[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نعيم تكلا فى المقهى والعيون دراسة
التاريخ:  القراءات:(239) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
نعيم تكلا فى المقهى والعيون

================

ثمة رؤية للنفس قد تكون..لكنها تحاول الهروب منها.. أو تتجاهلها.. والأبواب المغلقة..عادة ما يحدث خلفها ما هو محرم خارجها.. عادة أيضا..تبدو اللامبالاة حال منع الشىء من الحدوث ..مادامت ثمة رغبة فى تقبله.. وما يحدث للغير ..أحيانا يقابل دونما اهتمام..حتى ولو كان ثمة خطر قد يقع.. الاستهانة بالضعيف,,قد يتمخض عنها القضاء على القوى.. وإذا كان ثمة خطر وشيك الوقوع من شخص ما.. يتحتم القضاء عليه.. وما تفعله بالغير قد يحدث لك..فلا هدوء وسط معاناة الحياة.. وأمل اللقاء لايخبو برغم الانتظار اللا محدود.. وأحيانا يرث الأبناء عادات الآباء.. أو بعضها.. والتشبث بالماضى قد يفرض الحياة مع الأوهام.. المأساة تقضى على الإحساس بالسعادة..فيستحيل إللا إحساس بالألم والأسى.

أشياء كثيرة..نلمسها أو نعيشها فى الحياة.. وتتراءى لنا من خلال مواجهة أو معايشة ظروفها..داخل المجتمع..الذى ننتمى إليه..ولا تتحدد نظرتنا إليها سلفا.. ومن ثم نتعرض لفرض تحديد موقف ما تحاهها.

هذا ما قدمه الكاتب المصرى السكندرى "نعيم نكلا"..فى مجموعته القصصية "المقهى والعيون"..من خلال مجموعة من المواقف المختلفة.. عارضا لمعاناة تتعدى الحدود الذاتية إلى حد ما.. وفق علاقة الفرد بمجتمعه الذى ينتمى إليه..ويعيش فيه.. ويمارس حياته الخاصة..التى تعكس حقيقة أنماطهم ,,رغم محاولتهم التستر عليها.

ففى قصة "وحدة كل يوم"..ثمة إنسان من هؤلاء الذين يعيشون فى شبه انفصال عن المجتمع الذى يحيط بهم.. دونما ارتباط بعلاقة تقربه من الآخرين.. ويشعر بأن ثمة شخص ما ..يلاحقه دائما.. ويكاد لايختفى عن ناظريه أينما سار.. الأمر الذى يجعله يسرع الخطى.. ويتجنب أن يستدير بوجهه للخلف..حتى لايرى وجهه.. لكن الخوف يعتريه فى المنزل.. من توقعه أنه سيرى وجهه يطل عليه من نافذة حجرته.. كأن يراه وهو عائد إلى منزله.."جالسا عند حافة رصيف الشارع.. يمد ساقيه إلى أسفلت الطريق.. وتكاد السيارات المسرعة أن تعبر فوقها.. هادئا ساكنا وسط الزحام والصخب.. وبرغم هيئته المزرية..وملابسه البالية..لم يكن يتسول".. لكنه افتقد ذات مرة رؤيته فى مكانه المعتاد..فاعتراه شعو لم يدر أهو اطمئنان من عدم ملا حقته له.. أم افتقاد له.. لكنه سرعان ما بدا له فجأة وسط الزحام.. فرأى فيه نفسه.. بتماثل واضح.. لااختلاف فى الوجه.. ولا فى الفعل..فسمح له بالبقاء فى منزله..لكنه عندما عاد من عمله ..وجده بدل من هيئته المزرية.. وقام بعمله فى المنزل.. ثم وجده يقترح عليه أن يذهب إلى العمل بدلا منه.. فاستجاب له..وبعد فترة نظر فى المرآة.. فرأى أن وجهه فعلا..لايختلف عن ذلك الوجه الذى يهرب منه.. فخرج إلى الطريق ..وجلس مثلما يجلس فى مكانه.. مادا ساقيه إلى أسفلت الطريق..غير مبال بالسيارات المسرعة.

