[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
انات على وتر مشدود دراسة
التاريخ:  القراءات:(246) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  بقلـــم : السيد الهبيان  
محمد عباس فى

أنات على وتر مشدود

السيد الهبيان

-------------

تبدو تجربة القاص المصرى السكندرى "محمد عباس" فى القصة القصيرة.. ليست حديثة العهد فمجموعته "أنات على وتر مشدود"..سبقها عدد من المجموعات منها "الطريق إلى منبع الشمس"و"الوهم والضحكات"و"حين تميل الجدران"و"أشياء لاتحدث مرتين"و"ثورة الحمير"و"حلم الذى هوى"..بالإضافة إلى مجموعة "فاطمة تعيش الحلم" الفائزة بجائزة "الطيب صالح" الأدبية. القصصية .. وجميعها تشى بكثرة نصوصها لكن لا يمكن بحال احتسابها على أنها تبدو على نسق واحد.. لكون فرضية تنوع مضامينها واردة ان لم تكن مؤكدة وكذا الاختلاف فى الشكل.. بينما يظل الاجتماع على بساط لغة واحدة هو الأساس..الأمر الذى تتحقق معه خصوصية ادواته التعبيرية والفنية

ليس ذلك استباقا الى تقييم قصصه وماهيتها.. وإنما مدخل لتناولها فرضته القراءة المستكشفة لمجموعته الرابعة "أنات وتر مشدود" مع التحفظ بالنسبة لما قدمها فى مجموعاته السابقة عليها ..إذ التقييم بالنسبة لها لايمكن بحال دون قراءتها والوقوف على ماهيتها ..حتى يبدو مدى ماتمثله فى سياق تجربته القصصية ككل.. وليس كاجتزاء منها..ومن خلال قراءة مستكشفة لها .. تبدى ما يطرحه كاتبها من خلالها على أساس من التنوع لمضامين تبدو عادية فى ظاهرها..انتقاها من واقع اجتماعى يزخر بالعديد من المفارقات ومثيرة للتأمل إذا ماتم استيعابها بقدر من الاهتمام.

فموت "صالح" فى قصة" مراسم قتل الصمت" يتماثل مع موت أى مريض قضى نحبه داخل مستشفى ..واستغناء"سعاد"عن "خليل" فى قصة "جذوة" لايختلف عن استبدال عشيقها بعشيق جديد ..وزرع الأعضاء فى قصة"أصوات من زجاج"..أصبح من الأمور العادية..ولا يختلف فى ذلك المراقبة المستمرة لبطل قصة "حصار" ..ولا ملاحقة شرطة الإزالة للباعة المتجولين فى قصة "الجرم" ..وأيضا إصرار الأب على فرض رأيه على ابنه فى قصة"أنات على وتر مشدود" ..والتمرد فى محيط العمل..والانحراف الوظيفى ..وصراع الترقى فى العمل..وفتوة السوق ..وتذكر الزوجة بعد مماتها..والرغبة فى الهروب من الواقع.. واختلاف الزوجة مع زوجها..وزوج الأم المخادع ..وقساونه على أبنائها.. والزوج السكير..واستغلال الأطباء ..فجل ذلك لايخرج عن العاديات التى تزخر بها المجتمعات ..لكونها أمورا اعتمدت عليها مضامين قصصا كثيرة ..وأبدتها برؤى مغايرة عن بعضها..لكن الكاتب نسج منها مايخرجها عن دائرة الأحداث العادية وجعلها تحمل مايتجاوز الظاهر منها.

هذا النظر لقصص المجموعة ككل له ما مايبرره فيها ..فموت المريض"صالح" فى قصة"مراسم الصمت"..جاء نتيجة إهمال بعد إيداعه مستشفى يعرفه الناس بأنه "مأوى للمجانين" رغم أنه مصنف للعلاج من الأمراض النفسية والعصبية.. لم يدخله كمريض..وانما دخله كعقاب له على صمته عندما رفض الحوار فى أحد البرامج التليفزيونية..ورغم أن المذيع ألح عليه ..وأوضح له أن برنامجه من نوع جديد "يعتمدعلى تلقائية الضيف ورؤياه للموضوع الذى يعرض له ..نقد.تشجيع.شجب..الخ" وفوجىء بالناس تنضم للمذيع..وبانضمام رجال الأمن للمذيع..والناس بالميكرفون..فقال للجميع:"رغم كل شىء لن أتكلم" فانقلبت الدنيا فوق رأس الجميع..واجتمعت لجان وقيلت آراء حول سبب رفضه الكلام.. وفى النهاية "صدر قرار لم يتكلم لأنه معارض حاقد ..رافض لتقدم وحرية الوطن"..ومن ثم تمت إدانته على رفضه الكلام.. لأنه"سيعلم الناس الصمت..وبالتالى لن تعرف السلطة شيئا عما يفكرون فيه".. وبسبب هذه الجريمة تم القبض عليه ..ولما تبين أن ذلك سيصوره بطلا ..كان لابد من تصرف سريع بإيداعه المستشفى الذى هو مأوى للمجانين.. وبعد موته شعر الجميع بفداحة الخسارة وقسوتها ..إذ كان" كأنه على خلق ليعلم ويعلم من حوله ..ولا يبخل على أحد بما لديه"..بل ربما لأنه يشعر بداخله أنه كبير.. كان يعطف على كل من يراه ..يفيض حنانا على الصغير والكبير.. لا يغضب ولا يثور.. ولا حتى يرد بعنف..كل ما يفعله أن تزداد لمعة عينيه وتزداد ابتسامته رحابة.. ويفيض نهر جديد بكلماته السمحة فى صمته المديد.. كان موته بالنسبة لأمه الحزينة أنه تبرأ من الجميع.. ومضى بعد أن أضاعوه بجهلهم.. كانوا يعرفون أن تصميمه على رفضه الحوار لأن له دنياه.. ولأنه ربما كان يشعر بما سيجرى".. وكان أبوه يرجوه ليوم قادم ..لكنه ترك وراءه شعورا بالتقازم لدى من أرادوا أن يتساووا به.. وروحا تتدفق فى مسامهم تحثهم على الاقتداء به.

صمت"صالح" أيضا كان سيد الموقف فى نهاية قصة"طبة الميزان"..فقد رأى حماس شباب ممن يعملون فى المصنع فى الشكوى من تحرش رئيسهم بهم..وتمنى لو عاد العمر به القهقرى ليستطيع الانضمام إليهم.. لكنه التزم الصمت عندما تعالت الأصوات حوله..مؤيدة لمن رفض السكوت على ما يحدث لهم.. وفكر أن يتحدث لصاحب الشركة مباشرة عن "شاكر بك" الذى يعاملهم بطريقة لاتليق بهم..ربما يصدقه ويعده بانه سيحقق فى الأمر.. حتى لايبدو صمته ضعفا أو انهزاما..وعندها سيتقدم الصفوف..ويدفعه ذلك إلى تبنى وقفة لإعلان رأيهم.. ويقترح أن تصل شكواه فى هدوء.. فيفاجأ بأنهم يطلبون منه أن يقدمها نيابة عنهم لأنه كبيرهم..ويستطيع التحدث عنهم ..لكن "شاكر بك" يسأل عن سر وقوفهم ويشتبكون معه بالكلمات إلى أن يسأله ساخرا أليس لديه شكوى مثلهم.. فيجيبه بالإيجاب ويسانده الجميع..فيتهمه "شاكر بك" بأنه المحرض لهم..يحاولون التهرب منه بقوله أنه لن يشكو إلا لصاحب الشركة.. فيسمع صوته من خلفه"تكلم يا إبراهيم" عندها تتأرجح كفة الميزان.. ثمن الاندفاع سيكون هو الضحية ..سيجلس فى البيت بعد أن يخسر العمل الذى قضى فيه عمره.. ومن الصعب أن يكون زعيما وهو بحاجة إلى المال.. سيتأثر البيت.. لن يجد الأولاد الطعام..وستبكى امرأته وهى تسأله عن إيجار البيت وفاتورة النور.. والمياه.. مصير أسرته صار بيده ..فيدير رأسه للناحية الأخرى ..لكن صاحب الشركة يعلو صوته وهو يكرر " تكلم ياابراهيم" يرفع رأسه إليه..وتتأرجح كفة الميزان بين تلاقى العيون.

للصمت كما يبدو دوافعه بالنسبة لبطلى قصتا "مراسم الصمت" و"طبة الميزان".. على النحو الذى أظهره مضمون كل منهما.. التحسب لما سوف يكون بعد الحوار..وتوقع"صالح" لعواقبه.. والضرر الذى سيلحق بأسرة إبراهيم..إذا ما تكلم.. لكل منهما ما دفعه إلى التزام الصمت.. من أسباب حتمت عليهما أن يضعاها فى الحسبان.. لكن يجمع بينهما عدم تقبلهما لما يحدث فى واقع معاش واشتراكهما فى رفضه.. وأيضا عدم رضائهما عن هذا الصمت البادى فى داخل كل منهما.. رغم توافر عدم تمسكهما به.. الحوار فى قصة"مراسم الصمت"..والكلام فى قصة"طبة الميزان".. فالحرية كانت مكفولة لهما لكنهما لم ينخدعا بظاهر الحال ..وآثرا تجنب عواقب ما بعدها.. ومن ثم كان التزامهما الصمت..كشىء حتمى يخرج عن دائرة الاختيار.

