رأيتها عليها أول مرة.. أخرجها من قاع ..الذاكرة وافصلها عن كل صورها التى رأيتها بعد ذلك .. بالطبع لن تعرف أنت أىشىء عما افعله.. مادام حديثى لن يتعدى حدود ذهنى .. ومادام التعارف سيظل معدوما بيننا.. اتذكر صورتها فى ذلك الحين عندما رأتنى امامها كئيبا ونحيلا .. يرهقنى حزنى بسبب مايحدث فى زمن القهر الذى نعيشه.. وفى اللحظة التى تواجهنا فيها ..رأيت فى عينيها كل أحزان الدنيا

ــ بالتاكيد انت لاتعرفنى.

ــ وكيف أعرفك وأنا لم أرك من قبل؟.

ــ لكننى اعرفك.

ــ لاغرابة فى ذلك.

ــ أتقول لك امراة أنها تعرفك فتقول لها لاغرابة..

ــ هذا ليس بالجديد بالنسبة لى.

ــ كأنك تعرف الكثير من النساء.

ــ أبدا .. فربما نكون قد التقينا من قبل ولم أنتبه إليك.

ــ لكننى لاأعرفك معرفة عابرة.

ــ ماذ1 تقصدين؟.

ــ أقصد أننى اعرف كل شىء عنك.لحظات .

أخذت احدق فى وجهها بغرابة ودهشة وفى الحال بحثت عن خيط ما يكون بينى وبينها .. لكننى لم أعثر فى ذاكرتى على شىء يشير ‘إليها.

ــ ماذا تقولين؟ا.

ــ ماسمعت.

ــ غريبة .

أتعترف الآن فقط بالغرابة ..

ــ لم أحاول أن اتجاهل الحقيقة.

ــ أنا زوجة أحد زملائك.

ــ من تقصدين.

من تعمل معه فى مكتب واحد

لم أكن فى حاجة لأستوضحها أكثر من ذلك .. كى أعرف من تقصد ..وبدا لى التغير الذى حدث بوجهها ..وجعله يبدو كساجة مآسى.. بتلقائية أخذت اتلفت حولى خوفا من وجود من يراقبنا فى وقفتنا.. دون أن ننتبه إليه .. وبعد ان اطمأننت من وجودنا خرج دائرة المراقبة ..عدت احدق فى وجهها جيدا .. وأخذت أتامل الملامح التى كنت أحاول ان أرسمها قى ذهنى لها .. عندما كنت أتحدث مع زوجها عن أشياء تتعلق بالزوجات .. ويحكى لى عن سعادته معها..وحياة الحب التى يعيشانها..وتخيلتها فى صورة لم تختلف كثيرا عن صورتها التى رأيتها عليها معه ..فى إحدى المناسبات التى جمعت بيننا..

بدت لى كالمسافرة التى غابت عنى بضع سنوات

ــ يبدو أنك تذكرتنى..أعرفت من أنا.

ــ عرفت.

تنهدت فى ارتياح وكأنها تخلصت من عبء ثقيل كان يرهقها:

ــ كنت أخشى ألا تعرفنى.

عدت أتلفت حولى لاتاكد أننا مازلنا خارج دائرة المراقبة .. ثم واجهتها سألتنى:

ــ لماذا تتلفت حولك كثيرا؟.

ــ ابدا لاشىء ..

ثم سألتها:

ــ كيف عرفتينى؟ا

ــ وهل هذه معجزة؟

ــ نحن لم نتقابل من فترة طويلة.

ــ لأنك كنت تعتذر دائما عن زيارتنا.

ــ هذا مايجعلنى فى حيرة أكثر.

ــ كان يخدثنى عنك كثيرا وعن همومكما معا.. ثم رأيتك فى صورة جمعت بينكما.

ــ لكنى أتذكر أننى رأيتك معه .

ــ مرة واحدة لم تتكرر.

لم أعرف إذا كان من سوء حظى أننا التقينا أمامك ياسيدى ..أم أن الأمر سيمر بسلام.. فرؤيتى فى هذه الظروف السيئةبالنسبة لنا..وفى مثل هذا التوقيت المتزامن مع وقت خروجى من العمل ..قد لا يمر بسلام ..وأتعرض للمساءلة..فحاولت التخلص منها:

ــ أتريدين شيئا.

ــ جئت لأسالك عن زوجى.

شعرت برجفة وانا اردد :

ــ تساليننى عن زوجك ؟.

ــ لم يعد الى البيت امس

ــ كنت اظنه فى أجازة اليوم و...

بدا الفزع واضحا فى عينيها وهى تتساءل:

ــ ألم يحضر للعمل اليوم ؟

ــ لا.

كادت أن تسقط امامى ..عندما بدا لها انها فقدت الأمل الأخير فى معرفة اى شىء عنه .. وتساقطت والدموع من عينيها رغما عنها..فى تلك اللحظة أحسست فى داخلى باحتقارى لنفسى .. لأننى قابلت ماكان منها بالتجاهل التام.. وعدم المبالاة:

ــ لم اترك مكانا أعرف أنه يتردد عليه دون الذهاب إليه.

ــ وماذا كانت النتيجة

ــ الإجابة واحدة لم نره .. ولانعرف عنه شيئا.

ــ ........

ــ ألا تعرف أنت شيئا عنه ؟

كان صمتى وأنا أهز رأسى دلالة على النفى..

تركتنى ومضت وهى تحاول أن تكتم الدموع فى عينيها..تماما كما رأيتها أنت..بينما زاد احتقارى لنفسى ..لأننى لم أخبرها بما حدث له .. ولولا أنك نظرت إليها باشتهاء .. للاحظت مايبدو فى عينيها من انكسار.. يوحى الى المأساة التى تعيشها الآن .. أما أنا فقد ظللت أقف فى مكانى .. أتابعها بنظراتى وهى تبتعد عنى.. واكتم فى داخلى المعاناة التى فرضت علينا فى زمن القهر.. الذى نعيشه لكننى كنت فى دهشة من نفسى .. لأننى استطعت أنأاخفى عنها ماحدث لزوجها.. وتركتها جاهلة المصير الذى ذهب إليه.. حتى لا أزيد من ياسها فى عودته إليها.. لأنه الآن وكما يقولون وراء الشمس .. والطريق إلى ماوراء الشمس ياسيدى كما تعرف بلا صعوبة.. وفى سهولة الانزلاق من ممحدر..

ماعليك فقط إلا أن تتحدث علانية بما تهمس به لنفسك .. أو مايهمس به غيرك.. ستجد أن اعتراضك على لون الخبز الأسمر.. وعد نضجه جيدا مثلا.. قد تحول إلى دعوة للتحريض على التظاهر من أجل توفير الدقيق ..ولن تكون لديك فرصة لتسأل عن الذى قام متطوعا بنقل اعتراضك للجهات العليا.. لأنك ستكون قد انشغلت بما سيحدث لك ..والذى ستعيشه تجت وطأة كابوس .. يجعلك اكثرقربا من الموت..

