[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نورة ومباهج أخرى نورة ومباهج أخرى
التاريخ:  القراءات:(1190) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

 

 

                نورة ومباهج أخرى

                                        إلى تمّام

     ينفض يديه من تراب الجذور.. يتناول الهاتف من يد ابنه ..  يتساءل بعينيه : من يريدني؟ فيما  راح الشاب  يرسل ابتسامة هادئة:

  " ستعرف"

  كان قد انتحى للتوّ قليلاً . وبدا أنه يكّلم والدته .وعاد إليه مقدماً الجوال بهدوء كوسيط ناضج ، وها هو الآن يناول الأب مادًّا الجهاز بحذر ألا يسقط من يد أحدهما أو تسقط فكرة الاتصال.

  يراقب الشابُّ وجه أبيه.. تتزاحمُ  طوابير فرح،  وتمتزج الكلمات بالدعوات الأجمل..كان حديثه مختلفاً لا مكان لصوت عال أو كلمة جافية..  يرى الولد بساتين بهجة تزهر في عيني  الأربعيني  الواقف يرسل كلماته عبر الأثير..  تفترّ عن ثغرِ توالدت منه الابتسامات التالية التي سيشهد الولد القريب من والديه مفعولها السحريّ بعد الاتصال .

   لم تنتهِ المكالمة إلا والوالد  يزهر ربيع قلبه ابتساماتٍ  طافت بالمكان وغمرت جميع مَن في البيت !                          

                                          

* * *
* * *
*

   في أيام مضت كان الأب قد قرر قطع شجرة لم تثمر منذ سنوات..البستان الذي رعياه معا..وكان الولد شاهدا على عناية  الأب و الأم معًا أو كلّ منهما على طريقته الخاصة ، وكأنّما يعتني كل منهما بالآخر في تفاصيل البستان. في العصاري ..أو في صباحات العطلة الأسبوعية. وحين يجتمعان  يكون التشذيبُ عتابًا رقيقًا لغصن حادَ عن الاتجاه ، فيستأذنها في قطعه ، أو تستشيره في ردم حفرة صغيرة تكوّنتْ مع اصطخاب الأيام.

  جولة سريعة..رَفشٌ يحفر، فأشجار تُسقى، فأغصان تقلّم ..فماء يتدفق .. فجلسة شاي بجوار الأرجوحة التي تدرّهُ الحياةَ تحت ظل دوحة وارفة.. مشاهدُ يتمسّك بها ، يتّصل عمره بأنساغ شجرية تعلو وتعلو كل عام.

   الشجرة التي لم تثمر قرر الأب تأجيل  مصيرها ، مهلةٌ أخيرة عسى أن  تطرح ثمراً يعطي لفصل الصيف لذة القطف ،  في الفترة الأخيرة التي  ابتعدت السيدةُ عن المزرعة زاد الأغصان الذاوية، فيما الأولاد  يُهدونه وروداً من صبر في انتظار أوْبتها.

  وحيداً أنجز عمل اليوم ..تقليم، سقي، جولة اطمئنان على كل شجرة لوحدها..كما يطمئن على صغاره وقد استسلموا لنوم عميق..أُحضر الشاي لتبدأ الجلسة المعتادة في جانب البستان..دعاها باتصال لم تحضر ..أرسل لها فرعاً من الأسرة ،لم تُجِب.

   فقط ..أن تكون حاضرة الجلسة.. لمساتُها من قبل لا حدود لها ،و ارتباط جمال  روحها بالمزرعة ، أنثى الخصب سماها،  وهي التي لم تمارس الزراعة  قبل هذا البستان قبل الاقتران بينهما مطلع تموز منذ عقد ونصف ، بخلاف رجل  شقّ محراثه السهل والجبل ،والوادي والشعف، وآن له أن يرتاح في ظلّ هوى لا لديل عنه.

                                    

* * *
*  

 ظلت حبيسةَ بُعْدٍ اختارته.. احترم رغبتها .. طال احترامه لرغبتها فماتت رغائبه في سقي  الأرض والأشجار.

