[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نادر السباعى فى مجموعته حبل المساكين دراسة
التاريخ:الاثنين 9 نوفمبر 2015  القراءات:(319) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  

نادر السباعى فى مجموعته

حبل المساكين

السيد الهبيان

القارىء لقصص القاص السورى "نادر السباعى" .. يقف على مدى اهتمامه بتطويع تجاربه القصصية ..لمحاولات تستهدف فى الأساس تناول الحالات الإنسانية.. وذلك من خلال معايشة نماذج من تلك الحالات.. تبدو كشرائح من المجتمع البسيط .. وتعكس ما يعانيه ذلك المجتمع فى مسيرته الحياتية.التى اعتادها..وتبدو استمراريتها كواقع لصيق به لا يتطلع إلى تغييره.

بدا ذلك فى مجموعته القصصبة "نجوم بلا ضياء" مثلما يبدو أيضا من خلال قصص مجموعنه "حبل المساكين>. الصادرة ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق.

فثمة سمة مميزة تجمع بين النص القصصى فى المجموعتين..من السهل الوقوف عليها ..تتحدد هذه السمة فى اختيار أبطال القصص من واقع حياة مأساوية..تثير حيالها النزعة الإنسانية المبنية على الإحساس بما تعانيه من هموم ومتاعب.. تنسحب أيضا على المجتمع الذى تنتمى إليه.. ولا تقتصر عليها وحدها..فتجمع من ثم بين المعاناة الذاتية ..ومعاناة الطبقى الاجتماعية التى هى جزء منها.

على هذا الأساس تتشكل البنية القصصية عند "نادر السباعى" بكل مكوناتها ومفوماتهات..ليس فقط من حيث الشكل و المضمون..وإنما كل ما يكون عداهما أيضا.. مثل الدلالات والإيحاءات والرموز..وغير ذلك من الأشياء والمعانى..التى تبديها العملية الإبداعية حال إنجازها..ويقف عليها القارىء عندما بتعايش مع الأجواء التى تتماثل له.

من ثم يتجاوز الأمر مجرد القص أو الحكى.. ويستحيل إلى عملية إبداعية تتوخى إثارة الوعى الإنسانى ..ومخاطبة الشعور.. فتتحقق المشاركة الوجدانية بين المبدع والمتلقى.. ويتحقق التواصل اللاشعورى بين الإثنين..والذى يجعل من التجربة الإبداعية عملا له قيمته الفنية والأدبية.

هكذا الحال فى قصص "حبل المساكين"..الذى يتأكد إذا كان ثمة ولو قليل من الاهتمام .. والتأن حال قراءتها..حيث تبدو أهمية النص القصصى وطرق معالجته ..ويجعل منه فى النهاية إنجازا متميزا يشد الاهتمام إليه.

ذلك لأن "نادر السباعى" يعمد أن يتوخى الإيهام بالواقع..إلى درجة المحاكاة..وإن لم يكن كذلك ..قد تكون الحياة هى الحياة..بكل مافيها من إيقاع متباين..وقد تكون الطبيعة الإنسانية هى فى الأساس ..عنصر هام من عناصر التكوين البشرى..والحركة الحياتية كذلك من الأشياء الأسلوبية فى الرتم اليومى..وغير ذلك من الأشياء التى تكون فى مجموعها المألوف..وغير المألوف.. معا ماهية الطبيعة بكل صورها..لكن انتقاء كل ذلك ..أو بعضه..يبدى إلى حد ما ..رؤية الكاتب لما يعرض له..وما يحاول أن يقدمه من خلال عمله القصصى.

وهو فى سبيل ذلك لايتقيد بأى التزام محدد..قد يفرضه عليه الشكل الفنى.. ابتداء من تحديد الشخصيات التى يختارها..وعادة ماتكون نماذج إنسانية بسيطة..يعرض لحياتها بكل ما فيها..ويكشف عن همومها وتطلعاتها.. والحوائل المادية والمعنوية التى تحدد مكانها بين البشر ككل.. ومكانتها من درجات السلم الاجتماعى..وانتهاءا بلحظة التوقف التى لاتبدو كنهاية للقصة..وإنما بداية لمرحلة جديدة من حياتها..تكون مغايرة لما قبلها..دونما تحديد لعلام تنتهى.

قد تكون ثمة شخصية واحدة هى التى يتم التركيز عليها فى القصة..وقد يكون ثمة شخصيات يجمعها معا فى قصة واحدة..لكنه فى كل الأحوال ..يجمع بين مايكون فى دخيلة الشخصية ..وما يبدو حولها.. وذلك دونما تقيد لتحديد لحظة البداية.. التى تبدو بلا ثوابت لمكانها على وجه النحديد ..فى حياة الشخصية التى يعرض لها..وإن كانت تبدو كلحظة بدء للقصة..إلا أنها تبدو دائما من خلال الحاضر ..وتمتد للآتى ما أمكن..حتى لحظة التوقف أو النهاية التى يجعل منها خاتمة لها.. بينما يتماثل الماضى عبرها من خلال إشارات كاشفة دونما استرسال فيها..إذ تبقى بالقدر الذى يكون كافيا لإلقاء الضوء على حياة الشخصية قبل التواصل للآتى بعد ذلك..دونما تحديد لما سوف يكون.