بالتاكيد لو انك تعرف مابذهنى الآن ..لاستطعت أن تتكهن بأحد الأسباب التى تدفع بمن يذكرها علانية ..إلى السير فى الطريق المجهول النهاية ..ومنها اعتراض زميلى على ترقية كان يستحقها.. ثم نالها غيره ..

قد تقول ياسيدى أن هذا يحدث كثيرا.. لا باس ..أوافقك دون أدنى اعتراض .. لكنه اضاف إلى اعتراضه مايغرفه عن العلاقة التى تجمع بين المدير وسكرتيرته.. والى نتهامس بها فيما بيننا.. إذا ما أردنا أن نحدد من هو الزوج الحقيقى للسكرتيرة.. وكانت حيرتنا تتوقف بين المدير العام.. والموظف الذى نال الترقية بدلا من زميلى.. توقعنا حدوث شىء ما .. لكون عيون السيد المدير العام الموجودة بيننا..ستنقل له كل شىء .. وملحقاته.. فأخذنا نتكهن بما سيكون وبعد استعراض تصرفات السيد المدير العام فى مثل هذه الظروف لم نختلف فى أن الامر لن يزيد عن حادثة سرقة يكون المتهم فيها زميلى.. بشهادة بعض من يعملون معه ..

لاتسأل عن المبادىء والوفاء والأمانة ..هذه كلها ملصقات فى زمننا هذا.. ولست فى حاجة لأن تغرس فى نفسى ماهى مملوءة به .. فكل شىء فى مكان العمل يتحرك بإرادة السيد المدير العام .. وحادثة السرقة كانت اقصى ما كنا ننتظره .. لكنه فاجانا بوسيلة أخرى لم تكن تخطر بفكرنا أبدا..والتى كان أول ضحية لها زميلى .. فقد اتهمه باثارة الشغب فى مكان العمل ..وحاول إقناع من معه بتنظيم إضراب بسبب عدم ارتفاع الأجور .. بالرغم من زيادة الأسعار التى حدثت بسبب نقص السلع.. وبالطبع كان قد أعد شهوده على ذلك .. فلم يجد صعوبة فى الزج به إلى حيث المصير المجهول .. وق اكتشفنا أن عيون السيد المدير ترقب تحركاتنا.. لتحديد من كانوا يساندون زميلى فى دعوته إلى الإضراب ..والتى لم يكن لها وجود.. وكانت النتيجة اعتقال غير ه بسبب الاشتباه فقط .. اللأمر الذى جعل السيد المدير العام نفسه يخشى أن يتعرض للاعتقال أيضا.

عفوا ياسيدى.. لقد نسيت أنك لاتسمع ما أقوله لك .. لذلك فما زلت لاتعرف أى شىء عنها.. لكنك لو عرفت ذلك ..ستفكر فى الحال باللحاق بها.. لو فعلت ذلك حتما ستكون رفيقة زوجها فى المكان الذى يعيش فيه الآن ..وكذلك أنا..لكنك مازلت تتطلع مثلى إلى الجهة التى سيأتى منها "الباص".. الذى لانعرف متى سيأتى.. مثلنا فى ذلك مثل كل الوجوه حولنا..والتى تحمل عناوين للحزن والخوف.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

لحظات فى زمن لم ينته بعد

قصة:السيد الهبيان

ـــــــــــــــــــــ

وجها لوجه عشنا لحظات صمت..

تماما كما رأيت ياسيدى..

لم نتصافح..لم نتكلم..

تواجهنا فقط عن قرب..وكأن كل منا لايعرف الآخر.

فما السبب فى أن تحاصرنى بنظراتك هكذا؟ا

مابدا منا ليست فيه أية غرابة ..ولعلك شاهدته أكثر من مرة ..بتكرار ممل أو غير ممل..فهو يحدث من غيرنا كثيرا..وبصفة مستمرة.. لست وحدك من رآنا ..فكل الواقفين معك على محطة "الباص" رآنا ايضا..كما رأيتنا..ولم يبد أنهم وجدوا فى لقائنا مايثير انتباههم مثلك.

امرأة أتت إلى محطة "الباص"لتركب وهى فى طريقها إلى وجهتها.. تواجهت للحظات مع رجل كان يقف فى انتظار قدوم "الباص" قبلها.. لم يتبادلا أية كلمة.. ولم تحدث بينهما أية إشارات تشير إلى معرفة سابقة بينه وبينها.. ثم بدت المرأة وكأنها تراجعت عن رغبتها فى ركوب "الباص" فمشت..ولم تنتظر قدومه ..ذهبت دون أن يتبعها الرجل الذى ظل واقفا فى مكانه..الذى كان يقف فيه قبل أن تأتى أنت..ينتظر قدوم الباص الذى يريده.

بالتأكيد بدا تواجهنا للواقفين على محطة "الباص"من الأشياء العادية.. وتابعوه كأية متابعة عابرة دونما اهتمام..لأنهم مازالوا كما هم فى وقوفهم العادى..ينتظر كل منهم قدوم "الباص" الذى يريد أن يستقله..وأنا أيضا مثلهم..لكنك ياسيدى تثير قلقى بتطلعك الدائم نحو ..وكأنك مكلف مراقبتى .

أحاول العثور على أى شىء يكون قد بدا منى أو منها..يشير إلى سابقة معرفة بيننا.. ربما يكون قد حدث عفوا منا دون أن ينتبه إليه أى من الوقفين معنا غيرك..لقد استرجعت فى ذهنى اللحظات التى تواجهنا فيها أكثر من مرة..ولم أجد خلالها مايثير انتباه أى أحد..فكيف لاحظت أنت كما يبدو أن تواجهنا الذى حدث لم يكن مثل تواجه الغرباء..واستطعت أن تتخيل ما يتوافق مع مهمتك فى مراقبتى.. وترفض أن تعترف بشىء ينفى عنه عفويته.. هذا واضح من نظراتك ياسيدى ..ولعلنى لا أكون مخطئا فى ظنونى.. بأنك تحاول لملمت ما تريده فى تقريرك..على أساس وجود علاقة بيننا ..تفسرها أنت كما تريد.

لابأس..افعل ماتريد ياسيدى..شرط أن يكون ذلك منقذا لى من حصار نظراتك..حاول أن تصل إلى أية حقيقة تتخيلها أنت..ثم اقتنع بها وحدك.. وقم بتسطيرها كمجهود بارع منك..لن يضايقنى ذلك فى شىء..لأنك مهما حاولت أن تعرف حقيقة مابيننا ..لن تستطيع..حتى ولو ظللت تحاول ذلك باستعراض أشكال متقاربة لما توهمت أنه بدا لك.. لأن ذلك من المستحيل عليك.

أتعرف لماذا ياسيدى ؟.

لأنهم لم يتم بعد اختراع مايكشف عن كل مايدور داخل أذهان الغير.. فحتى الآن مازال الإنسان ينعم بخاصية عدم اختراق ذهنه لمعرفة مافيه.. ولو حدث فى يوم ما اكتشاف مايجعله عاجزا عن إخفاء اعتقاده واحتفاظه به لنفسه ..وكتمانه عن الغير.. فسيكون هذا انتهاء زمن الاحتفاظ بالأسرار.