وفى قصة "الرخويات تسود".. يبدو ثمة إنسان يعيش ذات الوحدة.. يكتشف "دودة" فى مطبخ منزله.. اعترته الدهشة أكثر من التقزز.. لتواجد ذلك الكائن الحى ..الذى لم يكن غريبا عنه.. وفى ليلة تالية..وجد ثلاث كائنات فى نفس المكان.. ولم ينجح فى إبعادها عندما حاول ذلك.. كانت تتفادى ضرباته بانكماش..ثم تعود بعده إلى حجمها الأصلى.. وعندما سأل أصدقائه وجيرانه عن تلك الكائنات.. لم يجد أية إجابة منهم..ومع الأيام تكاثرت وهى تشاركه حياته.. دونما اهتمام منه..إلى أن تعذر عليه الخروج من بيته..بسبب تركمها على الباب.. وعبثا حاول التخلص منها.. فاستسلم لها.. ولم يعد يحاول منعها من تحركاتها.

وفى قصة "ربع كيلو من اللحم"..ثمة إنسان يعانى من الحياة فى المدينة.. ويشعر أنه غريب شاذعنها.. قينزعج وبظن بنفسه الجنون.."ما أن أخرج من بيتى ..وأسقط فى دوامة الضجيج.. تجرى أمامى حركة عشوائية غير مبررة.. وما أن أهم بعبور شارع ..حتى تتحفز فى داخلى طاقات هائلة من الغضب.. والاشمئزاز.. وأدرك أننى تحولت تماما إلى كائن آخر..غير هذا الإنسان الهادىء المعالم".. وبسبب ذلك تحولت أحلام يقظته..إلى أحلام دموية ..يستمتع فيها بتعذيب وقتل من يخلقون ذلك الإزعاج.. مما اضطره إلى الذهاب إلى الطبيب..أملا فى تحديد أسباب ما يعانيه.. لكنه يظن أن الطبيب ربما اقترح عليه الإكثار من أكل اللحوم..وهذا ما جعل انزعاجه يتضاعف.. لقلة ذهابه إلى الجزار ..لأنه لا يذهب إليه سوى"مرتين أو ثلاث طوال العام.. ولا يظن أنه سوف يبيعه أربعة كيلوا من اللحم الأحمر".. إلا أنه تغلب على تردده وذهب إلى الجزار..فواجه مازاده حرجا ..عندما وقف بالقرب من المحل لا يجرؤ على دخوله.. لكن لفت انتباهه "توأمان".. لم ير أضخم منهما فى حياته.. أدرك فيما بعد أنهما ابنا الجزار.."كانا يتحركان بصعوبة ويشتبكان فى عبث بذىء"..جذب الأنظار إليهما.. الأمر الذى أثار الجزار ..وفى غمرة ذلك لمح سكينا امتدت يده إليه.. ورأى أنه يستطيع الحصول بنصله ..على أكثر مما يريد من اللحم.. لكن "فجأة سالت قطرات الدم من الشرفة بغزارة.. واندلعت صرخات صبيانية رهيبة"..

وفى قصة "مسرح المتروبوليتان".. الشاب الذى تعده امرأة مجهولة بلقاء.. لكنها تحدد له أمكنة لا وجود لها.. ثم تحدد له مكانا معلوما.. وينتظرها دونما اهتمام بعدم حضورها.. ورغم ذلك يقرر أن أول شىء سوف يفعله إذا ما التقيا.. أن يحجز لهما مكانين فى المسرح.. التى حددت لقاءهما الأخير أمام بابه..الذى لايعرفه.

وفى قصة "مصالحة مؤقتة".. الشاب الذى يجلس فى ركن خال بمقهى..ينتظر انقضاء الوقت ..ليحين موعد دخول السينما.. أسفل لوحة من لوحات "اوتريك"..لغوانى" "المولان روج".. وبالقرب من تمثال لرأس "افروديت".. فيتمنى لو ينسى رواد المقهى ذلك المكان..ثم يعود ليتابع كل ما يبدو أمامه.. لكنه يتذكر محبوبته..ويخرج عندما يحين ميعاد العرض السنمائى.. لكنه يفاجأ بقطة تخرج من بناية ..تختفى خلف عجلات سيارة.. ولا ينتبه السائق لوجودها فيدهمها..

هموم قردية وذاتية.. تخلقها الوحدة لإنسان يعيش داخل المدينة.. تبدو كمعاناة مفروضة عليه دونما أمل فى الخلاص منها.. فيحاول توهم وضع حلول لها.. بينما يمضى فى ممارساته الحياتية.. التى لايستطيع التوقف عنها..ويبدو كشبح لا معنى لوجوده.