ذلك تحقق بالفعل ..وبدا واضحا كل الوضوح بالنسبة للنموذج الإنسانى "أبو عنب" ..الذى ينتمى لأهل السوق الذين أشيع عنهم بأنهم لايرون الشمس.. بسبب أعمالهم التى تبدأ فى وقت مبكر قبل شروق الشمس..ولا ينتهون منها قبل مغيب الشمس.. وعلى "صوت المؤذن" الذى هو ميقتهم..ليعودوا إلى بيوتهم بعد إغفاءة حركة السوق.

لقد بدا "أبو عنب" وهو يمارس عمله الذى يرتزق منه..وتخذله شيخوخته فى أن يتمه مثلما كان من قبل..فيداعبه"الحاج عبد الرازق"الذى كان يراقبه من صدر دكانه.." لقد شخت يا أبا عنب مثل حمارتك".. فتلمع فى ذاكرته ذكرى الأيام التى كان فيها فى ذروة فتوته..ويجدد العزم فى إتمام عمله ..فيستثنيه"الحاج محمود" مرة ثانية ..ويؤكد له أن "أبو محمد" أقوى منه.. ويرد على تهكمه منه بأنه اكتسب ثقة أهل السوق مع أولاده الأقوياء.. ويستمر الحوار الذى يبدو منه .. أن الله لم يهب "أبا عنب" نعمة الخلف ..وأن "حميدو"ابن"أبو محمود" أنهى الخدمة العسكرية وينوى شراء سيارة سوزوكى.

هذا هو موقف الحال ..والذى يمضى بعده بطل القصة فى مسيرته المتهالكة ..بحكم الشيخوخة التى لحقته..ولحقت حمارته..ورغم ذلك عليه أن "يسابق الريح من أجل لقمة العيش ..يمضى يومه فى القبو الموغل فى القدم..بعيدا عن شمس النهار".. ويعتريه الأسى عندما يتذكر ممازحته لزوجته..وهو يتساءل عن موعد قدوم "بكرى الصغير"..فتحاول أن تقنعه بالصبر الذى عاشته..وتعده بأنه سيأتى لامحالة.. لكنه لم يأت..وبات عليه أن يعانى حرمانه من نعمة الخلف ..ومواجهة خصم عنيد ينازعه الرزق فى السوق..الأمر الذى استحال معه من ثرثار مرح..محب للدعابة والمزاح..إلى وجه جهم .."يصيح بأعلى صوته..يضرب..يشتم ..يلعن..وتفاقم غضبه عندما انزلقت حمارته وارتمى على الأرض.فنهض وسارع إلى ضربها وهى ممددة على الأرض..وأخذ ينط مهتاجا والسباب يخرج من فمه..لم يهدأ منه إلا عندما انتبه إلى أن حمارته مسبلة العينين..جامدة بلا حراك..ويسمع ضجيجا مريبا..يتبين بعده أن سببه الموتور الجديد المحمل بالبضائع..يقوده "حمدو" ابن أبو محمود..فيتمتم فى سره لاعنا الموتور..بعد ذلك يختفى من السوق ..ليظهر بعد أيام فى سوق الهال..يعمل فى تفريغ الشاحنات..وتعانق وجهه المعروق بالشمس الساطعة الدافئة.

هذا الطرح للتطور العمرى وحتمية مجاراته..يتباين كواقع يتحتم على بطل القصة أن يعترف به..ويسايره.. وإن كان ذلك يبدو وكأنه على مضض منه.. فبسبب عجزه عن إمكانية الفعل بالمعنى الذى يجب أن يقوم به..لأن إمكاناته البسيطة حالت بينه وبين العمل على "موتور" ..بدلا من حمارته التى نفقت بسبب شيخوختها.. تلك الشيخوخة التى تزامنت مع شبخوخة صاحبها.. الذى لم يستسلم لوهنها ..وتمسك بعزيمته التى يستعين بها على مواصلة العمل الشاق الذى جبل عليه.. ويمثل بالنسبة له مورد رزقه.

وبدا "الحاج صالح العطار" بطل قصة"مازدا 83"..لحظة استجابته لنداء الصلاة.. حيث يأخذ مكانه المعتاد فى الصفوف الأولى.. لكن لحظات الخشوع لله لم تشغله عن صفقة بيع سيارته.. التى امتلكها منذ وقت قريب..وتركها مركونة أمام بيته..بعد أن قادها ابن أخيه فى مشوارها الوحيد..لقد بات ما يشغله هو أن يبيعها بأعلى سعر يستطيع الحصول عليه..دون أن يقع فريسة فى أيدى السماسرة.. واستكثر على نفسه وهو شيخ سوق العطارين أن يقع فى شباكهم.. بينما كان قلقه على السيارة يكاد يفقده صوابه ..اشدة حرصه عليها.. وزاد من قلقه مشاهدته لحادث تعرضت له سيارة "مازدا" مثل سيارته ..وخشيته عليها من اللصوص.. كما فقد صوابه عندما شاهد أحد صبية الحى يلعب فوقها.. وسبه ولقنه درسا لن ينساه أبدا.. ثم طيب خاطره ..وأحبه بعد ذلك ..وتمنى أن يكون ابنه ..وابتسم وهو يعطيه من النقود ما اعتقد أنه سوف يسرى عنه.. وبعد أن تمكن من بيع سيارته بالثمن الكبير الذى أرضاه..ارتاح باله وشعر بنشوة وهو ينظر إلى السماسرة لنجاته من الرضوخ لهم.. ووضع المبلغ فى خزانته الحديدية وهو يردد لزوجته" الحمد لله يا رتيبة .رزق حلال".. ونام يحلم فى ليلته تلك..إلا أنه فى الصباح لم يذهب كعادته ليفتح محله..واستغرب جيرانه هذا الأمر..لكنهم عند الظهيرة كانوا يتناقلون نبأ وفاته ليلة البارحة.