ليتك ياسيدى تع ذلك جيدا ..لتريح ذهنك من عناء التفكير.. وتريحنى من حصار نظراتك..الذى يؤكد شكوكى نحوك.. ويجعل قلقى فى تنامى مستمر.

ماهذا ياسيدى الذى تفعله؟از

هه..هه..مم.. أ ...أ ..أنا.. أ..د..د.......آه.

كدت تجعلنى ياسيدى أسقط من طولى كما يقال..بسبب اقترابك منى بصور تثير الريبة فى نفسىمن ناحيتك.. ولولا توقفك على بعد خطوات منى يعلم الله ماذا كان سيحدث لى..لو لاحظت مايشى إلى ما أعنايه فى داخلى من جراء رؤيتك..ولعلك لاحظت التنهيدة الطويلة التى خرجت من صدرى .. عندما وجدتك تقف قبل أن تصل إلى..ثم تتطلع إلى جهة قدوم "الباصات" تترقب وصول ماتريده منها..بما يوهم أنك تقف وتنتظر مثلنا.. وليست لك أية مهام أخرى.. لكن عودتك الان إلى التطلع نحوى بإمعان.. يعنى أنك تشك فى وجود ما يربط بيننا ..هذا ما يبدو لى..ويؤكده إحساسى نحوك..

لكن ليكن ذلك حقيقة ياسيدى.. وعليك أن تظن ما يعن لك.. وتتخيل ماتريد.. فلن تخرج عن دائرة العهر الذى تجد شواهده تتحرك أمامك فى الشوارع أينما سرت.. فهى مرسومة على وجوه نساء وفتيات من مختلف الطبقات.. وبصور فاضحة..تجعلك لا تستطيع التمييز بسهولة ..بين الباحثة عن المتعة..وبين التى تبيعها .. أما عن تحديد ماهو بيننا ..فثق أنك ستعجز مهما حاولت..ومهما ظللت

تحاصرنى بنظراتك .

* * *
* * *
* * *
* * *
**

يبدو أنك لاتر غيرى ياسيدى.. مذا أقول غير هذا فذلك هو اعتقادى نحوك ومازال.. منذ اكتشفت وجودك بين الواقفين..ولا تهتم بوصول "الباصات" .. أحيد بنظراتى عنك تارة للتطلع إلى الطريق.. وتارة أجدها تعود إليك ..وتلتق بنظراتك فى لحظة خاطفة ..ثم تحيد عنك..لكن سرعان ما أعود إليك ..وهذه المرة تتوقف نظراتى عليك..وأحدق فى وجهك أنا ايضا.. بعد أن ضبطتك تلاحقها وهى تبتعد عنى .. التصقت نظراتك بعجيزتها..رغم أنها كانت تمشى بخطوات خالية من الإثارة.. ..ولم تكف عن ملاحقتها حتى ابتعدت عنك..واختفت وسط زحام الامارة..لاحظت عليك أنك تشتهيهاإلى حد يشى برغبتك فى اللحاق بها .. ولولا أنك اكتشفت رؤيتى لك حال تتبعها..لما تراجعت عن محاولتك اللحاق بها ..لكن يبدو عليك ضيقك منى..لأننى لاحظت مابدا منك نحوها..ولتواجدك فى مهمة ملاحقتى أينما كنت كما يبدو من اهتمامك بمراقبتى..

لعلك ياسيدى لاتمانع فى أن تشاركنى فيها لو عرضت عليك ذلك..أثق تماما أنك سترحب بهذا العرض إذا ما اقترحته عليك.. وتعدنى بأنك ستهمل تقريرك عنى.. لكن كيف ستحدد نصيبك فيها ..وما هو أساس القسمة التى ستكون بيننا..

عفوا ياسيدى ..أرانى تجاوزت فى خواطرى ..وتماثل لى ماقد يدور فى ذهنك..وتوهمك بأنك قد تصل إلى معرفة ما بيننا..لكننى أثق فى أنك لن تصل إلى ما يحققك رغبتك التى تبتغيها..وستظل جاهلا بحقيقة ما بيننا..والذى لايعرفه غيرى أنا وهى..والذى بدا قبل أن تتلقى الأوامر والتعليمات بملاحقتى ..على خلفية رفضـــــــى

للواقع المر الذى بات مفروضا علينا.

* * *
* * *
**

فى قاع الذاكرة ترقد صورتها الأولى التى التقطنها عيناى لها ..مازالت كما هى لم تتغير.. لذلك فهى تختلف كثيرا عما هى الآن .. تأكدت من ذلك عندما طفت على السطح من تلقاء نفسها.. تاركة قاع ذاكرتى لتتداخل مع صورتها الأخيرة التى رأيتها أنت معى قبل لحظات ..وجعلتنى اقارن بينهما من اللحظة الأولى التى تواجهنا فيها .

لاتسالنى ياسيدى عن نتيجة هذه المقارنة وما انتهيت إليه من خلالها .. فلن أستطيع أن أجيبك.. فلم أنته منها تماما بسببك .. أنت الذى جعلتنى أقطعها وأترك خطوطها الرئيسية تهرب منى.. لاتفكر فى أن تتبرأ من التهمة وتبعدها عنك ثم تحاول أن توهمنى بأننى أظلمك بظنونى هذه .. لأن الدليل القاطع على اتهامك لى مازال موجودا أمامى حتى الآن .. أعنى نظراتك هذه التى تحاصرنى بها .. لكن كيف ستعرف ما أقوله لك ..وحديثى إليك لا أقوله لك بصوت مسموع .. ومادمت لم أرك من قبل الآن .. وبالتأكيد أنت ايضا لم تروجهى من قبل .. فكيف أتكلم بعلانية معك

مايجمع بيننا حتى الآن نظراتك الفضولية التى مازلت تحاصرنى بها.. والتى هربت هى منها عندما شعرت بها .. لقد أحسسنا بها منذ اللحظة الأولى التى وقفت فيها بالقرب منى.. وتواجهنا فى صمت كما رأيت .. وعندما تطلعنا ناحيتك وجدناك قد أهملت التطلع إلى طريق الباص واهتممت فقط بمراقبتنا

لاشك أنك تجعل الآن من ذهنك مزرعة ظنون .. وتتخيل أن مابدا لك وراءه أشياء تحاول أن ترسمها بالصورة التى تميل اليها نفسك .. ولا أمل فى التخلص من حصار نظراتك غير أن أتجاهلها حتى يأتى" الباص "القادم فتركب أنت قبلى .. أو أركب أنا قبلك .. إذا كنا نختلف فى رقم "الباص " الذى ينتظره كل منا.. فى هذه اللحالة فقط سأستريح منك .. ومن نظراتك التى تلاحقنى بها.. أما إذا كان الباص القادم بالرقم الذى نريده أنا وأنت .. فمعنى هذا أنك سترافقنى أيضا بنظراتك .. ويعلم الله ماذا سيكون .