لكن ثمة علاقات بالآخرين.. يبدو الفرد مشدودا إليها.. ومن ثم لايستطيع الانفصال عنها..فيظل كما هو.. يعيش ذلك الارتباط المفروض عليه.

ففى قصة "حصن الطالبات".. يبدو مشرف بيت الطالبات..الذى قبل مهمته على مضض.. يشكو إليه الجيران من صخب الطالبات.. وعندما يحاول أن يتحقق من ذلك..ينكرن.. ويجد نفسه مرغما على تصديقهن.. ثم يشتبه فى وجود رجل..وتنفى الفتيات أيضا معرفتهن به.. لكنه يتأكد أن وقوف ذلك الرجل ..يستحيل أن يكون مصادفة.. لتواجده دائما فى ساعة معينة..فيشدد المراقبة عليه.. وأثناء مرور مفاجىء يضبطه فوق الخادمة.. التى عندما تراه لاتهتم به.. فقرر فصلها.. لكنها تبدو وكأن شيئا لم يحدث.. وسمع همسات من خلف الأبواب.. فتقول له أنه لايعرف ..لم يبال بكلماتها.. واثقا أنه استأصل الجسم الخبيث من بين الفتيات.. لكنه يرى إحدى الطالبات مع شاب كان يقف فى نافذة البيت المقابل.. وشاهد ما يفعله معها فى الطريق.. ويشك أن تكون هى.. ويسرع ليتأكد منها.. فيفاجأ بذلك الرجل الذى منعه من الدخول..لأنه يحمل أوامر مشددة بعدم دخوله.. فثمة أوامر أعلى منهما سمحت له بالمراقبة فقط.. حيث يكتشف أن ثمة رجال يخرجون من حجرات الطالبات..وآخرين كانوا فى انتظار الدخول.. ثم يرى زوجته تأتى وتدخل إحدى الحجرات.

وفى قصة "زوجتى والأسماك الملونة".. الزوج الذى يسير مع زوجته فى الطريق .. فيلاحقهما الشبان.. ورغم أنه ضايقه ذلك.. إلا أن زوجته تبدو مسرورة.. وتستمر الملاحقة إلى أن يضطر للاشتباك معهم.. دون أن تخفى زوجته سرورها مما يحدث.

وفى قصة "حادث فى الظلام".. الشاب الذى يصادق اثنين.. أحدهما يهتم بدروسه..والثانى مولع بالشراب واصطياد النساء.. يسمع صوت صرخة..وصوت صدام.. ويبدو أن ثمة مصاب.. لكن لا أحد يهتم ممن معه.. وعندما يدخلون حجراتهم ليواصلون نومهم..يفعل مثلهم.

وفى قصة "المقهى والعيون".. الرجل الذى تنبهه صديقته إلى رجل يراقبه دون أن يدرى.. فيظن أنه يحسدهما على سعادنهما ..لكنه يرتاب فيه ويثير اهتمامه.. ويخبره متسول بأن ذلك الرجل يحدثهم عنه.. ثم يخبره بأنه ذهب إلى بيته.. فيسرع إليه ويلحق به.. وهو يحاول فتح باب شقته.. فيهوى على رأسه بقبضتيه..ثم يدفع به من أعلى السلم.. وبعد ذلك يطلب من صديقته ..أن توافيه بعد أن تخلص من ذلك الرجل.. لينعما بسعادنهما من جديد.

وفى قصة "موكب الشرطى المنتصر".. يبدو الشرطى الذى يبدو سعيدا وهو يسوق رجلا مقبوضا عليه.. ويحكى للناس فى زهو عن قصة مطاردته له.. ويعامله بقسوة.. لكن المقبوض عليه يستغل فرصة انشغال الشرطى بمضاجعة امرأة ويهرب.. ويضطر الشرطى إلى الخروج عاريا..ويظنه الناس مجنونا ..ويأتى شرطى آخر يفعل به ..مثلما كان يفعل هو مع السجين.. ويتكرر ذات المشهد.

وفى قصة "فارس قديم".. الابن الذى يرث من والده ولعه بالنساء.. وشرب الخمر.. ويعيش مع أمه العجوز ..التى تؤكد له أن والده لم يكن سمسارا خسر أمواله فى صالات القمار.. ومضاربة البورصة.. يعامل أمه بحنان..لكنه لايتمكن من ركوب الترام معها.فتصرخ الأم.. ويحاول هو اللحاق بها.