ثمة تشابه قد يبدو مابين هاتين القصتين..واشتراك فعلى تمثل فى "السوق" كمكان واحد..وتحديد الأسرة بالزوج والزوجة..وكذا الحرمان من الولد الذى يمثل الأمنية لكل من بطلى القصتين..القابعة فى قرارة النفس ..والتى يستعجل"أبو عنب" تحقيقها ويجعل منها مصدر قلقه..ويكتمها "الحاج صالح العطار" الذى يبديها كأمنية عابرة..وينشغل عنها بمحاولات جمع أكبر قسط من المال..رغم اليسر الذى يعيش فيه..لكن المال يبقى هو الحد الفاصل بين راحة النفس وهدوء البال..من ارتضى بقدره منه..وقنع به وتجمل بالصير على ما قسمه الله له..مضى فى حياته..يواصل مسيرته فيها بصبر وعزيمة..ومن انشغلبه..وجعل منههمه الوحيد..انتابه القلق وغاب عنه الإحساس بالراحة..وافتقد الأمان..وباتت حياته من ثم بلا معنى.

بينما يبدو"عبد السلام مملوك" بطل قصة"القرار" ..لحظة التأكيدعليه للذهاب إلى قصر العدالة..لأن المحكمة تريد حضوره لتصدر قرارها بشأن تعويضه عن فقد ابنه..الذى دهمته سيارة وهو يلعب مع أقرانه فى الحارة.. وأثناء انتظاره لصعود القاضى للقصر..يغيب عنه القلق الذى انتابه ..وهو يرقب الناس فى حركتهم الدائبة كخلية نحل..ولا يفارقه الإحساس ببطء الزمن.. تتراءى له مسيرة عمله فى سوق النحاس.. والذى بدأها منذ أن كان صبيا.. يستعين بعائد عمله فى إطعام الأفواه التى لاتتوقف عن طلب المزيدمن الطعام والشراب.. وحصل خلال ذلك على لقب زعيم النحاس..لمهارته وفضله فى إنقاذ المهنة من الضياع.. بعد أن انصرف الناس عن شراء الأوانى النحاسية ..وسعوا لشراءقدور الألمنيوم الهشة..وذلك بتطبيع رقائق النحاس لتستحيل إلى أوانى فنية تبهج الناظرين.. ورغم ذلك ظل على قناعته..فلم يطالب بمزيد من الحقوق..أو يطلب شراكة معلمه فى الدكان..وظل على إخلاصه رغم ابتكاره الذى روج الصنعة وأنعشها..وانتشله من خواطره الصوت الذى ناداه للمثول أمام القاضى.. لكنه رغم ثبوت أحقيته فى التعويض عن فقد ابنه.. يعلن رفضه لقبول هذا التعويض ..لأن صغيره لايقدر بثمن..ولا يريد أن يقال عنه كزعيم النحاس أنه باع دم ولده.. ثم يخرج "من قاعة المخكمة التى تضج بالهمس مرفوع الرأس موفور الهيبة".. ويتزامن ذلك مع صوت مؤذن المسجد القريب من قصر العدل..وهويؤذن لصلاة الظهر..و"اختلجت فى داخله رعشات ناعمات كالحرير".

قد يبدو ثمة تأكبد فى هذه القصة على استمرارية التطور العمرى ..والبادى من استبدال الأوانى النحاسية بأخرى من الألمنيوم.. التى لاتضارعها قوة واحتمالا..وأيضا الاشتراك المكانى بينها وبين القصتين السابقتين.."أحياء لايرون الشمس"و"مازدا 83"..إلا أن البطل" عبد السلام مملوك" لايستسلم لاندثارالمهنة وعدم الإقبال عليها.. وإنما يعمل على إيجاد الرغبة فى اقتناء الأوانى النحاسية.. ليس من أجل استعمالها فى الطهى..وإنما لاستخدامها كقطع فنية تبهج الناظرين..ومن ثم يبدو وفاؤه لصنعته التى أتقنها.. وتمثل بالنسبة له مورد رزقه الوحيد..فى ذات الوقت يبدو فى نظر زوجته أنه السبب فى فقد ابنهما الوحيد..لتساهله فى السماح له باللعب فى الحارة..وتعريضه للخطر الذى تحقق فى دهس السيارة له.. وبعد ذلك يستكثر على نفسه قبول التعويض..حتى لايقال عنه أنه باع دم ولده..ويستسلم لقضاء الله وقدره فيما ابتلاه به.

