[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
محمد عبد المطلب فى بيت قصير القامة دراسة
التاريخ:الثلاثاء 1 مارس 2016  القراءات:(555) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  

محمد عبد المطلب فى بيت قصير القامة

=====================

كثيرة تلك الأصوات التى تفرض نفسها على ساحة القصة القصيرة..سواء على صفحات الجرائد..أو الدوريات الأدبية..أو فى شكل مجموعات قصصية.. تصدرها دور النشر الخاصة أوالحكومية..فضلا عن مطبوعات "الماستر" التى شاعت أخيرا..واعتمد عليها الكثير من كتاب الأقاليم..لتعذرهم فى الحصول على فرص النشر..التى تتاح لأقرانهم من كتاب العاصمة.. فى كتب مطبوعة.

وبالنظر إلى العديد من تلك القصص التى تتاح لها فرص النشر.. يتلاحظ أن ثمة تشابها يبدو إلى حد كبير ..بين معظمها سواء فى الشكل أو المضمون..مع اختلاف فى اللغة ..التى تنحصر ما بين الفصحى والعامية.. بشكل يبدىالكتابة القصصية ..وكأنها من أسهل الأشياء..دون الانتباه إلى أطره الفنية....وكأن الأمر يقتصر على عرض الحكايات المستهلكة التى تعتمد على التقليد العفوى لكتابات جيل الرواد.. ومن ثم تظل تلك الأصوات ..وما يتبع نهجها.. وسط دائرة العادية..التى لاتثير الانتباه..لبعدها عن مواكبة التجديد والتحديث ..الذى يبدو بحكم التطور.. فى كتابة القصة القصيرة ..ومضامينها ..التى تطرح من خلالها ..هموم العصر.. التى تتكاثف على الواقع الحياتى.

لكن ثمة عدد من الأصوات الجادة فى كتابة القصة القصيرة.. تقدم محاولات فردية فى مجال التجريب والتحديث.. وتبعدها عن دائرة التقليدية المستهلكة.. وتفسح لها مكانا بين الكتاب المتميزين.. رغم أنها تجد صعوبة فى محاولات نشر تجاربها..التى تفوق فى إجادتها ..كتابات الأسماء المتداولة على الساحة الأدبية.. المتوقفة عند البدايات التى تجمدت عليها.

من بين تلك الأصوات الجادة..يبدو القاص المصرى السوهاجى"محمد عبد المطلب".. بمجموعته الأولى" بيت قصير القامة".. االصادرة من خلال مطبوعات الماستر ..بمساعدة القاص المصرى السويسى"محمد الراوى".. الذى يشرف على مطبوعات "الكلمة الجديدة".. التى يصدرها أدباء السويس .. و القاص المصرى السكندرى"محمود عوض عبد العال".. الذى يشرف ايضا على مطبوعات "أقلام الصحوة".. التى يصدرها أدباء الإسكندرية.

تضم مجموعة "بيت قصير القامة"..ثمان قصص قصيرة.. تعرض من خلال شخصياتها ..لبعض هموم الواقع الحياتى..المؤرق لمن يعيشونه..برؤية تكشف معاناة الإنسان البسيط ..الذى يشعر بالعجز أمام تحديات حياتية..من الصعب عليه مواجهتها.

ففى قصة "البيت الكبير"..يبدو البيت الذى صارت جدرانه نخرة.. تقيم العناكب فيها إقامة أبدية.. ونوافذه ضيقة..

لاتسمح بدخول الشمي..مما يجعل الحجرات غارقة فى الظلمة..رغم الشمس التى تفرش الكون فى الخارج.. لكن من يقول ذلك فهو ساذج ومخرف.. يتخيل ما يقول.,. ولذا فهو يستحق نظرات الاحتقار..لأن البيت عريق وأصيل.. والجيران يحسدون من يعيشون فيه.. على الحياة التى تمارس فيه بنجاح وفى سعادة..رغم الأشجار غير المثمرة التى تساقطت أوراقها.. وتوشك الريح أن تقتلعها من جذورها.. ومن يجهر بحقيقة ما حدث وما يحدث للبيت..فهو كافر بالنعمة..وملعون فى كل كتاب..وعليه أن يغلدره لأنه لايستحق أن يعيش فيه .ويتقاسم فى نعمته.