ثمة دوافع أيضا كانت لبطل قصة"سكة أبو زيد"..الذى ساءه ما يحدث فى الشركة التى يعمل بها ..عمولات وشراء مواد خام منتهية الصلاحية ..وبيع قطع غيار جديدة على أنها خردة..وبيع منتجات ممتازة عتلى أنها درجة ثانية.. وعندما حاول الكشف عن الانحرافات التى تحدث بالقسم الذى يعمل به.. واجهه حائط صد لم يستطع اختراقه.. قال له المحقق" الخطأ ان تقاوم ماليس لك قدرة عليه ..اليد التى لاتستطيع قطعها قبلها"..وهمس له"الموضوع كبير ثم نصحه أن يسير فى سكة أبى زيد ..وأن يحفظ مسالكها..وأن يكتفى بحفظ التحقيق.."المدير مسنود..جهة التحقيق ذاتها لا تستطيع إدانته".. ثم نظر إليه برثاء.."طالبه برد المستندات التى سلمها له تركه ومضى ..حاول إيقافه ..ظلت ضحكته تتناقلها الجدران من حوله"..هرول إلى رئيس الشركة وهو يظن أنه سينصفه..لم يوقفه أحد على غير العادة ..قابله الرجل بسؤال محدد"وأنت مالك..ثم فتح درج مكتبه وأخرج تقاريره السرية كلها ضعيفة".."صرخ: نزوير تزوير..أحاط به الأمن.. صرخ فيهم ليس أنا افهموا..هزوا رؤسا بلا أعين ولا أفواه ولم يأبهوا به" ..ثم حذره رئيس الشركة "عطفا على أسرتك لا عليك سأتركك هذه المرة"..أخبره بأن معه صور المستندات .. فسخر منه" صور بلا أصول ربى أولادك أحسن"..ونقلوه من القسم حتى يبعده عن المسؤلية.. لكنه اعترض"هذا ليس حلا".. فاتهمه بأنه مشاكس ..وأن لديه الحل لأمثاله..ولأنه يعرف الحل المقصود التزم بالصمت رغما عنه..لكنه تواجه فى البيت من ابنه الذى طلب منه حل مسألة حساب..استعان بالأمثلة الموجودة بالكتاب الخارجى..لكنه لم يصل إلى حل لها..طلب منه سؤال مدرسه الخصوصى..أخبره بأنه هو الذى أعطاها لهم..ثم عرف من أحد زملاء ابنه بأن أباه يقول أن المسألة خطأ..عندما استعصى عليه حل المسألة ..كان يؤمن إيمانا راسخا أن لكل مشكلة فى الكون حلا..وما عليه إلا إعمال فكره ليصل إلى الحل.. لكن باكتشاف الخطأ ..تأكد أن المسألة خارجة عن نطاق المألوف.. وإيجاد الحل لها لابد أن تكون منطقية المنهج ..لأن مابنى على باطل فهو باطل..وهو ما ينطبق على صمته إزاء ما يحدث فى الشركة ..ولأنه كذلك ..كان عليه أن يجد الحل..ومن ثم توصل إلى أنه لن يلتزم الصمت..وسيتكلم.

لكن "عزيز" بطل قصة" دوى".. الذى استطاع أن يصل إلى منصب المدير بطرق ملتوية.. فاجأه"صالح" رئيس المكتب ..بإضافة مسلك مستهجن لم يكن يتوقعه.. فبدلا من أن يلقاه بالترحاب.. قابله بالبصق فى الهواء.. ووجد "عزيز"فى انتشار هذا الخبر أنه سيصبح أضحوكة إن لم يأخذ حقه بيده.. وبالفعل بدت له السخرية فى تصرفات الساعى عندما أحضر له القهوة..وتأكد أن الأمر ليس صدفة.. فقرر الرد على رئيس المكتب بما يتناسب مع فعلته.. واستعد لمجابهته..لكنه تلقى منه بصقة طائرة تجاهه بلا رزاز ..وكان عليه أن يبذل أقصى طاقته ليخفى انهزامه حتى لايشعر أحد بلذة الشماتة فيه.. ويريد منه أن يخرج من كهفه ليرى ويفهم ويقتنص..ولا يظل عائما فوق ركود الكلمات البالية..بينما "صالح" يرى فيه أنه تسلق الجبل بطرق ملتوية لايجيدها هو.. ويقرر "غزيز" أن يثأر من "صالح"..ويجعل لسقوطه دوى..فدعاه إلى مكتبه ليحصل على شهود ضده إذا ما كرر فعلته.. وإذا لم يفعلها فسيفعلها هو ويرد له الصاع صاعين..لكنه يفاجأ بعدم استنكار العاملين لما بدر من "صالح".."وصرخت عيناه أنها مؤامرة"..لكنه استشعر نفسه قزما بالنسبة له ..وعندما رأى الصورة بجواره ألقاها أرضا.. وأخذ يدق عليها وينظر إلى "صالح" بتشف.

أما "فاطمة" بطلة قصة" الجرم".. فقد وجدت نفسها فى مواجهة لم تكن تدرك عواقبها..فبعد أن مات زوجها ..كان عليها أن تعمل لتوفر احتياجات بيتها..ومصاريف مدارس أولادها.. فحملت بضاعتها.."من الجبن والسمن والفطير" لتبيعها.. لكنها فوجئت بهجوم أفراد قوة الإزالة يطاردون الباعة وهم يهربون منهم.. وبدا الأمر غريبا بالنسبة لها..وتساءلت عن سبب هروبهم..وعن جرمهم الذى ارتكبوه.. فقد اقتحموا الأزقة والحوارى..وجمعوا ما وصل إلى أيديهم من بضائع الباعة الجائلين.. ثم اقتادوها معهم بعد أن أخذوا بضاعتها.. قبل أن تبيع منها شيئا.. ولم يشفع لها صراخها بأنها لم تفعل شيئا.. وبأن أولادها وحدهم فى البيت..ولن يعرفوا ماذا جرى لها.. ثم لم تتحمل ماتعرضت له من سب وضرب..وردت على إهانتها بسب من اعتدى عليها وسط ذهول من معها.. واستطاع أحد الصحفيين تصوير واقعة الاعتداء عليها..لكن انتابها الرعب وهى داخل الحجز الذى اقتيدت إليه مع غيرها.. عندما رأت الضباط..وظنت أن وقت القصاص قد حان.. فندمت على ما بدر منها ..وحاولت أن تتقهقر للخلف عندما أمروها بالخروج.. فدفعها من كانوا معها للأمام ..وتقدمت وقلبها يرتجف..حيث بدا لها الرجل عابس الوجه ..وبجواره الصحفى يحمل جريدة بها صورتها وهو يصفعها ..ففتحت فمها دون كلام.."بينما الحشد يدفعونها أمامهم ويسيرون".

بينما "فاطمة" بطلة قصة " وجه النهار" وهى إحدى بائعات السوق ..لم يكتف "عاشور" فتوة السوق بما يفرضه عليها مع غيرها من أتوات وأرادها لنفسه.. فطلب من زوجها أن يوافق على أن تعمل فى بيته..ويعطيها ضعف ما تكسبه.. فقرر الهرب بها وصوره بالعجز أمامه هو ورجاله.. لكنها تثنيه عن الاستمرار فى رحلة الهروب ..لأن الرحيل عن السوق ليس هو الحل.. وإنما الحل يكون فى مواجهته..وتؤكد له أنها ستستطيع ذلك..فيحاول التغلب على ضعفه ..ويعود معها متمسكا بالوقوف بجانبها.

وبدا انتحار "خليل" بطل قصة"جذوة".. يعامل زوجته كموظفة برتبة زوجة.. شاركته الحياة..وأنجبت له الأولاد.. ومضى بهما العمر إلى أن زهدها ..ولم يرغبها بعد أن فقد إحساسه بها.. حاول أن يرضيها..لكنه عجز.. و"فقد قدرته بين ساقيها".. فامتنع عنها..وأبت هى أن تطلب منه.. فرضى كل منهما بالأمر الواقع ..وانفصلا سلميا بلا اتفاق سوى الصمت.. واستمر انفصالهما الجسدى لسنوات..كانا يتعاملان خلالها بحذر .. وحبس هو مشاعره بداخله إلى أن فجرتها جارتهما "سعاد".. بعد أن دخل شقتها كمدرس يعلم صغارها الآداب.. وجد فيها طوق النجاة الذى جاء فى وقته.. وعطاء فى وقت جدب.. شعر معها انه رجلا من جديد..نعم برحيق الرغبة واستشعر لهفة الحنين..وعلمته الحب بعد أن تقدم به العمر..طلب منها أن يلتقيا بعيدا عن البيت والعيون الصغيرة المترقبة.. لكنها أكدت له "أن المكان الوحيد الآمن هو شقتها".. وصدقها صاغرا لكون زوجها مسالم معه ويراه فاضلا له ولزوجته..ويقطتع من وقته لأجل الصغار ..ومن أجل الجيرة..يعلمهم بلا أجر.. لكن زوجته واجهته معترضة.."إذا كنت لاتفكر فى فهذا ليس بمشكلة..لكنها حليلة جارك".. أخبرها بأنه سيطلقها منه..وظل فى تماديه مع جارته إلى أن تنمرت له.. وأخبرته بأن زوجته افتعلت معها مشاجرة ليقاطعها وتمنعه عنها.. ووجد هو أن زوجته تريد أن تحرمه من اللحظات القليلة التى يشعر فيها بذاته.. ومن المرأة الدافئة....والرحيق الطازج..والنشوة الفريدة.. فاندفع إليها وبادرها بالصفعات والسباب..لكنها واجهته فى تحد وشعر برعب مفاجىء من حدة نظراتها وهى تحول بينه وبين الاعتداء عليها ..صرخ مذعورا وحدق فى وجهها ..وتجمع الأولاد.. وزادت مساحة الحيرة والارتباك لديه..نظروا إليه فى صمت..وبلا احترام أو خوف..واعترضوا عندما طلب منها الخروج من البيت .. فترك هو وقرر ألا تبقى على ذمته..ثم هرول إلى جارته ليخبرها بأنه سيطلق زوجته.. وطلب منها أيضا أن تطلب الطلاق من زوجها..لكنها ردت عليه بجفاء"لن أترك زوجى".. ولم تبال به عندما تضرع إليها وحاول أن يدخل ليتفاهم معها ..وردت عليه بتفس الجفاء.."زوجى أمرنى ألا أدخلك الشقة فى غيابه".. فهبط السلم كالفأر المذعور ودموعه تغطى عينيه.. تساءل عن سر تغيرها وهو يعود إلى ركنه المهجور..ليعيش فيه وحيدا صامتا وحائرا ومذهولا.. وعندما تماثلت له زوجته ظنها أتت إليه شامتة فيه.. لما يعانيه من شقاء ومرارة الوحدة وبرودتها وانكساره أمامها.. طلب منها الابتعاد لأنه يكرهها ..اقتربت منه واعترفت بخطئها..وأخبرته بأنها تريد أن تنقذ ما تبقى من عمرها ولا تريد للجذوة الباقية أن تنطفىء.. وضمته إلى صدرها..فأخذ يشكو لها تعبه.. لكنه تنبه إلى عدم وجودها معه.. وإلى الفراغ والقهر اللذان يحيطان بأنفاسه.. وزاد إحساسه بالقهر عندما فتح النافذة وتماثلت له جارته ..وقد وجدت آخر..صغيرا عنه وأجمل منه وأقوى.. يعطيها ماتريد ..ويمنحها شبابه بقوة وبلا خوف.. وهى بين ذراعيه تتأوه له وتناجيه.. بحث عن مهرب منها ..فطارده صوتها.."تتضخم التأوهات المتمتمة ويعلو غنجها".. ومع فواصل التأوهات اندفع بجسده إلى الأمام إلى أن هوى جسده فى الفضاء الفسيح..وشقت صرخته المقهورة قلب الليل قبل أن يسود الهدوء كل شىء.