وفى قصة "بقايا بخار:".. العجوز التى تجلس داخل دكان .."لايظهر منها سوى وجهها المتغضن..وخلفها أرفف فارغة تماما.. ويبدو أنها لاتبيع شيئا..ولا تفتح الكان إلا لتؤكد أنها مازالت حية".. لقد كانت تجعل من ذلك الدكان ..أعجب الأماكن فى العالم كله.. بما توفره من متع جسدية..تشد إليها علية القوم.

هذه النماذج من الشخصيات الفردية..والتى ترتبط بالآخرين..قدمها الكاتب من خلال رؤى تعكس ما يبدو من خلال معاناتهم.. وتكاد تكون العلاقة التى بين الكل واضحة.. لكونها لاتخرج عن الهموم الحياتية.. وأشياء ليست وقفا على البعض منهم دون الآخر.. وما يعيشه أحدهم.. أو يحدث له .. لا يستحيل بالنسبة للآخر.. لكن ثمة ما يلفت النظر فى المعاناة الفردية.. وهو ذلك الرجل الغامض الذى يلاحق البطبل دونما سبب واضح.. والذى يبدو أحيانا كأنه ذات البطل.. فالملاحظة تتكرر فى قصص "وحدة كل يوم"و"المقهى والعيون"..فى الأولى بدا إيحاء بأنه ذات البطل.. وفى الثانية تغلب عليه البطل..وأبعده عن حياته.. ذلك بعد أن تبددت شكوكه حياله..من أنه قد يكون مكلفا بمراقبته. . وبدا له أن يفعل ذلك كمتعة لا حد لها.

لكن البطل فى القصص الأخرى..ينتهى إلى موقف ما.. فرضه الحدث الذى واجهه.. فى قصة "حصن الطالبات"..الذهول الذى لايملك حياله شيئا..وفى" حادث فى الظلام"..السلبية كالآخرين.. وفى "الرخويات تسود"..الاستسلام لما كان يظنه ضعيفا.. وفى ":ربع كيلو من اللحم".تجمد أما ما حدث للتوأمين.. بينما كان يتمنى أن يقطتع من جسديهما اللحم الذى يريده.. وفى "مسر المتروبوليتان" لم يستسلم لليأس من عدم اللقاء.. الذى يسعى إليه.. وفى "مصالحة مؤقتة".. استوقفه ما حدث للقطة.. وفى "زوجتى والأسماك الملونة" أحس بأن ثمة ظلم قد وقع.. وإن كان قد بدا كراو فى قصتى" فارس قديم"..و"بقايا بخار".. ألقى الضوء على التشبث بالقديم الباقى بطول السنين.. كذكرى محببة إلى النفس.. فقد بدا فى قصة "موكب الشرطى المنتصر".. راو لقوة تقضى على كل من يحتمى بها..بينما يستطيع الضعيف التغلب عليها.

من ثم تبدو هناك أشياء كثيرة..مطروحة من خلال قصص المجموعة.. قد تبدو فى صور رموز وإيحاءات.. تشير إلى واقع ينخره التحلل..وتضيع فيه القيم.. ويفرض فيه الإحباط.. وتتفشى فيه السلبية.. دونما اهتمام بالمآسى التى تحدث.. أو محاولة عدم وقوعها ::برغم التكرار الذى أوضحه توافق مشهد النهاية..مع مشهد البداية..كما فى قصص"وحدة كل يوم".."موكب الشرطى المنتصر","المقهى والعيون".

واذا ما تجاوزنا تشابه المضامين أحيانا.. فإن الشكل بدا إلى حد بما يتناسب مع المضمون.. خاصة من ناحية البناء..الذى بدا متماسكا دون تخلخل يعيبه.. برغم اللحظات الزمنية المحددة..وتواصلها دونما انقطاع..والتى قد توحى أن ثمة فوارق بينها تقطع تطور الحدث.. بينما اللغة لاتخرج عن السرد التقليدى.. وبدأ الاهتمام من خلالها بوصف الأجواء الموحية ..بانسجام الكاتب مع لوحات الفن والموسيقى..وإيحائه إلى خلود التراث بأسلوب قصصى.. يتناسب مع المضامين التى عرض لها.. بتقنية حاول الخروج عنها.. وجعلت من مجموعته الأولى ..بداية طيبة له فى كتابة القصة القصيرة.