ففى قصة"بيت قصير القامة" .. يبدو بيته الذى شيده بجانب البيوت الواطئة الترابية.. بجدران أسمنتية صلبة.. وارتفع به إلى أن حجب الهواء والنور عن بيوت الآخرين.. ورغم ذلك لم يكتف "قصير القامة" بما أثلج صدره.. وارتفع ببيته أكثر..وصار يسقط نظرات الاحتقار على من هم دونه.. متناسيا أو متجاهلا أنه كان أقل منهم شأنا.. ولولا سعيه لجمع المال لما شيد بيته العالى.

وفى قصة "النقش على الهواء" العجوز الذى يصر على العمل رغم عجزه وضعفه.. ومرضه الذى يحتم عليه عدم الاستمرار.. ولا يريد أن يعترف باستحالة التغلب على المرض ..والوهن الذى أصابه.. فيتحدى المسئول عن العمل.. ويرفض العمل بنصيحته بالبقاء فى البيت.. ثم يصر على حمل ماهو أكثر من طاقته.. لكنه سرعان ما يتهاوى ويسقط صريعا..فيتحول إلى كومة من اللخم..ويبدو تحديه كالنقش على الهواء.

وفى قصة " الحقائب"..الغريب الذى يقتحم المقهى ويثر اهتمام رواده.. ويتساءلون فيما بينهم..بصوت خافت.. عما يريد..ومن هو.. لكنهم يرقبونه ..فيجدونه يشير إلى "الجرسون" بإحضار إحدى حقائبه..التى يهتم بها.. ثم يفتحها.. فتصدر منها موسيقى راقصة..ثم تنزلق منها راقصة بساقين عارييين ..تثير شهواتهم..ويتساقطون تحت قدميها.. لكنها تختار أكثرهم ثراءا وتخرج معه.. ومن حقيبة ثانية.. ينزل طفل كبير الخحم..يفزع الجالسين بعينه الوحيدة.. وذراعه المكسورة.. وجسده العارى.. ويصيح مناديا أمه وبأنه جائع.. ثم يشير إلى أحد الرواد ويصيح: بابا بابا ..لكن الرجل يدفعه عنه ..ويسقط على الأرض..يبدو كأنه يحمى نفسه من طلقات أو صفعات.. ويتدحرج تخت المقاعد ..ثم يستحيل إلى قطعة لحم كبيرة..ويصرخ صراخا شاذا وغريبا.. ويدفعه الجرسون إلى أن ينزلق إلى الشارع..ومن حقيبة ثالثة.. يهبط رجل عحوز وانيق.. وترتفع صيحات تهتف له..وتهتف ضده.. ويتقاتل من أجله الرجال.. وتحترق جثثا يجذبها الجرسون إلى الخارج.. وحقيبة رابعة.. يخرج منها رجل نحيف.. يقرأ ورقة بصوت خافت.. ولا يفهمه الناس.. وتهتز حقيبة أخرى..بخرج منها شاب ملثم..يشهر مدفعه الرشاش فى وجوه الجميع.. ثم يطلق عليهم الحمم ..لكنهم يختفون تحت المقاعد..إلى أن يخرج بطلقاته إلى الشارع.. بينما الرجل الغريب صاحب الحقائب ..يبتسم ابتسامة غريبة وخبيثة.. وفى الخارج تبدو الشوارع والميادين غريبة غير مألوفة..وتحمل لافتات جديدة.. وترتفع نداءات باعة الصحف..التى تحمل عناوين تتفق وما بدا من الحقائب.. والتى هى سبب الضياع.

وفى قصة "السير فى ظلال البنيات الشاهقة".. يثار الحديث عن الغموض وعدم الفهم ..والتطلع إلى الحرية والخلاص.. والحلم بالخصوبة ..والإرهاق من الضياع.. واستحالة السلام بين الصقور والعصافير ..ثم الاعتراف بالفشل فى تحقيق الآمال.

وفى قصة "التوقيع على أوراق بيضاء".. يحدث هذا مادام ليس ثمة جديدة فى الحياة المملة.. أو التقاء الأفكار المشتركة..وتضاد البرقيات.. وعدم التآلف فى الحياة.

وفى قصة "دائرة البحث عن أشياء بسيطة".. يبدو فرض القهر على الإنسان..وتقييد حريته..بالرغم من كثرة الوعود التى تحمل الخلاص من المعاناة.