على العكس من القصص الثلاث السابقة..تبدوقصة "الأيام الأخيرة"..حبث تتغير الحياة إلى الأسوأ ..بالنسبة للزوجين الطاعنين فى السن..فقد اختفت الأشياء الطيبة والجيدة.. وحلت مكانها بدائل من ذات نوعها.. لكنها تختلف عنها طعما ونكهة.. ذلك بالرغم من ارتفاع أثمانها الباهظة..والتى تقف حائلا يمنع الزوجين من الحصول عليها.. بسبب دخل الزوج المحدود الذى انخفض إلى نصف الراتب..بعد الاستغناء الجماعى عن العمل بقرار شمله..ولم يعد أمامه من عمل يعمله غير العيادة..والحديث عن الحال الذى انتهى إلى الأسوأ..والتندر بأطايب الطعام التى لم يعد لها وجود..فضلا عن استحالة الحصول عليها ..ولم يعد ثمة شك فى أن الدنيا قد انقلبت.. انقضى زمن الولائم العامرة..وأتى زمن الاشتهاء والرغبات المستحيلة..وتتألم الزوجة بسبب ضيق اليد التى يجعلها تعجز عن تجهيز وجبة إفطار رمضان يشتهيها الزوج.. ويتراءى لها أن ثمة من يطرق بابها..تتمثله طفلا أرسلته أمه بطعام طيب..لكن الصورة تتلاشى من ذهنها لحظة اطلاق مدفع الافطار..حيث يتناول الناس ما لذ وطاب من الأطعمة..ولا تزال هى تحلم بالطلق الشهى الذى يريده الزوج..ثم تسرع فى إعداد"الحراق اصبعوا" التى لاتستطيع غيره..والدموع متجمدة فى مآقيها.

وتتوافق ظروف معيشة الزوجين فى قصة "احتراق".. مع نفس ظروف معيشة الزوجين فى قصة "الأيام الأخيرة".. حيث يعيشان بنصف الراتب بعد أن أحيل الزوج إلى المعاش..بينما تضجر الزوجة من عجزها عن تدبير أمورها المعيشية..ويبدو الزوج مهتما بمحاولاته فى الكتابة .."ويسهر الليالى ليضع خلاصة فكره على الورق"..ورغم سوء أحواله المالية لايتوقف عن شراء الكتب..دون أن يعبأ باعتراض زوجته..التى لاتجد ثمة استفادة منها.. ولا تكف عن إثارة المقارنة بينه وبين أصدقائه.. الذين يعيشون حياتهم اللائقة.. بينما هو يدفن رأسه فى الكتب والمجلات التى لاتنفع.. فيسخر منها .."صحيح أنهم يمتلكون ثروات فائضة ولكن رؤسهم فارغة"..لكن كل منهما يظل على حاله ..إلى أن يفاجأ بوصول موافقة على نشر إحدى مقالاته..ويمنيها بمقدار المكافأة التى سينالها من وراء ذلك..فتغتبط ..وتغير معاملتها لتكون عكس ما كانت.. حنان ورقة..والعمل على تحقيق رغباته..ويظل هو على سروره وهو يعود إلى غرفته يعيد ترتيب أوراقه المبعثرة.

ويبدو بطل قصة"اللوحة" لحظة تواجده فى منزل أحد الأثرياء..يعرض عليه إحدى لوحاته.. التى تمثل له حال بيعها ..تدبير بعض المال لزوجته..وتحقيق رغبة ابنته الصغيرة بأن يشترى لها الموز الذى تحبه.. ورغم معاناته فى رسمها إلا أنه يفاجأ باعتراض زائر صاحب البيت عليها.. "هذا تجسيم".. ثم أتبع كلمته بحركة عصبية.."لايجوز إنه حرام".. وبعد أن يكرر صاحب البيت النظر إليها.. يطلب منه إجراء بعض التعديل عليها..ورغم ضرورة احتياجه لثمنها..يختلف معه فى وجهة نظره.. ويأهذ لوحته الحزينة وهو مكسور الخاطر.. وبدلا من أ، يذهب إلى البيت مهموما تقوده قدماه إلى الحانة..حيث سعرض عليه صاحبها آخر الليل شراء اللوحة لابنته التى تهوى الفن.. فتتم الصفقة بينهما ..ويعود إلى بيته فى منتصف الليل سعيدا بالنقود.. وباستطاعته شراء الموز لابنته.

العمل الإبداعى كما يبدو هو الهم الأكبر بالنسبة لكل من بطلى القصتين..بالنسبة للأول"مسرور...كان يضع الكتابة محور اهتمامه الأول.. يمارسها "كالنحات حين يحفر دون كلل..أو تعب.. كان يطتب مسوداته بخطه الردىء.. ويراجعها بصبر لا خدود له..وينسق أفكاره ضمن بحوث متفرقة".. وينتظر فى صبر نشر أعماله قى يوم من الأيام.. ويعرف الناس قيمتها.. بينما تبدو كتابته بالنسبة لزوجته دونما فائدة..وتجد فيها مايسبب لها الضنك فى عيشتها.. لكن قناعة الكاتب وصبره ..يتمخض عنها فى النهاية تحقيق ما كان ينتظره من نشر مقالاته.. ويحققان للزوجة زيادة فى الإنفاق.. فنستقيم الأمور بينهما من جديد..وبالنسبة للثانى "أنور".. رسم اللوحة الفنية بشكل مدروس وبرؤية فنية ..وحقق له بيع إحدى هذه اللوحات توفير المال لزوجته.. وشراء المموز لابنته الصفيرة.. ورغم فشله فى بيغعل لمن كان يريدها..إلا أنه يجد من يشتريها منه.. ويعطيه ثمنا لها يحقق من ورائه رغباته.