* * *
* * *
* * *
* * *
**

السيد الهبيان


نعيم تكلا فى المقهى والعيون
================
ثمة رؤية للنفس قد تكون..لكنها تحاول الهروب منها.. أو تتجاهلها.. والأبواب المغلقة..عادة ما يحدث خلفها ما هو محرم خارجها.. عادة أيضا..تبدو اللامبالاة حال منع الشىء من الحدوث ..مادامت ثمة رغبة فى تقبله.. وما يحدث للغير ..أحيانا يقابل دونما اهتمام..حتى ولو كان ثمة خطر قد يقع.. الاستهانة بالضعيف,,قد يتمخض عنها القضاء على القوى.. وإذا كان ثمة خطر وشيك الوقوع من شخص ما.. يتحتم القضاء عليه.. وما تفعله بالغير قد يحدث لك..فلا هدوء وسط معاناة الحياة.. وأمل اللقاء لايخبو برغم الانتظار اللا محدود.. وأحيانا يرث الأبناء عادات الآباء.. أو بعضها.. والتشبث بالماضى قد يفرض الحياة مع الأوهام.. المأساة تقضى على الإحساس بالسعادة..فيستحيل إللا إحساس بالألم والأسى.
أشياء كثيرة..نلمسها أو نعيشها فى الحياة.. وتتراءى لنا من خلال مواجهة أو معايشة ظروفها..داخل المجتمع..الذى ننتمى إليه..ولا تتحدد نظرتنا إليها سلفا.. ومن ثم نتعرض لفرض تحديد موقف ما تحاهها.
هذا ما قدمه الكاتب المصرى السكندرى "نعيم نكلا"..فى مجموعته القصصية "المقهى والعيون"..من خلال مجموعة من المواقف المختلفة.. عارضا لمعاناة تتعدى الحدود الذاتية إلى حد ما.. وفق علاقة الفرد بمجتمعه الذى ينتمى إليه..ويعيش فيه.. ويمارس حياته الخاصة..التى تعكس حقيقة أنماطهم ,,رغم محاولتهم التستر عليها.
ففى قصة "وحدة كل يوم"..ثمة إنسان من هؤلاء الذين يعيشون فى شبه انفصال عن المجتمع الذى يحيط بهم.. دونما ارتباط بعلاقة تقربه من الآخرين.. ويشعر بأن ثمة شخص ما ..يلاحقه دائما.. ويكاد لايختفى عن ناظريه أينما سار.. الأمر الذى يجعله يسرع الخطى.. ويتجنب أن يستدير بوجهه للخلف..حتى لايرى وجهه.. لكن الخوف يعتريه فى المنزل.. من توقعه أنه سيرى وجهه يطل عليه من نافذة حجرته.. كأن يراه وهو عائد إلى منزله.."جالسا عند حافة رصيف الشارع.. يمد ساقيه إلى أسفلت الطريق.. وتكاد السيارات المسرعة أن تعبر فوقها.. هادئا ساكنا وسط الزحام والصخب.. وبرغم هيئته المزرية..وملابسه البالية..لم يكن يتسول".. لكنه افتقد ذات مرة رؤيته فى مكانه المعتاد..فاعتراه شعو لم يدر أهو اطمئنان من عدم ملا حقته له.. أم افتقاد له.. لكنه سرعان ما بدا له فجأة وسط الزحام.. فرأى فيه نفسه.. بتماثل واضح.. لااختلاف فى الوجه.. ولا فى الفعل..فسمح له بالبقاء فى منزله..لكنه عندما عاد من عمله ..وجده بدل من هيئته المزرية.. وقام بعمله فى المنزل.. ثم وجده يقترح عليه أن يذهب إلى العمل بدلا منه.. فاستجاب له..وبعد فترة نظر فى المرآة.. فرأى أن وجهه فعلا..لايختلف عن ذلك الوجه الذى يهرب منه.. فخرج إلى الطريق ..وجلس مثلما يجلس فى مكانه.. مادا ساقيه إلى أسفلت الطريق..غير مبال بالسيارات المسرعة.