وفى قصة "سلة مهملات كبيرة الحجم" تبدو الشكوى من الاختلاس وسرقة الأموال.. وطلب التكفل بنفقات العلاج الباهظة..التى ترهق رب الأسرة البسيط.. والشكوى من المحسوبية واستغلال النفوذ..والاقتراحات المفيدة للعاملين..

فالمدير المسئول..قد أبدى اهتمامه بسماعها.. ويعد بالتصرف فيها..ثم يمزقها قصصات ويضعها فى سلة مهملات كبيرة الحجم.

كل هذه مضامين تتناول الواقع الحياتى ببساطة.. لكنها تحمل أبعادا غير محدودة.. تخرجها من الذاتية التى بدت من خلالها واهتماماتها العامة ..وطرح معاناة الإنسان برؤية معاصرة.. تبدو من خلالها إمكانية الخلاًص من اسباب تلك المعاناة.. لو كان ثمة اهتمام بحل مكشكلات الواقع الحادة..التى يتمخض عن إهمالها مالا يمكن درؤه.

فالشخصبات التى حملت على عاتقها إبراز ما تحمله المضامين.. منتقاة من الواقع.. وتعيش فيه دون انفصال عمـــا

يحدث فيه.. ومن ثم تبدو كنماذج حقيقية تعبر عن نفسها.. بتحديد همومها..وآمال تطلعاتها..بالرغم من التعرض البادى فى تحقيقها.. الذى قد يدغعه إلى الاستسلا/.. مثلما حدث مع بطل قصة "البيت الكبير".. الذى أرغم على تركه ..لأنه كشف عن الخطر المحدق به.."تنغرس أقدامى فى أوراق الأشجار الساقطة فى أرض الحديقة.. أتأمل الأشجار التى هرب منها اللون الأخضر..تتسع خطواتى بعيدا عنهم..تصلنى لعناتهم وبصاقهم..وحكمهم العتيقة..أتوقف وأراقــب

الأشجار التى تقاوم الريح فى يأس.. أرقب قلول الفئران والسحالى ..والزواحف التى غاصت فى جدران البيت التى تركته ورائى.".

وبطل قصة "دائرة البحث عن أشياء بسيطة"..برغم النيل من إنسانيته وتقييد حريته..عندما "يرى الناس تسير فى وجوم ..يتأملهم بعينين محملقتين..يرمقونه بعيون محملقة.. كل الناس ذوى حدقات متسعة وعيون محملقة.. يمضون فى دائرة كاملة حول الميدان.. يتأمل التمثال الضخم..الذى أغمض عينيه فى تحد ..فيدخل الدائرة".

وبطلة قصة " السير فى ظلال البنايات الشاهقة".. لاتجد مناصا من الاعتراف فى النهاية .."الحقيقة أننى فشلت فى أن أكون أرضا مثمرة.. أقصد أن أكون شجرة تبنى عليها عشك المأمول".

وبطل قصة "الحقائب".. الذى يرى القهر والعنف ..وتحمل عناوين الصحف تأكيد الطوفان الدموى..ورغم حتمية البحث عن النجاة ..يستسلم للضياع.."وأين بيتى؟.. وأى الشوارع التى تسير فيها".

كما أن ثمة نماذج مرفوضة من المجتمع.. بالرغم من حصولها على مكانة لها تقديرها.. وهيبتها.. كبطل قصة"بيت قصير القامة".. الذى تناسى نشأته.. وتعالى على أبناء طبقته ..بعد أن حصل على المال.. وبنى عمارته الشاهقة..يسخر منه الأطفال.. وتجرأ أحدهم وقذفه بطوبة حمراء..وبطل قصة "سلة مهملات كبيرة الحجم"..الذى يبدو فى صورة تتناقض مع حقيقته وما يدعو إليه.

بينما يؤكد بطل قصة "النقش على الهواء"..بالرعم من مجابهة المسؤل عن العمل ..وتحديه له..مما أدى إلى نهايته الدموية.. أنه النموذج الإنسانى.. الذى يقابل عطاؤه بالجحود والنكران.

من ثم فهذه النماذج الإنسانية ..ليست نماذج مصطنعة..حاول الكاتب رسمها لتشكيل عالم تعيش فيه ..مصطنع أو مختلق.. يجعلها لاتخرج عن دائرة التخيلات.. ولا تحمل أية رؤية لها أبعادها.