التشابه فى القصتين قد يبدو ..ولكن من خلال شكلهما العام فقط..فعذابات المبدع واحدة..والزوجة لا تختلف فى أى منهما عن الأخرى.. لكن تختص "اللوحة" بانعكاس ما يعانيه الفنان فى داخله..من حرمان..تمثل فى الثراء الكبير البادى بوضوح فى المنزل الفاخر الذى ذهب إليه..ووفرة الفاكهة الجيدة ..التى يعجز عن شرائها لابنته..ومدى انشغاله بهموم أسرته الصغيرة..التى يكن لها من المشاعر ..ما يجعله يحس بالانكسار إذا ما فشل فى تحقيق ضرورياته الملحة..كما بدا بوضوح الإحساس بالإحباط عندما يفتقد الفنان تقدير إبداعه..بما يناسب وجهده الذى بذله..حيث يستحيل الأمر فى النهاية بالنسبة للعمل الإبداعى ..إلى مجرد صفقات قد تفشل..وقد تتم..لا لتقدير قيمة اللوحة الفنية ..وإنما للزينة فى الصالونات لكونها جميلة فقط.

بشكل آخر تبدو محاولات" سليم حنطاية "بطل قصة" الجراد ..من أجل الحفاظ على الدار القديمة ..التى يفتقد من يقدر قيمتها مثله..فبينما تعنى بالنسبة له ذكريات الطفولة..بكل ملاهجها ومرحها..ووقوفه على كل ما تحتويه..وما تمثله من تاريخ قديم يتحتم الحفاظ على معالمه..وتمسكا بوصية الأب وهوعلى فراش الموت.."الدار ياسليم لاتفرط بها مهما كان الثمن..الدار وطن يابنى".. يواجهه "حمدى دباح" الذى يقترح عليه أن يبيعها.. عندما ذهب إليه بطلب كفالة للحصول على قرض من المصرف..ليتمكن من ترميم الدار التى تهالكت..فلم تعد ثمة قيمة للقديم..فيستنكر عليه أن يبيع دار الأجداد..وطن الذكريات.. وأيقن فى نفسه أنه لم يعد رفيق الطفولة الذى يعرفه..وعاش معه أيامهما الأولى ورافقه فى المدرسة..قبل أن يختلف طريق كل منهما عن الآخر..فواصل "سليم" دراسته ..بينما شارك "حمدى" والده فى عمله..وصار فى بحبوحة من العيش..لم تتحقق ل "سليم"..وتحطمت آخر المحاولات اليائسة بإصرار المدير.."لابد من كفالة تاجر"..فآلت الدار إلى مصيرها المحتوم.

ذات الإحساس بالعجز وإن كان أدى إلى انهيار الدار القديمة..رغما عن بطل قصة "الجراد"..يؤدى ببطل قصة الأفيورلى" إلى تحطم آماله وانهياره نفسيا ومعنويا..عندما لحقته المهانة على يد خيرزانى ..وهو فى سبيل استخراج معاملة السفر للخارج..كى يجمع المال الذى ييسر له تحقيق أحلامه..ويتزوج بمن يريدها قلبه..التى عاهدها على أن يقلع عن كل مسوئه..لكن أحلامه تحطمت على فوضى الطابور..الذى انتهى إليه..بعد تخطى الكثير من تعقيدات الروتين..كان يسعى إلى الهجرة بالرغم من أنها ستباعد بينه وبين محبوبته.. بعد أن باعدت بينهما الحرب من قبل..والتى أخذ يحكى عن حرصه عليها.. وما عاشه فيها من حكايات لزملاء الطابور..بعد أن غنى مواله..وتمنى فيه رؤية أرض العرب محررة من غدر العدا..وقطعت عليه الفوضى الاستمرار فيما يرويه.. وطالته لسعة الخيرزانة..لم يهتم بأن يعرف أى شىء عن مشاركة"الأفيوريلى" فى الحرب.."فى الوقت الذى تلسع فيه الناس هنا..أنا كنت هناك أحارب ..أستعيد المواقع..الأرض السهل..يبدو أنك لاتعرف قدر الرجال".. وعندما أفلتت منه الورقة تحت الأقدام.. اندفع بحركة سريعة وهوى بالقضيب على الخيرزانى أمام العيون الشاخصة.

ليست ثمة مصادفة أن تكون الفكرة الأساسية للقصتين ..على درجة من التشابه إلى هذا الحد..فالتعقيدات التى تقف حائلة بين إتمام المعاملات..على النحو الذى يجب أن يكون..ليست من الأشياء الغير مألوفة..أو الغريبة.. وما أكثرها عددا ونوعا.. لكن الأمر لاشك يختلف من حيث الدلالة ..التى نتجت من خلال العمل الإبداعى..فبينما تطرح القصة الأولى "الجراد"..من خلال الحصول على مايبقى دار الأجداد الموروثة..بتاريخها والذى هو جزء منه..يبدو من ينظر إلى الأمر نظرة اللامبالاة ..ويدعوه إلى التخلص منها..تطرح القصة الثانية"الأفيوريلى" قضية الإنسان الذى أقدم على التضحية بنفسه من أجل وطنه.. ورغم ذلك يجد نفسه محاطا بالمهانة..سواء فى الغربة التى يسعى إليها برغم جحيمها..أو داخل وطنه..دون أن يشفع له ما بذله من أجل الدفاع عنه..مما اضطره إلى الثورة على الواقع.