وفى قصة" عنكبوتة".. بدا "ياسين" يسهر الليل فى الحانة..ثم يعود إلى البيت آملا أن تكون زوجته فى ملكوت النوم..فلا يقع بين مخالبها.. إلى أن وجد جيرانه فى البيت يطاردون رجلا ذات ليلة وهو عائد من سهرته.. وعرف منهم أن امرأة تستغفلهم معه.. وتماثل له الرجل كشبح وهو "يهرول نحو بيت جانبى مظام المدخل ويختبىء فيه".. لم يهتم بالأمر..وأشاح لهم بيده ومضى متوغلا فى الظلمة.. لكنه توقف وتساءل ماهية تلك المرأة التى تستغفلهم.. وبدت له أنها "أكيد جميلة وتستحق المغامرة".. وأراد أن يعرف من هى فعاد إلى الرجل المطارد فى مخبئه.. فارتعد منه..وظن أن وراءه آخرين..لكنه أكد له "لم ألمسها.. كانت نزوة.درس.توبة والله".. وهرب من إخباره عنها وكيف عرفها.. فيمكنه من الفرار على أن يفهم منه الأمر فيما بعد.. وهمس له وهو يشد على يده"أنت رجل عظيم"..أكمل سيره إلى البيت ..ثم توقف وهو يندم لضياعه فرصة ذهبية .. فى أن يكون هو الوحيد الذى يعرف كل شىء..لكنه ما لبث أن تقدم بعد أن رأى أن الأمر ليس مهما إلى هذه الدرجة..وانتبه إلى باب الشقة مفتوحا..ظن أن زوجته أيقظها الصراخ.. فقرر ألا يصمت لها إذا ما استقبلته بما تعوده منها.."البيت ليس لوكانده..إذا كنت رجلا عد من حيث أتيت"..فسيدفعها بكلتا يديه ..ويأمرها بأن تصمت ..وإذا زادت فالويل لها.. لكنه رأى "عيناها حمراوان..وشعرها مهووش فوق رأسها ..وخدودها المتورمة مكسوة بسيل من الدموع"..وحولها بضع نسوة ..ظن أن شيئا قد جرى للأولاد..لكن إحداهن أخبرته بأن لصا حاول سرقة الشقة وتم ضبطه..تذكر المطاردة وسببها فاتجه إليها بنظرات ساهمة وأخذ يتأملها ..و"انسل إلى أذنيه همس إحداهن لصاحبتها " ألم أقل لك أنه سكير لن يعى ما كان"..هم أن يجيبها ..لكنه عاد وتذكر ماحدث بينه وبين الرجل المطارد..فاستدار خارجا إلى الطريق فى صمت..ورفع رأسه لأعلى وبكى.

وبعيدا عن خيانات الأزواج..تبدو قصة" العودة إلى الداخل".. ببطليها "الزوج والزوجة".. ومحاولة فرض المساواة من خلال كلمات الزوجة.."أنا مثلك فى هذا البيت..لى مرتبى..ولى كيانى..و..و..الخ".. ويحدث الخصام بينهما لعدة أيام يصبح البيت فيها لايطاق.."هو فى جانب وهى فى آخر..والأولاد بينهما حائرون".. فيذهب إليها فى عملها ليصالحها..ثم يفجأ بها فى المكان الذى شهد قديما أحلى ذكرياتهما.. تقتحم عليه جلسته ..وتعتذر له..وتطلب منه أن يسامحها.. وتكشف له بكلماتها عما بداخلها من مشاعر وأحاسيس..مما جعله يرد عليها بكلام نسيه من زمن.. ويسعده أنها تخلت عن سبب خلافهما.

وفى قصة "انات وتر مشدود"..يبدو "محمود" على خلاف مع زوجته بسبب الدروس الخصوصية..فابنهما "هشام" غير مبال برسوبه فى مواد عديدة فى نصف العام.. ويتعلل برفض جاهز هو رفض "محمود" للدروس الخصوصية..ثم يترك البيت ويذهب إلى خاله الذى يعلق عودته على شرط أخذه الدروس الخصوصية.. بينما يرى"محمود" أنه لو أخذها سيدمنها فى حياته ..ولا يريد أن يخضع لاشتراط ابنه عليه.."إما الدروس الخصوصية أو السقوط فى الامتحان".. وتناصره أمه فى ذلك..وتصف زوجها بأنه من عصر قديم..وتنبهه بعدم اعترافه بها رغم أنها تعيش بينهم.. وإذا كان لايعرفها فالكل الآن يعرفها..ورغم أنها معلمة ومربية وتعد دروس طلبتها ..إلا أنها تطلب منه عدم معاقبته لتركه البيت وتنفيذ شرطه.. فيغادرها إلى بيته الأول.."بيت العائلة الذى أوغل فى القدم ..وبفعل الإهمال سكنه التراب وانتشرت فيه رائحة العطن.. لم يجد عيبا فى أن يصير جزءا منه ..وتنسم فيه رائحة الذين مضوا ورحلوا ولم يعد لهم وجود.. حيث تذكر غلطته التى لم يغفرها لها أبوه.. ولم يقبل منه تبريره بأنه تأخر فى العودة إلى البيت..بسبب أن والد زميله كان يحكى لهم عن تقاليد وعادات زمان.. وصرخ فيه " من لايحترم هذا البيت لايدخله"..كان حازما فى مواجهته..ولم تستطع أمه أن تهدىء من ثورته كما اعتادت.. ولم يكن منه حينها إلا أنه هز رأسه المنحنية أمام أبيه ..ليؤكد له فى صمت أنه فهم ما يقصده..وتؤكد عليه أمه "أبوك ياولدى كلامه لازم يمشى".. يصرخ فى زوجته أن تسمع كلام أمه لتتصرف مثلها..لكنه تنظر إليه شذرا وتدير لها ظهرها وتمضى..يسرع خلفها يناديها ..فيتردد صدى صوته مشبعا بالرطوبة ..ويعيده من استحضار الماضى وما تماثل له فيه..فيغادر مهد القديم متثاقلا ..ويهمس بالدعاء لأبيه وأمه..ويقرأ الفاتحة ترحما عليهما.. وبعدها يواجه "الطريق والزحام والليل الممتد بلا حدود".

أما بطل قصة "العكاز" فيعيش على ذكرياته التى جمعت بينه وبين زوجته قبل موتها.. رغم تقدمه فى العمر ..وأصبح يستعين بالعكاز فى تحركاته.. فالحجرة التى شمت ريحها من قبل "مازالت كما هى لم يتغير فيها شىء"..وكل الأشياء التى كانت بها لاتزال فى موضعها..وكلما تواجه مع صورة زوجته تماثلها مثلما كانت فى شبابها .."بعينيهات المبتسمتين ..والألق الذى شده إليها ..وقسماتها المنبسطة الراضية ..وفى شيخوختها بوجه متغضن لكنه يحمل قسمات طفولية محببة ..كثيرا ما تحسه حال حياتها ..لكنه صار إذا ما أراد ذلك "أحس برودة الزجاج تتخلل أصابعه..وينتبه للشريط الأسود على إطارها ..فينزلق منه العكاز ويبكى على فراقها.