فهذه المضامين.. وإن كانت تتسم بالبعد عن التقليدية.. فقد تلاحظ أن بعضها بدا من خلال شكل تجريبى.. تعيبه العناوين الداخلية ..التى تبدو دخيلة على العمل..مثلما بدا فى قصتى "بيت قصير القامة".. و"دائرة البحث عن أشياء بسيطة"..بما يضفى عليهما صفة التقريرية.. التى تنال من المضمون.. ولو صيغت تلك العناوين من خلال سرد توافق معها..لأعطت إيقاعا جيدا.. يعمق الإحساس بما يعرض له العمل.

وقد اعتمد الكاتب فى قصصه ..على اللغة الانسيابية السهلة..بسياق سلس.. مبتعدا عن التعقيد اللغوى.. بالرغم من بعدها عن العامية ..ويبين ذلك من خلال الحوار بين الأطفال ..الذى تناسب مع لغتهم العامية .وذلك دون افتعال قى صياغته.. ودونما فرق بين الحوار العادى ..والسباب الذى يتردد بين العامة.:

" ـ هل تريد أن تكون رجلا على قفاى؟.

رفع الشاب صوته:

ــ سأقوم بعمله بجانب عملى ..أتريد شيئا غير العمل؟.

عاود الاحتقان وجه الرجل ..رفع صوته:

ــ فر؛ أمك وأمه إذن..هيا اذهبا والعبا يعيدا عنى".

ذلك ما يبدى اهتمام الكاتب بالعمل الذى يقدمه..بالرغم من أنه يتلاحظ على شخصياته ..مواقفها السلبية ..تجاه ما

يتختم عليها مجابهته بشكل إيجابى.. إلا أنه تكشف عن الظواهر الاجتماعية.. التى صارت تتسم بالاعتيادية.. بواقعية تمجنح إلى الرمز أحيانا.. كما فى قصص "البيت الكبير"و"الحقائب"و"التوقيغ على أوراق بيضاء".

لكن فى المجمل..نبدو القصص من خلال محاولات تتخطى دائرة التقليد..وتعرض لمضامين ..مثيرة للتأمل..والاكتشاف الذاتى.

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *

السيد الهبيان







محمد عبد المطلب فى بيت قصير القامة
=====================
كثيرة تلك الأصوات التى تفرض نفسها على ساحة القصة القصيرة..سواء على صفحات الجرائد..أو الدوريات الأدبية..أو فى شكل مجموعات قصصية.. تصدرها دور النشر الخاصة أوالحكومية..فضلا عن مطبوعات "الماستر" التى شاعت أخيرا..واعتمد عليها الكثير من كتاب الأقاليم..لتعذرهم فى الحصول على فرص النشر..التى تتاح لأقرانهم من كتاب العاصمة.. فى كتب مطبوعة.
وبالنظر إلى العديد من تلك القصص التى تتاح لها فرص النشر.. يتلاحظ أن ثمة تشابها يبدو إلى حد كبير ..بين معظمها سواء فى الشكل أو المضمون..مع اختلاف فى اللغة ..التى تنحصر ما بين الفصحى والعامية.. بشكل يبدىالكتابة القصصية ..وكأنها من أسهل الأشياء..دون الانتباه إلى أطره الفنية....وكأن الأمر يقتصر على عرض الحكايات المستهلكة التى تعتمد على التقليد العفوى لكتابات جيل الرواد.. ومن ثم تظل تلك الأصوات ..وما يتبع نهجها.. وسط دائرة العادية..التى لاتثير الانتباه..لبعدها عن مواكبة التجديد والتحديث ..الذى يبدو بحكم التطور.. فى كتابة القصة القصيرة ..ومضامينها ..التى تطرح من خلالها ..هموم العصر.. التى تتكاثف على الواقع الحياتى.
لكن ثمة عدد من الأصوات الجادة فى كتابة القصة القصيرة.. تقدم محاولات فردية فى مجال التجريب والتحديث.. وتبعدها عن دائرة التقليدية المستهلكة.. وتفسح لها مكانا بين الكتاب المتميزين.. رغم أنها تجد صعوبة فى محاولات نشر تجاربها..التى تفوق فى إجادتها ..كتابات الأسماء المتداولة على الساحة الأدبية.. المتوقفة عند البدايات التى تجمدت عليها.
من بين تلك الأصوات الجادة..يبدو القاص المصرى السوهاجى"محمد عبد المطلب".. بمجموعته الأولى" بيت قصير القامة".. االصادرة من خلال مطبوعات الماستر ..بمساعدة القاص المصرى السويسى"محمد الراوى".. الذى يشرف على مطبوعات "الكلمة الجديدة".. التى يصدرها أدباء السويس .. و القاص المصرى السكندرى"محمود عوض عبد العال".. الذى يشرف ايضا على مطبوعات "أقلام الصحوة".. التى يصدرها أدباء الإسكندرية.
تضم مجموعة "بيت قصير القامة"..ثمان قصص قصيرة.. تعرض من خلال شخصياتها ..لبعض هموم الواقع الحياتى..المؤرق لمن يعيشونه..برؤية تكشف معاناة الإنسان البسيط ..الذى يشعر بالعجز أمام تحديات حياتية..من الصعب عليه مواجهتها.
ففى قصة "البيت الكبير"..يبدو البيت الذى صارت جدرانه نخرة.. تقيم العناكب فيها إقامة أبدية.. ونوافذه ضيقة..