نفس الإحساس بالمهانة يعيشه المساعد "حمدان"..بطل قصة "حبل المساكين"..بسبب النكبة اتى حلت بالوطن.. وعاد يومها إلى "البيت مكسور الخاطر ملوى الرقبة"..ينعى مهارته العسكرية..وانتصاراته التى حققها من قبل..وبدت له "الحياة بألوان باهتة لامعنى لها..لم يعد الصباح هو الصباح..ولا المساء هو المساء..حتى طعم الماء تغير"..فحاول أن يشغل نفسه بزرع الأشجار فى حديقة الدار الضيقة.. وسعد ببستانه الصغير.. الذى أحب فيه شجرة معينة أسماها."حبل المساكين"..كرس جهده للاهتمام بها..وكانت بالنسبة له أعظم شجرة فى الوجود.. إلا أن ابنه "أحمد" الذى يدرس الزراعة ..يكشف بعض الطفيليات التى تصيب الزهور..تتسلل إلى زهوره.. ويقف على سبب ذلك..ويحدده فى الشجرة التى غرسها والده..التى تنمو بصورة عجيبة..ولم تترك بيتا فى حارة الريش لم تدخله.. فى ذات الوقت كان يعرف عناد والده إذا ما حدثه بشأنها.. ويبدو الأب سعيدا بابنه الذى يريد منه أن يحمل صفاته التى يريدها..ويتمتع برجولة حقيقية وخشنة.. خاصة وهو يملك الذكاء الحاد الذى يتمتع به ..لكنه تمنى لو أن قامته كانت أكثر امتدادا ..وعظامه أكثصر صلابة..وعندما سأله عما قرره بعد انتهائه من الامتحان ..يفاجأ بأنه قرر مواصلة دراسته الجامعية..يحاول أن يثنيه عن ذلك الترف..ويجيبه على تطلعاته التى يحلم بها من خلال دراسته علم النبات المولع به..والذى يحمل له عشقا موروثا.."أرى الدفاع عن الأرض أولا"..فيتجاهل الابن قول والده ويؤكد له "أن قضية الدفاع عن الأرض أمر ضرورى ولكن لها رجال",,فيقسو عليه الأب بنظرته..خاصة وكان قد شعر بأن هيبته قد ضعفت بالنسبة لذلك الابن..الذى ترعرع فى المدينة وعقله مازال ريفيا..وتنتاب الكوابيس الإبن التى تؤرقه بسبب الآفة التى تتلف الأشجار.. ولا يريد الأب أن يضع حدا لشجرته التى هى أساس البلاء..ولا يمتثل لمطلب أهل الحارة الذين يطالبونه بقطعها..وتقطع الشجرة دون أن يستطيع معرفة الفاعل.. وبعد نجاح الإبن وحصوله على البكالوريا..يزداد إحساسه بضياع هيبته..لشعورهبأن الإبن لم يعد مثلما كان..لكن بعد فترة يفاجىء الإبن الجميع بارتدائه ثيابه العسكرية.

تختلف هذه القصة عن بقية قصص المجموعةبشكلها الروائى..والذى يبدو بوضوح من خلال تتابع الحدث الرئيسى ..وهو غرس الأب لشجرته.. على مدى فترة زمنية تطاولت ..والفصل أحيانا بين اجتماع الإبن بأبيه فى بعض المواقف.. إلا أن الأم تبقى هى محور الالتقاء بين الأب والإبن معا..أو مع كل واحد منهما على حدة..وتبدو وكأنها تميل أكثر إلى تطلعات الإبن ..لما تجده فيه من تطور طبيعى لمسار الحياة.. وتطور الأجيال.. بينما يريد الأب أن يجعل من إبنه امتدادا له فى كل ماكان يتمناه له ولنفسه أيضا.. والذى يتحقق فى لحظة غير متوقعة منه..حيث يبدو الإبن الذى كان مولعا بدراسة علم النبات يرتدى الثياب العسكرية..وينضم لمن يدافعون عن الأرض.

ومثلما قسم الكاتب أبطال قصصه من الشباب والرجال.. وأبداهم يحملون هموما نفسية واجتماعية وأسرية.. قدم أيضا الطفل ..الذى تحتم عليه أن يقوم بدور البديل لرب الأسرة فى غيابه.. عليه أن يحافظ على البيت ويصون حرمته.. ويتحمل عبء توفير الطعام للأفواه المفتوحة..التى لم تع بعد ما يدور حولها.

