[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خلف الأسلاك الشائكة  خلف الأسلاك الشائكة
التاريخ:  القراءات:(813) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فاطمة منسي  
-1-

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصر

صاحبي صحفي ، يحب أن يصور ويسجل الأحداث كشهادة خاصة ، حمل كاميرته ، يريد أن يقتنص لحظة هاربة ، تكتظ بالأحداث ، لحظة ميلاد ، لحظة موت ، انفجار قنبلة مثلا .

تجولنا معا في أحياء المدينة ، أثناء هدنة تم الاتفاق عليها ، بين الأطراف المتحاربة .

المدينة مثل امرأة ، ترتدي ملابس الحداد ، شاحبة يجلل الحزن محياها . هكذا أصبحت حلب ، الأرض تكاد تكون محروقة .

قابلنا بعض الناس ، إنهم تحت الحصار والجوع ، تهددهم البراميل المتفجرة .

المنازل مهدمة ، وصلنا إلى حي قذف بالأمس ، واحترق الناس ودفنت آلاف الجثث، تحت الركام .

وانتقلنا إلى أحياء أخرى ، وصورنا مشاهد الحرق والقتل والدمار ، كانت المشاهد فوق الوصف .

ثم زرنا مكانا ، يطلق عليه مشفى ، بإمكانات بسيطة للغاية ، فكان هناك الجرحى ، ومن فقدوا أعضاءهم ، كان الوضع صعبا للغاية .

الناس يتحلون بالإيمان والشجاعة ، ولديهم إصرار على البقاء مهما كان الثمن .

قابلنا عائلات فقدت جميع أبناءها ، ولم يتمالك صاحبي نفسه ، عندما قابل رب إحدى هذه العائلات . بكى شفقة بالوالد .

سرنا صامتين ، تفطرت قلوبنا من مشاهد الموت والألم والعذاب ، واكتفينا بما رأيناه في ذلك اليوم .

-2-

عيناها حائرتان ، تتلألأ في أعماقهما دموع ، تجمدت لهول الفاجعة . العذاب يطل من عينيها ، ونظرتها التائهة المتألمة .

تعالت على إبداء حزنها ، والرثاء لحالها ، رغم صغر سنها ، قاومت رغبتها الدفينة في البكاء .

نظرت إلى المذيع الذي بدا متعاطفا معها ، مشفقا على طفولتها ، حاولت أن تتحلى بالهدوء ورباطة الجأش وهي تحكي قصتها فقالت : " الله يرحمه ، كان كل شيء النا ، ما نحسن نستغني عنه ، هو إيدنا ورجلنا ..."

تحدثت بلهجتها الشامية الجميلة ، بكل صدق ، ولطف ورقة عن علاقتهم بوالدهم المفقود .

باختصار بليغ وصادق : " كان إيدنا ورجلنا ، كل شيء عنا . "

ثم أردفت بعد صمت قصير ،" كان بيلعب معنا ويحضنا ...... "

ولم تتمالك نفسها ، فانهمرت دموعها ، وكتمت زفرة جرحى ، صعدت من أعماق روحها .

ماذا تفعل طفلة عندما تفقد والدها وهو كل شيء بالنسبة إليها .

طفلة دفنت طفولتها ، تحت الركام ، وكبرت ألف عام .

- 3-

دقت أجراس الكنائس ، بصوت جنائزي ، يحمل في موجاته الأسى والعذاب .

ورجعت المآذن ، أنين الباكين على ذويهم ، وزفراتهم الحرى .

المآذن تقف خاشعة ، والأجراس تدق نذير الحزن والخراب .

الأرض المباركة قد ارتوت بدماء الشهداء ، ودموع المكلومين . الخضرة اليانعة صارت سوادا .

لا شيء سوى السواد والأشلاء ، والخراب والدمار . دمار لا يكاد يصدقه العقل .

هنا أرض الموت ، محرقة كبرى ، هنا الموت بالمجان ، وإن حالفك الحظ فنجوت من الموت ، فأمامك الحصار والجوع والخوف .

الأرض المباركة ، أرض الجمال والخضرة والياسمين ، أصبحت الأرض اليباب .

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

تعددت الأسباب والموت واحد

ليس أمامك إلا الموت ، ولكن يمكن أن تختار طريقة الموت . ماذا تريد البراميل المتفجرة ، أو القنابل أو الغازات السامة ؟

لا شيء إلا الموت .

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره .....!

وإذا غامرت لتهرب من هذا الجحيم ، فأين تذهب ؟!

مئات الالآف هربوا من هذا الجحيم ، حملوا بعض الأمتعة القليلة ، وسلكوا طرقا متعددة عبر البر والبحر ، إلى أماكن متعددة ، منها تركيا ، اليونان ، مقدونيا ، النمسا وألمانيا .

شهد العالم اكبر هجرة للبشر بعد الحرب العالمية . تدفق العرب المسلمون من أهل سوريا ، على بلاد أوروبا المسيحية .

ثارت النعرات ، وجزع أهل أوروبا ، فربما بعد سنوات ، يفوق العرب الفرنجة ، ولكن القيم الإنسانية ، التي قامت عليها حضارتهم ، أجبرتهم على قبول اللاجئين .

من الموت إلى الموت ، هلك الكثيرون ، أثناء عبورهم البحر، وألقت بهم الأمواج العاتية ، على الشواطئ .

وزحفت الألاف من الناس ، مشيا على الأقدام ، وهم يعبرون ، من بلد إلى آخر ، من المجر إلى النمسا وألمانيا .

انتظر الألاف خلف الأسلاك الشائكة ، في ذل وهوان ليسمح لهم بالعبور ، تكدس الألاف في محطات القطار، في وضع إنساني ، بائس مثل النفايات .

أوروبا الكافرة كانت أكثر إنسانية من أمة العرب وأهل الإسلام ....!!!!!

رحم الله نزار قباني الذي قال :

أنا يا صديقتي متعب بعروبتي فهل العروبة لعنة وعقاب ؟

أمشي على ورق الخريطة خائفا ، فعلى الخريطة كلنا أغراب .

-4-

استيقظ العالم النائم على فراشه الوثير ، على صورة قاتمة مريعة ، طفل صغير يرقد على رمال الشاطئ ، طفل بريء ، هرب من الموت ليغرق في البحر، وترمي به الأمواج العاتية ، وتقذف بصورته ، في وجه العالم الذي سقطت إنسانيته ، وتفرج على شعب كامل يقتل بالليل والنهار .

وفجأة استيقظ ضمير هذا العالم المنافق ، وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي ، هذه الصورة التي تجسد مأساة شعب بكامله . إنه ليس مجرد طفل واحد قد غرق ، وليست فقط عائلة واحدة فقدت أو شردت بل هو شعب كامل ، وأمة عظيمة ، قتلت وشردت في أنحاء الدنيا .

فاطمة منسي ‏06‏/09‏/15

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007