لاتسمح بدخول الشمي..مما يجعل الحجرات غارقة فى الظلمة..رغم الشمس التى تفرش الكون فى الخارج.. لكن من يقول ذلك فهو ساذج ومخرف.. يتخيل ما يقول.,. ولذا فهو يستحق نظرات الاحتقار..لأن البيت عريق وأصيل.. والجيران يحسدون من يعيشون فيه.. على الحياة التى تمارس فيه بنجاح وفى سعادة..رغم الأشجار غير المثمرة التى تساقطت أوراقها.. وتوشك الريح أن تقتلعها من جذورها.. ومن يجهر بحقيقة ما حدث وما يحدث للبيت..فهو كافر بالنعمة..وملعون فى كل كتاب..وعليه أن يغلدره لأنه لايستحق أن يعيش فيه .ويتقاسم فى نعمته.
ففى قصة"بيت قصير القامة" .. يبدو بيته الذى شيده بجانب البيوت الواطئة الترابية.. بجدران أسمنتية صلبة.. وارتفع به إلى أن حجب الهواء والنور عن بيوت الآخرين.. ورغم ذلك لم يكتف "قصير القامة" بما أثلج صدره.. وارتفع ببيته أكثر..وصار يسقط نظرات الاحتقار على من هم دونه.. متناسيا أو متجاهلا أنه كان أقل منهم شأنا.. ولولا سعيه لجمع المال لما شيد بيته العالى.
وفى قصة "النقش على الهواء" العجوز الذى يصر على العمل رغم عجزه وضعفه.. ومرضه الذى يحتم عليه عدم الاستمرار.. ولا يريد أن يعترف باستحالة التغلب على المرض ..والوهن الذى أصابه.. فيتحدى المسئول عن العمل.. ويرفض العمل بنصيحته بالبقاء فى البيت.. ثم يصر على حمل ماهو أكثر من طاقته.. لكنه سرعان ما يتهاوى ويسقط صريعا..فيتحول إلى كومة من اللخم..ويبدو تحديه كالنقش على الهواء.
وفى قصة " الحقائب"..الغريب الذى يقتحم المقهى ويثر اهتمام رواده.. ويتساءلون فيما بينهم..بصوت خافت.. عما يريد..ومن هو.. لكنهم يرقبونه ..فيجدونه يشير إلى "الجرسون" بإحضار إحدى حقائبه..التى يهتم بها.. ثم يفتحها.. فتصدر منها موسيقى راقصة..ثم تنزلق منها راقصة بساقين عارييين ..تثير شهواتهم..ويتساقطون تحت قدميها.. لكنها تختار أكثرهم ثراءا وتخرج معه.. ومن حقيبة ثانية.. ينزل طفل كبير الخحم..يفزع الجالسين بعينه الوحيدة.. وذراعه المكسورة.. وجسده العارى.. ويصيح مناديا أمه وبأنه جائع.. ثم يشير إلى أحد الرواد ويصيح: بابا بابا ..لكن الرجل يدفعه عنه ..ويسقط على الأرض..يبدو كأنه يحمى نفسه من طلقات أو صفعات.. ويتدحرج تخت المقاعد ..ثم يستحيل إلى قطعة لحم كبيرة..ويصرخ صراخا شاذا وغريبا.. ويدفعه الجرسون إلى أن ينزلق إلى الشارع..ومن حقيبة ثالثة.. يهبط رجل عحوز وانيق.. وترتفع صيحات تهتف له..وتهتف ضده.. ويتقاتل من أجله الرجال.. وتحترق جثثا يجذبها الجرسون إلى الخارج.. وحقيبة رابعة.. يخرج منها رجل نحيف.. يقرأ ورقة بصوت خافت.. ولا يفهمه الناس.. وتهتز حقيبة أخرى..بخرج منها شاب ملثم..يشهر مدفعه الرشاش فى وجوه الجميع.. ثم يطلق عليهم الحمم ..لكنهم يختفون تحت المقاعد..إلى أن يخرج بطلقاته إلى الشارع.. بينما الرجل الغريب صاحب الحقائب ..يبتسم ابتسامة غريبة وخبيثة.. وفى الخارج تبدو الشوارع والميادين غريبة غير مألوفة..وتحمل لافتات جديدة.. وترتفع نداءات باعة الصحف..التى تحمل عناوين تتفق وما بدا من الحقائب.. والتى هى سبب الضياع.
وفى قصة "السير فى ظلال البنيات الشاهقة".. يثار الحديث عن الغموض وعدم الفهم ..والتطلع إلى الحرية والخلاص.. والحلم بالخصوبة ..والإرهاق من الضياع.. واستحالة السلام بين الصقور والعصافير ..ثم الاعتراف بالفشل فى تحقيق الآمال.
وفى قصة "التوقيع على أوراق بيضاء".. يحدث هذا مادام ليس ثمة جديدة فى الحياة المملة.. أو التقاء الأفكار المشتركة..وتضاد البرقيات.. وعدم التآلف فى الحياة.
وفى قصة "دائرة البحث عن أشياء بسيطة".. يبدو فرض القهر على الإنسان..وتقييد حريته..بالرغم من كثرة الوعود التى تحمل الخلاص من المعاناة.
وفى قصة "سلة مهملات كبيرة الحجم" تبدو الشكوى من الاختلاس وسرقة الأموال.. وطلب التكفل بنفقات العلاج الباهظة..التى ترهق رب الأسرة البسيط.. والشكوى من المحسوبية واستغلال النفوذ..والاقتراحات المفيدة للعاملين..