وفى قصة "الرخويات تسود".. يبدو ثمة إنسان يعيش ذات الوحدة.. يكتشف "دودة" فى مطبخ منزله.. اعترته الدهشة أكثر من التقزز.. لتواجد ذلك الكائن الحى ..الذى لم يكن غريبا عنه.. وفى ليلة تالية..وجد ثلاث كائنات فى نفس المكان.. ولم ينجح فى إبعادها عندما حاول ذلك.. كانت تتفادى ضرباته بانكماش..ثم تعود بعده إلى حجمها الأصلى.. وعندما سأل أصدقائه وجيرانه عن تلك الكائنات.. لم يجد أية إجابة منهم..ومع الأيام تكاثرت وهى تشاركه حياته.. دونما اهتمام منه..إلى أن تعذر عليه الخروج من بيته..بسبب تركمها على الباب.. وعبثا حاول التخلص منها.. فاستسلم لها.. ولم يعد يحاول منعها من تحركاتها.
وفى قصة "ربع كيلو من اللحم"..ثمة إنسان يعانى من الحياة فى المدينة.. ويشعر أنه غريب شاذعنها.. قينزعج وبظن بنفسه الجنون.."ما أن أخرج من بيتى ..وأسقط فى دوامة الضجيج.. تجرى أمامى حركة عشوائية غير مبررة.. وما أن أهم بعبور شارع ..حتى تتحفز فى داخلى طاقات هائلة من الغضب.. والاشمئزاز.. وأدرك أننى تحولت تماما إلى كائن آخر..غير هذا الإنسان الهادىء المعالم".. وبسبب ذلك تحولت أحلام يقظته..إلى أحلام دموية ..يستمتع فيها بتعذيب وقتل من يخلقون ذلك الإزعاج.. مما اضطره إلى الذهاب إلى الطبيب..أملا فى تحديد أسباب ما يعانيه.. لكنه يظن أن الطبيب ربما اقترح عليه الإكثار من أكل اللحوم..وهذا ما جعل انزعاجه يتضاعف.. لقلة ذهابه إلى الجزار ..لأنه لا يذهب إليه سوى"مرتين أو ثلاث طوال العام.. ولا يظن أنه سوف يبيعه أربعة كيلوا من اللحم الأحمر".. إلا أنه تغلب على تردده وذهب إلى الجزار..فواجه مازاده حرجا ..عندما وقف بالقرب من المحل لا يجرؤ على دخوله.. لكن لفت انتباهه "توأمان".. لم ير أضخم منهما فى حياته.. أدرك فيما بعد أنهما ابنا الجزار.."كانا يتحركان بصعوبة ويشتبكان فى عبث بذىء"..جذب الأنظار إليهما.. الأمر الذى أثار الجزار ..وفى غمرة ذلك لمح سكينا امتدت يده إليه.. ورأى أنه يستطيع الحصول بنصله ..على أكثر مما يريد من اللحم.. لكن "فجأة سالت قطرات الدم من الشرفة بغزارة.. واندلعت صرخات صبيانية رهيبة"..
وفى قصة "مسرح المتروبوليتان".. الشاب الذى تعده امرأة مجهولة بلقاء.. لكنها تحدد له أمكنة لا وجود لها.. ثم تحدد له مكانا معلوما.. وينتظرها دونما اهتمام بعدم حضورها.. ورغم ذلك يقرر أن أول شىء سوف يفعله إذا ما التقيا.. أن يحجز لهما مكانين فى المسرح.. التى حددت لقاءهما الأخير أمام بابه..الذى لايعرفه.
وفى قصة "مصالحة مؤقتة".. الشاب الذى يجلس فى ركن خال بمقهى..ينتظر انقضاء الوقت ..ليحين موعد دخول السينما.. أسفل لوحة من لوحات "اوتريك"..لغوانى" "المولان روج".. وبالقرب من تمثال لرأس "افروديت".. فيتمنى لو ينسى رواد المقهى ذلك المكان..ثم يعود ليتابع كل ما يبدو أمامه.. لكنه يتذكر محبوبته..ويخرج عندما يحين ميعاد العرض السنمائى.. لكنه يفاجأ بقطة تخرج من بناية ..تختفى خلف عجلات سيارة.. ولا ينتبه السائق لوجودها فيدهمها..
هموم قردية وذاتية.. تخلقها الوحدة لإنسان يعيش داخل المدينة.. تبدو كمعاناة مفروضة عليه دونما أمل فى الخلاص منها.. فيحاول توهم وضع حلول لها.. بينما يمضى فى ممارساته الحياتية.. التى لايستطيع التوقف عنها..ويبدو كشبح لا معنى لوجوده.