   تلك الشجرة العقيم ،سيقطعها ..وخاف أن يموت قبل أن يصلح من حالها..اتجه والفأس  في يده ..تراجع ..قرر نقلها إلى مكان آخر ..ربما تعيش  فيه ،طاوعته جذور ..غادرت التربة نزعًا خفيفًا ، فيما قطع  جذورًا أخرى صعُب اقتلاعها من آخرها. قطع القليل ليعيش الكثير.

     أمسك بها .. كتلة جذور مكتملة .. في حوض ثقيل ،حملها برفق تحسدها الأخريات عليه! وتذكّر حمل الجسد الأجمل بين يديه في سنوات السقي الأولى! سنوات الألق والرغبات المجنونة وضحكات البيت المجلجلة.. حملها حتى أنزلها في الظل..وكرسالة وفاء غمز للابن الأقرب إليه دوماً أن يسقيها صباحا و مساءً.. وإلا!

"وإلا ماذا." سأل الشابُّ الذي أسودّ موضع شاربه:

- "أسقيها أنا بنفسي والأمر لله !" وضحك في فرصة  مواتية  .

 - "أنت تعرف أنها.. تعوّدت على يديك ..وربما ..لا نحسن ما ابتدأتَه!"

 استقرّتْ نظرة إعجاب على الولد وهو ينطق بالكلمات .. شعر به يجلب ثماراً حلوة إلى قلب نورة ومباهج أخرى البستان!

-"والآن.. ندفن الحفرة؟ " سأل منتظرًا الوالدَ ليردّ:

-" لا دعْها إلى الغد ..واصل متأكدًا من فهم الصبي :

" الجُرح المفتوح يحتاج إلى وقت ليندمل بعد تعقيمه.  جرح الأرض لا يخلو من الشوائب.. الشمس تتولى المهمة ، وتستردُّ الأرض عافيتها،  لتواصل من جديد"

  نظر الولد نحو أبيه بإعجاب ..وتمنّى لو كل أخوانه متحلّقين حول الأب تحت  الشجرة الأضخم ..مع إبريق الشاي المعتاد وأحاديث الوالدين  على وقع أغنية  عذبة تجري في الروح والزمان كأرجوحة .

                                        

* * *
* * *

     الفرع الأوسط  بين إخوته طالما تمنّى أن يمسك بيد أبيه ويسيران إلى نزهة قريبة داخل البستان الصغير المفتوح على أشجار العالم..أو فلتكن النزهة بعيدا إلى الحدود الأبعد من البيت حيث الشفا يلوّن النظر ببهجة السماء ،والطيور تلاعب الهواء بأجنحة صاغت النسيمَ ضفائرَ تنساب على رؤوس الجبال..تمنّى الكثير : عودةَ جلسات الأسرة في أطراف الحوش والشرفات .. على الكراسي الأسمنتية ،في الشرفة العليا ، في الشرفة الكبرى  ذات المراجيح  المفتوحة على البستان، فوق  العشب الأخضر ..في الممر الطويل بين البيت والمزرعة تظلله أشجار الشَّثّ العملاقة!

   تمنى وتمنى لو المطر يهطل الآن ليسقي مزرعة البيت وبستان الدار التي أقامها أبٌ يعيش مع الشجر كأولاده!  تمنى ثمّ اكتفى بدعوات افترشت قلبه ولوّنت عينيه رضا ..ختامها دعوة أب أربعيني لابنه في منتصف العقد الثاني من عمره!    

                                 

* * *
* * *

  كالماء وقع الاتصال على قلبه  ، وكالمطر المنتظر ،تسري في حركة الرجل همّة مفاجئة .. يطلب الرفش.. فيما الأشجار تزفُّ لبعضها البعض التهاني ملامَسةً بتحريك الغصون على امتداد البستان ،وقت  الأصيل يكتنز بثمار الروح  تهبّ على المكان.. وأمطرت!