فالمدير المسئول..قد أبدى اهتمامه بسماعها.. ويعد بالتصرف فيها..ثم يمزقها قصصات ويضعها فى سلة مهملات كبيرة الحجم.
كل هذه مضامين تتناول الواقع الحياتى ببساطة.. لكنها تحمل أبعادا غير محدودة.. تخرجها من الذاتية التى بدت من خلالها واهتماماتها العامة ..وطرح معاناة الإنسان برؤية معاصرة.. تبدو من خلالها إمكانية الخلاًص من اسباب تلك المعاناة.. لو كان ثمة اهتمام بحل مكشكلات الواقع الحادة..التى يتمخض عن إهمالها مالا يمكن درؤه.
فالشخصبات التى حملت على عاتقها إبراز ما تحمله المضامين.. منتقاة من الواقع.. وتعيش فيه دون انفصال عمـــا
يحدث فيه.. ومن ثم تبدو كنماذج حقيقية تعبر عن نفسها.. بتحديد همومها..وآمال تطلعاتها..بالرغم من التعرض البادى فى تحقيقها.. الذى قد يدغعه إلى الاستسلا/.. مثلما حدث مع بطل قصة "البيت الكبير".. الذى أرغم على تركه ..لأنه كشف عن الخطر المحدق به.."تنغرس أقدامى فى أوراق الأشجار الساقطة فى أرض الحديقة.. أتأمل الأشجار التى هرب منها اللون الأخضر..تتسع خطواتى بعيدا عنهم..تصلنى لعناتهم وبصاقهم..وحكمهم العتيقة..أتوقف وأراقــب
الأشجار التى تقاوم الريح فى يأس.. أرقب قلول الفئران والسحالى ..والزواحف التى غاصت فى جدران البيت التى تركته ورائى.".
وبطل قصة "دائرة البحث عن أشياء بسيطة"..برغم النيل من إنسانيته وتقييد حريته..عندما "يرى الناس تسير فى وجوم ..يتأملهم بعينين محملقتين..يرمقونه بعيون محملقة.. كل الناس ذوى حدقات متسعة وعيون محملقة.. يمضون فى دائرة كاملة حول الميدان.. يتأمل التمثال الضخم..الذى أغمض عينيه فى تحد ..فيدخل الدائرة".
وبطلة قصة " السير فى ظلال البنايات الشاهقة".. لاتجد مناصا من الاعتراف فى النهاية .."الحقيقة أننى فشلت فى أن أكون أرضا مثمرة.. أقصد أن أكون شجرة تبنى عليها عشك المأمول".
وبطل قصة "الحقائب".. الذى يرى القهر والعنف ..وتحمل عناوين الصحف تأكيد الطوفان الدموى..ورغم حتمية البحث عن النجاة ..يستسلم للضياع.."وأين بيتى؟.. وأى الشوارع التى تسير فيها".
كما أن ثمة نماذج مرفوضة من المجتمع.. بالرغم من حصولها على مكانة لها تقديرها.. وهيبتها.. كبطل قصة"بيت قصير القامة".. الذى تناسى نشأته.. وتعالى على أبناء طبقته ..بعد أن حصل على المال.. وبنى عمارته الشاهقة..يسخر منه الأطفال.. وتجرأ أحدهم وقذفه بطوبة حمراء..وبطل قصة "سلة مهملات كبيرة الحجم"..الذى يبدو فى صورة تتناقض مع حقيقته وما يدعو إليه.