لكن ثمة علاقات بالآخرين.. يبدو الفرد مشدودا إليها.. ومن ثم لايستطيع الانفصال عنها..فيظل كما هو.. يعيش ذلك الارتباط المفروض عليه.
ففى قصة "حصن الطالبات".. يبدو مشرف بيت الطالبات..الذى قبل مهمته على مضض.. يشكو إليه الجيران من صخب الطالبات.. وعندما يحاول أن يتحقق من ذلك..ينكرن.. ويجد نفسه مرغما على تصديقهن.. ثم يشتبه فى وجود رجل..وتنفى الفتيات أيضا معرفتهن به.. لكنه يتأكد أن وقوف ذلك الرجل ..يستحيل أن يكون مصادفة.. لتواجده دائما فى ساعة معينة..فيشدد المراقبة عليه.. وأثناء مرور مفاجىء يضبطه فوق الخادمة.. التى عندما تراه لاتهتم به.. فقرر فصلها.. لكنها تبدو وكأن شيئا لم يحدث.. وسمع همسات من خلف الأبواب.. فتقول له أنه لايعرف ..لم يبال بكلماتها.. واثقا أنه استأصل الجسم الخبيث من بين الفتيات.. لكنه يرى إحدى الطالبات مع شاب كان يقف فى نافذة البيت المقابل.. وشاهد ما يفعله معها فى الطريق.. ويشك أن تكون هى.. ويسرع ليتأكد منها.. فيفاجأ بذلك الرجل الذى منعه من الدخول..لأنه يحمل أوامر مشددة بعدم دخوله.. فثمة أوامر أعلى منهما سمحت له بالمراقبة فقط.. حيث يكتشف أن ثمة رجال يخرجون من حجرات الطالبات..وآخرين كانوا فى انتظار الدخول.. ثم يرى زوجته تأتى وتدخل إحدى الحجرات.
وفى قصة "زوجتى والأسماك الملونة".. الزوج الذى يسير مع زوجته فى الطريق .. فيلاحقهما الشبان.. ورغم أنه ضايقه ذلك.. إلا أن زوجته تبدو مسرورة.. وتستمر الملاحقة إلى أن يضطر للاشتباك معهم.. دون أن تخفى زوجته سرورها مما يحدث.
وفى قصة "حادث فى الظلام".. الشاب الذى يصادق اثنين.. أحدهما يهتم بدروسه..والثانى مولع بالشراب واصطياد النساء.. يسمع صوت صرخة..وصوت صدام.. ويبدو أن ثمة مصاب.. لكن لا أحد يهتم ممن معه.. وعندما يدخلون حجراتهم ليواصلون نومهم..يفعل مثلهم.
وفى قصة "المقهى والعيون".. الرجل الذى تنبهه صديقته إلى رجل يراقبه دون أن يدرى.. فيظن أنه يحسدهما على سعادنهما ..لكنه يرتاب فيه ويثير اهتمامه.. ويخبره متسول بأن ذلك الرجل يحدثهم عنه.. ثم يخبره بأنه ذهب إلى بيته.. فيسرع إليه ويلحق به.. وهو يحاول فتح باب شقته.. فيهوى على رأسه بقبضتيه..ثم يدفع به من أعلى السلم.. وبعد ذلك يطلب من صديقته ..أن توافيه بعد أن تخلص من ذلك الرجل.. لينعما بسعادنهما من جديد.
وفى قصة "موكب الشرطى المنتصر".. يبدو الشرطى الذى يبدو سعيدا وهو يسوق رجلا مقبوضا عليه.. ويحكى للناس فى زهو عن قصة مطاردته له.. ويعامله بقسوة.. لكن المقبوض عليه يستغل فرصة انشغال الشرطى بمضاجعة امرأة ويهرب.. ويضطر الشرطى إلى الخروج عاريا..ويظنه الناس مجنونا ..ويأتى شرطى آخر يفعل به ..مثلما كان يفعل هو مع السجين.. ويتكرر ذات المشهد.
وفى قصة "فارس قديم".. الابن الذى يرث من والده ولعه بالنساء.. وشرب الخمر.. ويعيش مع أمه العجوز ..التى تؤكد له أن والده لم يكن سمسارا خسر أمواله فى صالات القمار.. ومضاربة البورصة.. يعامل أمه بحنان..لكنه لايتمكن من ركوب الترام معها.فتصرخ الأم.. ويحاول هو اللحاق بها.