ساعتى تحدد لى أننى غادرت مكان عملى من بضع دقائق فقط .. تتطلع فى ساعتك أيضا وكانك على موعد.. لكن يبدوأنه موعد غير مهم بالنسبة لك .. ولا ضرر عليك إذا لم تصل إليه فى حينه .. لان ملامح وجهك تشير إلى عدم اللامبلاة

موعدى أنا أيضا غيرمحدد زمنه.. فزوجتى تعرف عدم انتظام وسائل المواصلات ..وازدحامها فى مثل هذا الوقت من كل يوم.. ولذلك فهى ستجد فى تأخير موعد عودتى إلى البيت ليس شيئا جديدا.. ولكن يبدو لى أنها ستضطر للاستسلام للقلق اذا ماتمادى الباص فى التاخير أكثر.. من ذلك وربما تراءى لها الكثير من الظنون بسببى ..وتخيلت أشياء تتوقع حدوثها لى.. فى حين لاأجد أمامى الآن غير عودتى.. للمقارنة التى كنت قد بدأتها لأتجاهل ملل الانتظار

لقد بقيت معالم صورتها الأولى مطموسة.. واختلطت ألوانها.. عندما شعرت بمراقبتك لنا ..ولولا الاشتهاء الذى بدا فى عينيك بوضوح.. وكشفت رغبتك فيها لظننت أشياء كثيرة ..أهمها أن تكون مراقبتك لىمقصودة .. وتحاول من خلالها إعداد تقرير بتحركاتى.. لتقدمه لمن احترفوا التدخل فىشئون الناس وتعذيبهم.. بصورة تنفى عنهم آدميتهم .. لا تسالنى من هم .. فسواء كنت أو لست منهم ..فأنت تعرف من أقصدهم.

أحاول الآن أن أحدد ملامح صورتها الأولى ..التى رأيتها عليها أول مرة.. أخرجها من قاع ..الذاكرة وافصلها عن كل صورها التى رأيتها بعد ذلك .. بالطبع لن تعرف أنت أىشىء عما افعله.. مادام حديثى لن يتعدى حدود ذهنى .. ومادام التعارف سيظل معدوما بيننا.. اتذكر صورتها فى ذلك الحين عندما رأتنى امامها كئيبا ونحيلا .. يرهقنى حزنى بسبب مايحدث فى زمن القهر الذى نعيشه.. وفى اللحظة التى تواجهنا فيها ..رأيت فى عينيها كل أحزان الدنيا

ــ بالتاكيد انت لاتعرفنى.

ــ وكيف أعرفك وأنا لم أرك من قبل؟.

ــ لكننى اعرفك.

ــ لاغرابة فى ذلك.

ــ أتقول لك امراة أنها تعرفك فتقول لها لاغرابة..

ــ هذا ليس بالجديد بالنسبة لى.

ــ كأنك تعرف الكثير من النساء.

ــ أبدا .. فربما نكون قد التقينا من قبل ولم أنتبه إليك.

ــ لكننى لاأعرفك معرفة عابرة.

ــ ماذ1 تقصدين؟.

ــ أقصد أننى اعرف كل شىء عنك.لحظات .

أخذت احدق فى وجهها بغرابة ودهشة وفى الحال بحثت عن خيط ما يكون بينى وبينها .. لكننى لم أعثر فى ذاكرتى على شىء يشير ‘إليها.

ــ ماذا تقولين؟ا.

ــ ماسمعت.

ــ غريبة .

أتعترف الآن فقط بالغرابة ..

ــ لم أحاول أن اتجاهل الحقيقة.

ــ أنا زوجة أحد زملائك.

ــ من تقصدين.

من تعمل معه فى مكتب واحد

لم أكن فى حاجة لأستوضحها أكثر من ذلك .. كى أعرف من تقصد ..وبدا لى التغير الذى حدث بوجهها ..وجعله يبدو كساجة مآسى.. بتلقائية أخذت اتلفت حولى خوفا من وجود من يراقبنا فى وقفتنا.. دون أن ننتبه إليه .. وبعد ان اطمأننت من وجودنا خرج دائرة المراقبة ..عدت احدق فى وجهها جيدا .. وأخذت أتامل الملامح التى كنت أحاول ان أرسمها قى ذهنى لها .. عندما كنت أتحدث مع زوجها عن أشياء تتعلق بالزوجات .. ويحكى لى عن سعادته معها..وحياة الحب التى يعيشانها..وتخيلتها فى صورة لم تختلف كثيرا عن صورتها التى رأيتها عليها معه ..فى إحدى المناسبات التى جمعت بيننا..

بدت لى كالمسافرة التى غابت عنى بضع سنوات

ــ يبدو أنك تذكرتنى..أعرفت من أنا.

ــ عرفت.

تنهدت فى ارتياح وكأنها تخلصت من عبء ثقيل كان يرهقها:

ــ كنت أخشى ألا تعرفنى.

عدت أتلفت حولى لاتاكد أننا مازلنا خارج دائرة المراقبة .. ثم واجهتها سألتنى:

ــ لماذا تتلفت حولك كثيرا؟.

ــ ابدا لاشىء ..

ثم سألتها:

ــ كيف عرفتينى؟ا

ــ وهل هذه معجزة؟

ــ نحن لم نتقابل من فترة طويلة.

ــ لأنك كنت تعتذر دائما عن زيارتنا.

ــ هذا مايجعلنى فى حيرة أكثر.

ــ كان يخدثنى عنك كثيرا وعن همومكما معا.. ثم رأيتك فى صورة جمعت بينكما.

ــ لكنى أتذكر أننى رأيتك معه .

ــ مرة واحدة لم تتكرر.

لم أعرف إذا كان من سوء حظى أننا التقينا أمامك ياسيدى ..أم أن الأمر سيمر بسلام.. فرؤيتى فى هذه الظروف السيئةبالنسبة لنا..وفى مثل هذا التوقيت المتزامن مع وقت خروجى من العمل ..قد لا يمر بسلام ..وأتعرض للمساءلة..فحاولت التخلص منها:

ــ أتريدين شيئا.

ــ جئت لأسالك عن زوجى.

شعرت برجفة وانا اردد :

ــ تساليننى عن زوجك ؟.

ــ لم يعد الى البيت امس

ــ كنت اظنه فى أجازة اليوم و...

بدا الفزع واضحا فى عينيها وهى تتساءل:

ــ ألم يحضر للعمل اليوم ؟

ــ لا.

كادت أن تسقط امامى ..عندما بدا لها انها فقدت الأمل الأخير فى معرفة اى شىء عنه .. وتساقطت والدموع من عينيها رغما عنها..فى تلك اللحظة أحسست فى داخلى باحتقارى لنفسى .. لأننى قابلت ماكان منها بالتجاهل التام.. وعدم المبالاة:

ــ لم اترك مكانا أعرف أنه يتردد عليه دون الذهاب إليه.