بينما يؤكد بطل قصة "النقش على الهواء"..بالرعم من مجابهة المسؤل عن العمل ..وتحديه له..مما أدى إلى نهايته الدموية.. أنه النموذج الإنسانى.. الذى يقابل عطاؤه بالجحود والنكران.
من ثم فهذه النماذج الإنسانية ..ليست نماذج مصطنعة..حاول الكاتب رسمها لتشكيل عالم تعيش فيه ..مصطنع أو مختلق.. يجعلها لاتخرج عن دائرة التخيلات.. ولا تحمل أية رؤية لها أبعادها.
فهذه المضامين.. وإن كانت تتسم بالبعد عن التقليدية.. فقد تلاحظ أن بعضها بدا من خلال شكل تجريبى.. تعيبه العناوين الداخلية ..التى تبدو دخيلة على العمل..مثلما بدا فى قصتى "بيت قصير القامة".. و"دائرة البحث عن أشياء بسيطة"..بما يضفى عليهما صفة التقريرية.. التى تنال من المضمون.. ولو صيغت تلك العناوين من خلال سرد توافق معها..لأعطت إيقاعا جيدا.. يعمق الإحساس بما يعرض له العمل.
وقد اعتمد الكاتب فى قصصه ..على اللغة الانسيابية السهلة..بسياق سلس.. مبتعدا عن التعقيد اللغوى.. بالرغم من بعدها عن العامية ..ويبين ذلك من خلال الحوار بين الأطفال ..الذى تناسب مع لغتهم العامية .وذلك دون افتعال قى صياغته.. ودونما فرق بين الحوار العادى ..والسباب الذى يتردد بين العامة.:




" ـ هل تريد أن تكون رجلا على قفاى؟.
رفع الشاب صوته:
ــ سأقوم بعمله بجانب عملى ..أتريد شيئا غير العمل؟.
عاود الاحتقان وجه الرجل ..رفع صوته:
ــ فر؛ أمك وأمه إذن..هيا اذهبا والعبا يعيدا عنى".
ذلك ما يبدى اهتمام الكاتب بالعمل الذى يقدمه..بالرغم من أنه يتلاحظ على شخصياته ..مواقفها السلبية ..تجاه ما
يتختم عليها مجابهته بشكل إيجابى.. إلا أنه تكشف عن الظواهر الاجتماعية.. التى صارت تتسم بالاعتيادية.. بواقعية تمجنح إلى الرمز أحيانا.. كما فى قصص "البيت الكبير"و"الحقائب"و"التوقيغ على أوراق بيضاء".
لكن فى المجمل..نبدو القصص من خلال محاولات تتخطى دائرة التقليد..وتعرض لمضامين ..مثيرة للتأمل..والاكتشاف الذاتى.
******************


السيد الهبيان



w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007