 الأوراق أرسلت ندى خفياً لامس  روحَ الرجل مشمّراً عن ساعد البهجة. وقد ردّ له الاتصال ما كاد يَبلَى من روحه ، القريب منه  يسمع   صوتاً عذباً ينساب ، تتحدث أعماقه كأنما  يعمل فرداً، ويتحدث بضمير الجميع .لتسمع الغائبة..ليخبرها من سمع ..فتكون في جوّ القادم من وعود العودة:

" سندفن الحفرة ونضمّد جُرح الأعماق ونمسح جبين الأرض.."

   أمطرت أصيلا.

     وفي صبيحة اليوم التالي  بان الرواء وفعلُ السماء وهمةُ الرجل.. ازدهى البستان كروح لا وقت لديها تضيعه في الألم ، وفي أحسن حالاته كان الحقل الصغير منتعشاً قلباً وأرضاً، روحٌ أنعشت روحاً..فسرى الربيع من روحين طالما اشتركا في مدّ البستان بما يحتاجه من ضوء كفيهما وماء كلماتهما!

    اليوم و الأمس إلى الغد الأروع .. روحُها ملأت روحَه.فانفجرت بعمل أعاد للأرض الصغيرة  أنفاسها ،ارتوى صوتُه وهو يهزج ،استعادت شفتاه القدرة على الصفير وهو يطلب بعض الأشياء..قبّعة رأس  حبلًا يشدّ بع غصنًا تدلّى ، وعاء ليملأه بثمار الخوخ والفِرْكس!

        وانتظر قدومها إليه في المزرعة وكذبَ اليأسُ وصدق الأمل ،وتجيءُ في غَلالة من غيم ..شعر بقلبه وعاءً  خالياً يملؤه  الثمر الشهيّ القادم المجتبى  !

    تأتي من  بستان أشواقه .تحمل جرّةَ المزن .. إبريقَ الصفاء شايًا كلحظة من ذهب،  وتجرّ أذيال جلابية  زاهية سابغة على طريقة الكيمونو اليابانية ، وتقترب فيزهر الكونُ وتمتلئ أوعيته وشرايينه  بالحنين ؛ القلبُ استحال ثماراً تُقطف باللمس  وتعبأ في شفاه  عاودت  الابتسام، وفي أعماق الرجل أزهرت الروح ، وتبرعمت من جديد  جناتٌ لا حدّ لها  ..سابقت يدُه قلبَه تقطف أزهار الجوري وترميها تحت قدميها ،لتعْبر بين وردات اللقاء، تقترب محمولة على ندف من غيم ، وانسربت الخطوات كدواء يسري في مفاصله وعبر شرايينه ، تسري الهوينى ، تعلن قدوم باذخ عطرها! تمشي على ورد افترش طريقها ،تجرّ الرداء فتنقلب الوردات ويختلط ضوع عطرها مع شذى البستان وأزهاره .

استفاق من ذهول النشوة  صار يدور محلقاً ملامسا دائرة جاذبيتها.وأطلق صلواتِه لمَقامها:

"دام جبينُك عالياً .لا عاش من يفرح لغيابك ..حتى ولو كُنـْ..

 أسرعتْ ..بادرتْ :

" أنتَ السالم دوما .. أنتَ القلب.. جعلني ربي فداك!

  راح يتملّى وجهاً  قادماً  يسير الربيع في ركابه،و يستأذنه  ليمحوَ ما خلّفه الشتاء !

   حضرتْ تَفْتح للأمل طريقاً وتبدّت الأماني نديّة من بين الوريقات، فيما البراعم تمايلت  على وقع  همس كالعتاب يتصاعد  ،كأنما هو خطو عصافير بين الغصون.استعادت النظراتُ تعلقها  ببعضها البعض ، واستفاق اشتياقُ العيون  بحب عاود التوالدَ من رحم  الجذور..فيما امتدت الأرضُ  استواءً وبهاءً تُداوي سوءاتِ ما كان.

                                                   

                                                              أبها 12/1434هـ

                                                           10/2013

 

                  

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007