وفى قصة "بقايا بخار:".. العجوز التى تجلس داخل دكان .."لايظهر منها سوى وجهها المتغضن..وخلفها أرفف فارغة تماما.. ويبدو أنها لاتبيع شيئا..ولا تفتح الكان إلا لتؤكد أنها مازالت حية".. لقد كانت تجعل من ذلك الدكان ..أعجب الأماكن فى العالم كله.. بما توفره من متع جسدية..تشد إليها علية القوم.
هذه النماذج من الشخصيات الفردية..والتى ترتبط بالآخرين..قدمها الكاتب من خلال رؤى تعكس ما يبدو من خلال معاناتهم.. وتكاد تكون العلاقة التى بين الكل واضحة.. لكونها لاتخرج عن الهموم الحياتية.. وأشياء ليست وقفا على البعض منهم دون الآخر.. وما يعيشه أحدهم.. أو يحدث له .. لا يستحيل بالنسبة للآخر.. لكن ثمة ما يلفت النظر فى المعاناة الفردية.. وهو ذلك الرجل الغامض الذى يلاحق البطبل دونما سبب واضح.. والذى يبدو أحيانا كأنه ذات البطل.. فالملاحظة تتكرر فى قصص "وحدة كل يوم"و"المقهى والعيون"..فى الأولى بدا إيحاء بأنه ذات البطل.. وفى الثانية تغلب عليه البطل..وأبعده عن حياته.. ذلك بعد أن تبددت شكوكه حياله..من أنه قد يكون مكلفا بمراقبته. . وبدا له أن يفعل ذلك كمتعة لا حد لها.
لكن البطل فى القصص الأخرى..ينتهى إلى موقف ما.. فرضه الحدث الذى واجهه.. فى قصة "حصن الطالبات"..الذهول الذى لايملك حياله شيئا..وفى" حادث فى الظلام"..السلبية كالآخرين.. وفى "الرخويات تسود"..الاستسلام لما كان يظنه ضعيفا.. وفى ":ربع كيلو من اللحم".تجمد أما ما حدث للتوأمين.. بينما كان يتمنى أن يقطتع من جسديهما اللحم الذى يريده.. وفى "مسر المتروبوليتان" لم يستسلم لليأس من عدم اللقاء.. الذى يسعى إليه.. وفى "مصالحة مؤقتة".. استوقفه ما حدث للقطة.. وفى "زوجتى والأسماك الملونة" أحس بأن ثمة ظلم قد وقع.. وإن كان قد بدا كراو فى قصتى" فارس قديم"..و"بقايا بخار".. ألقى الضوء على التشبث بالقديم الباقى بطول السنين.. كذكرى محببة إلى النفس.. فقد بدا فى قصة "موكب الشرطى المنتصر".. راو لقوة تقضى على كل من يحتمى بها..بينما يستطيع الضعيف التغلب عليها.
من ثم تبدو هناك أشياء كثيرة..مطروحة من خلال قصص المجموعة.. قد تبدو فى صور رموز وإيحاءات.. تشير إلى واقع ينخره التحلل..وتضيع فيه القيم.. ويفرض فيه الإحباط.. وتتفشى فيه السلبية.. دونما اهتمام بالمآسى التى تحدث.. أو محاولة عدم وقوعها ::برغم التكرار الذى أوضحه توافق مشهد النهاية..مع مشهد البداية..كما فى قصص"وحدة كل يوم".."موكب الشرطى المنتصر","المقهى والعيون".
واذا ما تجاوزنا تشابه المضامين أحيانا.. فإن الشكل بدا إلى حد بما يتناسب مع المضمون.. خاصة من ناحية البناء..الذى بدا متماسكا دون تخلخل يعيبه.. برغم اللحظات الزمنية المحددة..وتواصلها دونما انقطاع..والتى قد توحى أن ثمة فوارق بينها تقطع تطور الحدث.. بينما اللغة لاتخرج عن السرد التقليدى.. وبدأ الاهتمام من خلالها بوصف الأجواء الموحية ..بانسجام الكاتب مع لوحات الفن والموسيقى..وإيحائه إلى خلود التراث بأسلوب قصصى.. يتناسب مع المضامين التى عرض لها.. بتقنية حاول الخروج عنها.. وجعلت من مجموعته الأولى ..بداية طيبة له فى كتابة القصة القصيرة.
**************
السيد الهبيان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007