وفى قصة "المنحدر" يبدو "فارس"زوج الأم بعينى بومة ترقبان عن بعد..وحاسة سمع عالية وكأن له أذن وطواط ..يتلون أمام الناس.. يبدى ارتياحه بالحارة وأهلها.. ويبذل المستحيل ليراه الناس فى أحسن صورة..يصرف ببذخ أمامهم ..ويحرص على أن يروه فى صورة زوج الأم المثالى..والذى لايشكو منه أبناء زوجته.. وكل ذلك عكس حقيقته .. ففى داخل البيت يده مغلولة ..ويتفنن فى أساليب عقاب الأبناء وهو يبتسم..ويتهرب من إنفاقه عليهم.. تنفرج أساريه أمام الناس.. وإذا " ماجالس نفسه تبدو عينيه جاحظتين يتطاير منهما الشرر".. ولذلك تدعو الأم ولديها إلى الحذر منه..وتبرر قبولها به بأنه تم فرضه عليها بمقولة أنه رجل يسترها ويربى أولادها.. لكن بطل القصة وهو أحد ولديها يتعجب من حياة الفقر التى يعيشها فى وقت يتعدد الإعلان عن الاهتمام برعاية محدودى الدخل والفقراء..ويضع حدا لتلون زوج أمه ..فيتشاجر معه ويكشف للجميع عن حقيقته..مما يدفعه إلى الانتقال بهم إلى حارة جديدة ..لكنه يمضى بهم إلى أرض فضاءوخلاء ممتد يسوده صمت حانق.. ويصل بهم إلى منحدر صعب أجمع أهل الحارة على التحذير من الاقتراب منه.. فينزع بطل القصة يده بينما يبدو شقيقه يسير فى صمت وكأنه معصوب العينين.. فيلوم أمه على صمتها..ثم يتوقف عن السير فى مكانه .. ويستمد شجاعته من أمه وأخيه..ثم يواجهه بلا خوف"لن ننزل معكهذا المنحدر".

ويبدو زوج الأم أيضا فى قصة" طيف منصور".. حيث يعانى بطلها من بخله وقسوته التى تفوق احتماله.. وسبه لأمه أمامه ليغيظه..ويزجره كلما رآه.. ورغم ذلك كا يجبره على أن يناديه"بابا".. فترك المدرسة واختار مكانا فى أرض فضاء بنى فيه عشة..جعل منها مرقده بعد انتهاء عمله بالمقهى ..وتعوده أمه ليلا ومعها العشاء..وتطلب منه أن يعود معها..ويرجع إلى مدرسته..وأن يرضى زوجها من أجلها.. ويسمع كلامه.. وتكرر عليه ما قالته له مرارا بانها تزوجته بعد أن ألح عليها وقال لها "لن يربى أولاد أخى المتوفى إلا أنا".. لكنه استمر يرفض ما تطلبه منه ..إلى أن اشترى صاحب المقهى الأرض ..وأخبره بأنه لن يطرده من العشة التى بناها عليها.. وفى مقابل لذك عليه أن يزعم أمام الناس ..أنه رأى طيفا طائرا هبط من الفضاء إلى الأرض.. وتحدث هو مع الرجال الذين كانوا معه.. لتصير الأرض حديث الناس..وإذا ما عرضها للبيع سارعوا بشرائها.. فوافقه على ذلك وأوهم أمه بحدوث ما زعمه.. واستخدمها كمذياع متنقل ما أوهمها به..فجاء بائع الأرض لصاحب المقهى ..ودعاه إلى بيته..وجلس مع زوجته وبناته ليحكى ما جرى له.. مما جعله يلعن نفسه لتفريطه فى الأرض المباركة..واستغل صاحب المقهى الذى اشترى الأرض اهتمام الناس بما سمعهوه من "منصور" بطل القصة فى افتتاح صالة الأطباق الطائرة ..ليسمعوا حكاياته نظير ثمن اغتبره كرزق ساقه الله إليهم..وحضر العمدة ليلة الافتتاح بعد أن قام بقص الشريط.. وقامت جماعة من الصحفيين بتغطية الخبر ..وتحولت حياة البطل "من طريد يبحث عن مأوى بعيدا عن زوج أمه.. إلى إنسان مشهور تتسابق إليه أجهزة الإعلام.. وأكدت مزاعمه لجنة من خبراء الفضاء الغربيين ..وطلبوا منه السفر إلى أمريكا.. وعندما انتشر الخبر فى وسائل الإعلام انهالت عليه العروض التجارية ..وعرضت عليه بعض الشركات السينمائية شراء قصة حياته.. لكنه أجل كل شىء لحين عودته من أمريكا ..فاختلفت رؤية صاحب المقهى له..وهنأها بالنجاح الذى هو من صنعه..وبشره بأنه سياسفر معه..فضحك منه..ثم تركه ومضى ليكمل التحضير للسفر.

وفى قصة" حصار".. يواجه بطل القصة من يداهمه فى بيته بشراسة ..ويعانى من متابعته له ..دون أن يعرف ماذا يريد منه....ولماذا يفعل معه ما يفعله.. ..حاول الهرب من البيت فاكتشف وجود غيره خارج البيت وداخله.. ولا يعرف من حرضهم وما هو هدفه.. صعد إلى السطح..رأى "عيونا متلصصة تطل من خلف النوافذ والأبواب.. عيون حذرة.ترقب.تنتظر".. فكر فى التخلص من ذلك الحصار .. فحمل السكين وهرول إلى الباب....لكنه اكتشف أنها أقل من أن تفى بالغرض.. كما أن العصا الغليظة لاتفيد كذلك.. ومضت فى رأسه فكرة الاستعانة ببندقية والده القديمة.. لكن حدث مامنعه من الضرب.. فكر أن يترك البيت ..فاجأه خاطر أن يكون هدفهم هو البيت.. ويعطونه فرصة للفرار للاستيلاء عليه.. ولو تركه ومضى فمن الذى سيخرجهم منه إذا ما دخلوه.. فجهز البندقية وأطلق رصاصها نحو رأس الرجل الذى ارتمى أرضا بلا حراك..أشار البطل بيده علامة النصر.. لكنه وجد آخر يأخذ مكان الذى مضى ..وظل الأمر على ما هو عليه.. وكان عليه أن يجد الحل.. فكر فى العيون المتراصة خلف النوافذ والأبواب.. ولمح فيها الاهتمام والتعاطف إلى درجة التوحد.. وظن أنه إذا استصرخهم قد يتحركون.. لكن عدم تحركهم من قبل جعله يشغر بشعور مقبض ..وانتبه للضجيج خلف الباب..ورأى حركة استنفار الرجال المحيطين بالمنزل.. فحمل البندقية وتربص وسط الردهة..اهتز الباب بعنف.. كان لديه أمل أن تدرك العيون المتلصصة الأمر وتستوعب الموقف جيدا..وأن تتحرك قبل فوات الأوان.

يبدو من خلال ذلك تنوع قصص المجموعة حيث يبدو بطل قصة"ثمن الكشف" المريض الذى صدق مايشاع عن الطبيب المشهور ..وقرر أن يعرض عليه حالته ليعالجه مما يشكو منه.. وتغلب على مغالاته فى قيمة الكشف..بالاتفاق مع زملاء العمل "على عمل جمعية".. يقبضها أولا ليتمكن من توفيها ..وليدفع ثمن الكشف بالتقسيط..دون أن تتأثر ميزانية البيت..واستقبلته فى العيادة فتاة نظراتها حادة..كأنها تريد تفتيش المريض قبل أن يقترب منها..وتجعله يبرز نقوده على الفور.. ثم ينتظر فى صالة يشيع فيها الجو الكلاسيكى إلى أن يحين دوره.. ويستقبله الطبيب بوجه بشوش ويرحب به.. ويستمع منه لشرح حالته ..ثم يكتب له روشتة العلاج دون أن يقوم بالكشف ..أو تفحص الجسد كما يشاع عنه.. فيستكثر البطل قيمة الكشف شديدة الغلاء..مقابل دقائق ثلاث..وحاول استردادها من الممرضة..بعد أن استلمتها من مريضة.. معللا ذلك بأنته لم يتم الكشف عليه..ويخرج الطبيب بعد سماعه المشادة التى حدثت ..وينهى المشكلة بدغوته للكشف.. لكن البطل يساوره الشك فيندفع قائلا له:" خذ ورقتك لكن الفلوس لأ".. فيخبره بأن الفلوس لم تعد له وأنه سرقها ..لكنه لم يهتم ويحاول الخروج..فتقوم الفتاة بسد المدخل أمامه ..ويشمر الطبيب أكمامه.. ويبدو أنه لن يستطيع التفلب عليه ..بينما المرضى حولهم يتفرجون.

وبصورة مغايرة يبدو "الطبيب" بطل قصة" أصوات من زجاج".. الذى يعيش على السماح بنقل الأعضاء من إنسان لآخر.. فإذا كانت الأبحاث والدين والعادات مايبدى أن الانسان نافع فى حياته وبعد مماته.. فالمنطق والتقالايد يتعارضان مع ذلك.. ولو انتشر الأمر سيفتح الباب لسرقة الأعضاء من خلال "جريمة مقنعة بقناع العلم

من خلال ما سبق ..يبدو تنوع المضامين التى عرض له الكاتب..على بساط الواقعية النقدية التى جمعت بينها.. متخذا من بساطة اللغة التى اعتمد عليها ..سبيلا للتعبير عن الإنسان العادى..فى حياته اليومية..وإلقاء الضوء على معاناته المعيشية..التى يضطر فيها إلى الاستسلام أحيانا..بفعل الضغط الجاثم عليه..و الإقدام على المواجهة أحيانا أخرى.. بإيجابية يرى أنها ستخلصه من مما يفرض عليه قسرا..ووضع كل ذلك فى أشكال تتناسب إلى حد ما..مع شكل القصة القصيرة..ويتواءم معها..وفى المجمل تبدو قصص الكاتب وتجاربه فيها..كخطوة تحسب له فى سعيه الدائم..لاحتلال مكانته الأدبية فى الوسط الأدبى..بنصوصه التى أثبتت قدرته على الاستمرار..كصوت متميز ..يعمل على إثرائه بتقديم المزيد من أعمالها الإبداعية .

* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
* * *
*

السيد الهبيان

محمد عباس فى أنات على وتر مشدود السيد الهبيان ------------- تبدو تج


محمد عباس فى
أنات على وتر مشدود
السيد الهبيان
-------------
تبدو تجربة القاص المصرى السكندرى "محمد عباس" فى القصة القصيرة.. ليست حديثة العهد فمجموعته "أنات على وتر مشدود"..سبقها عدد من المجموعات منها "الطريق إلى منبع الشمس"و"الوهم والضحكات"و"حين تميل الجدران"و"أشياء لاتحدث مرتين"و"ثورة الحمير"و"حلم الذى هوى"..بالإضافة إلى مجموعة "فاطمة تعيش الحلم" الفائزة بجائزة "الطيب صالح" الأدبية. القصصية .. وجميعها تشى بكثرة نصوصها لكن لا يمكن بحال احتسابها على أنها تبدو على نسق واحد.. لكون فرضية تنوع مضامينها واردة ان لم تكن مؤكدة وكذا الاختلاف فى الشكل.. بينما يظل الاجتماع على بساط لغة واحدة هو الأساس..الأمر الذى تتحقق معه خصوصية ادواته التعبيرية والفنية
ليس ذلك استباقا الى تقييم قصصه وماهيتها.. وإنما مدخل لتناولها فرضته القراءة المستكشفة لمجموعته الرابعة "أنات وتر مشدود" مع التحفظ بالنسبة لما قدمها فى مجموعاته السابقة عليها ..إذ التقييم بالنسبة لها لايمكن بحال دون قراءتها والوقوف على ماهيتها ..حتى يبدو مدى ماتمثله فى سياق تجربته القصصية ككل.. وليس كاجتزاء منها..ومن خلال قراءة مستكشفة لها .. تبدى ما يطرحه كاتبها من خلالها على أساس من التنوع لمضامين تبدو عادية فى ظاهرها..انتقاها من واقع اجتماعى يزخر بالعديد من المفارقات ومثيرة للتأمل إذا ماتم استيعابها بقدر من الاهتمام.
فموت "صالح" فى قصة" مراسم قتل الصمت" يتماثل مع موت أى مريض قضى نحبه داخل مستشفى ..واستغناء"سعاد"عن "خليل" فى قصة "جذوة" لايختلف عن استبدال عشيقها بعشيق جديد ..وزرع الأعضاء فى قصة"أصوات من زجاج"..أصبح من الأمور العادية..ولا يختلف فى ذلك المراقبة المستمرة لبطل قصة "حصار" ..ولا ملاحقة شرطة الإزالة للباعة المتجولين فى قصة "الجرم" ..وأيضا إصرار الأب على فرض رأيه على ابنه فى قصة"أنات على وتر مشدود" ..والتمرد فى محيط العمل..والانحراف الوظيفى ..وصراع الترقى فى العمل..وفتوة السوق ..وتذكر الزوجة بعد مماتها..والرغبة فى الهروب من الواقع.. واختلاف الزوجة مع زوجها..وزوج الأم المخادع ..وقساونه على أبنائها.. والزوج السكير..واستغلال الأطباء ..فجل ذلك لايخرج عن العاديات التى تزخر بها المجتمعات ..لكونها أمورا اعتمدت عليها مضامين قصصا كثيرة ..وأبدتها برؤى مغايرة عن بعضها..لكن الكاتب نسج منها مايخرجها عن دائرة الأحداث العادية وجعلها تحمل مايتجاوز الظاهر منها.
هذا النظر لقصص المجموعة ككل له ما مايبرره فيها ..فموت المريض"صالح" فى قصة"مراسم الصمت"..جاء نتيجة إهمال بعد إيداعه مستشفى يعرفه الناس بأنه "مأوى للمجانين" رغم أنه مصنف للعلاج من الأمراض النفسية والعصبية.. لم يدخله كمريض..وانما دخله كعقاب له على صمته عندما رفض الحوار فى أحد البرامج التليفزيونية..ورغم أن المذيع ألح عليه ..وأوضح له أن برنامجه من نوع جديد "يعتمدعلى تلقائية الضيف ورؤياه للموضوع الذى يعرض له ..نقد.تشجيع.شجب..الخ" وفوجىء بالناس تنضم للمذيع..وبانضمام رجال الأمن للمذيع..والناس بالميكرفون..فقال للجميع:"رغم كل شىء لن أتكلم" فانقلبت الدنيا فوق رأس الجميع..واجتمعت لجان وقيلت آراء حول سبب رفضه الكلام.. وفى النهاية "صدر قرار لم يتكلم لأنه معارض حاقد ..رافض لتقدم وحرية الوطن"..ومن ثم تمت إدانته على رفضه الكلام.. لأنه"سيعلم الناس الصمت..وبالتالى لن تعرف السلطة شيئا عما يفكرون فيه".. وبسبب هذه الجريمة تم القبض عليه ..ولما تبين أن ذلك سيصوره بطلا ..كان لابد من تصرف سريع بإيداعه المستشفى الذى هو مأوى للمجانين.. وبعد موته شعر الجميع بفداحة الخسارة وقسوتها ..إذ كان" كأنه على خلق ليعلم ويعلم من حوله ..ولا يبخل على أحد بما لديه"..بل ربما لأنه يشعر بداخله أنه كبير.. كان يعطف على كل من يراه ..يفيض حنانا على الصغير والكبير.. لا يغضب ولا يثور.. ولا حتى يرد بعنف..كل ما يفعله أن تزداد لمعة عينيه وتزداد ابتسامته رحابة.. ويفيض نهر جديد بكلماته السمحة فى صمته المديد.. كان موته بالنسبة لأمه الحزينة أنه تبرأ من الجميع.. ومضى بعد أن أضاعوه بجهلهم.. كانوا يعرفون أن تصميمه على رفضه الحوار لأن له دنياه.. ولأنه ربما كان يشعر بما سيجرى".. وكان أبوه يرجوه ليوم قادم ..لكنه ترك وراءه شعورا بالتقازم لدى من أرادوا أن يتساووا به.. وروحا تتدفق فى مسامهم تحثهم على الاقتداء به.
صمت"صالح" أيضا كان سيد الموقف فى نهاية قصة"طبة الميزان"..فقد رأى حماس شباب ممن يعملون فى المصنع فى الشكوى من تحرش رئيسهم بهم..وتمنى لو عاد العمر به القهقرى ليستطيع الانضمام إليهم.. لكنه التزم الصمت عندما تعالت الأصوات حوله..مؤيدة لمن رفض السكوت على ما يحدث لهم.. وفكر أن يتحدث لصاحب الشركة مباشرة عن "شاكر بك" الذى يعاملهم بطريقة لاتليق بهم..ربما يصدقه ويعده بانه سيحقق فى الأمر.. حتى لايبدو صمته ضعفا أو انهزاما..وعندها سيتقدم الصفوف..ويدفعه ذلك إلى تبنى وقفة لإعلان رأيهم.. ويقترح أن تصل شكواه فى هدوء.. فيفاجأ بأنهم يطلبون منه أن يقدمها نيابة عنهم لأنه كبيرهم..ويستطيع التحدث عنهم ..لكن "شاكر بك" يسأل عن سر وقوفهم ويشتبكون معه بالكلمات إلى أن يسأله ساخرا أليس لديه شكوى مثلهم.. فيجيبه بالإيجاب ويسانده الجميع..فيتهمه "شاكر بك" بأنه المحرض لهم..يحاولون التهرب منه بقوله أنه لن يشكو إلا لصاحب الشركة.. فيسمع صوته من خلفه"تكلم يا إبراهيم" عندها تتأرجح كفة الميزان.. ثمن الاندفاع سيكون هو الضحية ..سيجلس فى البيت بعد أن يخسر العمل الذى قضى فيه عمره.. ومن الصعب أن يكون زعيما وهو بحاجة إلى المال.. سيتأثر البيت.. لن يجد الأولاد الطعام..وستبكى امرأته وهى تسأله عن إيجار البيت وفاتورة النور.. والمياه.. مصير أسرته صار بيده ..فيدير رأسه للناحية الأخرى ..لكن صاحب الشركة يعلو صوته وهو يكرر " تكلم ياابراهيم" يرفع رأسه إليه..وتتأرجح كفة الميزان بين تلاقى العيون.
للصمت كما يبدو دوافعه بالنسبة لبطلى قصتا "مراسم الصمت" و"طبة الميزان".. على النحو الذى أظهره مضمون كل منهما.. التحسب لما سوف يكون بعد الحوار..وتوقع"صالح" لعواقبه.. والضرر الذى سيلحق بأسرة إبراهيم..إذا ما تكلم.. لكل منهما ما دفعه إلى التزام الصمت.. من أسباب حتمت عليهما أن يضعاها فى الحسبان.. لكن يجمع بينهما عدم تقبلهما لما يحدث فى واقع معاش واشتراكهما فى رفضه.. وأيضا عدم رضائهما عن هذا الصمت البادى فى داخل كل منهما.. رغم توافر عدم تمسكهما به.. الحوار فى قصة"مراسم الصمت"..والكلام فى قصة"طبة الميزان".. فالحرية كانت مكفولة لهما لكنهما لم ينخدعا بظاهر الحال ..وآثرا تجنب عواقب ما بعدها.. ومن ثم كان التزامهما الصمت..كشىء حتمى يخرج عن دائرة الاختيار.