الابن برجولته المبكرة فى قصة" شهريار المطعون"..ينتظر مع أمه والده الذىيبدو أنه سوف يأتى.. فقد تأخر فى العودة..وتناثرت الأقاويل عنه التى تؤكد ذلك..بعضها ينفى بعضها..فسبب القبض عليه وهو يبيع بضاعته فى تركيا ..يستحيل إلى حبه لامرأة استنبولية..والهجرة إلى ألمانيا للعمل..يقول عنها البعض القادم من اليونان.." بأنهم شاهدوه يسعى للعمل فى إحدى السفن التى تجوب العالم"..والإبن يجد قى كل ذلك مجرد أقاويل..من إبداع مخيلات الناس..لسد الفراغ لديهم..ولا يصدقها.."والدى يحبنا كيف يمكن أن يفرط بنا هكذا؟".. لكن كان عليه أن يعيش مع أمه..التى كان الأب يبذل الغالى والرخيص فى سبيل إرضائها.. ويريد أن يستطيع تلبية طلباتها التى لاتنتهى.. لكنها كانت تضيق به ..وتصده عنها عندما يسوء الحال..ولكن على العكس من ذلك إذا ما جلب لها ما يسعدها.. وأثناء غيابه الأخير عنها تفقد ابنتها.. لكنه يفاجأ بتخليها عن حزنها عليها واهتمامها بزينتها..وتعلن فى اهتياج واضح.." إلى متى سيبقى الحزن مخيما على بيتنا؟" ثم تطلب منه أن يغادر البيت ..ولا يعد قبل التاسعة برغم الجو الشتائى.."يمكنك أن ترتدى معطفك".. فعليه أن يؤجل تصليح الحنفية لانتظارها زوارا..وتنقده على غير العادة ليستمتع بوقته.. إلا أنه يعود إلى البيت وسط انهمار المطر بعد أن انتابه الشك حول مصدر النقود التى حصلت عليها..ويفاجئها مع رجل لا يعرفه..ويحاول أن يبدى حياله بعض الاهتمام.. لكنه يحسم الأمر بضرورة خروجه من البيت.."ليس لنا أقارب".."لازوار أثناء غياب والدى "..وواجه تدخل الرجل بعزمه على الاعتداء عليه..وبعد زوال العاصفة يشعر بما تعانيه أمه بسبب غياب والده عنها..وما أن يلمح شلال حنان فى عينيها يسرع إليها.

والإبن "يوسف" بطل قصة "الانتظار" ..المولع بقراءة الصحف القديمة ..ويتمنى أن يقرأ عنوان العودة ..ليعود إلى بلدته "صفد"..التى لاتفارقه صورتها أبدا..يبدو وهو يترقب عودة أبيه الغائب إلى المخيم الذى يعيشون فيه.. لتهدأ لوعة الأم التى تتحرق على غيابه..وليتدبر له ولإخوته مايشبع الأفواه المفتوحة.. تعددت حكايات أهل المخيم عن الغياب الذى طال..فكان يطلق حسرة عميقة على الدار التى هجرها..والتى تشعره ذكرها بغربة قاتلة..مثلما كان يشعر بما تعانيه أمه..التى" ماتزال تحتفظ بجمال نارى..لكن الحزن الذى غطى وجهها "..يذكر بجوع الأرض..ويضطر تحت إلحاحها إلى أن يسعى لأحد البساتين للحصول على بعض أقراص اللفت ..الذى تعود أن يأكله مقليا فى زيت "الكوكز" فى الأيام الجائعة.."كان منكس الرأس ..بمضى بخطوات مبعثرة..يخفق بين ضلوعه قلب شيخ".. دار فى خلده ما كان يردده الأب عن العودة..و"تذكر شجرة الجوز التى كان يلعب تحت أغصانها المجنونة مع "سلمى" التى لاينسى أول زهرة أهداها إليها..وفى البستان عثر على ضالته فى أحواض اللفت ..فأخذ يجمع مايقع تحت يديه منها..دونما خشية من البستانى الذى ظنه نائما..ويثق بقدرته على الجرى إذا ما انتبه إليه.. واكتشف وجوده.. إلا أن البستانى أدركه بغنيمته بعد أن جرى منه طويلا.. وهوى عليه بالصفعات والضربات الموجعة.. "تلك اللحظة تذكر أوجاعه كلها"..فانتفض وانبرى يقاومه ..حتى استطاع الإفلات منه.. لكنه عندما وصل إلى البيت اكتشف أنه لم يعد إلا بقرص واحد تدحرج.. ورأى معه بقايا قلم صغير يستقر على الأرض.

كما بدا ذلك أيضا فى قصة" يوم من حجر"..فبطلها الصغير "رمو الأخرس" ..الذى تشغله مساعدته لوالده فى عمله..عن الاهتمام بدراسته.. لأن والده يريده أن يمتهن مهنته..ويكفيه أنه تعلم حتى الصف السادس فقط..هذا البطل الصغير يعترف بشجاعة لمعلمه فى المدرسة بكتابة لعبارة تحث على مؤازرة الانتفاضة الفلسطينية ..كما يبدو ..ويشارك أقرانه من التلاميذ فى إبداء رغبتهم فى المشاركة فى الانتفاضة.. ويحاول المعلم امتصاص حماسهم بالحديث خلال حصة الدرس حول الانتفاضة..فيخبره "رمو الأخرس" بأنهم قرروا تجريب المقالع ..لأن الكلام لايكفى..وعندما حذرهم من معاقبة المدير لهم..ورفضه لما هم مقدمون عليه..