ــ وماذا كانت النتيجة

ــ الإجابة واحدة لم نره .. ولانعرف عنه شيئا.

ــ ........

ــ ألا تعرف أنت شيئا عنه ؟

كان صمتى وأنا أهز رأسى دلالة على النفى..

تركتنى ومضت وهى تحاول أن تكتم الدموع فى عينيها..تماما كما رأيتها أنت..بينما زاد احتقارى لنفسى ..لأننى لم أخبرها بما حدث له .. ولولا أنك نظرت إليها باشتهاء .. للاحظت مايبدو فى عينيها من انكسار.. يوحى الى المأساة التى تعيشها الآن .. أما أنا فقد ظللت أقف فى مكانى .. أتابعها بنظراتى وهى تبتعد عنى.. واكتم فى داخلى المعاناة التى فرضت علينا فى زمن القهر.. الذى نعيشه لكننى كنت فى دهشة من نفسى .. لأننى استطعت أنأاخفى عنها ماحدث لزوجها.. وتركتها جاهلة المصير الذى ذهب إليه.. حتى لا أزيد من ياسها فى عودته إليها.. لأنه الآن وكما يقولون وراء الشمس .. والطريق إلى ماوراء الشمس ياسيدى كما تعرف بلا صعوبة.. وفى سهولة الانزلاق من ممحدر..

ماعليك فقط إلا أن تتحدث علانية بما تهمس به لنفسك .. أو مايهمس به غيرك.. ستجد أن اعتراضك على لون الخبز الأسمر.. وعد نضجه جيدا مثلا.. قد تحول إلى دعوة للتحريض على التظاهر من أجل توفير الدقيق ..ولن تكون لديك فرصة لتسأل عن الذى قام متطوعا بنقل اعتراضك للجهات العليا.. لأنك ستكون قد انشغلت بما سيحدث لك ..والذى ستعيشه تجت وطأة كابوس .. يجعلك اكثرقربا من الموت..

بالتاكيد لو انك تعرف مابذهنى الآن ..لاستطعت أن تتكهن بأحد الأسباب التى تدفع بمن يذكرها علانية ..إلى السير فى الطريق المجهول النهاية ..ومنها اعتراض زميلى على ترقية كان يستحقها.. ثم نالها غيره ..

قد تقول ياسيدى أن هذا يحدث كثيرا.. لا باس ..أوافقك دون أدنى اعتراض .. لكنه اضاف إلى اعتراضه مايغرفه عن العلاقة التى تجمع بين المدير وسكرتيرته.. والى نتهامس بها فيما بيننا.. إذا ما أردنا أن نحدد من هو الزوج الحقيقى للسكرتيرة.. وكانت حيرتنا تتوقف بين المدير العام.. والموظف الذى نال الترقية بدلا من زميلى.. توقعنا حدوث شىء ما .. لكون عيون السيد المدير العام الموجودة بيننا..ستنقل له كل شىء .. وملحقاته.. فأخذنا نتكهن بما سيكون وبعد استعراض تصرفات السيد المدير العام فى مثل هذه الظروف لم نختلف فى أن الامر لن يزيد عن حادثة سرقة يكون المتهم فيها زميلى.. بشهادة بعض من يعملون معه ..

لاتسأل عن المبادىء والوفاء والأمانة ..هذه كلها ملصقات فى زمننا هذا.. ولست فى حاجة لأن تغرس فى نفسى ماهى مملوءة به .. فكل شىء فى مكان العمل يتحرك بإرادة السيد المدير العام .. وحادثة السرقة كانت اقصى ما كنا ننتظره .. لكنه فاجانا بوسيلة أخرى لم تكن تخطر بفكرنا أبدا..والتى كان أول ضحية لها زميلى .. فقد اتهمه باثارة الشغب فى مكان العمل ..وحاول إقناع من معه بتنظيم إضراب بسبب عدم ارتفاع الأجور .. بالرغم من زيادة الأسعار التى حدثت بسبب نقص السلع.. وبالطبع كان قد أعد شهوده على ذلك .. فلم يجد صعوبة فى الزج به إلى حيث المصير المجهول .. وق اكتشفنا أن عيون السيد المدير ترقب تحركاتنا.. لتحديد من كانوا يساندون زميلى فى دعوته إلى الإضراب ..والتى لم يكن لها وجود.. وكانت النتيجة اعتقال غير ه بسبب الاشتباه فقط .. اللأمر الذى جعل السيد المدير العام نفسه يخشى أن يتعرض للاعتقال أيضا.

عفوا ياسيدى.. لقد نسيت أنك لاتسمع ما أقوله لك .. لذلك فما زلت لاتعرف أى شىء عنها.. لكنك لو عرفت ذلك ..ستفكر فى الحال باللحاق بها.. لو فعلت ذلك حتما ستكون رفيقة زوجها فى المكان الذى يعيش فيه الآن ..وكذلك أنا..لكنك مازلت تتطلع مثلى إلى الجهة التى سيأتى منها "الباص".. الذى لانعرف متى سيأتى.. مثلنا فى ذلك مثل كل الوجوه حولنا..والتى تحمل عناوين للحزن والخوف.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *



لحظات فى زمن لم ينته بعد
قصة:السيد الهبيان
ـــــــــــــــــــــ


وجها لوجه عشنا لحظات صمت..
تماما كما رأيت ياسيدى..
لم نتصافح..لم نتكلم..
تواجهنا فقط عن قرب..وكأن كل منا لايعرف الآخر.
فما السبب فى أن تحاصرنى بنظراتك هكذا؟ا
مابدا منا ليست فيه أية غرابة ..ولعلك شاهدته أكثر من مرة ..بتكرار ممل أو غير ممل..فهو يحدث من غيرنا كثيرا..وبصفة مستمرة.. لست وحدك من رآنا ..فكل الواقفين معك على محطة "الباص" رآنا ايضا..كما رأيتنا..ولم يبد أنهم وجدوا فى لقائنا مايثير انتباههم مثلك.
امرأة أتت إلى محطة "الباص"لتركب وهى فى طريقها إلى وجهتها.. تواجهت للحظات مع رجل كان يقف فى انتظار قدوم "الباص" قبلها.. لم يتبادلا أية كلمة.. ولم تحدث بينهما أية إشارات تشير إلى معرفة سابقة بينه وبينها.. ثم بدت المرأة وكأنها تراجعت عن رغبتها فى ركوب "الباص" فمشت..ولم تنتظر قدومه ..ذهبت دون أن يتبعها الرجل الذى ظل واقفا فى مكانه..الذى كان يقف فيه قبل أن تأتى أنت..ينتظر قدوم الباص الذى يريده.
بالتأكيد بدا تواجهنا للواقفين على محطة "الباص"من الأشياء العادية.. وتابعوه كأية متابعة عابرة دونما اهتمام..لأنهم مازالوا كما هم فى وقوفهم العادى..ينتظر كل منهم قدوم "الباص" الذى يريد أن يستقله..وأنا أيضا مثلهم..لكنك ياسيدى تثير قلقى بتطلعك الدائم نحو ..وكأنك مكلف مراقبتى .
أحاول العثور على أى شىء يكون قد بدا منى أو منها..يشير إلى سابقة معرفة بيننا.. ربما يكون قد حدث عفوا منا دون أن ينتبه إليه أى من الوقفين معنا غيرك..لقد استرجعت فى ذهنى اللحظات التى تواجهنا فيها أكثر من مرة..ولم أجد خلالها مايثير انتباه أى أحد..فكيف لاحظت أنت كما يبدو أن تواجهنا الذى حدث لم يكن مثل تواجه الغرباء..واستطعت أن تتخيل ما يتوافق مع مهمتك فى مراقبتى.. وترفض أن تعترف بشىء ينفى عنه عفويته.. هذا واضح من نظراتك ياسيدى ..ولعلنى لا أكون مخطئا فى ظنونى.. بأنك تحاول لملمت ما تريده فى تقريرك..على أساس وجود علاقة بيننا ..تفسرها أنت كما تريد.
لابأس..افعل ماتريد ياسيدى..شرط أن يكون ذلك منقذا لى من حصار نظراتك..حاول أن تصل إلى أية حقيقة تتخيلها أنت..ثم اقتنع بها وحدك.. وقم بتسطيرها كمجهود بارع منك..لن يضايقنى ذلك فى شىء..لأنك مهما حاولت أن تعرف حقيقة مابيننا ..لن تستطيع..حتى ولو ظللت تحاول ذلك باستعراض أشكال متقاربة لما توهمت أنه بدا لك.. لأن ذلك من المستحيل عليك.
أتعرف لماذا ياسيدى ؟.
لأنهم لم يتم بعد اختراع مايكشف عن كل مايدور داخل أذهان الغير.. فحتى الآن مازال الإنسان ينعم بخاصية عدم اختراق ذهنه لمعرفة مافيه.. ولو حدث فى يوم ما اكتشاف مايجعله عاجزا عن إخفاء اعتقاده واحتفاظه به لنفسه ..وكتمانه عن الغير.. فسيكون هذا انتهاء زمن الاحتفاظ بالأسرار.
ليتك ياسيدى تع ذلك جيدا ..لتريح ذهنك من عناء التفكير.. وتريحنى من حصار نظراتك..الذى يؤكد شكوكى نحوك.. ويجعل قلقى فى تنامى مستمر.
ماهذا ياسيدى الذى تفعله؟از
هه..هه..مم.. أ ...أ ..أنا.. أ..د..د.......آه.
كدت تجعلنى ياسيدى أسقط من طولى كما يقال..بسبب اقترابك منى بصور تثير الريبة فى نفسىمن ناحيتك.. ولولا توقفك على بعد خطوات منى يعلم الله ماذا كان سيحدث لى..لو لاحظت مايشى إلى ما أعنايه فى داخلى من جراء رؤيتك..ولعلك لاحظت التنهيدة الطويلة التى خرجت من صدرى .. عندما وجدتك تقف قبل أن تصل إلى..ثم تتطلع إلى جهة قدوم "الباصات" تترقب وصول ماتريده منها..بما يوهم أنك تقف وتنتظر مثلنا.. وليست لك أية مهام أخرى.. لكن عودتك الان إلى التطلع نحوى بإمعان.. يعنى أنك تشك فى وجود ما يربط بيننا ..هذا ما يبدو لى..ويؤكده إحساسى نحوك..
لكن ليكن ذلك حقيقة ياسيدى.. وعليك أن تظن ما يعن لك.. وتتخيل ماتريد.. فلن تخرج عن دائرة العهر الذى تجد شواهده تتحرك أمامك فى الشوارع أينما سرت.. فهى مرسومة على وجوه نساء وفتيات من مختلف الطبقات.. وبصور فاضحة..تجعلك لا تستطيع التمييز بسهولة ..بين الباحثة عن المتعة..وبين التى تبيعها .. أما عن تحديد ماهو بيننا ..فثق أنك ستعجز مهما حاولت..ومهما ظللت
تحاصرنى بنظراتك .
**************
يبدو أنك لاتر غيرى ياسيدى.. مذا أقول غير هذا فذلك هو اعتقادى نحوك ومازال.. منذ اكتشفت وجودك بين الواقفين..ولا تهتم بوصول "الباصات" .. أحيد بنظراتى عنك تارة للتطلع إلى الطريق.. وتارة أجدها تعود إليك ..وتلتق بنظراتك فى لحظة خاطفة ..ثم تحيد عنك..لكن سرعان ما أعود إليك ..وهذه المرة تتوقف نظراتى عليك..وأحدق فى وجهك أنا ايضا.. بعد أن ضبطتك تلاحقها وهى تبتعد عنى .. التصقت نظراتك بعجيزتها..رغم أنها كانت تمشى بخطوات خالية من الإثارة.. ..ولم تكف عن ملاحقتها حتى ابتعدت عنك..واختفت وسط زحام الامارة..لاحظت عليك أنك تشتهيهاإلى حد يشى برغبتك فى اللحاق بها .. ولولا أنك اكتشفت رؤيتى لك حال تتبعها..لما تراجعت عن محاولتك اللحاق بها ..لكن يبدو عليك ضيقك منى..لأننى لاحظت مابدا منك نحوها..ولتواجدك فى مهمة ملاحقتى أينما كنت كما يبدو من اهتمامك بمراقبتى..
لعلك ياسيدى لاتمانع فى أن تشاركنى فيها لو عرضت عليك ذلك..أثق تماما أنك سترحب بهذا العرض إذا ما اقترحته عليك.. وتعدنى بأنك ستهمل تقريرك عنى.. لكن كيف ستحدد نصيبك فيها ..وما هو أساس القسمة التى ستكون بيننا..
عفوا ياسيدى ..أرانى تجاوزت فى خواطرى ..وتماثل لى ماقد يدور فى ذهنك..وتوهمك بأنك قد تصل إلى معرفة ما بيننا..لكننى أثق فى أنك لن تصل إلى ما يحققك رغبتك التى تبتغيها..وستظل جاهلا بحقيقة ما بيننا..والذى لايعرفه غيرى أنا وهى..والذى بدا قبل أن تتلقى الأوامر والتعليمات بملاحقتى ..على خلفية رفضـــــــى