ثمة دوافع أيضا كانت لبطل قصة"سكة أبو زيد"..الذى ساءه ما يحدث فى الشركة التى يعمل بها ..عمولات وشراء مواد خام منتهية الصلاحية ..وبيع قطع غيار جديدة على أنها خردة..وبيع منتجات ممتازة عتلى أنها درجة ثانية.. وعندما حاول الكشف عن الانحرافات التى تحدث بالقسم الذى يعمل به.. واجهه حائط صد لم يستطع اختراقه.. قال له المحقق" الخطأ ان تقاوم ماليس لك قدرة عليه ..اليد التى لاتستطيع قطعها قبلها"..وهمس له"الموضوع كبير ثم نصحه أن يسير فى سكة أبى زيد ..وأن يحفظ مسالكها..وأن يكتفى بحفظ التحقيق.."المدير مسنود..جهة التحقيق ذاتها لا تستطيع إدانته".. ثم نظر إليه برثاء.."طالبه برد المستندات التى سلمها له تركه ومضى ..حاول إيقافه ..ظلت ضحكته تتناقلها الجدران من حوله"..هرول إلى رئيس الشركة وهو يظن أنه سينصفه..لم يوقفه أحد على غير العادة ..قابله الرجل بسؤال محدد"وأنت مالك..ثم فتح درج مكتبه وأخرج تقاريره السرية كلها ضعيفة".."صرخ: نزوير تزوير..أحاط به الأمن.. صرخ فيهم ليس أنا افهموا..هزوا رؤسا بلا أعين ولا أفواه ولم يأبهوا به" ..ثم حذره رئيس الشركة "عطفا على أسرتك لا عليك سأتركك هذه المرة"..أخبره بأن معه صور المستندات .. فسخر منه" صور بلا أصول ربى أولادك أحسن"..ونقلوه من القسم حتى يبعده عن المسؤلية.. لكنه اعترض"هذا ليس حلا".. فاتهمه بأنه مشاكس ..وأن لديه الحل لأمثاله..ولأنه يعرف الحل المقصود التزم بالصمت رغما عنه..لكنه تواجه فى البيت من ابنه الذى طلب منه حل مسألة حساب..استعان بالأمثلة الموجودة بالكتاب الخارجى..لكنه لم يصل إلى حل لها..طلب منه سؤال مدرسه الخصوصى..أخبره بأنه هو الذى أعطاها لهم..ثم عرف من أحد زملاء ابنه بأن أباه يقول أن المسألة خطأ..عندما استعصى عليه حل المسألة ..كان يؤمن إيمانا راسخا أن لكل مشكلة فى الكون حلا..وما عليه إلا إعمال فكره ليصل إلى الحل.. لكن باكتشاف الخطأ ..تأكد أن المسألة خارجة عن نطاق المألوف.. وإيجاد الحل لها لابد أن تكون منطقية المنهج ..لأن مابنى على باطل فهو باطل..وهو ما ينطبق على صمته إزاء ما يحدث فى الشركة ..ولأنه كذلك ..كان عليه أن يجد الحل..ومن ثم توصل إلى أنه لن يلتزم الصمت..وسيتكلم.
لكن "عزيز" بطل قصة" دوى".. الذى استطاع أن يصل إلى منصب المدير بطرق ملتوية.. فاجأه"صالح" رئيس المكتب ..بإضافة مسلك مستهجن لم يكن يتوقعه.. فبدلا من أن يلقاه بالترحاب.. قابله بالبصق فى الهواء.. ووجد "عزيز"فى انتشار هذا الخبر أنه سيصبح أضحوكة إن لم يأخذ حقه بيده.. وبالفعل بدت له السخرية فى تصرفات الساعى عندما أحضر له القهوة..وتأكد أن الأمر ليس صدفة.. فقرر الرد على رئيس المكتب بما يتناسب مع فعلته.. واستعد لمجابهته..لكنه تلقى منه بصقة طائرة تجاهه بلا رزاز ..وكان عليه أن يبذل أقصى طاقته ليخفى انهزامه حتى لايشعر أحد بلذة الشماتة فيه.. ويريد منه أن يخرج من كهفه ليرى ويفهم ويقتنص..ولا يظل عائما فوق ركود الكلمات البالية..بينما "صالح" يرى فيه أنه تسلق الجبل بطرق ملتوية لايجيدها هو.. ويقرر "غزيز" أن يثأر من "صالح"..ويجعل لسقوطه دوى..فدعاه إلى مكتبه ليحصل على شهود ضده إذا ما كرر فعلته.. وإذا لم يفعلها فسيفعلها هو ويرد له الصاع صاعين..لكنه يفاجأ بعدم استنكار العاملين لما بدر من "صالح".."وصرخت عيناه أنها مؤامرة"..لكنه استشعر نفسه قزما بالنسبة له ..وعندما رأى الصورة بجواره ألقاها أرضا.. وأخذ يدق عليها وينظر إلى "صالح" بتشف.
أما "فاطمة" بطلة قصة" الجرم".. فقد وجدت نفسها فى مواجهة لم تكن تدرك عواقبها..فبعد أن مات زوجها ..كان عليها أن تعمل لتوفر احتياجات بيتها..ومصاريف مدارس أولادها.. فحملت بضاعتها.."من الجبن والسمن والفطير" لتبيعها.. لكنها فوجئت بهجوم أفراد قوة الإزالة يطاردون الباعة وهم يهربون منهم.. وبدا الأمر غريبا بالنسبة لها..وتساءلت عن سبب هروبهم..وعن جرمهم الذى ارتكبوه.. فقد اقتحموا الأزقة والحوارى..وجمعوا ما وصل إلى أيديهم من بضائع الباعة الجائلين.. ثم اقتادوها معهم بعد أن أخذوا بضاعتها.. قبل أن تبيع منها شيئا.. ولم يشفع لها صراخها بأنها لم تفعل شيئا.. وبأن أولادها وحدهم فى البيت..ولن يعرفوا ماذا جرى لها.. ثم لم تتحمل ماتعرضت له من سب وضرب..وردت على إهانتها بسب من اعتدى عليها وسط ذهول من معها.. واستطاع أحد الصحفيين تصوير واقعة الاعتداء عليها..لكن انتابها الرعب وهى داخل الحجز الذى اقتيدت إليه مع غيرها.. عندما رأت الضباط..وظنت أن وقت القصاص قد حان.. فندمت على ما بدر منها ..وحاولت أن تتقهقر للخلف عندما أمروها بالخروج.. فدفعها من كانوا معها للأمام ..وتقدمت وقلبها يرتجف..حيث بدا لها الرجل عابس الوجه ..وبجواره الصحفى يحمل جريدة بها صورتها وهو يصفعها ..ففتحت فمها دون كلام.."بينما الحشد يدفعونها أمامهم ويسيرون".
بينما "فاطمة" بطلة قصة " وجه النهار" وهى إحدى بائعات السوق ..لم يكتف "عاشور" فتوة السوق بما يفرضه عليها مع غيرها من أتوات وأرادها لنفسه.. فطلب من زوجها أن يوافق على أن تعمل فى بيته..ويعطيها ضعف ما تكسبه.. فقرر الهرب بها وصوره بالعجز أمامه هو ورجاله.. لكنها تثنيه عن الاستمرار فى رحلة الهروب ..لأن الرحيل عن السوق ليس هو الحل.. وإنما الحل يكون فى مواجهته..وتؤكد له أنها ستستطيع ذلك..فيحاول التغلب على ضعفه ..ويعود معها متمسكا بالوقوف بجانبها.
وبدا انتحار "خليل" بطل قصة"جذوة".. يعامل زوجته كموظفة برتبة زوجة.. شاركته الحياة..وأنجبت له الأولاد.. ومضى بهما العمر إلى أن زهدها ..ولم يرغبها بعد أن فقد إحساسه بها.. حاول أن يرضيها..لكنه عجز.. و"فقد قدرته بين ساقيها".. فامتنع عنها..وأبت هى أن تطلب منه.. فرضى كل منهما بالأمر الواقع ..وانفصلا سلميا بلا اتفاق سوى الصمت.. واستمر انفصالهما الجسدى لسنوات..كانا يتعاملان خلالها بحذر .. وحبس هو مشاعره بداخله إلى أن فجرتها جارتهما "سعاد".. بعد أن دخل شقتها كمدرس يعلم صغارها الآداب.. وجد فيها طوق النجاة الذى جاء فى وقته.. وعطاء فى وقت جدب.. شعر معها انه رجلا من جديد..نعم برحيق الرغبة واستشعر لهفة الحنين..وعلمته الحب بعد أن تقدم به العمر..طلب منها أن يلتقيا بعيدا عن البيت والعيون الصغيرة المترقبة.. لكنها أكدت له "أن المكان الوحيد الآمن هو شقتها".. وصدقها صاغرا لكون زوجها مسالم معه ويراه فاضلا له ولزوجته..ويقطتع من وقته لأجل الصغار ..ومن أجل الجيرة..يعلمهم بلا أجر.. لكن زوجته واجهته معترضة.."إذا كنت لاتفكر فى فهذا ليس بمشكلة..لكنها حليلة جارك".. أخبرها بأنه سيطلقها منه..وظل فى تماديه مع جارته إلى أن تنمرت له.. وأخبرته بأن زوجته افتعلت معها مشاجرة ليقاطعها وتمنعه عنها.. ووجد هو أن زوجته تريد أن تحرمه من اللحظات القليلة التى يشعر فيها بذاته.. ومن المرأة الدافئة....والرحيق الطازج..والنشوة الفريدة.. فاندفع إليها وبادرها بالصفعات والسباب..لكنها واجهته فى تحد وشعر برعب مفاجىء من حدة نظراتها وهى تحول بينه وبين الاعتداء عليها ..صرخ مذعورا وحدق فى وجهها ..وتجمع الأولاد.. وزادت مساحة الحيرة والارتباك لديه..نظروا إليه فى صمت..وبلا احترام أو خوف..واعترضوا عندما طلب منها الخروج من البيت .. فترك هو وقرر ألا تبقى على ذمته..