حماسه بإثارة مايفعله اليهود بالفلسطينيين.. ويبدون إصرارهم على تنظيم المظاهرات لتتحرك البلد.. وإبداء مطالبهم ..ليتشجع إخوانهم أبطال الانتفاضة..ويؤكد "ريم الأخرس" للأستاذ حبهم له.. ويعرض عليه مقلاعه..فيتماثل له أنه لو هادت به الأيام إلى طفولته..لغعل مثلهم.. ويبدأ"رمو الأخرس" يحل مقلاعه من صدره ..ويلوح به لرفاقه..ثم يقودهم عبر البهو الطويل إلى الساحة..إلى الشارع..إلى الجامع الكبير.

هؤلاء الأبطال الصعار الثلاثة لايختلفون فى شىء عن الأبطال الكبار.. فهم فى موقف يحتم عليهم تحمل المسئولية الأسرية أو المشاركة فيها..ومن ثم يتوافر لكل قصص المجموعة..المضامين التى تجتمع على مستوى واحد من المأساوية..التى تظهر مدى معاناة الإنسان البسيط ..فى سبيل مواجهته تحديات الواقع الذى تواجد فيه.

وليس ثمة ما يدعو إلى تأكيد أن "نادر السباعى" كعادته ..مارس ما ينتهجه فى قصصه من حيث نمذجة الواقع..وإبدائه من خلال رؤى قائمة..يفرضها الإحساس بالإيقاع المؤلم.. الذى يواكب المسيرة الحياتية لنماذج إنسانية بسيطة..تعيش واقائع يومية مألوفة لها..إلا أنها فى بعض الأحيان قد تبدو غير اضية عنها.

فذلك من الواضوح مما يجعل منه سمة تباين فى الكثير من إبداعاته القصصية..ويضارعها المراوحة بين اللحظة المعاشة..والذكريات المنصرمة ..التى تستمد من الحال قوة جديدة.. تفرض نفسها من خلاله...وتستحيل إلى جزء من البنية القصصية ..ذلك رغم أن الإقحام للوقائع المترسبة فى الذاكرة..يبدو دائما كإشارات عابرة..تلقى الضوء على الحال الذى كان.

مثل ذلك اللجوء إلى الدلالات الرمزية التى ترقى ببعض المضامين..لتتخطى المستوى العادى لذلك الحال.. الذى لايكون وقفا على المفردات الواقعية فقط..وإنما يكون ثمة ربط بينه وبين دلالات أعمق بعدا..تضفى بظلالها المحسوسة والملموسة ..رؤية أخرى تتجلى من خلال الإيحاء الرمزى.

ففى قصة "أحياء لايرون الشمس" ..ينتهى الحال ببطل القصة "أبو عنب"..إلى التحول من داخل العتمة ..إلى الخروج وسط أشعة الشمس الساطعة الدافئة..وفى قصة "شهريار المطعون"..الأم التى تأتى بالرجل الغريب ..بينما يرفضه الإبن وجوده ويصر على طرده..و فى قصة "الانتظار"..الأم التى تدفع الإبن الذى يحلم بالعهودة إلى الدار..التى تركوها بالأرض المحتلة..ليتدبر شيئا له ولإخوته..وفى قصة "الجراد" الدار القديمة التى تنهار بسبب افتقاد من يساعد على المحافظة عليها..والشجرة التى يطالب أهل الحارة بقطعها فى قصة"حبل المساكين".. والإصرار الطفولى فى قصة "يوم من حجر"..وغير ذلك من المظاهر التى يزخر بها الواقع..بينما ترقى بالدلالات الكامنة فيها.. إلى مستوى الرمز ..الذى من الممكن تفسير دلالته بسهولة.. وببساطة.. لكن الكاتب لم يعمد إلى التجريب ..وهو فى سبيل إضفاء البعد الرمزى على دلالاته.. وإنما التزم الواقعية التى تعكس المعانى ..التى لايخطىء القارىء فهمها دونما صعوبة.. وخاصة إذا كان من عاصروا واقعات الأحداث التى لم تنته آثارها بعد.

من ثم فلا مكان للصور الضبابية التى تميل إلى طمس دلالة الرمز.. وتجعله عصيا على فتح مغاليقه..وصعبا على الإدراك..لأن المعنى المراد الإيحاء به لايستحيل اكتشافه.. وإن بدا من خلال الإدراك المباشر طوع الفهم..دونما حادة إلى الدوران فى فلك التراوح بين العديد من الدلالات..وذلك على النحو الذى بدا فى قصة"يوم من حجر"..فالذى نطق هو "الأخرس" مؤكدا أن الكلان لايكفى..ولا بد من المشاركة الفعلية ..فدلالة الإسم واضحة كل الوضوخ..ومعبرة عن انتفاضة ثورة الحجارة..بدلالة بسيطة ..لكنها واسعة المعنى.

وعلى هذا الأساس ..يتأكد أن "نادر السباعى" لم يجد من المواءمة بين الواقع الفعلى والدلالات الرمزية..التى أبداها من خلاله.. وهو فى سبيل ذلك يؤكد أن الحياة المأساوية لشخصياته.. هى همه الرئيسى الذى يحاول أن يبرزه من خلال إبداعته.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
**

السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007