للواقع المر الذى بات مفروضا علينا.
********
فى قاع الذاكرة ترقد صورتها الأولى التى التقطنها عيناى لها ..مازالت كما هى لم تتغير.. لذلك فهى تختلف كثيرا عما هى الآن .. تأكدت من ذلك عندما طفت على السطح من تلقاء نفسها.. تاركة قاع ذاكرتى لتتداخل مع صورتها الأخيرة التى رأيتها أنت معى قبل لحظات ..وجعلتنى اقارن بينهما من اللحظة الأولى التى تواجهنا فيها .
لاتسالنى ياسيدى عن نتيجة هذه المقارنة وما انتهيت إليه من خلالها .. فلن أستطيع أن أجيبك.. فلم أنته منها تماما بسببك .. أنت الذى جعلتنى أقطعها وأترك خطوطها الرئيسية تهرب منى.. لاتفكر فى أن تتبرأ من التهمة وتبعدها عنك ثم تحاول أن توهمنى بأننى أظلمك بظنونى هذه .. لأن الدليل القاطع على اتهامك لى مازال موجودا أمامى حتى الآن .. أعنى نظراتك هذه التى تحاصرنى بها .. لكن كيف ستعرف ما أقوله لك ..وحديثى إليك لا أقوله لك بصوت مسموع .. ومادمت لم أرك من قبل الآن .. وبالتأكيد أنت ايضا لم تروجهى من قبل .. فكيف أتكلم بعلانية معك
مايجمع بيننا حتى الآن نظراتك الفضولية التى مازلت تحاصرنى بها.. والتى هربت هى منها عندما شعرت بها .. لقد أحسسنا بها منذ اللحظة الأولى التى وقفت فيها بالقرب منى.. وتواجهنا فى صمت كما رأيت .. وعندما تطلعنا ناحيتك وجدناك قد أهملت التطلع إلى طريق الباص واهتممت فقط بمراقبتنا
لاشك أنك تجعل الآن من ذهنك مزرعة ظنون .. وتتخيل أن مابدا لك وراءه أشياء تحاول أن ترسمها بالصورة التى تميل اليها نفسك .. ولا أمل فى التخلص من حصار نظراتك غير أن أتجاهلها حتى يأتى" الباص "القادم فتركب أنت قبلى .. أو أركب أنا قبلك .. إذا كنا نختلف فى رقم "الباص " الذى ينتظره كل منا.. فى هذه اللحالة فقط سأستريح منك .. ومن نظراتك التى تلاحقنى بها.. أما إذا كان الباص القادم بالرقم الذى نريده أنا وأنت .. فمعنى هذا أنك سترافقنى أيضا بنظراتك .. ويعلم الله ماذا سيكون .
ساعتى تحدد لى أننى غادرت مكان عملى من بضع دقائق فقط .. تتطلع فى ساعتك أيضا وكانك على موعد.. لكن يبدوأنه موعد غير مهم بالنسبة لك .. ولا ضرر عليك إذا لم تصل إليه فى حينه .. لان ملامح وجهك تشير إلى عدم اللامبلاة
موعدى أنا أيضا غيرمحدد زمنه.. فزوجتى تعرف عدم انتظام وسائل المواصلات ..وازدحامها فى مثل هذا الوقت من كل يوم.. ولذلك فهى ستجد فى تأخير موعد عودتى إلى البيت ليس شيئا جديدا.. ولكن يبدو لى أنها ستضطر للاستسلام للقلق اذا ماتمادى الباص فى التاخير أكثر.. من ذلك وربما تراءى لها الكثير من الظنون بسببى ..وتخيلت أشياء تتوقع حدوثها لى.. فى حين لاأجد أمامى الآن غير عودتى.. للمقارنة التى كنت قد بدأتها لأتجاهل ملل الانتظار
لقد بقيت معالم صورتها الأولى مطموسة.. واختلطت ألوانها.. عندما شعرت بمراقبتك لنا ..ولولا الاشتهاء الذى بدا فى عينيك بوضوح.. وكشفت رغبتك فيها لظننت أشياء كثيرة ..أهمها أن تكون مراقبتك لىمقصودة .. وتحاول من خلالها إعداد تقرير بتحركاتى.. لتقدمه لمن احترفوا التدخل فىشئون الناس وتعذيبهم.. بصورة تنفى عنهم آدميتهم .. لا تسالنى من هم .. فسواء كنت أو لست منهم ..فأنت تعرف من أقصدهم.
أحاول الآن أن أحدد ملامح صورتها الأولى ..التى رأيتها عليها أول مرة.. أخرجها من قاع ..الذاكرة وافصلها عن كل صورها التى رأيتها بعد ذلك .. بالطبع لن تعرف أنت أىشىء عما افعله.. مادام حديثى لن يتعدى حدود ذهنى .. ومادام التعارف سيظل معدوما بيننا.. اتذكر صورتها فى ذلك الحين عندما رأتنى امامها كئيبا ونحيلا .. يرهقنى حزنى بسبب مايحدث فى زمن القهر الذى نعيشه.. وفى اللحظة التى تواجهنا فيها ..رأيت فى عينيها كل أحزان الدنيا
ــ بالتاكيد انت لاتعرفنى.
ــ وكيف أعرفك وأنا لم أرك من قبل؟.
ــ لكننى اعرفك.
ــ لاغرابة فى ذلك.
ــ أتقول لك امراة أنها تعرفك فتقول لها لاغرابة..
ــ هذا ليس بالجديد بالنسبة لى.
ــ كأنك تعرف الكثير من النساء.
ــ أبدا .. فربما نكون قد التقينا من قبل ولم أنتبه إليك.
ــ لكننى لاأعرفك معرفة عابرة.
ــ ماذ1 تقصدين؟.
ــ أقصد أننى اعرف كل شىء عنك.لحظات .
أخذت احدق فى وجهها بغرابة ودهشة وفى الحال بحثت عن خيط ما يكون بينى وبينها .. لكننى لم أعثر فى ذاكرتى على شىء يشير ‘إليها.
ــ ماذا تقولين؟ا.
ــ ماسمعت.
ــ غريبة .
أتعترف الآن فقط بالغرابة ..
ــ لم أحاول أن اتجاهل الحقيقة.
ــ أنا زوجة أحد زملائك.
ــ من تقصدين.
من تعمل معه فى مكتب واحد
لم أكن فى حاجة لأستوضحها أكثر من ذلك .. كى أعرف من تقصد ..وبدا لى التغير الذى حدث بوجهها ..وجعله يبدو كساجة مآسى.. بتلقائية أخذت اتلفت حولى خوفا من وجود من يراقبنا فى وقفتنا.. دون أن ننتبه إليه .. وبعد ان اطمأننت من وجودنا خرج دائرة المراقبة ..عدت احدق فى وجهها جيدا .. وأخذت أتامل الملامح التى كنت أحاول ان أرسمها قى ذهنى لها .. عندما كنت أتحدث مع زوجها عن أشياء تتعلق بالزوجات .. ويحكى لى عن سعادته معها..وحياة الحب التى يعيشانها..وتخيلتها فى صورة لم تختلف كثيرا عن صورتها التى رأيتها عليها معه ..فى إحدى المناسبات التى جمعت بيننا..
بدت لى كالمسافرة التى غابت عنى بضع سنوات
ــ يبدو أنك تذكرتنى..أعرفت من أنا.
ــ عرفت.