ثم هرول إلى جارته ليخبرها بأنه سيطلق زوجته.. وطلب منها أيضا أن تطلب الطلاق من زوجها..لكنها ردت عليه بجفاء"لن أترك زوجى".. ولم تبال به عندما تضرع إليها وحاول أن يدخل ليتفاهم معها ..وردت عليه بتفس الجفاء.."زوجى أمرنى ألا أدخلك الشقة فى غيابه".. فهبط السلم كالفأر المذعور ودموعه تغطى عينيه.. تساءل عن سر تغيرها وهو يعود إلى ركنه المهجور..ليعيش فيه وحيدا صامتا وحائرا ومذهولا.. وعندما تماثلت له زوجته ظنها أتت إليه شامتة فيه.. لما يعانيه من شقاء ومرارة الوحدة وبرودتها وانكساره أمامها.. طلب منها الابتعاد لأنه يكرهها ..اقتربت منه واعترفت بخطئها..وأخبرته بأنها تريد أن تنقذ ما تبقى من عمرها ولا تريد للجذوة الباقية أن تنطفىء.. وضمته إلى صدرها..فأخذ يشكو لها تعبه.. لكنه تنبه إلى عدم وجودها معه.. وإلى الفراغ والقهر اللذان يحيطان بأنفاسه.. وزاد إحساسه بالقهر عندما فتح النافذة وتماثلت له جارته ..وقد وجدت آخر..صغيرا عنه وأجمل منه وأقوى.. يعطيها ماتريد ..ويمنحها شبابه بقوة وبلا خوف.. وهى بين ذراعيه تتأوه له وتناجيه.. بحث عن مهرب منها ..فطارده صوتها.."تتضخم التأوهات المتمتمة ويعلو غنجها".. ومع فواصل التأوهات اندفع بجسده إلى الأمام إلى أن هوى جسده فى الفضاء الفسيح..وشقت صرخته المقهورة قلب الليل قبل أن يسود الهدوء كل شىء.
وفى قصة" عنكبوتة".. بدا "ياسين" يسهر الليل فى الحانة..ثم يعود إلى البيت آملا أن تكون زوجته فى ملكوت النوم..فلا يقع بين مخالبها.. إلى أن وجد جيرانه فى البيت يطاردون رجلا ذات ليلة وهو عائد من سهرته.. وعرف منهم أن امرأة تستغفلهم معه.. وتماثل له الرجل كشبح وهو "يهرول نحو بيت جانبى مظام المدخل ويختبىء فيه".. لم يهتم بالأمر..وأشاح لهم بيده ومضى متوغلا فى الظلمة.. لكنه توقف وتساءل ماهية تلك المرأة التى تستغفلهم.. وبدت له أنها "أكيد جميلة وتستحق المغامرة".. وأراد أن يعرف من هى فعاد إلى الرجل المطارد فى مخبئه.. فارتعد منه..وظن أن وراءه آخرين..لكنه أكد له "لم ألمسها.. كانت نزوة.درس.توبة والله".. وهرب من إخباره عنها وكيف عرفها.. فيمكنه من الفرار على أن يفهم منه الأمر فيما بعد.. وهمس له وهو يشد على يده"أنت رجل عظيم"..أكمل سيره إلى البيت ..ثم توقف وهو يندم لضياعه فرصة ذهبية .. فى أن يكون هو الوحيد الذى يعرف كل شىء..لكنه ما لبث أن تقدم بعد أن رأى أن الأمر ليس مهما إلى هذه الدرجة..وانتبه إلى باب الشقة مفتوحا..ظن أن زوجته أيقظها الصراخ.. فقرر ألا يصمت لها إذا ما استقبلته بما تعوده منها.."البيت ليس لوكانده..إذا كنت رجلا عد من حيث أتيت"..فسيدفعها بكلتا يديه ..ويأمرها بأن تصمت ..وإذا زادت فالويل لها.. لكنه رأى "عيناها حمراوان..وشعرها مهووش فوق رأسها ..وخدودها المتورمة مكسوة بسيل من الدموع"..وحولها بضع نسوة ..ظن أن شيئا قد جرى للأولاد..لكن إحداهن أخبرته بأن لصا حاول سرقة الشقة وتم ضبطه..تذكر المطاردة وسببها فاتجه إليها بنظرات ساهمة وأخذ يتأملها ..و"انسل إلى أذنيه همس إحداهن لصاحبتها " ألم أقل لك أنه سكير لن يعى ما كان"..هم أن يجيبها ..لكنه عاد وتذكر ماحدث بينه وبين الرجل المطارد..فاستدار خارجا إلى الطريق فى صمت..ورفع رأسه لأعلى وبكى.
وبعيدا عن خيانات الأزواج..تبدو قصة" العودة إلى الداخل".. ببطليها "الزوج والزوجة".. ومحاولة فرض المساواة من خلال كلمات الزوجة.."أنا مثلك فى هذا البيت..لى مرتبى..ولى كيانى..و..و..الخ".. ويحدث الخصام بينهما لعدة أيام يصبح البيت فيها لايطاق.."هو فى جانب وهى فى آخر..والأولاد بينهما حائرون".. فيذهب إليها فى عملها ليصالحها..ثم يفجأ بها فى المكان الذى شهد قديما أحلى ذكرياتهما.. تقتحم عليه جلسته ..وتعتذر له..وتطلب منه أن يسامحها.. وتكشف له بكلماتها عما بداخلها من مشاعر وأحاسيس..مما جعله يرد عليها بكلام نسيه من زمن.. ويسعده أنها تخلت عن سبب خلافهما.
وفى قصة "انات وتر مشدود"..يبدو "محمود" على خلاف مع زوجته بسبب الدروس الخصوصية..فابنهما "هشام" غير مبال برسوبه فى مواد عديدة فى نصف العام.. ويتعلل برفض جاهز هو رفض "محمود" للدروس الخصوصية..ثم يترك البيت ويذهب إلى خاله الذى يعلق عودته على شرط أخذه الدروس الخصوصية.. بينما يرى"محمود" أنه لو أخذها سيدمنها فى حياته ..ولا يريد أن يخضع لاشتراط ابنه عليه.."إما الدروس الخصوصية أو السقوط فى الامتحان".. وتناصره أمه فى ذلك..وتصف زوجها بأنه من عصر قديم..وتنبهه بعدم اعترافه بها رغم أنها تعيش بينهم.. وإذا كان لايعرفها فالكل الآن يعرفها..ورغم أنها معلمة ومربية وتعد دروس طلبتها ..إلا أنها تطلب منه عدم معاقبته لتركه البيت وتنفيذ شرطه.. فيغادرها إلى بيته الأول.."بيت العائلة الذى أوغل فى القدم ..وبفعل الإهمال سكنه التراب وانتشرت فيه رائحة العطن.. لم يجد عيبا فى أن يصير جزءا منه ..وتنسم فيه رائحة الذين مضوا ورحلوا ولم يعد لهم وجود.. حيث تذكر غلطته التى لم يغفرها لها أبوه.. ولم يقبل منه تبريره بأنه تأخر فى العودة إلى البيت..بسبب أن والد زميله كان يحكى لهم عن تقاليد وعادات زمان.. وصرخ فيه " من لايحترم هذا البيت لايدخله"..كان حازما فى مواجهته..ولم تستطع أمه أن تهدىء من ثورته كما اعتادت.. ولم يكن منه حينها إلا أنه هز رأسه المنحنية أمام أبيه ..ليؤكد له فى صمت أنه فهم ما يقصده..وتؤكد عليه أمه "أبوك ياولدى كلامه لازم يمشى".. يصرخ فى زوجته أن تسمع كلام أمه لتتصرف مثلها..لكنه تنظر إليه شذرا وتدير لها ظهرها وتمضى..يسرع خلفها يناديها ..فيتردد صدى صوته مشبعا بالرطوبة ..ويعيده من استحضار الماضى وما تماثل له فيه..فيغادر مهد القديم متثاقلا ..ويهمس بالدعاء لأبيه وأمه..ويقرأ الفاتحة ترحما عليهما.. وبعدها يواجه "الطريق والزحام والليل الممتد بلا حدود".
أما بطل قصة "العكاز" فيعيش على ذكرياته التى جمعت بينه وبين زوجته قبل موتها.. رغم تقدمه فى العمر ..وأصبح يستعين بالعكاز فى تحركاته.. فالحجرة التى شمت ريحها من قبل "مازالت كما هى لم يتغير فيها شىء"..وكل الأشياء التى كانت بها لاتزال فى موضعها..وكلما تواجه مع صورة زوجته تماثلها مثلما كانت فى شبابها .."بعينيهات المبتسمتين ..والألق الذى شده إليها ..وقسماتها المنبسطة الراضية ..وفى شيخوختها بوجه متغضن لكنه يحمل قسمات طفولية محببة ..كثيرا ما تحسه حال حياتها ..لكنه صار إذا ما أراد ذلك "أحس برودة الزجاج تتخلل أصابعه..وينتبه للشريط الأسود على إطارها ..فينزلق منه العكاز ويبكى على فراقها.