تنهدت فى ارتياح وكأنها تخلصت من عبء ثقيل كان يرهقها:
ــ كنت أخشى ألا تعرفنى.
عدت أتلفت حولى لاتاكد أننا مازلنا خارج دائرة المراقبة .. ثم واجهتها سألتنى:
ــ لماذا تتلفت حولك كثيرا؟.
ــ ابدا لاشىء ..
ثم سألتها:
ــ كيف عرفتينى؟ا
ــ وهل هذه معجزة؟
ــ نحن لم نتقابل من فترة طويلة.
ــ لأنك كنت تعتذر دائما عن زيارتنا.
ــ هذا مايجعلنى فى حيرة أكثر.
ــ كان يخدثنى عنك كثيرا وعن همومكما معا.. ثم رأيتك فى صورة جمعت بينكما.
ــ لكنى أتذكر أننى رأيتك معه .
ــ مرة واحدة لم تتكرر.
لم أعرف إذا كان من سوء حظى أننا التقينا أمامك ياسيدى ..أم أن الأمر سيمر بسلام.. فرؤيتى فى هذه الظروف السيئةبالنسبة لنا..وفى مثل هذا التوقيت المتزامن مع وقت خروجى من العمل ..قد لا يمر بسلام ..وأتعرض للمساءلة..فحاولت التخلص منها:
ــ أتريدين شيئا.
ــ جئت لأسالك عن زوجى.
شعرت برجفة وانا اردد :
ــ تساليننى عن زوجك ؟.
ــ لم يعد الى البيت امس
ــ كنت اظنه فى أجازة اليوم و...
بدا الفزع واضحا فى عينيها وهى تتساءل:
ــ ألم يحضر للعمل اليوم ؟
ــ لا.
كادت أن تسقط امامى ..عندما بدا لها انها فقدت الأمل الأخير فى معرفة اى شىء عنه .. وتساقطت والدموع من عينيها رغما عنها..فى تلك اللحظة أحسست فى داخلى باحتقارى لنفسى .. لأننى قابلت ماكان منها بالتجاهل التام.. وعدم المبالاة:
ــ لم اترك مكانا أعرف أنه يتردد عليه دون الذهاب إليه.
ــ وماذا كانت النتيجة
ــ الإجابة واحدة لم نره .. ولانعرف عنه شيئا.
ــ ........
ــ ألا تعرف أنت شيئا عنه ؟
كان صمتى وأنا أهز رأسى دلالة على النفى..
تركتنى ومضت وهى تحاول أن تكتم الدموع فى عينيها..تماما كما رأيتها أنت..بينما زاد احتقارى لنفسى ..لأننى لم أخبرها بما حدث له .. ولولا أنك نظرت إليها باشتهاء .. للاحظت مايبدو فى عينيها من انكسار.. يوحى الى المأساة التى تعيشها الآن .. أما أنا فقد ظللت أقف فى مكانى .. أتابعها بنظراتى وهى تبتعد عنى.. واكتم فى داخلى المعاناة التى فرضت علينا فى زمن القهر.. الذى نعيشه لكننى كنت فى دهشة من نفسى .. لأننى استطعت أنأاخفى عنها ماحدث لزوجها.. وتركتها جاهلة المصير الذى ذهب إليه.. حتى لا أزيد من ياسها فى عودته إليها.. لأنه الآن وكما يقولون وراء الشمس .. والطريق إلى ماوراء الشمس ياسيدى كما تعرف بلا صعوبة.. وفى سهولة الانزلاق من ممحدر..
ماعليك فقط إلا أن تتحدث علانية بما تهمس به لنفسك .. أو مايهمس به غيرك.. ستجد أن اعتراضك على لون الخبز الأسمر.. وعد نضجه جيدا مثلا.. قد تحول إلى دعوة للتحريض على التظاهر من أجل توفير الدقيق ..ولن تكون لديك فرصة لتسأل عن الذى قام متطوعا بنقل اعتراضك للجهات العليا.. لأنك ستكون قد انشغلت بما سيحدث لك ..والذى ستعيشه تجت وطأة كابوس .. يجعلك اكثرقربا من الموت..
بالتاكيد لو انك تعرف مابذهنى الآن ..لاستطعت أن تتكهن بأحد الأسباب التى تدفع بمن يذكرها علانية ..إلى السير فى الطريق المجهول النهاية ..ومنها اعتراض زميلى على ترقية كان يستحقها.. ثم نالها غيره ..
قد تقول ياسيدى أن هذا يحدث كثيرا.. لا باس ..أوافقك دون أدنى اعتراض .. لكنه اضاف إلى اعتراضه مايغرفه عن العلاقة التى تجمع بين المدير وسكرتيرته.. والى نتهامس بها فيما بيننا.. إذا ما أردنا أن نحدد من هو الزوج الحقيقى للسكرتيرة.. وكانت حيرتنا تتوقف بين المدير العام.. والموظف الذى نال الترقية بدلا من زميلى.. توقعنا حدوث شىء ما .. لكون عيون السيد المدير العام الموجودة بيننا..ستنقل له كل شىء .. وملحقاته.. فأخذنا نتكهن بما سيكون وبعد استعراض تصرفات السيد المدير العام فى مثل هذه الظروف لم نختلف فى أن الامر لن يزيد عن حادثة سرقة يكون المتهم فيها زميلى.. بشهادة بعض من يعملون معه ..
لاتسأل عن المبادىء والوفاء والأمانة ..هذه كلها ملصقات فى زمننا هذا.. ولست فى حاجة لأن تغرس فى نفسى ماهى مملوءة به .. فكل شىء فى مكان العمل يتحرك بإرادة السيد المدير العام .. وحادثة السرقة كانت اقصى ما كنا ننتظره .. لكنه فاجانا بوسيلة أخرى لم تكن تخطر بفكرنا أبدا..والتى كان أول ضحية لها زميلى .. فقد اتهمه باثارة الشغب فى مكان العمل ..وحاول إقناع من معه بتنظيم إضراب بسبب عدم ارتفاع الأجور .. بالرغم من زيادة الأسعار التى حدثت بسبب نقص السلع.. وبالطبع كان قد أعد شهوده على ذلك .. فلم يجد صعوبة فى الزج به إلى حيث المصير المجهول .. وق اكتشفنا أن عيون السيد المدير ترقب تحركاتنا.. لتحديد من كانوا يساندون زميلى فى دعوته إلى الإضراب ..والتى لم يكن لها وجود.. وكانت النتيجة اعتقال غير ه بسبب الاشتباه فقط .. اللأمر الذى جعل السيد المدير العام نفسه يخشى أن يتعرض للاعتقال أيضا.
عفوا ياسيدى.. لقد نسيت أنك لاتسمع ما أقوله لك .. لذلك فما زلت لاتعرف أى شىء عنها.. لكنك لو عرفت ذلك ..ستفكر فى الحال باللحاق بها.. لو فعلت ذلك حتما ستكون رفيقة زوجها فى المكان الذى يعيش فيه الآن ..وكذلك أنا..لكنك مازلت تتطلع مثلى إلى الجهة التى سيأتى منها "الباص".. الذى لانعرف متى سيأتى.. مثلنا فى ذلك مثل كل الوجوه حولنا..والتى تحمل عناوين للحزن والخوف.
******************






w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007