وفى قصة "المنحدر" يبدو "فارس"زوج الأم بعينى بومة ترقبان عن بعد..وحاسة سمع عالية وكأن له أذن وطواط ..يتلون أمام الناس.. يبدى ارتياحه بالحارة وأهلها.. ويبذل المستحيل ليراه الناس فى أحسن صورة..يصرف ببذخ أمامهم ..ويحرص على أن يروه فى صورة زوج الأم المثالى..والذى لايشكو منه أبناء زوجته.. وكل ذلك عكس حقيقته .. ففى داخل البيت يده مغلولة ..ويتفنن فى أساليب عقاب الأبناء وهو يبتسم..ويتهرب من إنفاقه عليهم.. تنفرج أساريه أمام الناس.. وإذا " ماجالس نفسه تبدو عينيه جاحظتين يتطاير منهما الشرر".. ولذلك تدعو الأم ولديها إلى الحذر منه..وتبرر قبولها به بأنه تم فرضه عليها بمقولة أنه رجل يسترها ويربى أولادها.. لكن بطل القصة وهو أحد ولديها يتعجب من حياة الفقر التى يعيشها فى وقت يتعدد الإعلان عن الاهتمام برعاية محدودى الدخل والفقراء..ويضع حدا لتلون زوج أمه ..فيتشاجر معه ويكشف للجميع عن حقيقته..مما يدفعه إلى الانتقال بهم إلى حارة جديدة ..لكنه يمضى بهم إلى أرض فضاءوخلاء ممتد يسوده صمت حانق.. ويصل بهم إلى منحدر صعب أجمع أهل الحارة على التحذير من الاقتراب منه.. فينزع بطل القصة يده بينما يبدو شقيقه يسير فى صمت وكأنه معصوب العينين.. فيلوم أمه على صمتها..ثم يتوقف عن السير فى مكانه .. ويستمد شجاعته من أمه وأخيه..ثم يواجهه بلا خوف"لن ننزل معكهذا المنحدر".
ويبدو زوج الأم أيضا فى قصة" طيف منصور".. حيث يعانى بطلها من بخله وقسوته التى تفوق احتماله.. وسبه لأمه أمامه ليغيظه..ويزجره كلما رآه.. ورغم ذلك كا يجبره على أن يناديه"بابا".. فترك المدرسة واختار مكانا فى أرض فضاء بنى فيه عشة..جعل منها مرقده بعد انتهاء عمله بالمقهى ..وتعوده أمه ليلا ومعها العشاء..وتطلب منه أن يعود معها..ويرجع إلى مدرسته..وأن يرضى زوجها من أجلها.. ويسمع كلامه.. وتكرر عليه ما قالته له مرارا بانها تزوجته بعد أن ألح عليها وقال لها "لن يربى أولاد أخى المتوفى إلا أنا".. لكنه استمر يرفض ما تطلبه منه ..إلى أن اشترى صاحب المقهى الأرض ..وأخبره بأنه لن يطرده من العشة التى بناها عليها.. وفى مقابل لذك عليه أن يزعم أمام الناس ..أنه رأى طيفا طائرا هبط من الفضاء إلى الأرض.. وتحدث هو مع الرجال الذين كانوا معه.. لتصير الأرض حديث الناس..وإذا ما عرضها للبيع سارعوا بشرائها.. فوافقه على ذلك وأوهم أمه بحدوث ما زعمه.. واستخدمها كمذياع متنقل ما أوهمها به..فجاء بائع الأرض لصاحب المقهى ..ودعاه إلى بيته..وجلس مع زوجته وبناته ليحكى ما جرى له.. مما جعله يلعن نفسه لتفريطه فى الأرض المباركة..واستغل صاحب المقهى الذى اشترى الأرض اهتمام الناس بما سمعهوه من "منصور" بطل القصة فى افتتاح صالة الأطباق الطائرة ..ليسمعوا حكاياته نظير ثمن اغتبره كرزق ساقه الله إليهم..وحضر العمدة ليلة الافتتاح بعد أن قام بقص الشريط.. وقامت جماعة من الصحفيين بتغطية الخبر ..وتحولت حياة البطل "من طريد يبحث عن مأوى بعيدا عن زوج أمه.. إلى إنسان مشهور تتسابق إليه أجهزة الإعلام.. وأكدت مزاعمه لجنة من خبراء الفضاء الغربيين ..وطلبوا منه السفر إلى أمريكا.. وعندما انتشر الخبر فى وسائل الإعلام انهالت عليه العروض التجارية ..وعرضت عليه بعض الشركات السينمائية شراء قصة حياته.. لكنه أجل كل شىء لحين عودته من أمريكا ..فاختلفت رؤية صاحب المقهى له..وهنأها بالنجاح الذى هو من صنعه..وبشره بأنه سياسفر معه..فضحك منه..ثم تركه ومضى ليكمل التحضير للسفر.
وفى قصة" حصار".. يواجه بطل القصة من يداهمه فى بيته بشراسة ..ويعانى من متابعته له ..دون أن يعرف ماذا يريد منه....ولماذا يفعل معه ما يفعله.. ..حاول الهرب من البيت فاكتشف وجود غيره خارج البيت وداخله.. ولا يعرف من حرضهم وما هو هدفه.. صعد إلى السطح..رأى "عيونا متلصصة تطل من خلف النوافذ والأبواب.. عيون حذرة.ترقب.تنتظر".. فكر فى التخلص من ذلك الحصار .. فحمل السكين وهرول إلى الباب....لكنه اكتشف أنها أقل من أن تفى بالغرض.. كما أن العصا الغليظة لاتفيد كذلك.. ومضت فى رأسه فكرة الاستعانة ببندقية والده القديمة.. لكن حدث مامنعه من الضرب.. فكر أن يترك البيت ..فاجأه خاطر أن يكون هدفهم هو البيت.. ويعطونه فرصة للفرار للاستيلاء عليه.. ولو تركه ومضى فمن الذى سيخرجهم منه إذا ما دخلوه.. فجهز البندقية وأطلق رصاصها نحو رأس الرجل الذى ارتمى أرضا بلا حراك..أشار البطل بيده علامة النصر.. لكنه وجد آخر يأخذ مكان الذى مضى ..وظل الأمر على ما هو عليه.. وكان عليه أن يجد الحل.. فكر فى العيون المتراصة خلف النوافذ والأبواب.. ولمح فيها الاهتمام والتعاطف إلى درجة التوحد.. وظن أنه إذا استصرخهم قد يتحركون.. لكن عدم تحركهم من قبل جعله يشغر بشعور مقبض ..وانتبه للضجيج خلف الباب..ورأى حركة استنفار الرجال المحيطين بالمنزل.. فحمل البندقية وتربص وسط الردهة..اهتز الباب بعنف.. كان لديه أمل أن تدرك العيون المتلصصة الأمر وتستوعب الموقف جيدا..وأن تتحرك قبل فوات الأوان.
يبدو من خلال ذلك تنوع قصص المجموعة حيث يبدو بطل قصة"ثمن الكشف" المريض الذى صدق مايشاع عن الطبيب المشهور ..وقرر أن يعرض عليه حالته ليعالجه مما يشكو منه.. وتغلب على مغالاته فى قيمة الكشف..بالاتفاق مع زملاء العمل "على عمل جمعية".. يقبضها أولا ليتمكن من توفيها ..وليدفع ثمن الكشف بالتقسيط..دون أن تتأثر ميزانية البيت..واستقبلته فى العيادة فتاة نظراتها حادة..كأنها تريد تفتيش المريض قبل أن يقترب منها..وتجعله يبرز نقوده على الفور.. ثم ينتظر فى صالة يشيع فيها الجو الكلاسيكى إلى أن يحين دوره.. ويستقبله الطبيب بوجه بشوش ويرحب به.. ويستمع منه لشرح حالته ..ثم يكتب له روشتة العلاج دون أن يقوم بالكشف ..أو تفحص الجسد كما يشاع عنه.. فيستكثر البطل قيمة الكشف شديدة الغلاء..مقابل دقائق ثلاث..وحاول استردادها من الممرضة..بعد أن استلمتها من مريضة.. معللا ذلك بأنته لم يتم الكشف عليه..ويخرج الطبيب بعد سماعه المشادة التى حدثت ..وينهى المشكلة بدغوته للكشف.. لكن البطل يساوره الشك فيندفع قائلا له:" خذ ورقتك لكن الفلوس لأ".. فيخبره بأن الفلوس لم تعد له وأنه سرقها ..لكنه لم يهتم ويحاول الخروج..فتقوم الفتاة بسد المدخل أمامه ..ويشمر الطبيب أكمامه.. ويبدو أنه لن يستطيع التفلب عليه ..بينما المرضى حولهم يتفرجون.
وبصورة مغايرة يبدو "الطبيب" بطل قصة" أصوات من زجاج".. الذى يعيش على السماح بنقل الأعضاء من إنسان لآخر.. فإذا كانت الأبحاث والدين والعادات مايبدى أن الانسان نافع فى حياته وبعد مماته.. فالمنطق والتقالايد يتعارضان مع ذلك.. ولو انتشر الأمر سيفتح الباب لسرقة الأعضاء من خلال "جريمة مقنعة بقناع العلم
من خلال ما سبق ..يبدو تنوع المضامين التى عرض له الكاتب..على بساط الواقعية النقدية التى جمعت بينها.. متخذا من بساطة اللغة التى اعتمد عليها ..سبيلا للتعبير عن الإنسان العادى..فى حياته اليومية..وإلقاء الضوء على معاناته المعيشية..التى يضطر فيها إلى الاستسلام أحيانا..بفعل الضغط الجاثم عليه..و الإقدام على المواجهة أحيانا أخرى.. بإيجابية يرى أنها ستخلصه من مما يفرض عليه قسرا..ووضع كل ذلك فى أشكال تتناسب إلى حد ما..مع شكل القصة القصيرة..ويتواءم معها..وفى المجمل تبدو قصص الكاتب وتجاربه فيها..كخطوة تحسب له فى سعيه الدائم..لاحتلال مكانته الأدبية فى الوسط الأدبى..بنصوصه التى أثبتت قدرته على الاستمرار..كصوت متميز ..يعمل على إثرائه بتقديم المزيد من أعمالها الإبداعية .

**********************

السيد الهبيان


w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007